تأليف عبد الواحد سعيد المحمود



* من هو محمد بن عبد الوهاب ؟

      تروى الكتب ومنها كتاب خلاصة الكلام من أمراء البلد الحرام ، للشيخ أحمد بن زيني دحلان ، أن محمد بن عبد الوهاب ولد سنة 1111 هـ وتوفي سنة 1207هـ فيكون قد عاش ستاً وتسعين سنة وهو من قبيلة تميم .
 كان والده عبد الوهاب من العلماء الصالحين ، وكذلك كان له أخ يدعى سليمان وكان تقياً فقيهاً . وعن كتاب تاريخ نجد لمحمود شكري الألوسي ، أن ابن عبد الوهاب نشأ في بلد العيينة من بلاد نجد وتفقه في البداية على يد والده فقرأ عليه الفقه على مذهب أحمد بن حنبل ، وكان في صغره يتكلم بكلمات لا يعرفها المسلمون ، وينكر عليهم أكثر الذي اتفقوا على فعله ، وقد اصطدم مع أقاربه وجيرانه ، فهجر بلده إلى مكة المكرمة ثم إلى المدينة فأخذ عن الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف وشدد النكير على الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم عند قبره .
 ثم رحل إلى نجد ثم إلى البصرة يريد الشام ، وأقام بالبصرة مدة وأخذ فيها عن الشيخ محمد المجموعي وأنكر على أهلها أشياء كثيرة فأخرجوه منها وخرج هارباً ثم جاء إلى بلد حريملة من نجد ، وكان أبوه فيها فلازمه وقرأ عليه وأظهر الإنكار على مسلمي نجد فنهاه أبوه فلم ينته حتى وقع بينهما نزاع ووقع بينه وبين المسلمين في حريملة جدال كبير فأقام على ذلك سنتين حتى توفي أبوه سنة 1153 هـ ، فاجترأ على إظهار عقائده والإنكار على المسلمين فيما أطبقوا عليه وتبعه بعض الناس إلى أن غص أهل البلد من مقالاته وهموا بقتله ، فانتقل إلى العيينة ورئيسها يومئذ عثمان بن أحمد بن معمر ، فأطمعه ابن عبد الوهاب في ملك نجد ، فساعده عثمان ، وأعلن النكير على المسلمين فتبعه بعض أهل العيينة وهدم قبة زيد بن الخطاب التي عند الجبيلة ، فعظم أمره وبلغ خبره سليمان بن محمد بن عزيز الحميدي صاحب الإحساء والقطيف وتوابعها ، فأرسل سليمان كتاباً إلى عثمان يأمره فيه بقتله ويهدده على المخالفة فلم يستطع مخالفته . فأرسل إليه وأمره بالخروج عن مملكته .
 فقال له : إن نصرتني ملكت نجداً ، فلم يسمع منه وخرج إلى الدرعية سنة 1160 هـ ، وهي بلاد مسيلمة الكذاب وصاحبها يومئذ محمد بن سعود من قبيلة عنيزة ، فتوسل بامرأة الحاكم إليه وأطمعه بملك نجد وأهلها ورؤسائها وقضاتهم يطلب الطاعة فأطاعه بعضهم وبعضهم اعترض عليه فأمر أهل الدرعية بالقتال فأجابوه وقاتلوا معه أهل نجد والأحساء مراراً كثيرة حتى دخل بعضهم في طاعته طوعاً أو كرهاً وصارت إمارة نجد جميعها لأهل سعود بالقهر والغلبة .
 ومات ابن عبد الوهاب سنة 1206 هـ ثم مات محمد بن سعود فخلفه ولده عبد العزيز وقام بنصرة هذا المذهب وقاتل عليه وبلغت سراياه وعماله إلى أقصى بلاد نجد . ثم مات عبد العزيز فخلفه ولده سعود وكان أشد من أبيه في حماسه لمنع المسلمين من الحج. وخرج على السلطان وغالى في تكفير من خالفهم . ثم مات سعود وخلفه ابنه عبد الله (1) .
