|
ظهرت الحركة البروتستانتية في القرن
السادس عشر على يد مارتن لوثر في ألمانيا، وجمع صاحبها حوله العديد
من الرافضين لتعاليم الكنيسة الكاثوليكية . وحاولت الكنيسة
البابوية دفع لوثر إلى التراجع عن محاربة الكاثوليكية .
لكنها فشلت
وراح مذهبه ينتشر في ألمانيا ثم إلى بلدان أوروبا الغربية . ورافق
هذا المذهب طلائع الغزاة الجدد لأمريكا . حتى استقر الأمر له وأصبح
مذهباً كبيراً في أعداد معتنقيه وكثرة ما فرخ من كنائس إنجيلية
اختلفت في تفاصيل العقيدة والتشريع .
وقد أطلق الأوروبيون على حركة
– الرافضين – أي البروتستانت الحركة الإصلاحية الدينية في أوروبا .
لأنهم اعتبروها رافضة لصكوك الغفران التي كانت تسنها البابوية
الكاثوليكية إضافة لرفضها الكثير من تعاليم ونفوذ تلك السلطة
المتحالفة آنذاك مع الإقطاع الأوروبي ولكن الحقيقة تقول : إن
الحركة المسماة بالإصلاحية ليست سوى إصلاحية في وجه من الوجوه
ولكنها مخربة في بقية الوجوه .
وذلك للأسباب التالية : بالنسبة
للمسيحية الأوروبية اتخذت البروتستانتية موقفاً من اليهود أدى إلى
بروز التيار الصهيوني في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر
الميلاديين .
فمارتن لوثر اعتمد نصوص التوراة ( العهد القديم )
كمرجع أساسي للتعاليم والتشريع المسيحي . إضافة لذلك ، فقد كانت
الحركة البروتستانتية الخطوة الحاسمة في تدمير الكاثوليكية الرافضة
لعنصرية اليهود آنذاك . وهذا من المخطط اليهودي الصهيوني الذي يريد
تدمير المسيحية من داخلها . فكما دمر الكاثوليكية ، دمر
الأرثوذكسية في روسيا على إثر الانقلاب الشيوعي في روسيا عام 1916
م .
ومازالت آثار البروتسانتية تفعل فعلها في الأوساط السياسية
الأمريكية وغيرها ، حيث إن البروتستانتية أفرزت المحافظين الجدد
الذين يتحالفون مع الصهيونية وإسرائيل ويعادون العرب والمسلمين .
قد يندهش القارئ حين نقدم بهذه المقدمة التي ليس لها علاقة من بعيد
أو من قريب ببحثنا . فما شأن البروتستانتية بموضوعنا المعنون .
الوهابية نشأة مشبوهة ؟ ظهرت الحركة الوهابية كحركة عام 1143 هـ
واشتهر صاحبها بعد الخمسين من عمره ، ولعل جميع الدراسات الاستشراقية تصف حركة ابن عبد الوهاب بالحركة الإصلاحية لما كان
يظهر عليها من محاربة الناس ، وتناسى الناس الكثير من الوجه الآخر
لهذه الحركة،كما حدث تماماً مع البروتستانتية . وللحقيقة يطرح
السؤال نفسه ، هل من تشابه بين الحركة البروتستانتية والحركة
الوهابية ؟
هل هناك تشابه بين مارتن لوثر ومحمد بن عبد الوهاب ؟
وهل هناك تشابه في النتائج جراء ظهور هاتين الحركتين في الغرب
الكاثوليكي والشرق الإسلامي ؟
إذا اقتصرنا على الظاهر من أمر
الحركتين ، وجدنا أنهما تمردتا على الواقع الديني الموجود ونبذت كل
أشكال التخلف والهيمنة الدينية البائسة .
ولكننا إذا أردنا التحقيق
الدقيق فيما أتت به الحركتان نجد أنهما حركتان تخريبيتان على المدى
المنظور آنذاك وعلى المدى الاستراتيجي ، أي في وقتنا الحاضر .
ما
مدى التشابه الحقيقي بين الحركتين ؟ * البروتستانتية رفضت الكثير
الكثير من تعاليم العقيدة النصرانية بغض النظر عن موقفنا العقيدي
الديني تجاهها . فالبروتستانتية لا تقر البابوية أو الأخرى للسيدة
مريم أم المسيح عليه السلام .
الرئاسة العامة في شؤون الدين ولذلك
ليس لكنائسهم رئيس عام كما هو الشأن في الكنائس الأخرى . * تنكر
البروتستانتية إنكاراً باتاً جميع ما تقيمه الكنائس .
* تبرئ
البروتستانتية اليهود من دم المسيح ، بل تعتبر كما قال لوثر
اليهودية هي السيدة وكلنا حسب قوله عبيد على موائد اليهود .
والوهابية لا تقر إلا بالمذهب الخاص بها فتتهم ما عداها من أصحاب
المذاهب الإسلامية بمخالفتهم للشرع .
لا تعترف الوهابية بمرجعية
دينية اليوم إلا بمرجعية أصحاب المذهب الوهابي .
وهم آل الشيخ حفدة
ابن عبد الوهاب . يتوارثون زعامة المذهب ويتلمذون الأتباع والدعاة
على أيديهم وحسب رؤيتهم ومنهجهم . موقف الحركة الوهابية من الكيان
الإسرائيلي هو اللا موقف ، حيث ظل غامضاً تجاه قضية فلسطين واليهود
.
