|
إنه لمن الضروري أن نحاول التقريب بيننا نحن المسلمين في ظل وجود القوى المترابطة
لأعدائنا وفى ظل القوى المترابطة لغير المسلمين في العالم كله ،
وإنني أحاول في هذه الكلمات أن أتكلم عن كيفية التقريب بيننا .
وفى البداية فإن هذا التقريب لابد وأن يقوم على البحث والدعوة إلى الأمور الآتية :
(1) التقريب بيننا وبين مذاهبنا الإسلامية ، كسنة وشيعة ، ومذاهب وطرق داخل أهل السنة [كوهابية وصوفية وسلفية ] ، حتى وان كانت هذه المذاهب تمس جوانب سياسية
كالإخوان المسلمين وغيرها ، فالتقريب بيننا ضروري وحتمي ، وقد سعت بعض المؤسسات
الإسلامية لهذا التقريب ـ كدار التقريب بين المذاهب الإسلامية
بالأزهر وتجمع العلماء المسلمين في لبنان ـ كما سعت للوحدة بيننا ،
إلا أنه مازال بيننا فرقة ومازال بيننا بون شاسع ومسافات يسعى أعداء
الإسلام الى تطويلها فببث الفرقة بيننا نجحوا .
فإلى متى سيظل بيننا ـ نحن المسلمين ـ هذا البون الشاسع ، ومتى سنعي أن في فرقتنا الضياع
للأمة ، وان وحدتنا فيها النجاة ، ومتى سنعلم ان كلا منا يتميز بمزية ليست فى الآخر ، هذه المزايا تجعل
الأمة تكتمل ، وتجعل العدو يخشى منا أن يقترب ، فكما كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينصر بالرعب ، فإن أمته كذلك إن توحدت ، يلقى الله
في قلوب الذين كفروا الرعب .
(2) العمل على صهر ما بيننا من حواجز تجعلنا نجتمع حول هدف واحد رئيسي أصلى ، مع الاقتناع والتسليم بما بيننا من خلافات فرعية ، فهذه الحواجز
التي اصطنعها اليهود ومن عاونهم ـ على مر العصور ـ لابد أن تزال ، وهذا الحواجز تعتبر معوقات
أمام وضع منهج موحد لفهم الدين ، لان كل مذهب من المذاهب الإسلامية ـ السياسية
أو الفقهية ـ سوف يتمسك بمنهجه ويدافع عن مسلماته وقضاياه ، وسوف يطول الجدل بيننا فتكثر الحواجز وترتفع ،
والأمم من حولنا تتقدم وتتوحد .
فاليهود الآن يحاولون صهر ما بينهم وبين النصارى من خلافات [ الكفر ملة واحدة ] ، وهما دينيان مختلفان ، فحاول اليهود والنصارى ـ
في هذا العصر ـ أن يجتمعا وان يبتدعا دينا واحدا يجمع بينهما ، والذين لم يوافقوا على ذلك حاولوا صهر الخلافات بين الدينين بغرض الوصول
إلى القوة . فما بالنا نحن لا نجتمع على كلمة واحدة وديننا واحد . ألا يستحق ذلك أن نصهر ما بيننا من حواجز ؟
(3) أن نبين للناس أن ديننا الإسلامي دين واحد ، يدعو إلى إله واحد ، ويستقبل أفراده قبلة واحدة ، ويقر أفراده
بنبي خاتم واحد ، وبقرآن نزل من عند الله ، يتعبدون كلهم بتلاوته ويعملون بما فيه من أوامر ونواه .
وإن هذه الأصول لا نختلف فيها ، وندور كلنا في دائرة الإسلام ، وأما ما بيننا من خلافات
في أمور فرعية فإنها لا تؤثر على الأصول ولا تخرج أحدا منا عن دائرة
الإسلام ، وإننا لسنا كأتباع الأديان الأخرى الذين يختلفون في أصولهم ، فالنصارى منهم من يقول بالتثليث ، ومنهم من يقول : إن الله هو المسيح ابن مريم ، ومنهم من يقول : عيسى ابن الله .
أما نحن فلا نختلف في الأصول ، واختلافنا في الفروع ضروري وحتمي ، وأراد الله ذلك رحمة بنا .
فلابد أن نزيل من عقول المسلمين الظن بأننا مختلفون في العقائد والأصول ، وان نبين لهم ان
الأصول عندنا واحدة .
