تأليف عبد الواحد سعيد المحمود



     وقد طلب من همفر العودة إلى بريطانيا وقد أبدى قلقه الشديد من مصير محمد بن عبد الوهاب لكن وزير المستعمرات البريطاني قال له : اطمئن بأن الشيخ لا يزال على ما فارقته أنت من الآراء والأفكار وقال الوزير : إن عملاء الوزارة اتصلوا به في أصفهان وأنهم أخبروا الوزارة بأن الشيخ على ما كان .
 ثم تبين لي بعد ذلك حين التقيت بالشيخ أن إنساناً يدعى عبد الكريم اتصل به في أصفهان وأنه أخ للشيخ محمد ، يقصد أنا ، قال له عن تفاصيل أسراره عن الشيخ محمد وبذل ما استطاع للنفاذ إلى دخائل قلبه وقال محمد عبد الوهاب إن صفية لحقته في أصفهان وتنعم بمتعة أخرى لمدة شهرين وأن عبد الكريم صاحبه إلى شيراز حيث هيأ له متعة أخرى اسمها آسية ، أجمل وأكثر أنوثة وعاطفة من صفية ، وأنه قضى معها أسعد ساعات العمر .
وتبين لي فيما بعد أيضاً أن عبد الكريم اسم مستعار لأحد المسيحيين في جلفاء من نواحي أصفهان كان من عملاء الوزارة وأن آسية من يهود شيراز وكانت أيضاً هي الأخرى من عملاء الوزارة .
وكان نتيجة سيطرتنا نحن الأربعة على محمد عبد الوهاب أنه طبخ كأفضل ما يمكن لما يرجى منه في المستقبل (5) .
وبعد أن نفذ همفر تعاليم وزارة المستعمرات البريطانية وانتهى من المرحلة الأولى التي اشتغل فيها على محمد عبد الوهاب . بدأ بالمرحلة التالية بعد أن مكث في لندن مدة شهر ثم جاءت الأوامر لينتقل إلى العراق مرة أخرى لتكميل الشوط مع محمد عبد الوهاب .
 يقول همفر : لقد وضعت الوزارة خطة دقيقة لأن ينفذها الشيخ وهي:-
 1- تكفير كل المسلمين وإباحة قتلهم وسلب أموالهم وهتك أعراضهم وبيعهم في سوق النخاسة وحلّيّة جعلهم عبيداً ونسائهم جواري .
 2- هدم الكعبة باسم أنها آثار وثنية إن أمكن ومنع الناس عن الحج وإغراء القبائل بسلب الحجاج وقتلهم .
 3- السعي لخلع طاعة الخليفة والإغراء لمحاربته أشراف الحجاز بكل الوسائل الممكنة والتقليل من نفوذهم .
 4- هدم القباب والأضرحة والأماكن المقدسة عند المسلمين في مكة والمدينة وسائر البلاد التي يمكنه ذلك باسم أنها وثنية وشرك واستهانة بشخصية النبي محمد وخلفائه ورجال الإسلام بما يتيسر .
 5- نشر الفوضى والإرهاب في البلاد حسب ما يمكنه ذلك .
 وفي آخر المطاف يقول السيد همفر : وخرجت قاصداً نحو البصرة وبعد سفرة مضنية وصلت إليها ليلاً وذهبت إلى دار عبد الرضا وكان نائماً ولما رآني رحب بي واستقبلني استقبالاً حاراً ونمت هناك حتى الصباح قرأت الكتاب وإذا به يخبرني فيه أنه سافر إلى نجد وقد ذكر عنوان محله في نجد .
 فسافرت في الصباح ميمماً وجهة نجد ووصلتها بعد مشقة بالغة وجدت الشيخ محمد في داره وقد ظهرت عليه آثار الضعف فلم أبح له بشيء ثم تبين لي فيما بعد أنه تزوج وأنه ينهك قواه مع زوجته . فنصحته بالإقلاع فسمع كلامي .
