|
|
|
|
|
وجاء في المعاهدة اعتراف الإنجليز بعبد العزيز ملكاً على نجد والإحساء والقطيف وجبيل وملحقاتها وكذلك المرافئ التابعة لها وتعترف بسلطته المطلقة على هذه الأراضي ورئيساً مطلقاً على جميع القبائل الموجودة فيها وتعترف لأولاده من بعده أن تكون الخليفة منهم وأن ينتخب من قبله .
وأهم ما في المعاهدة وأخطرها ، البند الثاني منها والذي جاء فيه :
إذا تجاوزت إحدى الدول على أراضي ابن سعود أو أعقابه من بعده عليه إعلام الحكومة البريطانية ودون أن تمنح الوقت المناسب للمخابرة مع ابن سعود لأجل تسوية الخلاف فالحكومة البريطانية بمساعدة ابن سعود أن تتخذ تدابير شديدة لأجل محافظة وحماية منافعه .
وفي البند الثالث منها ، يتعهد ابن سعود أن يمتنع عن كل مخابرة أو اتفاق أو معاهدة مع أية حكومة أو دولة أجنبية . ويتعهد بإعلام الحكومة البريطانية عن كل تعرض أو تجاوز يقع من قبل حكومة أخرى على الأراضي الذي ذكرت آنفاً .
ويتعهد أيضاً ألا يمنح امتيازاً في تلك الأراضي لدولة أجنبية أو لتبعية دولة أجنبية دون رضا الحكومة البريطانية وأنه يتبع نصائحها التي لا تضر بمصالحه .
ويتضح أن آل سعود ومنذ وقت مبكر في بداية القرن العشرين قد ألقوا بكل ثقلهم في حضن الاستعمار البريطاني وهذا ما يدل على أن موقفهم من القضايا العربية والإسلامية كافة كان وما يزال مرهوناً بالمعاهدات التي وقعوها مع الغرب الصليبي .
ويتبين من هذه المعاهدة أن الشعب العربي في الجزيرة العربية أصبح مرهوناً للإنجليز وأن التعاون السعودي – الإنجليزي مؤامرة على أبناء الجزيرة.
في عام 1915 ثارت قبيلة العجمان ضد المعاهدة ، فراح السعوديون يتهمونها بالكفر والزندقة ثم هاجم الإنجليز والسعوديون العجمان ففروا إلى الكويت مما دفع بالإنجليز إلى الإيعاز لابن سعود لمهاجمة الكويت ، لكن المنية وافت أمير الكويت آنذاك وتسلم ابنه الحكم فأشار الإنجليز عليه أن يذهب إليه ويهنئه وفي نفس الوقت يقنعه باستبعاد الأتراك وتقريب الإنجليز .
وقد خطب عبد العزيز في الكويت وجاء في خطبته:
إن الأتراك كفرة مشركون ملاحدة ، وكل من يتعاون معهم مثلهم والإنجليز هم أصدقاء الإسلام وأصدقاء العرب .
والإنجليز يعملون دائماً على جمع كلمة العرب والمسلمين ومساعدتهم على النهوض وواجب كل عربي وكل مسلم أن يتعاون مع أصدقائنا الإنجليز ويحارب أعداءنا الأتراك .
وكان لهذا الخطاب أسوأ الأثر في نفوس أهل الكويت على هذه المقارنة . وأدى بالتالي إلى استياء عام دفع الإنجليز لإرسال قوة هاجمت الكويت مع قوات سعودية نهبت الكثير من مواشي الكويتيين وأملاكهم .
وتوالى التحالف السعودي الإنجليزي وتوسع وبعد عام 1921 م عزز الإنجليز وجودهم مع السعوديين بإرسال ضابطين كبيرين يساعدان ابن سعود هما الميجر كنليف أوين والميجر هاملتين الذي أصبح فيما بعد اللورد بلهافن .
وتذكر الوثائق البريطانية أنه عندما عقد الإنجليز مؤتمرهم المخابراتي العام في القاهرة ، عام 1918 م ، خطب فيه برسي كوكس وقال : مستحيل أن تجد بريطانيا من تستطيع أن تقوده أو تسوقه أو توقفه متى شاءت أو تحركه طوع إرادتها فيتحرك خلاف عبد العزيز بن سعود مهما كثر عملاء بريطانيا ، إنه أخلص المخلصين لنا ، ولهذا يجب أن ننهي الشريف حسين من الحجاز .
