تأليف عبد الواحد سعيد المحمود



* مـقــدمــة ..

ظهرت الحركة البروتستانتية في القرن السادس عشر على يد مارتن لوثر في ألمانيا، وجمع صاحبها حوله العديد من الرافضين لتعاليم الكنيسة الكاثوليكية . وحاولت الكنيسة البابوية دفع لوثر إلى التراجع عن محاربة الكاثوليكية .
 لكنها فشلت وراح مذهبه ينتشر في ألمانيا ثم إلى بلدان أوروبا الغربية . ورافق هذا المذهب طلائع الغزاة الجدد لأمريكا . حتى استقر الأمر له وأصبح مذهباً كبيراً في أعداد معتنقيه وكثرة ما فرخ من كنائس إنجيلية اختلفت في تفاصيل العقيدة والتشريع .
 وقد أطلق الأوروبيون على حركة – الرافضين – أي البروتستانت الحركة الإصلاحية الدينية في أوروبا .
 لأنهم اعتبروها رافضة لصكوك الغفران التي كانت تسنها البابوية الكاثوليكية إضافة لرفضها الكثير من تعاليم ونفوذ تلك السلطة المتحالفة آنذاك مع الإقطاع الأوروبي ولكن الحقيقة تقول : إن الحركة المسماة بالإصلاحية ليست سوى إصلاحية في وجه من الوجوه ولكنها مخربة في بقية الوجوه .
 وذلك للأسباب التالية : بالنسبة للمسيحية الأوروبية اتخذت البروتستانتية موقفاً من اليهود أدى إلى بروز التيار الصهيوني في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين .
 فمارتن لوثر اعتمد نصوص التوراة ( العهد القديم ) كمرجع أساسي للتعاليم والتشريع المسيحي . إضافة لذلك ، فقد كانت الحركة البروتستانتية الخطوة الحاسمة في تدمير الكاثوليكية الرافضة لعنصرية اليهود آنذاك . وهذا من المخطط اليهودي الصهيوني الذي يريد تدمير المسيحية من داخلها . فكما دمر الكاثوليكية ، دمر الأرثوذكسية في روسيا على إثر الانقلاب الشيوعي في روسيا عام 1916 م .
 ومازالت آثار البروتسانتية تفعل فعلها في الأوساط السياسية الأمريكية وغيرها ، حيث إن البروتستانتية أفرزت المحافظين الجدد الذين يتحالفون مع الصهيونية وإسرائيل ويعادون العرب والمسلمين .
 قد يندهش القارئ حين نقدم بهذه المقدمة التي ليس لها علاقة من بعيد أو من قريب ببحثنا . فما شأن البروتستانتية بموضوعنا المعنون . الوهابية نشأة مشبوهة ؟ ظهرت الحركة الوهابية كحركة عام 1143 هـ واشتهر صاحبها بعد الخمسين من عمره ، ولعل جميع الدراسات الاستشراقية تصف حركة ابن عبد الوهاب بالحركة الإصلاحية لما كان يظهر عليها من محاربة الناس ، وتناسى الناس الكثير من الوجه الآخر لهذه الحركة،كما حدث تماماً مع البروتستانتية . وللحقيقة يطرح السؤال نفسه ، هل من تشابه بين الحركة البروتستانتية والحركة الوهابية ؟
هل هناك تشابه بين مارتن لوثر ومحمد بن عبد الوهاب ؟ وهل هناك تشابه في النتائج جراء ظهور هاتين الحركتين في الغرب الكاثوليكي والشرق الإسلامي ؟
 إذا اقتصرنا على الظاهر من أمر الحركتين ، وجدنا أنهما تمردتا على الواقع الديني الموجود ونبذت كل أشكال التخلف والهيمنة الدينية البائسة .
 ولكننا إذا أردنا التحقيق الدقيق فيما أتت به الحركتان نجد أنهما حركتان تخريبيتان على المدى المنظور آنذاك وعلى المدى الاستراتيجي ، أي في وقتنا الحاضر .
ما مدى التشابه الحقيقي بين الحركتين ؟ * البروتستانتية رفضت الكثير الكثير من تعاليم العقيدة النصرانية بغض النظر عن موقفنا العقيدي الديني تجاهها . فالبروتستانتية لا تقر البابوية أو الأخرى للسيدة مريم أم المسيح عليه السلام .
 الرئاسة العامة في شؤون الدين ولذلك ليس لكنائسهم رئيس عام كما هو الشأن في الكنائس الأخرى . * تنكر البروتستانتية إنكاراً باتاً جميع ما تقيمه الكنائس .
 * تبرئ البروتستانتية اليهود من دم المسيح ، بل تعتبر كما قال لوثر اليهودية هي السيدة وكلنا حسب قوله عبيد على موائد اليهود . والوهابية لا تقر إلا بالمذهب الخاص بها فتتهم ما عداها من أصحاب المذاهب الإسلامية بمخالفتهم للشرع .
لا تعترف الوهابية بمرجعية دينية اليوم إلا بمرجعية أصحاب المذهب الوهابي .
 وهم آل الشيخ حفدة ابن عبد الوهاب . يتوارثون زعامة المذهب ويتلمذون الأتباع والدعاة على أيديهم وحسب رؤيتهم ومنهجهم . موقف الحركة الوهابية من الكيان الإسرائيلي هو اللا موقف ، حيث ظل غامضاً تجاه قضية فلسطين واليهود .