(4) العمل على بيان الأسباب التي أدت إلى اختلاف علماء الأمة في الفروع ، وبيانها للناس ، وان ذلك الاختلاف بسبب اجتهاد علماء
الأمة . وقد نشأ هذا الاختلاف في الرأي نتيجة لاختلافهم في مناهج البحث وطرقه ، فقد يعتمد بعضهم من السنة ما لا يعتمده الآخر ، وقد يعتمد بعضهم من أقوال الصحابة ما لا يعتمده الآخر ، وقد يكون هذا الاختلاف نتيجة للأخذ بالقياس
والإجماع ، وقد يكون نتيجة لاختلافهم حول دلالات الألفاظ والأساليب الواردة
في القرآن والسنة ، فهناك العام والخاص والمطلق والمقيد من الألفاظ ، كما
إن هناك الألفاظ المشتركة.
ثم إن هذا الخلاف لم يكن بين الأئمة الإعلام فحسب وإنما كان أيضا ـ قبل ذلك ـ بين الصحابة أنفسهم ، فقد اختلفوا
في بعض الأحكام بعد أن لحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق
الأعلى ، وهناك مواطن كثيرة تبين اختلافهم ، ولكن قلوبهم كانت واحدة . من نماذج اختلافهم: اختلافهم فى المفقود ، فقد قال على
رضي الله عنه بأنه لا تتزوج امرأته ـ وهو ما أخذ به الأحناف ـ بينما قال عمر : تتربص امرأته أربع سنين ـ وهو ما أخذ به مالك ـ .
ومنها اختلافهم في ترك التسمية في الذبح ، فقال على وابن عباس رضي الله عنهما : إذا كان ذلك عمدا لا تحل الذبيحة ، وان كان نسيانا تحل ـ وهو ما أخذ به
الأحناف ـ وقال ابن عمر رضي الله عنه : إن ترك التسمية ناسيا يحرم عليه أكل الذبيحة ـ وهو ما أخذ به مالك ـ .
ومنها اختلافهم في الحامل إذا توفى عنها زوجها ، فقال ابن مسعود وأبو هريرة : إن عدتها وضع الحمل ، وقال ابن عباس وعلى
رضي الله عنهما : إن عدتها أبعد الأجلين .
ومنها اختلافهم في حجب الجد للإخوة كالأب ، فقال بالحجب الصديق وعائشة والحسن
البصري ، وقال بالمقاسمة بينه وبين الإخوة الأشقاء أو لأب عمر وعثمان وعلى وابن مسعود
رضي الله عنهم أجمعين
وهكذا اختلف الصحابة ، ولكن هذا الاختلاف في الفروع لم يجعلهم متفرقين يسب بعضهم بعضا ، ويرمى بعضهم بعضا بالكفر أو الفسق ، وإنما كانوا متحدين ضد أعداء
الإسلام .
(5) الدعوة إلى عدم تكفير المخالف أو تفسيقه أو تبديعه ، لان ذلك يؤدى إلى
أن يجنح العوام إلى العصبية ، وأن يتمسك العوام بمذاهبهم بتعصب ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكفير المسلم فقال " من قال
لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه " . فالكفر أمر صعب ، ولا يطلق الا على من أنكر وجود الله سبحانه وتعالى ـ والعياذ بالله ـ أو جحد أسماءه ، أو أنكر شرعة ، أو كذب الله تعالى فيما أخبر به ، أو جحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو كذب بالقرآن ، أو بكلمة منه أو حرف ، أو أنكر البعث أو القدر ، أو جحد معلوما من الدين بالضرورة ، أو أشرك بالله
في ربوبيته ، أو استهزأ بالله أو آياته أو رسوله .. إلى غير ذلك .
(6) العمل على ترك التعصب لمذهب معين ، فكل المذاهب الإسلامية تجتهد وتحاول أن تصل
إلى مراد الله ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمجتهد مأجور ، وعلى العوام
أن يتبعوا أحد المجتهدين دون تعصب ، ودون أن يدعى كل واحد منهم أن مذهبه هو الحق ، وأن غيره غلط ، وخارج عن نطاق العمل .
فقد اشتهر على ألسنة العلماء الأئمة الأعلام قولهم : رأينا هذا صواب يحتمل الخطأ ، ورأى غيرنا خطأ يحتمل الصواب .
والمشكلة تنشأ من تعصب العوام والمتبعين للمذهب ، فقد اشتهر عن أتباع أحمد بن حنبل تعصبهم الشديد
الذي أدى بهم الى نفرة الناس عنهم ، واضطرار الجهات المسئولة أن توقف من
أعمالهم ودعوتهم .
وأتباع ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب بالرغم من أن كلامهم يدور حول عدم التعصب
لأحد المذاهب ، ولا يحبون سماع احد يقول أنا حنفي أو انا شافعي أو أنا
مالكي ، إلا أن جلهم أشد تعصبا لابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب من غيرهم .
(7) العمل على بيان فضل العلماء الأولين الذين أسسوا الفقه وسجلوا المسائل والاجتهادات ، وأسسوا العلوم الشرعية ، ولم يتركوا لمن بعدهم الا قليلا من التنقيح والتحقيق والترتيب والتنسيق والتعليق والشرح وقليل من الاجتهاد .
