|
من أجل ان تتواصل أجيال المجتمع البشري وتتوارث خبراتها كان لا بد من كتابة التاريخ وحفظ آثار ومعالم الماضي، الأمر الذي جعل كتابة التاريخ وحفظ آثاره عادةً وتقليداً بشرياً لدىٰ كافة الأمم، فكلما تقدم المستوى الحضاري لأي أمة إرتفعت ـ في المقابل نسبة إهتمامها بالتاريخ والآثار.
وقد جاء القرآن الحكيم مقرراً ومؤكداً لهذه السنّة والعادة البشرية الصالحة، حين دعا البشر لقراءة التاريخ والإستفادة من آثار الماضين وملاحظة معالم حياتهم مما يعني أهمية الحفاظ على تلك المعالم والآثار حتي وان كانت ترتبط بمجتمعات كافرة ومنحرفة وذلك لكي تبقىٰ ـ هذه المعالم والآثار ـ محلاً للعبرة والموعظة وأيضاً مجالاً لإقتباس التجارب والدروس.
يقول تعالىٰ: (ولقد أتوا علي القرية التي امطرت مطر السوء افلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا) 40 ـ الفرقان.
ويقول تعالىٰ: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل..) 42 ـ الروم.
ويقول تعالىٰ أيضاً: (وعاداً وثموداً وقد تبين لكم من مساكنهم) 38 ـ العنكبوت.
إضافة إلي آيات عديدة تتناول قصص وتجارب المجتمعات البشرية الماضية وتدعو إلي التأمل فيها.
هذا في الجانب الإنساني والحضاري، اما في الجانب الديني فنجد إهتماماً كبيراً يوليه الإسلام في مجال تخليد مواقف وآثار الأولياء الصالحين وإبراز معالم حياتهم لتأخذ طريقها إلي ذاكرة الأجيال اللاحقة إزاء أؤلئك الأولياء لشدّ الناس إليهم عاطفياً وروحياً مما يساهم في توثيق الإرتباط الفكري والسلوكي بهم.
فالقرآن الحكيم حينما يتحدث عن قصة أصحاب الكهف يشير إلىٰ عزم المؤمنين ـ آنذاك ـ علىٰ تعظيم مدفنهم ثم بناء مسجد فوقه لتخليد ذكرهم، يقول تعالىٰ: (قال الذين غلبوا علي أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا) 21 ـ الكهف.
وإذا ما تأملنا مناسك الحج نجدها تتضمن التعظيم والتخليد لآثار الأولياء السابقين فقد بنىٰ نبي الله إبراهيم عليه السلام عريشاً إلىٰ جانب الكعبة ليكون مأوىٰ لزوجته هاجر وإبنه إسماعيل وقيل ليكون زرباً لغنم إسماعيل وأصبح فيما بعد مدفناً لنبي الله إسماعيل وأمه هاجر وليبقىٰ هذا المكان الأثري رمزاً مخلداً فقد منحه الإسلام قداسة وتعظيماً إذ إعتبره جزءاً من الكعبة لا بد وان يطوف حوله الطائفون.
وحينما عكف نبي الله إبراهيم عليه السلام علىٰ بناء الكعبة إستخدم صخرة من الحجر كسلم يصعد فوقه لمباشرة البناء فأراد الله تعالىٰ تخليد هذا الأثر لنبيه إبراهيم ولعملية بناء البيت الحرام، حيث دعا المسلمين إلى الصلاة عند تلك الصخرة، قال تعالىٰ: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلىٰ) بل قد حفظ الله تعالىٰ آثر قدمي إبراهيم علىٰ تلك الصخرة لتبقىٰ خالدة إلىٰ يومنا هذا بعد مرور أكثر من أربعة ألاف سنة ـ كما يقدر المؤرخون ـ وما زالت محفوظة في مكانها ضمن صندوق بلوري سميك علىٰ قاعدة من الرخام.
وهكذا بالنسبة للنبع الّذي أجراه الله ليطفاً ظمأً نبي الله إسماعيل يوم كان وليداً رضيعاً وقد
أشتد به العطش ففحص الأرض برجله فانبجس بئر زمزم الّذي أصبحت له قداسة وحرمة حيث وردت أحاديث عديدة عن فضل ماء زمزم ولذلك حافظ عليها المسلمون ولا زالوا يتبركون بمائها.
ولعل في تشريع الله تعالىٰ للسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط تذكيراً للاجيال بسعي هاجر ومحاولاتها الجادة في البحث عن ماء تروي به عطش وليدها هناك بين الجبلين.
ورمي الجمرات الثلاث هو الآخر نسك ينطوي علي تخليد أثر وموقف لنبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام حينما رجم الشيطان بالحجارة اذ
أعترض طريقه ليثنيه عن تنفيذ أوامر الله سبحانه وتعالىٰ كما تشير إلىٰ ذلك الروايات.
من جهة ثانية يؤكد القرآن بوضوح علىٰ ان الله تعالىٰ يريد للاماكن والبيوت التي يقطنها
الأنبياء والصالحون ان تشيد وتخلد عبر القرون والأجيال لتكون مناراً للهدىٰ وتذكيراً برجالات الإخلاص والطهر يقول تعالىٰ: (في بيوت أذن الله ان ترفع ويذكر فيها إسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر...) 36 ـ 37 النور.
وقد روى الحافظ السيوطي عن أنس بن مالك وبريدة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قرأ قوله تعالىٰ (في بيوت أذن الله ان ترفع...) فقام إليه رجل وقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وآله: بيوت الأنبياء. فقام إليه
أبوبكر وقال: يا رسول الله وهذا البيت منها؟ وأشار إلىٰ بيت علي وفاطمة (عليهما السلام). فقال النبي: نعم من أفاضلها .
من هذا المنطلق كانت الأجيال المؤمنة تتوارث الإهتمام والاحترام لمراقد ومساكن الأنبياء والأولياء، فحول بيت المقدس هناك قبر نبي الله داوود في القدس وهكذا قبور أنبياء آخرين إبراهيم وبنيه إسحاق ويعقوب ويوسف الذي نقله النبي موسي عليه السلام من مصر إلي بيت المقدس وبالتحديد في بلد الخليل، وكلها مبنية قد شيدت بالحجارة العادية العظيمة من قبل الإسلام وبقيت مشيدة حتىٰ بعد الفتح الإسلامي لبيت المقدس حيث أقرها وتركها الخليفة عمر بن الخطاب لما فتح بيت المقدس.. وينقل إبن تيمية في كتاب (الصراط المستقيم) ان البناء الذي علىٰ قبر إبراهيم الخليل عليه السلام كان موجوداً في زمن الفتوح وزمن الصحابة.
|