ويجدر بنا أن نتوقف عند رحلة ابن عبد الوهاب إلى البصرة حيث مكث فيها مدة ليست قصيرة . فحول هذه الرحلة حامت شبهات كثيرة ، حيث أوردت بعض المصادر أن ابن عبد الوهاب التقى هناك ( بالسير ) همفر ، الجاسوس البريطاني في البلاد الإسلامية . وقد كتب همفر في مذكراته عن لقاءات تمت بينه وبين محمد بن عبد الوهاب وذكر فيها أموراً تستوقف المرء كثيراً .
 يقول همفر : وهنا على هذا الحال كان قد تعرفت على شاب كان يتردد على هذا الدكان يعرف اللغات الثلاث التركية والفارسية والعربية . كان في زي طلبة العلوم الدينية وكان يسمى بـ محمد بن عبد الوهاب . وكان شاباً طموحاً للغاية عصبي المزاج ، ناقماً على الحكومة العثمانية ، أما حكومة فارس فلم يكن له شأن بها .
وكان سبب صداقته مع صاحب المحل ( عبد الرضا ) أن الإثنين كانا ناقمين على الخليفة وإني لا أعلم من أين كان هذا الشاب يعرف اللغة الفارسية مع أنه كان من أهل السنة وكيف صادق مع عبد الرضا الشيعي . ويتابع همفر قوله : كان محمد بن عبد الوهاب شاباً متحرراً ، ولكنه لم يكن يرى أي وزن لأتباع المذاهب الأربعة المتداولة بين أهل السنة ، ويقول إنها ما أنزل الله بها من سلطان .
وكان يقلد فهم نفسه في فهم القرآن والسنة ويضرب بآراء المشايخ ، لا مشايخ زمانه والمذاهب الأربعة فحسب ، بل بآراء أبي بكر وعمر أيضاً ، عرض الحائط إذ فهم هو من الكتاب على خلاف ما فهموه . وكان يقول : إن الرسول قال إني مخلف فيكم الكتاب والسنة ولم يقل إني مخلف فيكم الكتاب والسنة والصحابة والمذاهب . لذا فالواجب اتباع الكتاب والسنة مهما كانت آراء المذاهب والصحابة والمشايخ مخالفة لذلك (2) .
 لقد وجدت في محمد بن عبد الوهاب ضالتي المنشودة ، فإن تحرره وطموحه وتبرمه من مشايخ عصره ورأيه المستقل الذي لا يهتم حتى بالخلفاء الأربعة أمام ما يفهمه هو من القرآن والسنة كان أكبر نقاط الضعف التي كنت أتمكن من أن أتسلل منها إلى نفسه وكان محمد الوهاب يزدري بأبي حنيفة وكان يقول : إن نصف كتاب البخاري باطل .
 لقد عقدت بيني وبين محمد أقوى الصلات والروابط وكنت أنفخ فيه باستمرار وأبين له أنه أكثر موهبة من ( علي وعمر ) وأن الرسول لو كان حاضراً لاختارك خليفة له دونهما ، وكنت أقول له دائماً آمل من تجديد الإسلام على يدك فإنك المنقذ الوحيد الذي يرجى به انتشال الإسلام من هذه السقطة .
وقد قررت مع محمد أن نناقش في تفسير القرآن على ضوء أفكارنا الخاصة لا على ضوء فهم الصحابة والمذاهب والمشايخ . وكنا نقرأ القرآن ونتكلم عن نقاط منها . كنت أقصد من ورائها إيقاع محمد في الفخ ، وكان هو يسترسل في قبول آرائي ليظهر نفسه بمظهر المتحرر وليجلب ثقتي أكثر فأكثر . قلت له ذات مرة : الجهاد ليس واجباً . قال : كيف وقد قال الله ( جاهدوا الكفار ) .
 قلت : الله يقول جاهدوا الكفار والمنافقين . فإذا كان الجهاد واجباً فلماذا لم يجاهد الرسول المنافقين . قال : جاهدهم الرسول بلسانه . قلت : إذاً فجهاد الكفار أيضاً واجب باللسان . قال : لكن الرسول حارب الكفار . قلت : حارب الرسول الكفار دفاعاً عن النفس حيث إن الكفار أرادوا قتل الرسول فدفعهم . فهز محمد رأسه علامة الرضا . وقلت له ذات مرة : متعة النساء جائزة .
