-و لماذا لا تداول الأماكن المقدسة بين المسلمين " قراءة في أوراق أول مؤتمر للصوفية في مصر يناقش قضية تدويل المقدسات في مكة و المدينة " سنة النشر 2006م -1427هـ / الناشر : البرنامج البحثي الإعلامي عن التدويل الإسلامي للأماكن المقدسة

 لماذا لا تدول الأماكن المقدسة بين المسلمين
" قراءة في أوراق أول مؤتمر للصوفية في مصر يناقش قضية تدويل المقدسات في مكة و المدينة "

 



«هذا الكتاب»

  هذا الكتاب قراءة متعمقة في أوراق أول مؤتمر للطرق الصوفية في مصر يناقش و بجرأة كبيرة قضية تدويل الأماكن المقدسة في مكة و المدينة ، و عدم اقتصار الإشراف عليها أو تنظيم شعائر الحج و العمرة إليها أو التفقه في أمور هذه الشعائر لمذهب أو لفقه بعينه (نقصد هنا الوهابية) أو لمن يسيطرون سياسياً على هذا المذهب و نقصد هنا (آل سعود )؛ إن هذا المؤتمر الذي دعت إليه و أشرفت عليه الطريقة العزمية في مصر ، و أقامته في الأزهر الشريف ، يعد في تقديرنا عمل هام للغاية و يستحق الاهتمام به و نشر نتائجه و توصياته على أوسع نطاق ، و ما نقدمه هنا هو اختصار واف لأبرز مناقشات و أبحاث و توصيات هذا المؤتمر ، نقدمه للأمة العربية و الإسلامية عله يفيد في قضية التدويل الإسلامي المطروح للأماكن المقدسة في مكة و المدينة و ما يترتب عليها من قضايا أخرى هامة تمس عقائد و مصالح المسلمين الذين يتعرضون الآن لهجمة غربية مجرمة تحتاج إلى تكاثف و وحدة ، و هذا بدوره لن يتم دونما الالتفاف إسلامياً حول ( المقدسات الإسلامية ) و وفق رؤية و منهج جديد .

فريق الباحثين المشرف
على مشروع التدويل الإسلامي
الإعلامي و البحثي للأماكن

 