 وقد صار القرار أن أجعل نفسي عبداً له قد اشتراه من السوق وأن العبد الآن جاء من السفر وهكذا كان . فشهر عند أصدقائه أني عبده اشتراه من البصرة وأنه كان في سفر وأنه جاء الآن وتلقاني الناس بهذا الاسم وبقيت عنده سنتين وهيأنا الترتيب اللازم لإظهار الدعوة وفي سنة 1143 هـ قويت عزيمته وقد جمع أنصاراً لا بأس بهم فأظهر الدعوة بكلمات مبهمة وألفاظ مجملة لأخص خواصه .
 ثم جعل يوسع رقعة الدعوة وألففت أنا حوله عصابة شديدة المراس زودناهم وكنت أشد عزيمتهم كلما أصابهم خور من أجل مهاجمة أعداء له . وكلما أظهر الدعوة أكثر صار أعداؤه أكثر .
وأحياناً كان يريد التراجع من ضغط بعض الإشاعات ضده لكنني أشد من عزيمته وأقول له إن محمد النبي رأى أكثر من ذلك . وأن هذا هو طريق المجد ، وأن كل مصلح لابد وأن يتلقى العنت والإرهاق .
 وهكذا كنا مع الأعداء بين الكر والفر ، وقد وضعت على أعداء الشيح جواسيس شريتهم بالمال فكلما أرادوا إثارة فتنة أخبرنا الجواسيس بقصدهم فنتمكن من قلب الخطة . وذات مرة أخبرت أن بعض أعدائه أرادوا اغتياله فوضعت الترتيبات اللازمة لإفشال الخطة . ولما ظهر قصد أعدائه يإرادتهم اغتيال الشيخ انقلبت الخطة عليهم وأخذ الناس ينفرون منهم .
 لقد وعدني الشيخ بتنفيذ كل الخطة السداسية إلا أنه قال إنه لا يتمكن في الحال الحاضر إلا على الجهر ببعضها وهكذا كان . وقد استبعد الشيخ أن يقدر على هدم الكعبة عند الاستيلاء عليها كما لم يبح عند الناس بأنها وثنية .
وكذلك استبعد قدرته على صياغة القرآن الجديد . وكان أشد خوفه من السلطة في مكة وفي الآستانة وكان يقول إذا أظهرنا هذين الأمرين لابد وأن يجهز إلينا جيوش لا قبل لنا بها وقبلت منه العذر لأن الأجواء لم تكن مهيأة كما قال الشيخ .
 بعد سنوات من العمل تمكنت الوزارة من جلب محمد بن سعود إلى جانبنا فأرسلوا إلي رسولاً يبين لي ذلك، ويظهر وجوب التعاون مع المحمدين . فمن محمد عبد الوهاب الدين ، ومن محمد السعود السلطة ، ليستولوا على قلوب الناس وأجسادهم .
 وقد اتخذنا الدرعية عاصمة للحكم والدين الجديد ، وكانت الوزارة تزود الحكومة الجديدة سراً بالمال الكافي . كما اشترت الحكومة في الظاهر عدداً من العبيد كانوا من خيرة ضباط الوزارة الذين دربوا على اللغة العربية والحروب الصحراوية فكنت أنا وإياهم وعددهم أحد عشر نتعاون بوضع الخطط اللازمة . وكان المحمدان يسيران على ما نضع لهما من الخطط .
وكثيراً ما نتناقش الأمر مناقشة موضوعية إذا لم يكن أمر خاص من الوزارة . واشتبكت أواصر الصلة بيننا وبين العشائر أكثر فأكثر والأمر يسير من حسن إلى أحسن والمركزية تتقوى يوماً بعد يوم وإذا لم تقع كارثة مفاجئة فقد بذرت البذرة الصالحة لأن تنمو وتنمو حتى تؤتي الثمار المطلوبة (6) .
 وقد أورد الشيخ دحلان في كتابه (خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام): وأخذ محمد بن عبد الوهاب عن كثير من علماء مكة والمدينة وكانوا يتفرسون فيه الضلال والإضلال .
