المؤلف: المهندس يوسُف الهَاجري الطبعة الأولىٰ / 1411هـ 1990م -هدم قبور البقيع



   

وقال أحد الشعراء[1]:

قف بالبقيع مسائلاّ تستعلم           آثار (آل محمدٍ) لم تهدم؟
يبقى (مراقدهم) بدون أظلة           تحمي ألوف الزائرين وتعصم؟
في البرد تسقيها السماء بوابلٍ           والحر يلفحها هجير يضرم
لم يستباح حريم (خير أمة           قادوا الورى وهم الصراط الأقوم؟
أو لم يكونوا للأنام مشاعلاً           تهدي جموع التائهين وتعلم؟
أو ليس (سبط محمدٍ) وربيبه           (الحسن الزكي) لدى الإله يعظم؟
أو ليس (زين العابدين) مكرماً           عند الجميع وكل من هو مسلم؟
أو ليس (باقر) علم أحمد موضعاً           للإحتفاء ومنهلاً يستعلم؟
أو ليس (جعفر) الصدوق معلماً           منه (الأئمة) قد رووا وتعلموا؟
الله ما فعلت بـ (عترة أحمد)           زمر _ بكل وقاحة _ (تتأسلم)
أسلافنا قتلت وافنت جمعهم           وهم لخير مراقد قد هدموا
هذي حقيقة هدمهم لمراقد           دوماً بألطاف الإله تكرم
هدموا (قبور أئمة) سادوا الورى           وبفضلهم (كتب السماء) تتكلم
قد لفقوا: ان المراقد بدعة           وبهدمها أمر الرسول الأعظم
إن كان حقاً قولهم لم لا نرى           قبر (اللذين) بيثرب يتهدم؟
ولما بقى (قبر إبن جعفر) سالماً           وعليه منصوباً جدار معلم؟
هل ان دين الله يقبل قسمة           حتى يفرق في القبور ويقسم؟
أو أن دين الله جار (عليهم)           فعليهم ما يستباح محرم؟
كلا. حقيقته (التعصب) وحده           وورائه (استعمار غرب) يلهم
إن التعصب لا يحب بان يرى           (حيل التصار) على المراقد يجثم
والغرب يزعجه (إتحاد) بيننا           ويقض مضجعه (إخاء) مبرم
يا إبن النّبي الطهر (مهدي الورى)           أقدم فعليش المسلمين مجهم
أنجا (الجزيرة) أحمد أذ ما بقى            فيها بصيص صفاء هدى ويلهم
أنت المرجى كي تطهر – ثانيا-           (أرض الجزيرة) من أناس تجرم

   وقال شاعر آخر:

قل للذي أفتى بهدم قبورهم           أن سوف تصلى في القيامة ناراً
أعلمت أي مراقد هدمتها           هي للملائك لا تزال مزاراً

وقال الشاعر صدر الدين الصدر:

لعمري إن فاجعة البقيع           يشيب لهولها فود الرضيع
وسوف تكون فاتحة الرزايا           إذا لم نصح من هذا الهجوع
فهل من مسلم الله يرعى           حقوق نبيه الهادي الشفيع

زار السيد محمد رضا الهندي المدينة المنورة عام 1347 هـ في طريقه إلى الحج، وعند ما زار البقيع تأثر لحالتها فقال فيها[2]:

أعزّ إصطباري وأجري دموعي           وقوفي ضحى في بقاع (البقيع)
على عترة المصطفى الأقربين                  وأمهم إبنة طه الشفيع
هموا آمنوا النّاس من كلّ خوف             وهم أطعموا الناس من كل جوع
وهم روّعوا الكفر في بأسهم             على أنّ فيهم أمان المروع
وقفت على رسمهم والدموع             تسيل ونار الجوى في ضلوعي
وكان من الحزم حبس البكاء             لو انّ هنا لك صبري مطيعي
وهل بملك الصبر من مقلتاه             ترى مهبط الوحي عافى الربوع
وقيّمه يمنع الزائرين                من لثم ذاك المقام المنيع
إذا همّ زوّاره بالدنوّ                يذودونهم عنه ذود (القطيع)
وهذا مقام يذم الصبور               عليه ويحمد حال الجزوع
ويا ليت شعري ولا تبرح الليالي                      تجيني بخطبٍ فظيع
أكان إليهم اسآء النبيّ              فيجزونه بالفعال الشنيع
لئن كان في مكّة صنعهم               بحجّاجها نحو هذا الصنيع
فلست أرى الحجّ بالمستطاع             ولا واجد المال بالمستطيع