(1)
قراءة في أوراق المؤتمر و كلماته الهامة

    في بداية المؤتمر ألقى سماحة شيخ الطريقة العزامية السيد محمد علاء الدين ماضي أبو العزايم كلمة هامة جاء فيها قوله أن كل واحد من المسلمين يجب عليه أن ينصح لله و لرسوله صلى الله عليه و سلم و لخاصة المسلمين و عامتهم ، و خصوصاً عند نسيان العامة وسهو الخاصة، لتقوم القلوب – من نومة الغفلة و رقدة الجهالة – عاملة بالإخلاص لله لنفوز بنيل معية الله تعالى فيكون الله معنا كما كان سلفنا الصالح ، و بذلك يجدد لنا مجدنا الذي كان لنا ، ويحفظنا في أوطاننا ، و يجعلنا أئمة لغيرنا و سادة عليهم كما كنا مذ كان الله معنا ، بعافيته و توفيقه و هدايته و إحسانه و فضله و رحمته .
و لما كان أهم ما نسيناه – نحن المسلمين – الوطن و النسب و العبادة و الأدب الإسلامي ، و اعتصامنا بحبل الله ، و الواجب على كل مسلم لكل مسلم ، و على كل مسلم للمجتمع الإسلامي ، و على المجتمع الإنساني .. شرح الله صدورنا لإقامة هذا المؤتمر (الإسلام وطن و المسلمين جميعهم أهله) .
و الوطن هو الإسلام ، و ليس هو أرضاً خضراء ، أو أفقاً من سماء زرقاء ، نعم ، لأن العمل بروح الإسلام .. يجعل المسلمين رجلاً واحداً كل فرد منهم عضو لذلك الجسد ، ساوى الإسلام بين الإمام الأعظم على عرش ملكه ، و بين أحقر عامل مادام قائماً بواجبه ، و بتنفيذ أحكام الإسلام و العمل بوصاياه .
و كفى المسلم فخراً – بعد العلم بالإسلام - أن يكون وطنه الإسلام ، لأنه بالمحافظة عليه يسعد السعادتين الدنيا و الآخرة ، لأن العمل بالإسلام قوة لسلطان المسلمين ، و نشاط لأبدانهم ، و شجاعة لقلوبهم ، و عزة لنفوسهم ، و جمال لأخلاقهم ، وبهجة لأرواحهم ، و صفاء لقوتهم . و كيف لا ؟ و المسلم خزانة المسلم و كنزه حيث كان و أين كان ، و سمعه و بصره و سيفه و رمحه . و قد بُلي المسلمون في هذا الزمان بأناس يقولون بألسنتهم : إنا مسلمون ، و هم في الحقيقة سموم قتالة لا تخفى إلا على ذوي البصائر العمياء .. و كيف لا ؟ و هم قوم أسربوا في قلوبهم حب أعداء الإسلام و المسلمين ، وتجردت قلوبهم من أنوار الإسلام ، فأظلم أفقها بالسخائم للإسلام والمسلمين ، و المناوأة لله و لرسوله صلى الله عليه و سلم .
فتراهم يشبهون و يجسمون الله تعالى ، و يسوءهم توقير النبي صلى الله عليه و سلم و الاحتفال بمولده و زيارته ، بل و يهدمون كل أثر له ، و يقسمون الأمة الإسلامية إلى كافر و مشرك و مبتدع ، و يفرضون رأيهم بالقوة على العامة و البسطاء ، مستغلين فريضة الحج ، ويا ليت العوام سلموا منهم ، بل يقدمون المئات سنوياًُ قرباناً عند رمي الجمرات ، ثم يموهون على جماعة المسلمين أنهم مسلمون ، ليخرجوا كل مجتمع إسلامي خاص من المجتمع الإسلامي العام ، و يفرقون بين أعضاء الجسد الواحد ، لأن حظهم أعماهم عن الشر الذي أحيق بالكل بسبب سعيهم ، و الضرر الذي يعم الكل بسوء قصدهم ، فتعساً لهم .
ثم يؤكد السيد محمد علاء الدين ماضي أبو العزايم أن هؤلاء يقولون إنهم مسلمون بألسنتهم ، والعلماء يعلمون أنهم الداء العضال للجسد الإسلامي ، لا يقوم كل عضو من أعضاء الجسد بالواجب عليه إلا بعد معافاته من المرض .. و لو أننا تتبعنا أسباب ضعف المسلمين ، لظهر لنا جلياً أن سبب ذلك كله هو الوهابية .
يجب أن نعلم أن حياتنا الطيبة – التي تكون لنا بها العزة من الله في الدنيا ، و السعادة في الدار الآخرة ،- لا تكون لنا حقاً إلا بأن نكون جميعاً مع خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و أن نحقر كل لذة و شهوة وسيادة خاصة بذاتنا في جانب خير المجتمع الإسلامي ، و لأن يكون الرجل منا فقيراً ذليلاً – مع عز المجتمع الإسلامي و قوته و تماسك أعضائه- خير من أن يكون مستقلاً بجماعة من المسلمين ، يفرق بذلك مجتمعهم و يضعف قوتهم ، كما يفعله أعداء الإسلام ممن يدعون الإسلام كذباً ، و يدسون الدسائس ليفرقوا المجتمع الإسلامي فيقولون : يجب علينا ألا نلتفت إلى غير بلادنا ، وألا نتألم لآلام المسلمين أيم كانوا ، و لا نساعدهم بأموالهم ، و أولئك هم الضالون المضلون ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (من لا يهمه هم المسلمين فليس منهم ).

(2)