ويقول :
إنني أكدت لكم أن ابن سعود أصلح لنا من الشريف حسين الذي رفض التوقيع أو الموافقة لإقرار وضع اليهود في فلسطين .
وقد بدأ التعاون الميداني على أشده بين السعوديين والإنجليز ، عندما جرت المعارك مع الشريف حسين خاصة في ( تربة ) الشهيرة حيث عمد الإنجليز إلى إرسال جواسيس إلى جيش الشريف حسين ودبروا حيلة كان من جرائها خسارة الشريف للمعركة . ومن ثم هجم السعوديون والإنجليز على قرية تربة والخرمة وقتلوا السكان المدنيين العزل نساء وشيوخاً وأطفالاً بسبب تأييد سكانهما للشريف حسين ولأولاده .
وأحرق السعوديون نخيل المنطقة . وقالت مصادر آنذاك إن حصيلة من قتلوا في القريتين بلغ ثلاثة آلاف نفر وكلهم من العزل عدا من قتل من جيش الشريف وعددهم أربعون ألفاً لم ينج منهم سوى خمسمائة رجل.
وظل التعاون السعودي – الإنجليزي يشتد ويقوى إلى أن حجز الإنجليز على الشريف في العقبة وتركت مكة والمدينة لمصير التعاون السعودي – الإنجليزي ، حيث خُلع الشريف علي آخر شرفاء مكة واستولى السعوديون على الحجاز كله .
وراحوا يغيرون ما آل إليه الناس من شؤون دينهم ودنياهم قبل حملة التكفير الوهابية التي اجتاحت الحجاز كله مع بقية مناطق الجزيرة العربية .
|
|
* السعوديون والدولة العثمانية .. |
|
كان لابد للسعوديين من التحالف مع الإنجليز ضد الدولة العثمانية وحلفائها من بني شمر وآل رشيد ، ولم يجدوا بدأ من تأكيد تحالفهم مع الإنجليز.
ولربما يتساءل بعضنا لماذا ساند الإنجليز آل سعود ضد الشريف حسين وآخرين من القوى المناقضة للتمدد السعودي الوهابي ؟
المسألة مرتبطة بفلسطين ، إذ أن السعوديين وافقوا على خطة الإنجليز الواردة في وعد بلفور لمنح اليهود وطناً قومياً لهم في فلسطين ، بينما عارض ذلك الشريف حسين .
وبينما كان يسعى الحسين وقادة الثورة العربية إلى إقامة وحدة عربية بين غالبية أقطار المشرق العربي ، وظل الموقف السعودي تجاه قضية فلسطين سلبياً حتى عندما قامت الدولة الإسرائيلية ، ودخلت بعض جيوش العرب إلى فلسطين كجيش الإنقاذ ، لم تتحرك السعودية تنفيذاً للوعود والمعاهدات التي أبرموها مع الإنجليز .
وتبرز لنا مسألة على المستوى الداخلي السعودي وهي مسألة حركة (الإخوان) وهذه التسمية أطلقت على أتباع المذهب الوهابي الذين شكلوا مجموعات مسلحة في المدن والعشائر كافة ليراقبوا الناس ويخضعوهم لمراقبة مذهبية وسياسية شديدة .
ساند ابن سعود المبشرين الوهابيين الذين وجد فيهم وسائل طيعة لمكافحة القبائل وإعادة تنظيم المجتمع الإقطاعي البدوي .
في عام 1911 م ، وسع ابن سعود حركة الإخوان وفق نصيحة المبشرين الوهابيين، وأخضع القبائل إلى تنظيم شديد ، وشرع بإنشاء قوى للبدو الذين أجبرهم على الإستيطان .
وقد بلغت هذه السياسة نطاقاً واسعاً بعد الحرب العالمية الثانية .