أقوى التحالفات بين السلطة السياسية السعودية الوهابية هي مع
الولايات المتحدة الأميركية تماماً كما هو التحالف بين الكيان
الإسرائيلي والمحافظين البروتستانتيين الجدد في أميركا .
وإذا
نظرنا نظرة معاصرة للحركة البروتستانتية والحركة الوهابية .
نجد
تشابهاً كبيراً في أسلوب الدعوة ، في تكفير الخصوم ، في الانقسامات
الداخلية داخل كل حركة من الحركتين . على أية حال ، فإن العالم
الغربي في أوروبا اليوم ، وفي الولايات المتحدة يعاني من تسلط دعاة
البروتستانتية المتحالفة مع الصهيونية حتى العظم .
ويعاني العالم
العربي والإسلامي من الحركة الوهابية ما يعاني بسبب أساليبها
الدعوية التي تزرع الفتن بين المسلمين ، وتبعدهم عن الصراع الحقيقي
مع المحتلين الصهاينة لفلسطين ومسجدها الأقصى المبارك .
لقد أثاروا
في المجتمعات العربية كثيراً من الإشكالات، وباتوا يناقشون في
الشكليات على حساب الأساسيات من الأمور .
وغالوا في الدين حتى أهدر
الوقت في نقاش حول طول الثوب وقصره ، وحول حجم اللحية وطولها
وكثافتها . وحول زيارة القبور وجوازها أو عدمه , وما من نقاش
يثيرونه إلا وفيه تكفير وإخراج من دائرة الإسلام .
ولعل الأخطر من
ذلك كله ، أنهم بفكرهم المضلل دفعوا الشباب المسلم لمحاربة
الشيوعية و الإلحاد في أفغانستان وبأوامر من أميركا ، ثم ما لبثوا
أن انقلبوا على هؤلاء الشباب وراحوا يعتقلونهم مما أدى إلى انبعاث
جيل من الشباب السلفيين لا يؤمنون إلا بالعنف ويرفضون أي نوع من
أنواع الحوار .
لقد أدت التربية الوهابية على مدار عشرات السنين
إلى انقسامات حادة بين علماء هذه الحركة حتى بات من الواضح أن
الكثيرين من العلماء يرفضون رفضاً قاطعاً تسميتهم بالوهابيين .
ومنهم الشيخ سلمان العودة ، والشيخ سفر الحوالي وغيرهما من علماء
الجزيرة العربية . المناخ الاجتماعي والسياسي لنشأة الوهابية : من
المعروف أن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين شهدا ضعفاً
واضحاً في الدولة العثمانية المترامية الأطراف .
وتكالبت دول
أوروبا على الخلافة العثمانية وراحت تنهش فيها وتقلصها . وذلك من
خلال حروب متتالية في المشرق العربي والمغرب العربي وعلى حدود
البلقان وروسيا القيصرية .
ولا شك أن الجزيرة العربية كانت أكثر
أقسام العالم العربي تخلفاً وتأخراً، فقد سادت الحركات القبلية
الإقطاعية ، ولم يكن في الجزيرة من موارد سوى تربية الماشية وبعض
الزراعات في الواحات والمناطق الجبلية المحدودة في اليمن وعسير
وحضر موت وعمان , وظل قلب الجزيرة ، أي نجد والحجاز ، يعيش حالة من
التخلف الاقتصادي والاجتماعي لم يسبق لها مثيل .
ظلت القبلية هي
السيد في هذه المناطق ، ورئيس القبيلة زعيم مطلق لا تقيده حدود،
وكان تركيب المجتمع البدوي القبلي معقداً بما فيه الكفاية . وكانت
السلطة على القبائل الرحل تعود إلى الشيوخ الذين أصبحوا حكاماً
بالوراثة في أغلب الأحيان .
وكان نظام الرق منتشراً بشكل خالف فيه
كل تعاليم الإسلام ، خاصة بين القبائل الرحل وبعض مناطق الاستقرار
.
لكن ، أهم ما يلفت النظر في هذا الواقع الهجمات التخريبية
والقاتلة التي تشنها القبائل على بعضها ، أو على مراكز المدن
والقرى الكبيرة .
في مكة ، كان يحكم الشرفاء ، أي الذين ينتسبون
إلى آل النبي صلى الله عليه وسلم، وكان آل رشيد يحكمون في شمال
الجزيرة وكذلك كل زعيم عشيرة يحكم منطقة ما كمنطقة نفوذ له
ولعشيرته .
وفي هذا الجو ، مهد الواقع المنقسم إلى غزو الأساطيل
الغربية لأطراف الجزيرة ، وتنافس الإنجليز مع البرتغاليين
والهولنديين على تلك المناطق ، حتى استطاعت بريطانيا أخيراً
الاستيلاء على عدن والإمارات والبحرين وقطر والكويت إضافة إلى
العراق فيما بعد .
وقد وجد الإنجليز صعوبة في الدخول إلى عمق
الجزيرة ، فكان لابد لهم من إيجاد أسلوب آخر للوصول إلى المناطق
الداخلية ، فعقدوا تحالفات متناقضة مع شرفاء مكة تارة، ومع بعض
القبائل تارة أخرى .
وكان لابد لهم من إيجاد مخرج للسيطرة على
الداخل ، فكان ظهور محمد بن عبد الوهاب العلاج الناجح الذي أراده
الإنجليز وعملوا عليه حتى استطاعوا تثبيت آل سعود الذين تحالفوا مع
داعي الحركة الوهابية ومع الإنجليز على السواء . |