فهؤلاء العلماء اتفق الناس في كل عصر على إتباعهم ، وعلى الاقتداء بهم ، وعلى أنهم مجتهدو الأمة بإطلاق ، ولا تجتمع أمة المسلمين على ضلالة .
واتفقوا على أنه لم يكن فقيه من لم يطلع على كتبهم ، ويتتلمذ على علمهم .
وأولهم أبو حنيفة الإمام الأعظم ، الذي أخذ عن زيد بن على ( إمام الزيدية ) والذي أخذ عنه وعن تلاميذه
الإمام الشافعي ، واخذ عنهم وعن الشافعي الإمام أحمد .
وكذلك الإمام مالك الذي أخذ عنه الشافعي .
وكذلك أصحاب أبى حنيفة أبو يوسف ومحمد الذين شهد لهم العلماء في كل عصر بالتفوق والاجتهاد .
فإنه من الجحود أن ننكر أعمالهم ، وان ننكر اجتهاداتهم ، وان نمشى مع الذين يدعون أنه من الممكن أن نبدأ العلم بعدهم ، فلا بداية بغير أساس ، وهم أساس العلم والفقه .
(8) أن نبين للناس ان الخلافات المذهبية لابد منها ، لان أدلة الأحكام ليست فى درجة واحدة من ناحية الثبوت ، فهناك أدلة قطعية الثبوت ، كآيات القرآن الكريم جميعها ،
والأحاديث المتواترة ، وهناك أدلة ظنية الثبوت ، كأحاديث الآحاد .
وأدلة الأحكام أيضا ليست في درجة واحدة من ناحية الدلالة ، فهناك أدلة قطعية الدلالة (
أي ليس لها سوى معنى واحد ) كآيات القرآن الكريم التي تتعرض للعقائد والتوحيد وفرضية الفرائض ، وهناك أدلة ظنية الدلالة (
أي ليس لها معنى واحد متفق عليه ، وإنما لها أكثر من معنى ووجه ) وذلك كثير فى القرآن الكريم والسنة فيما يتعلق بمجال الفقه والشريعة
والأمور العملية ، وانه يكفى في العمل الظن ، ولا يكفى في الاعتقاد
إلا اليقين ، ولذلك فإن مسائل العقيدة مبينة على القطع واليقين ، ولا يقبل فيها دليل
ظني ، بل لابد من الأدلة القطعية اليقينية .
أما المسائل العملية ( وهى المسائل الفقهية ) فإنه يكفى فيها الظن لوجوب العمل ، ولذلك أوجبت شريعتنا العمل بخبر الواحد ، وهو
ظني .
إذن ، فالاجتهاد في الأحكام الشرعية يكون ظنيا في أكثر المسائل ، لان الأدلة أكثرها
ظني من ناحية الثبوت ، ومن ناحية الدلالة ، وهذا ما جعل للفقه الاسلامى مرونة ليست
في غيره من الشرائع .
ولابد ان نبين للناس أن الخلاف في الأحكام الفرعية لا ضرر فيه مطلقا .
(9) الدعوة إلى أن يكون الأزهر الشريف مؤسسة عالمية مستقلة ـ كما كانت قديما ـ ينتخب شيخها انتخابا على مستوى العالم الاسلامى كله .
فقد كان الأزهر قديما يرأسه عالم أزهري من أي جنسية ولا يشترط أن يكون مصريا .
فالأزهر الشريف لا يخص بلدة بعينها وإنما هو ملك لجميع المسلمين بأتون
إليه من كافة الدول الإسلامية والعربية ليتعلموا فيه أصول الدين والشريعة واللغة العربية وعلوم القرآن ليكونوا هداة
إلى الناس في كل مكان .
وكذلك يأتون إليه مستفتين .
(10) الدعوة إلى أن تكون مسئولية التدريس والدعوة والإفتاء والخطابة بالحرم
المكي والمدني مسئولية عالمية ، يقوم بهذه المهام علماء من كافة البلاد
الإسلامية يمثلون المذاهب المختلفة ، وينتخب الإمامان [ إمام الحرم
المكي وإمام الحرم المدني ] على مستوى العالم الاسلامى كله ـ كما كان من قبل ـ .
فالحرمان الشريفان هما مسئولية المسلمين في كل العالم الاسلامى وليس في مكان بعينه . ولذلك
ينبغي أن يكون الرأي في توسعة أحد الحرمين ، أو في عدد الحجاج إلى بيت الله الحرام ، أو
في كيفية التنسيق بين المناسك ، ينبغي أن يكون الرأي لأئمة المسلمين
في العالم الاسلامى ليروا ما هو مناسب وشرعي لعامة الناس ، كما كان
في عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم .
* من علماء الأزهر الشريف
|