تكونت مشاعيات الإخوان وكانت روحية التعصب الديني متغلغلة في هذه المشاعيات والمجتمع الوهابي كله .. وقد عمل الوهابيون على قطع أي علاقات مع غير الوهابيين . وتدريجياً أصبح المجتمع الوهابي مسدوداً في وجه جميع التأثيرات الأجنبية . وعاش في ظروف الانعزال الخاص (11) .
وبقيادة المبشرين أضحى الإخوان أدوات سياسية للسياسة الداخلية والخارجية التي يتبعها ابن سعود ، وكانت قرى الإخوان قواعد استند إليها ابن سعود لتشكيل جيشه الجديد .
وبمساندة الإخوان قمع التمردات ، وكشف المؤامرات ، وجرد القبائل المتمردة من السلاح ، واعتماداً عليهم خاض ابن سعود الحروب الدموية لتوحيد الجزيرة العربية في ظل مذهب واحد.
دخلت الدول الحرب العالمية الثانية وأعلنت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين ، لكن الإنجليز كانوا يخططون لصالح ابن سعود الذي وافق على مشاريعهم الصهيونية الغربية ، وعندما نقيم موقف السعوديين من الدول العثمانية نرى أن التحالفات بينهم وبين الإنجليز جعلتهم يقفون بكل قوتهم ضد العثمانيين المسلمين متحالفين مع أعداء الدولة الإسلامية .
وقد اعتبر السعوديون العثمانيين كفرة تجب محاربتهم وقتل جنودهم بينما اعتبروا الإنجليز أصدقاء مخلصين بل ومؤمنين يجب التحالف معهم ضد العثمانيين .
حتى عندما شرعت بريطانيا وفرنسا بتطبيق اتفاقيات سايكس – بيكو وقف الحكم السعودي على الحياد باعتبار أن هناك وعوداً بالحفاظ على دولة سعودية داخل الجزيرة العربية . بينما تقسم البلاد العربية بين الإنجليز والفرنسيين .
وبدا واضحاً أن المصلحة الوهابية السعودية فوق كل المصالح العربية والإسلامية عدا عن تغلغل روح التعصب المسعور في الحياة الداخلية للدولة الوهابية . إذ بلغ عدم التسامح الديني ذروته .
في منتصف القرن التاسع عشر زاولت في نجد محكمة خاصة وكانت مكونة من المتحمسين للمذهب الوهابي .
وكانت مهمتها التنكيل بمن يخل بالتعاليم الدينية والتقاليد الوهابية . وقد غُرم المذنبون وتعرضوا إلى عقوبات بدنية صارمة (12) .
وتشهد المرحلة على قطع رؤوس الكثيرين من المسلمين المتهمين بمخالفة المذهب الوهابي إضافة لما شهدته من قطع للأيدي والأرجل والنفي والتعذيب الجسدي والنفسي (13) .
وعلى الرغم من مرور زمن طويل على تأسيس ما يسمى المملكة العربية السعودية ، وعلى الرغم من التطور الإجتماعي والسياسي والإقتصادي والفكري العالمي ، ما تزال أحقاد الوهابية تصب مآسيها على غالبية الشعب العربي في الجزيرة العربية ، وما يزال الفقراء في كثير من مناطقها يعانون الفقر والجهل والمرض ، ويتعرضون للتنكيل على أيدي من يسمون جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بينما القيمون على رئاسة هذا المذهب من آل الشيخ وأعوانهم يعيشون حياة أشبه بحياة ألف ليلة وليلة في ظل حلفائهم من آل سعود .
|
|
* استنتاجات لا تحتاج إلى البراهين ..
|
|
عندما نراقب نشأة الحركة الوهابية على يد محمد بن عبد الوهاب ، ومن ثم التحالفات التي جرت بينها وبين آل سعود . نجد أن هذا التحالف قائم على المصلحة المتبادلة . فزعيم الحركة الوهابية ومؤسسها كان يحتاج إلى السيف والقوة لنشر مذهبه بعدما رفضته معظم القبائل العربية ، ورفضه أهله وذووه . والسعوديون كانوا بحاجة إلى غطاء ديني بسبب وجود الأشراف في الحجاز ومرجعيتهم باعتبارهم ينتسبون إلى آل البيت والقصة في أساسها أن من وراء ابن عبد الوهاب من الإنجليز كانوا يريدون على عادتهم خلق الفتنة والبلبلة بين صفوف المسلمين باختراع مذهب يتشدد ضد كل الفئات المسلمة وفي نفس الوقت يشغلهم عن الهم الأكبر للمسلمين وهو الجهاد لطرد المستعمرين الإنجليز من أطراف الجزيرة العربية .