 أقوى التحالفات بين السلطة السياسية السعودية الوهابية هي مع الولايات المتحدة الأميركية تماماً كما هو التحالف بين الكيان الإسرائيلي والمحافظين البروتستانتيين الجدد في أميركا .
 وإذا نظرنا نظرة معاصرة للحركة البروتستانتية والحركة الوهابية .
نجد تشابهاً كبيراً في أسلوب الدعوة ، في تكفير الخصوم ، في الانقسامات الداخلية داخل كل حركة من الحركتين . على أية حال ، فإن العالم الغربي في أوروبا اليوم ، وفي الولايات المتحدة يعاني من تسلط دعاة البروتستانتية المتحالفة مع الصهيونية حتى العظم .
 ويعاني العالم العربي والإسلامي من الحركة الوهابية ما يعاني بسبب أساليبها الدعوية التي تزرع الفتن بين المسلمين ، وتبعدهم عن الصراع الحقيقي مع المحتلين الصهاينة لفلسطين ومسجدها الأقصى المبارك .
 لقد أثاروا في المجتمعات العربية كثيراً من الإشكالات، وباتوا يناقشون في الشكليات على حساب الأساسيات من الأمور .
وغالوا في الدين حتى أهدر الوقت في نقاش حول طول الثوب وقصره ، وحول حجم اللحية وطولها وكثافتها . وحول زيارة القبور وجوازها أو عدمه , وما من نقاش يثيرونه إلا وفيه تكفير وإخراج من دائرة الإسلام .
 ولعل الأخطر من ذلك كله ، أنهم بفكرهم المضلل دفعوا الشباب المسلم لمحاربة الشيوعية و الإلحاد في أفغانستان وبأوامر من أميركا ، ثم ما لبثوا أن انقلبوا على هؤلاء الشباب وراحوا يعتقلونهم مما أدى إلى انبعاث جيل من الشباب السلفيين لا يؤمنون إلا بالعنف ويرفضون أي نوع من أنواع الحوار .
لقد أدت التربية الوهابية على مدار عشرات السنين إلى انقسامات حادة بين علماء هذه الحركة حتى بات من الواضح أن الكثيرين من العلماء يرفضون رفضاً قاطعاً تسميتهم بالوهابيين .
ومنهم الشيخ سلمان العودة ، والشيخ سفر الحوالي وغيرهما من علماء الجزيرة العربية . المناخ الاجتماعي والسياسي لنشأة الوهابية : من المعروف أن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين شهدا ضعفاً واضحاً في الدولة العثمانية المترامية الأطراف .
وتكالبت دول أوروبا على الخلافة العثمانية وراحت تنهش فيها وتقلصها . وذلك من خلال حروب متتالية في المشرق العربي والمغرب العربي وعلى حدود البلقان وروسيا القيصرية .
 ولا شك أن الجزيرة العربية كانت أكثر أقسام العالم العربي تخلفاً وتأخراً، فقد سادت الحركات القبلية الإقطاعية ، ولم يكن في الجزيرة من موارد سوى تربية الماشية وبعض الزراعات في الواحات والمناطق الجبلية المحدودة في اليمن وعسير وحضر موت وعمان , وظل قلب الجزيرة ، أي نجد والحجاز ، يعيش حالة من التخلف الاقتصادي والاجتماعي لم يسبق لها مثيل .
 ظلت القبلية هي السيد في هذه المناطق ، ورئيس القبيلة زعيم مطلق لا تقيده حدود، وكان تركيب المجتمع البدوي القبلي معقداً بما فيه الكفاية . وكانت السلطة على القبائل الرحل تعود إلى الشيوخ الذين أصبحوا حكاماً بالوراثة في أغلب الأحيان .
 وكان نظام الرق منتشراً بشكل خالف فيه كل تعاليم الإسلام ، خاصة بين القبائل الرحل وبعض مناطق الاستقرار .
 لكن ، أهم ما يلفت النظر في هذا الواقع الهجمات التخريبية والقاتلة التي تشنها القبائل على بعضها ، أو على مراكز المدن والقرى الكبيرة .
في مكة ، كان يحكم الشرفاء ، أي الذين ينتسبون إلى آل النبي صلى الله عليه وسلم، وكان آل رشيد يحكمون في شمال الجزيرة وكذلك كل زعيم عشيرة يحكم منطقة ما كمنطقة نفوذ له ولعشيرته .
وفي هذا الجو ، مهد الواقع المنقسم إلى غزو الأساطيل الغربية لأطراف الجزيرة ، وتنافس الإنجليز مع البرتغاليين والهولنديين على تلك المناطق ، حتى استطاعت بريطانيا أخيراً الاستيلاء على عدن والإمارات والبحرين وقطر والكويت إضافة إلى العراق فيما بعد .
وقد وجد الإنجليز صعوبة في الدخول إلى عمق الجزيرة ، فكان لابد لهم من إيجاد أسلوب آخر للوصول إلى المناطق الداخلية ، فعقدوا تحالفات متناقضة مع شرفاء مكة تارة، ومع بعض القبائل تارة أخرى .
وكان لابد لهم من إيجاد مخرج للسيطرة على الداخل ، فكان ظهور محمد بن عبد الوهاب العلاج الناجح الذي أراده الإنجليز وعملوا عليه حتى استطاعوا تثبيت آل سعود الذين تحالفوا مع داعي الحركة الوهابية ومع الإنجليز على السواء .

 

التالي

السابق