 قال : كلا . قلت : فالله يقول ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) .
 قال : عمر حرم المتعة قائلاً : متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما . قلت : أنت تقول أنا أعلم من عمر فلماذا تتبع عمر . ثم إذا قال عمر إنه حرمها وإن الرسول حللها فلماذا تترك رأي القرآن ورأي الرسول وتأخذ برأي عمر ؟ . فسكت . ولما وجدت سكوته دليل الإقتناع وقد أثرت فيه الغريزة الجنسية ( ولم تكن له إذ ذاك زوجة ) ، قلت له : ألا نتحرر أنا وأنت ونتخذ متعة نستمتع بها .
 فهز رأسه علامة الرضا ، وقد اغتنمت أنا هذا الرضا أكبر اغتنام وقررت موعداً لآتي إليه بامرأة ليتمتع بها . وكان همي أن أكسر خوفه من مخالفة الناس لكنه اشترط علي أن يكون الأمر سراً بيني وبينه وأن لا أخبر المرأة باسمه .
 فذهبت فوراً إلى بعض النساء المسيحيات اللاتي كن مجندات من قبل وزارة المستعمرات لإفساد الشباب المسلم ونقلت لها كامل القصة وجعلت لها اسم صفية . وفي يوم الموعد ذهبت بالشيخ محمد إلى دارها . وكانت الدار خالية إلا منها .
 فقرأنا أنا والشيخ صيغة العقد لمدة أسبوع وأمهرها الشيخ نقداً ذهبياً . فأخذت أنا من الخارج وصفية من الداخل نتراوح على توجيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب .
 وبعد أن أخذت صفية من محمد كل مأخذ وتذوق محمد مخالفة أوامر الشريعة تحت غطاء الاجتهاد والاستقلال في الرأي والحرية ، وفي اليوم الثالث من المتعة أجريت مع محمد حواراً طويلاً من عدم تحريم الخمر وكلما استدل بالآيات القرآنية والأحاديث زيفتها وقلت له أخيراً لقد صح أن معاوية ويزيد وخلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس كانوا يتعاطون الخمر ، فهل من الممكن أن يكون كل أولئك مما يدلل على أنهم لم يفهموا التحريم وأنهم فهموا الكراهة والإعاقة .
 وفي الأسفار المقدسة لليهود والنصارى إباحة الخمر ، فهل يعقل أن يكون الخمر حراماً في دين وحلالاً في دين ، والأديان كلها من عند الله الواحد . ثم إن الرواة رووا أن عمر شرب الخمر حتى نزلت الآية ( فهل أنتم منتهون ) ولو كانت الخمرة حراماً لعاقبه الرسول فعدم عقاب الرسول دليل الحلّية . أخذ يسمعني محمد بكل قلبه ثم تنهد وقال : بل ثبت في بعض الأخبار أن عمر كان يكسر الخمر بالماء ويشربها . ويقول إن سكرها حرام .
 لا إذا لم تكن تسكر . ثم أردف الشيخ قائلاً وكان عمر صحيح الفهم في ذلك ، لأن القرآن يقول : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ) فإذا لم تُسكر الخمر لم تفعل هذه الأمور التي ذكرت في الآية وعليه فلا نهىٌ عن الخمر إذا لم تكن مسكرة. أخبرت صفية بما جرى وأكدت عليها أن تسقى الشيخ في هذه المرة خمرة مغلظة ففعلت وأخبرتني بعد ذلك أن الشيخ شرب حتى الثمالة وعربد وجامعها عدة مرات في تلك الليلة وقد رأيت أنا آثار الضعف والخمول غداة تلك الليلة وهكذا استوليت أنا وصفية على الشيخ استيلاء كاملاً . ويتابع همفر : ذات مرة تكلمت مع الشيخ عن الصوم وقلت له إن القرآن يقول :وأن تصوموا خير لكم ولم يقل إنه واجب عليكم .