وقد ظهر من الإتفاق الذي تم بين ابن عبد الوهاب ومحمد بن سعود ، أن المصلحة المشتركة كانت يجمعهما ، وكان الاتفاق ينص على :
• أن يكون محمد بن سعود حسب تعبيرهم أميراً للمؤمنين وذريته من بعده لها السلطة الزمنية أي الحكم .
• أن يكون الطرف الثاني ، محمد بن عبد الوهاب ، إماماً للدعوة ، وذريته من بعده تتسلم السلطة الدينية ، التي من أولى مهامها تكفير كل من لا يسير مع أتباع الحركة الوهابية ولا يدفع ما لديه من مال ، وقتل الرافضين كافة لقتال أعداء الدعوة الوهابية .
سمى الطرف الأول ، باسم إمام المسلمين ، وسمي الطرف الثاني إمام الدعوة . وراحت الأيدي الوهابية تتلطخ بدماء المسلمين هنا وهناك اغتيالاً وغدراً وحرقاً وتدميراً.
ولما كان دهاة الإنجليز قد صنعوا الرجل الأول في الوهابية ، فقد تابعوا مسيرهم الداعم لهذه الحركة التخريبية وحلفائها من الحكام السعوديين ، وظل هذا التحالف قائماً إلى أن حان دور الأميركان ليحلوا محل الإنجليز ويستعمروا السعودية اقتصادياً ومالاً ووظائف واستهلاكاً حتى وقتنا الحاضر .
لقد حققت الحركة الوهابية الغطاء اللازم للسعوديين ، الذين كانوا يطمحون لتوسيع رقعة ملكهم .
واتخذوا من ذريعة كاذبة وهي الخروج على الدين – حجة شرعها لهم ابن عبد الوهاب – ليفتكوا بالناس بعد أن يكفروهم ، ويخرجوهم من أمة الإسلام .
إن الحركة الوهابية اليوم لم تجد من كل ما شرعته سوى الحقد على المسلمين القادمين للحج في مكة والمدينة ، فراحت تمارس ضدهم كل صنوف الإرهاب النفسي والديني .
وما ذلك إلا لغاية واحدة وهي إبعاد الناس عن إسلامهم وزرع الكره فيهم لشعائر الحج ، والتحسب ليلاً نهاراً لتلك الرحلة التي فرضت على المسلمين المستطيعين.
إن نظرة واحدة لممارسات جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنبئك أن هناك توجيهاً وهابياً واضحاً لتنفير الناس من الدين الحنيف ، فهذه الجماعة لا تضم سوى المنفرين الغليظي القلوب والألسنة ، المتسلحين بالعصي والكلمات القاسية .
وفي جميع الأحوال ، فإن حركة بدأت مشبوهة ستظل مشبوهة ، وإن حركة زعيمها صنعته الأيدي الخبيثة من الإنجليز لن يخرج منه سوى الخبث والدمار لأمة الإسلام وبلادها .
|
|
* مراجع تمت الاستفادة منها .. |
|
• محمود شكري الألوسي : تاريخ نجد ، نقلاً عن كتاب الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب ص 9-10 .
• مذكرات سيد همفر ص 32 .
• مذكرات السيد همفر ص 41-42 .
• المرجع السابق ، ص 50 .
• المرجع السابق ، ص 52 .
• مذكرات همفر ، ص 85 .
• مذكرات همفر ، ص 84 .
• تاريخ آل سعود ، ناصر بن سعيد ص 17-18 .
• محسن الأمين ، كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب،ص 49.
• محمد الأمين ، كشف الارتياب ، ص 52 .
• لوتسكي : تاريخ الأقطار العربية الحديث ، صة430 ، الفرابي ط 7 ، بيروت 1980 .
• المرجع السابق ، ص 178 .
• المرجع السابق ، ص 179 .
|
|
|