 وكان والده عبد الوهاب من العلماء الصالحين . وكان يتفرس فيه ذلك ويذمه كثيراً ويحذر الناس منه وكذا أخوه سليمان بن عبد الوهاب أنكر عليه ما أحدثه وألف كتاباً في الرد عليه . وكان مولعاً بمطالعة أخبار مدعي النبوة كمسليمة وسجاح والأسود العنسي وطليحة الأسدي وأمثالهم .
 وقد أظهر الإنكار على أهل نجد في عقائدهم فنهاه أبوه فلم ينته حتى وقع بينهما نزاع .
 واجترأ إلى إظهار عقائده والإنكار على المسلمين فيما أطبقوا عليه وتبعه حثالة من الناس إلى أن غص أهل البلد من مقالاته ، وهموا بقتله فانتقل من حريملة إلى العيينة ورئيسها يومئذ عثمان بن أحمد بن معمر .
من خلال ما تقدم ، نلحظ أن محمد بن عبد الوهاب أفسدت عقيدته على يد الجاسوس البريطاني همفر ، بينما كان لديه استعداد لهذا الإفساد ويدل على ذلك ما ورد من مخالفة أبيه له ومعارضة أخيه سليمان لعقيدته .
 يرى بعض المدافعين عن الوهابية ، أن قصة الجاسوس همفر مختلقة وقد صنعها أحد الحاقدين على السلفية الصحيحة ، وبعضهم قال إن مؤلف مذكرات همفر هو من الشيعة أو هو إيراني شيعي أراد من ورائه أن يشوه حقيقة محمد بن عبد الوهاب .
 والواقع أننا لو عدنا إلى مذكرات همفر وأساليب نشر الدعوة الوهابية لوجدنا تطابقاً كاملاً في المبادئ الأساسية التي نظر لها همفر والأساليب المتبعة من قبل أتباع محمد بن عبد الوهاب ومسانديه من السعوديين .
فالخطة التي وضعتها وزارة المستعمرات البريطانية وبدأ ينفذها ابن عبد الوهاب هي تكفير المسلمين وإباحة قتلهم وسلب أموالهم وهتك أعراضهم وبيعهم في أسواق العبيد وجعلهم عبيداً وجعل نسائهم جواري . ومن ثم هدم الكعبة إن أمكن .
والسعي لخلع الخليفة وتجهيز الجيوش لذلك ومحاربة أشراف الحجاز وهدم القباب والأضرحة والأماكن المقدسة عند المسلمين تحت ستار أنها وثنية ونشر الفوضى والإرهاب في البلاد . وإلغاء مبدأ الجهاد ضد أعداء المسلمين .

* التحالف بين محمد بن عبد الوهاب وآل سعود ..

     يقول همفر : بعد سنوات من العمل تمكنت الوزارة من جلب محمد بن سعود إلى جانبنا فأرسلوا إلي رسولاً يبين لي ذلك ويظهر وجوب التعاون بين الإثنين . فمن محمد بن عبد الوهاب الدين ومن محمد بن سعود السلطة ليستولوا على قلوب الناس وأجسادهم فإن التاريخ قد أثبت أن الحكومات الدينية أكثر دواماً وأشد نفوذاً وأرهب جانباً (7) .
 تقول المصادر إن محمد بن عبد الوهاب خرج إلى الدرعية سنة 1160 هـ .وهي بلاد مسيلمة الكذاب وصاحبها يومئذ محمد بن سعود الذي ينسب إلى قبيلة عنيزة ولما التقى به أطمعه في ملك بلاد نجد ، فتبعه وبايعه على قتال المسلمين فكتب إلى أهل نجد ورؤسائهم وقضاتهم يطلب الطاعة .