  وقال فيها السيد مهدي الأعرجي قصائد ثلاث[3]:
     القصيدة الأولى:

دهيآء رجت في الدنا أقطارها           هيهات ان السيف يدرك ثارها
ومصيبة طرقت فأضرمت الأسى           في كل جانحة واورت نارها
الله أكبر أيّ جلّى في الورى            عفّت قبور بني الهدى ومزارها
عجباً (رجال الدين) قرّت غلبها            كيف أستلذّت في الهوان قرارها
وسمتهم هذي المصيبة وصمة           حتى القيامة لن يزيلوها عارها
تركتهم مثل النسآء ولم يكن           غير النياحة والبكاء شعارها
أتوانياً أبنآء (يعرب) والعدى           قد بلّغت عظم الوريد شفارها
لم نرص إذ دفنت سليلة أحمد           ليلاً وعفى حيدر آثارها
حتى تعفت (بالبقيع) مقابر           كانت ملائكة السما زوارها
حتّام يا بن محمد تغضي ولم           تشحذ لحرب عداكم بتارها
وترتك في آباك أبنآئ الشقا           فانهض فديتك مدركاً أوتارها
هذي تيوس الشراك سمّنها الخنا           فمتى تسلّ السيف يا جزّارها
حتى متى تغضى وشرعة جدكم           جذّ العداة يمينها ويسارها
فأنهض فدآئك مهجتي عجلا فقد           ظهر الفساد مطبّقاً أمصارها
وأطلب بثار الطهر أمك «فاطم»           من عصبة هجمت عليها دارها

         القصيدة الثانية :

مصاب فيه يذهل كلّ روع           وفيه تشيب ناصية الرضيع
وفادحة يذمّ الصبر فيها           ويحمد عندها حزع الجزوع
فيالله من حرق توالت           تأجّح بين صلبي والضلوع
أتهدم (بالبقيع) لنا قبور           ولم تخضب ضبانا بالنجيع
أتهدم بالبقيع لنا قبور           ولم تجل الكريهة عن صريح
أتهدم بالبقيع لنا قبور           وما بقناة قومي من صدوع
أتهدم بالبقيع وليس يلفى           كهام في شبا السيف الصنيع
فنحن إذاً لعمرك مثل من قد           أسآء الصنع للهادي الشفيع
ولست أخال أن يعرو مصاب           فجيع بعد فاجعة (البقيع)
ولكن الشئآم أتت بفتوى           لعمر أبيك أزرت بالجميع
يحرّم ما به الإسلام يسمو           فيالله للخطب الفظيع
فقل يا صاح (للشيعي) نهضاً            فليس لذي الرزية غير شيعي
وقل خلّى التأسف ليس يجدي           تأسّف خاطئي بعد الوقوع
ودع فيض الدموع على خدود           فحرفة عاجز فيض الدموع
اثرها يا بن خير الخلق غلباً           سراعاً للكفاح طوال بوع
قد إتخذوا العجاج لهم لثاماً            وقد لبسوا القلوب على الدروع
وقد ثارات عمك من اناس           هم قتلوه بالسم النقيع
وخذ ثارات جدك من يزيد           وثار بني أبيه مع «الرضيع»
أغثنا فالعدى جاروا علينا           ومنّا قد لووا جيد الخضوع
أرادوا محو ذكر السبط لكن           بدا كالشمس في وقت الطلوع
وراموا حطّ منزله ولكن           حباه الله بالقدر الرفيع
اتغضى معرضاً حاشاك عنّا           وكيف يغضّ ذو كبد وجيع
أتصبر والشقا في كل يوم            يجيء النّاس في دين بديع

    القصيدة الثالثة:

في كلّ يوم لنا في شهر (شوّال)           تجديد آلام فيها موت آمال
يا شهر شوال لا بوركت جئت بها           دهيآء طبّقت النيا بزلزال
لله غلّة وجد لا تبرّدها           إلاّ دمآء الطلى من كل عسّال
لهفي على (زعمآء العصر) ليس بها           فتى يصدّق أقوالاً بأفعال
ان لم تجرّد مواضى العزم فهي إذاً           «كالصلّ» ينفث سّماً غير قتال
(يا ساسة الدين) ما هذا القعود فقد           عمّ البلاء وأمسى مجدكم بالي
هذي قبور بني المختار أوغل في           تهديمهنّ عداكم شرّ إيغال
فأصبحت موطىء الأقدام بينهم           من بعد تقبيل (جبريل وميكال)
لا صبر يا بن الزكي العسكري وذا           من أهله الدين أمسى سيّئي الحال
قد غادروا وبنوه بين أظهرهم           فريسة «لا خسّآء وأرذال»
متى تطهّر وجه الأرض من دنس           من كل مفتخر بالكفر مختال
لا يشفينً صدور المؤمنين سوى           عذبٍ جرى من ندى كفّيك سلسال
لهفي لآل رسول الله أنّهم           قد شرّدوا بين غيطان وأجبال
قد ستتوا فرقاً حتى قبورهم            وهم أمان الورى من كلّ أهوال