     و في كلمته الهامة أكد الشيخ عمر البسطويسي رئيس قطاع مكتب شيخ الأزهر أن الرسالة الإسلامية تمتاز بميزات و خصائص ملازمة لطبيعة القوانين و التكاليف و الأخلاق و الفكر و الدعوة الإسلامية ، وفيما يلي نوضح أبرز هذه الخصائص بشيء من الإيجار و التركيز ، فهي :
    1. الخلود : فمن أولى خصائص الرسالة الإسلامية الخلود ، و خلود الإسلام هو استمرار بقائه ، و امتداد رسالته ودعوته ، مادامت البشرية تواصل حياتها على سطح هذه الأرض .
قال تعالى يصف خلود هذه الرسالة : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني و بينكم و أوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به و من بلغ ]الأنعام : 19[ و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ]الأنبياء : ]107[ ، و ما أرسلناك إلا كافة للناس[سبأ : 28] .
إن الإنسان في كل مرحلة من مراحل التاريخ ، و في كل فترة من فترات حياته ، لا يمكن أن يستغنى عن الدين إنما هو بحاجة إلى دين يهديه ، و إيمان ينقذه من الجاهلية ، و تسلط الطواغيت ، و انحراف الأنظمة الني وضعها المتسلطون و لعبت بهم الشهوات و الأهواء .
و قد شاء الله سبحانه و تعالى أن يكون هذا الدين الذي لازم البشرية في مسيرتها ، و يستوعب مظاهر التجدد و النمو في حياتها هو دين الإسلام .
أما سر خلود الرسالة الإسلامية ، فيمكن – من وجهة نظر الشيخ عمر البسطويسي في عدة عناصر أساسية هي :
   أ – السعة و الشمول : إن العوامل المهمة التي تساعد الشريعة على البقاء و النظم و الأفكار و المفاهيم الإيمانية و الحضارية .
فالرسالة الإسلامية رسالة شاملة عامة ، عالجت قضايا العقيدة و العبادات و الأخلاق و القوانين المختلفة ، التي تنظم شئون الأسرة و الحكم و السياسة و العلاقات الدولية و المال و الاقتصاد و الحرب و السلام ، و علاقات ملكية الأرض و العلم ، كما تشمل تنظيم النشاطات الفردية المتعددة عند الإنسان ، كالطهارة و اللباس و المأكولات و المشروبات ، و الحفاظ على الصحة البد نية و الأوضاع النفسية و الانفعالية .. الخ .
و لو تأملنا في الحياة الإنسانية و حاجات الإنسان لوجدناها تنقسم بطبيعتها إلى قسمين اثنين هما :
1- قسم ثابت و دائم لا يتغير : و هو جانب الحاجات الإنسانية الثابتة المرتبط بالغريزة و الفطرة و التكوين البشري ، كالحاجة إلى الطعام و الشراب و الزواج و العلاج و العلم و الأمن .. إلخ .
    2 – أما الجانب الثاني : من الحاجات و الحياة و الإنسانية فهو جانب الوسائل و الأساليب التي تمكن الإنسان من تحقيق مطالبه ، و الاستجابة للحاجات الثابتة ، و العمل على إشباعها .
لذا فإن الإنسان قام بتنظيم الجانب الثابت ، و وضع له الأسس و القواعد الكلية باعتباره حقيقة تكوينية ثابتة في ذات الإنسان ، و جعل الجانب المتطور من الحياة الإنسانية جانباً مفتوحاً ، و لكنه يتحرك وفق قواعد و مفاهيم ثابتة .
و بذلك فتح الإسلام باب النمو في الحياة الإنسانية على مصراعيه ، مادام يحقق مصالحها ، و يسير على وفق قيم الخير و الإيمان .
    ب – الاجتهاد : و من العناصر الأساسية التي تحقق استيعاب الشريعة الإسلامية لكل متجدد و متطور في حياة الإنسان ، و تحقق لهذه الشريعة الخلود و البقاء هو (الاجتهاد) ، أي استنباط الأحكام و القوانين و المفاهيم و الأفكار من القرآن الكريم و السنة المطهرة ، فكل حادثة ، أمر جديد يحدث في المجتمع الإسلامي ، و لم يكن له حكم محدد و جاهز ، فإن الشريعة قد أدت باستنباط ذلك الحكم من القواعد و الأسس و المفاهيم الكلية العامة و بذا يمتد و يتسع القانون و الفكر الإسلامي ، و لا يجد المسلمون مسألة فردية أو اجتماعية إلا و يستطيعون أن يستخرجوا لها حكماً من القرآن و السنة .
   2. اليسر و السهولة و التكليف بمستوى القدرة و الطاقة : و الخاصة الثانية من خصائص الرسالة الإسلامية هي التكليف بمستوى الطاقة ، و اليسر و السهولة في التكليف و الواجبات ، فليس في الشريعة الإسلامية تكليفاً فوق طاقة الإنسان و استطاعته ، فكل العبادات من الصوم ، و الصلاة ، و الطهارة ، و الحج ، و الزكاة ، و الجهاد في سبيل الله ، و الأمر بالمعروف و ا لنهي عن المنكر ، و النفقة على الزوجة و الأبناء و الوالدين ، و أمثال ذلك ، كلها قد وضعت بمستوى طاقة الإنسان و استطاعته .