 فأطاعه بعضهم وبعضهم لم يحفل به فأمر أهل الدرعية بالقتال فأجابوه وقاتلوا معه أهل نجد والإحساء مراراً كثيرة حتى دخل بعضهم الطاعة طوعاً أو كرهاً وصارت إمارة نجد جميعها لآل سعود بالقهر والغلبة . ومات ابن عبد الوهاب سنة 1206 هـ ثم مات محمد بن سعود فخلفه ولده عبد العزيز وقام بنصرة هذا المذهب وقاتل عليه وبلغت سراياه وعماله إلى أقصى بلاد نجد . ثم مات عبد العزيز فخلفه ولده سعود وكان أشد من أبيه في حماسه لمنع المسلمين من الحج. وخرج على السلطان وغالى في تكفير من خالفهم . ثم مات سعود وخلفه ابنه عبد الله .
 وإذا نظرنا فيما قاله همفر من أن وزارة المستعمرات البريطانية تمكنت من جلب محمد بن سعود إلى صف محمد بن عبد الوهاب نجد أن تاريخ المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها وحتى الآن تقف من الغرب موقف الحليف ومن الصهيونية موقف المتفرج، وتعطل الجهاد من أجل تحرير فلسطين ، وهذا ما يقودنا إلى تفسير إشارة الاستفهام حول هذا الموقف تجاه هذه القضايا . بعض المصادر تشير إلى أن آل سعود ليسوا عرباً وليسوا من قبيلة عنيزة إنما يعودون بأصلهم إلى يهود بني قينقاع .
 وتقول بعض الروايات التي تنتشر بين أهلي نجد والحجاز إنه في عام 851 هـ ذهب ركب من عشرة المساليخ من قبيلة عنزة لجلب الحبوب من العراق إلى نجد وكان يرأس هذا الركب شخص اسمه سحمى بن هذلول .
فمر ركب المساليخ بالبصرة وفي البصرة ذهب أفراد الركب لشراء حاجاتهم من تاجر حبوب يهودي اسمه مردخاي بن إبراهيم بن موسى ، وأثناء مفاوضات البيع والشراء سألهم اليهودي تاجر الحبوب من أين أنتم فأبلغوه أنهم من قبيلة عنزة فخذ المساليخ وما كان يسمع بهذا الاسم حتى أخذ يعانق كل واحد منهم ويضمه إلى صدره في عملية تمثيلية قائلاً إنه هو أيضاً من المساليخ لكنه جاء للعراق منذ مدة واستقر به المطاف في البصرة لأسباب خصام وقعت بين والده وأفراد من قبيلة عنزة وما أن خلص من سرد أكذوبته حتى أمر خدمه بتحميل جميع إبل أفراد العشيرة بالقمح والتمر والرز فطارت عقول المساليخ لهذا الكرم وسروا سروراً عظيماً لوجود ابن عم لهم في العراق .
وقد صدق المساليخ قول اليهودي إنه ابن عم لهم خاصة وأنه تاجر حبوب وتمر . وما أن عزم ركب المساليخ للرحيل حتى طلب منهم اليهودي مردخاي أن يرافقهم إلى بلاده المزعومة (نجد) فرحب به الركب وهكذا وصل اليهودي مردخاي بن إبراهيم بن موسى ، ثم انتقل إلى مكان قرب القطيف اسمه الآن أم الساهك فأطلق عليه اسم الدرعية وكان يقصد من هذه التسمية التفاخر بمناسبة هزيمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والإستيلاء على درع اشتراه اليهودي _ بني قينقاع _ من أحد أعداء العرب الذين حاربوا الرسول صلى الله عليه وسلم في معركة أحد .
 وفيها أن أحد أعداء الإسلام استولى على درع لأحد شهداء المعركة وزعم أنه للنبي صلى الله عليه وسلم فاشتراه اليهودي بسبب ذلك واعتنق الإسلام تضليلاً للناس وكوّن طبقة من تجار الدين ينشرون حوله الدعايات الكاذبة وقد تزوج عدة مرات وأنجب أولاداً كثيرين منهم ابنه الذي رافقه من البصرة اسمه مقرن الذي أنجب محمد ومحمد أنجب سعود وسعود أنجب محمد بن سعود الذي تحالف مع محمد بن عبد الوهاب (8) .

 

التالي

السابق