  ومن قصيدة في حال البقيع للعلامة المرحوم الشيخ علي بن حسن الجشي بعنوان (أسفاً لآل محمدٍ)[4]:

بالعيد حزناً جدد           أسفاً لآل محمد
فالحزن مهما قيل ذا           عيد أتى بتجدد
كيف السلو وقد خلت           أبيات عترة أحمد
أو هل ترى حساً بها           من بعد طول تهجد
وترى مشاهد للعدات           وما لهم من مشهد
أين الزكي المجتبى           وأخوه خير مسود
إين الهداة بنو الحسين           فهل ترى من سيد
إين الخليفة بعدهم           والفرقد إبن الفرقد
رحلوا عن الدنيا بسم           قاتل ومهند
وبقية الله اختفى            من كل رجس ملحد
فغدت معالمها التي           فيها هدى المسترشد
قفر العراص فلا ترى            من رافد أو مرشد
الله أكبر أي شمل            للنبي مبدد
يا ليت شعري هل ترى            جرماً لعترة أحمد

مستقبل البقيع والدور المطلوب

  إن الإهتمام بآثار وتراث الأقدمين وإجلاله دلالة على حبهم وتقديرهم، وكلما زاد هذا الإهتمام دلّ على حب أكبر وتقدير أعمق ... هذا بالنسبّةللعاديين منهم .. أما إذا كان هؤلاء هم أربعة من الأئمة وسيدة نساء العالمين وأمات المؤمنين وعمات الرسول صلى الله عليه وآله فان الأمر يكون أولى وأكثر إلحاحاً.
ولذلك فان الحديث عن مقبرة البقيع وما يحتويه ثراها من أجساد خيرة الخلق يكتسب أهمية خاصة نابغة من أهمية المدفونين فيها، حيث ان مما يحزّ في النفوس مشاهدة الأوساخ متجمعة فوق قبورهم دون أدنى عناية بهم، وعدم وجود ما يشير إلى أسماء المدفونين بها سوى أحجار متناثرة..
ونقدم في ختام هذا البحث جملة مقترحات حول ما ينبغي عمله تجاه قضية البقيع:
1- إعتبار يوم الثامن من شوال يوم حزن عام اللمسلمين وإعلانه كيوم عالمي للتضامن مع شعب الجزيرة العربية، والإمتناع عن الذهاب إلى الأعمال في ذلك اليوم.
2- زيارة مقبرة البقيع بأعداد هائلة طوال السنة الأمر الذي يعيد من هيبتها أمام الحكومة وعوام النّاس، وخصوصاً في يوم الثامن من شوال.
3- إرسال رسائل إحتجاج إلى الحكومة السعودية من مختلف أنحاء العالم ومطالبتها بالسماح بإعادة بناء البقيع، وكذلك إلى سفاراتها في الخارج.
4- رفع مظلمة البقيع على المنابر الإعلامية الإسلامية، كالمجلات والصحف والمجالس الحسينية.
5- تأليف كتب ونشرها بأعداد كبيرة حول القضية.
6- تأسيس صندوق خاص لدعم قضية البقيع إعلامياً وسياسياً.
7- مطالبة التنظيمات والأحزاب الإسلامية باصدار بيانات إحتجاج في ذكرى هدم البقيع.
8- تنظيم مسيرات إحتجاج في أنحاء العالم في ذكرى الجريمة.
وفي الختام أرجو أن يكون هذا البحث المتواضع مقدمة لبحوث مستفيضة في هذا المجال، إنشاءالله تعالى.

 

الهوامش       

  [1] . ذكرى أئمة البقيع (ع)- إصدار لفيف من الروحانيين في كربلاء المقدسة _ العراق _ العدد2_ السنة2 _ مطبعة الغري الحديثة في النجف _ 8 شهر شوال 1386 هـ - لم يذكر إسم الشاعر.
[2] . ديوان السيد رضا الموسوي الهندي _ ص38.
[3] . محمد باقر النجفي، ديوان شعراء الحسين (ع)، الجزء الاول، ص78.
[4] . ديوان العلامة الجشي _ الشيخ علي بن حسن الجشي _  ص158.


التالي

السابق