و بذلك يقول الله سبحانه و تعالى : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها (البقرة 286).
و هكذا تتجلى صفات الرحمة و العدل و اللطف و الحكمة الإلهية في التكليف و المسئوليات جميعها .
    2- الإنسانية : و الصفة الأخرى من صفات الرسالة الإسلامية هي صفة الإنسانية فهي رسالة موجهة إلى البشرية جميعها ، و هي تنظر إلى الناس جميعاً بأنهم من أصل واحد ، متساوون في الإنسانية ، و لا فضل لأحد على أحد ، إلا بالاستقامة ، وفعل الخير .
فلا يفضل أحد على أحد بسبب لونه ، أو جنسه ، أو ذكورته أو أنوثته ، أو ماله ، أو قوته .. الخ ، و إنما الفضل للاستقامة في العقيدة و السلوك ، قال الله تعالى :" يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أنقاكم "(الحجرات:13)و قال مخاطباً نبيه صلى الله عليه و سلم (و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )[الأنبياء:107]
 لا     4 – العقلانية و احترام العقل : تمتاز الرسالة الإسلامية بأنها رسالة للعقل و المنطق السليم ، فهي رسالة تقوم على أساس قناعة العقل و التوافق مع منطقه ، و إقناعه بالحجة و الدليل و البرهان الرصين ، لذا كان حوار القرآن مستمراً و مفتوحاً مع العقل ، و دعوة متواصلة لحث الإنسان على التفكير و التأمل و استخدام العقل .
قال تعالى :"و تلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون " (العنكبوت :43). " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون "( الأنفال : 22) .
و قد حرر الإسلام العقل و أطلقه من الجمود و الركود و الخرافة فبنى أعظم حضارة عقلية ملتزمة بقيم الإيمان و الأخلاق .
    5 – الواقعية و عدم التناقض : الإسلام دين عمل ، و منهج حياة ، بلغ للبشرية لتهتدي به ، و تسير على نهجه و تبني حياتها على أساسه ، و رسالة هذه صفاتها و أهدافها ، يجب أن تكون رسالة واقعية ، بعيدة عن التزمت و التصور اللامعقول ،لذا فهي جاءت مراعية للفطرة البشرية و وضع الإنسان الجسمي و العقل و النفسي .
و بذا كانت القوانين و الأنظمة و العبادات و الأخلاق .. الخ ، التي جاءت بها الرسالة الإسلامية متجاوبة مع الفطرة ، و منظمة لنشاط العقل و الغريزة و الجسد ، وفق منهج إلهي متكامل ، و من أجل الوصول بالإنسان إلى الكمال اللائق بإنسانيته ، و المحقق لخيره و صالحه في الدنيا و الآخرة .
    6 – الاهتمام بالقصد و الغاية : إن الغاية الإنسانية للرسالة الإسلامية ، هي بناء الذات الإنسانية بناءً خيّراً ، و تطهير محتواها من الياء و النفاق و الغش .. الخ ، لذلك اعتنى الإسلام بالقصد الإنساني (النية) ، و جعله روح الفعل و أساس قيمته . لذلك ورد في الحديث النبوي الشريف : (إنما الأعمال بالنيات و لكل امرئ ما نوى ) ]رواه البخاري و مسلم ، و أبو داود[ ، كل ذلك من أجل تصحيح اتجاه الإنسان و غايته في الحياة ، كجزء من المنهج التربوي الذي يحرص على تقويم الذات الإنسانية من داخلها ، و بناء الإحساس الباطني بناء أخلاقياً و روحياً خيراً .
و على هذا الأساس ، اعتبر الإسلام عمل عبادي باطلاً إذا داخله الرياء أو النفاق ، و لم يتوفر قصد الإخلاص لله سبحانه .
       7 – الاعتدال و الموازنة بين الدنيا و الآخرة : قال الله تعالى " و ابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا و أحسن كما أحسن الله إليك " [القصص : 77].
تمتاز الرسالة الإسلامية بأنها رسالة و أزنت بين الدنيا و الآخرة ، فدعت الإنسان إلى طلب العلم و الإنتاج ، و الإعمار و التمتع بطيبات الحياة و زينتها ، و رعاية جسده و غرائزه فيما يحل له و يليق بحاله كمؤمن لا إفراط و لا تفريط في حياته .
و في الختام قال السيخ عمر البسطويسي : أتوجه بدعوة من القلب على المسلمين جميعاً بالإخلاص في دعوتهم ، و نبذ الخلافات و التعصب المذهبي فيما بينهم ، و العمل على إظهار صورة الإسلام المشرفة ، و تقديم القدوة و النموذج الطيب في التواضع و السماحة و الأخلاق الرفيعة .

 

التالي

السابق