 فالصوم بنظر الإسلام مندوب وليس بواجب. لكنه قاوم الفكرة وقال : يا محمد تريد أن تخرجني من ديني . قلت له : يا وهاب إن الدين هو صفاء القلب وسلامة الروح وعدم الاعتداء على الآخرين ، ألم يقل النبي الدين الحب ؟ وألم يقل الله في القرآن الكريم واعبد ربك حتى يأتيك اليقين .
فإذا حصل للإنسان اليقين بالله واليوم الآخر وكان طيب القلب نظيف العمل كان من أفضل الناس لكنه هز رأسه علامة للنفي وعدم الارتياح .
مرة أخرى ، قلت له : الصلاة ليست واجبة . قال :كيف ؟ قلت : لأن القرآن يقول ( وأقم الصلاة لذكري ) فالمقصود من الصلاة ذكر الله تعالى فلك أن تذكر الله تعالى عوضاً من الصلاة . قال وهاب : نعم سمعت أن بعض العلماء كانوا يذكرون الله تعالى في أوقات الصلاة عوضاً من الصلاة . ففرحت لكلامه أيما فرح .
 وأخذت أنفخ في هذا الرأي حتى ظننت أني استوليت على لبه وبعد ذلك وجدته لا يهتم بأمر الصلاة أحياناً يصلي وأحياناً لا يصلي خصوصاً في الصباح فإنه كان يترك الصلاة غالباً حيث كنت أسهر معه إلى ما بعد منتصف الليل غالياً ، فكان منهوك القوى عند الصباح فلا يقوم للصلاة .
 وهكذا أخذت أسحب رداء الإيمان عن عاتق الشيخ شيئاً فشيئاً وأردت مرة أن أناقش حول الرسول لكنه صمد في وجهي صموداً كبيراً وقال لي : إن تكلمت بعد ذلك حول هذا الموضوع قطعت علاقتي بك .
وخشيت أن ينهار كل ما بنيته . من أجل ذلك أحجمت عن الكلام عن الرسول . لكنني أخذت في إذكاء روحه في أن يكون لنفسه طريقاً ثالثاً غير السنة وغير الشيعة وكان يستجيب لهذا الإيماء كل استجابة لأنه كان يملأ غروره وتحرره .
وبفضل صفية التي دامت علاقتها معه بعد الأسبوع أيضاً في متعات جديدة تمكنا من الأخذ بقياد الشيخ كاملاً (3) . ويتابع في صفحات لاحقة قائلاً : حين أردت أن أفارقه كان يروم الذهاب إلى الآستانة للتطلع عليها لكني منعته من ذلك أشد المنع وقلت له أخاف أن تقول شيئاً ما هناك يوجب أن يكفروك ومصيرك حينذاك القتل .
 قلت له هكذا ولكن كان في نفسي شيء آخر وهو يلتقي ببعض العلماء هناك فيقوم معوجه ويرجعه إلى طريقة أهل السنة فتنهار كل آمالي .ولما كان الشيخ لا يريد الإقامة في البصرة أشرت عليه بأن يذهب إلى أصفهان وشيراز فإن هاتين المدينتين جميلتان وأهاليهما من أهل الشيعة ومن المستبعد أن تؤثر الشريعة الشيعية في الشيخ وقد كنت بذلك أمنت انحرافه .
 وعند مفارقتي للشيخ قلت له هل إنك تؤمن بالتقية . قال : نعم ، فقد اتقي أحد أصحاب الرسول وأظنه أنه قال مقداد حين اضطهده المشركون وقتلوا أباه وأمه فأظهر الشرك وأقره على ذلك رسول الله. قلت له : إذاً اتق الشيعة ولا تظهر لهم أنك من أهل السنة لئلا تقع عليك كارثة وتمتع ببلادهم وعلمائهم وتعرف على عاداتهم وتقاليدهم فإنه ينفعك أشد النفع في مستقبل حياتك .
وقد زودت الشيخ حين أردت مفارقته بكمية من المال بعنوان الزكاة وهي ضريبة إسلامية كما وقد اشتريت له دابة للركوب بعنوان الهدية و فارقته (4) .

 

التالي

السابق