|
|
|
|
|
«هذا الكتاب»
|
|
هذا الكتاب قراءة متعمقة في أوراق أول مؤتمر للطرق الصوفية في مصر يناقش و بجرأة كبيرة قضية تدويل الأماكن المقدسة في مكة و المدينة ، و عدم اقتصار الإشراف عليها أو تنظيم شعائر الحج و العمرة إليها أو التفقه في أمور هذه الشعائر لمذهب أو لفقه بعينه (نقصد هنا الوهابية) أو لمن يسيطرون سياسياً على هذا المذهب و نقصد هنا (آل سعود )؛ إن هذا المؤتمر الذي دعت إليه و أشرفت عليه الطريقة العزمية في مصر ، و أقامته في الأزهر الشريف ، يعد في تقديرنا عمل هام للغاية و يستحق الاهتمام به و نشر نتائجه و توصياته على أوسع نطاق ، و ما نقدمه هنا هو اختصار واف لأبرز مناقشات و أبحاث و توصيات هذا المؤتمر ، نقدمه للأمة العربية و الإسلامية عله يفيد في قضية التدويل الإسلامي المطروح للأماكن المقدسة في مكة و المدينة و ما يترتب عليها من قضايا أخرى هامة تمس عقائد و مصالح المسلمين الذين يتعرضون الآن لهجمة غربية مجرمة تحتاج إلى تكاثف و وحدة ، و هذا بدوره لن يتم دونما الالتفاف إسلامياً حول ( المقدسات الإسلامية ) و وفق رؤية و منهج جديد .
|
|
فريق الباحثين المشرف
على مشروع التدويل الإسلامي
الإعلامي و البحثي للأماكن
|
|
|
|
(1)
قراءة في أوراق المؤتمر و كلماته الهامة
|
|
في بداية المؤتمر ألقى سماحة شيخ الطريقة العزامية السيد محمد علاء الدين ماضي أبو العزايم كلمة هامة جاء فيها قوله أن كل واحد من المسلمين يجب عليه أن ينصح لله و لرسوله صلى الله عليه و سلم و لخاصة المسلمين و عامتهم ، و خصوصاً عند نسيان العامة وسهو الخاصة، لتقوم القلوب – من نومة الغفلة و رقدة الجهالة – عاملة بالإخلاص لله لنفوز بنيل معية الله تعالى فيكون الله معنا كما كان سلفنا الصالح ، و بذلك يجدد لنا مجدنا الذي كان لنا ، ويحفظنا في أوطاننا ، و يجعلنا أئمة لغيرنا و سادة عليهم كما كنا مذ كان الله معنا ، بعافيته و توفيقه و هدايته و إحسانه و فضله و رحمته .
و لما كان أهم ما نسيناه – نحن المسلمين – الوطن و النسب و العبادة و الأدب الإسلامي ، و اعتصامنا بحبل الله ، و الواجب على كل مسلم لكل مسلم ، و على كل مسلم للمجتمع الإسلامي ، و على المجتمع الإنساني .. شرح الله صدورنا لإقامة هذا المؤتمر (الإسلام وطن و المسلمين جميعهم أهله) .
و الوطن هو الإسلام ، و ليس هو أرضاً خضراء ، أو أفقاً من سماء زرقاء ، نعم ، لأن العمل بروح الإسلام .. يجعل المسلمين رجلاً واحداً كل فرد منهم عضو لذلك الجسد ، ساوى الإسلام بين الإمام الأعظم على عرش ملكه ، و بين أحقر عامل مادام قائماً بواجبه ، و بتنفيذ أحكام الإسلام و العمل بوصاياه .
و كفى المسلم فخراً – بعد العلم بالإسلام - أن يكون وطنه الإسلام ، لأنه بالمحافظة عليه يسعد السعادتين الدنيا و الآخرة ، لأن العمل بالإسلام قوة لسلطان المسلمين ، و نشاط لأبدانهم ، و شجاعة لقلوبهم ، و عزة لنفوسهم ، و جمال لأخلاقهم ، وبهجة لأرواحهم ، و صفاء لقوتهم . و كيف لا ؟ و المسلم خزانة المسلم و كنزه حيث كان و أين كان ، و سمعه و بصره و سيفه و رمحه . و قد بُلي المسلمون في هذا الزمان بأناس يقولون بألسنتهم : إنا مسلمون ، و هم في الحقيقة سموم قتالة لا تخفى إلا على ذوي البصائر العمياء .. و كيف لا ؟ و هم قوم أسربوا في قلوبهم حب أعداء الإسلام و المسلمين ، وتجردت قلوبهم من أنوار الإسلام ، فأظلم أفقها بالسخائم للإسلام والمسلمين ، و المناوأة لله و لرسوله صلى الله عليه و سلم .
فتراهم يشبهون و يجسمون الله تعالى ، و يسوءهم توقير النبي صلى الله عليه و سلم و الاحتفال بمولده و زيارته ، بل و يهدمون كل أثر له ، و يقسمون الأمة الإسلامية إلى كافر و مشرك و مبتدع ، و يفرضون رأيهم بالقوة على العامة و البسطاء ، مستغلين فريضة الحج ، ويا ليت العوام سلموا منهم ، بل يقدمون المئات سنوياًُ قرباناً عند رمي الجمرات ، ثم يموهون على جماعة المسلمين أنهم مسلمون ، ليخرجوا كل مجتمع إسلامي خاص من المجتمع الإسلامي العام ، و يفرقون بين أعضاء الجسد الواحد ، لأن حظهم أعماهم عن الشر الذي أحيق بالكل بسبب سعيهم ، و الضرر الذي يعم الكل بسوء قصدهم ، فتعساً لهم .
ثم يؤكد السيد محمد علاء الدين ماضي أبو العزايم أن هؤلاء يقولون إنهم مسلمون بألسنتهم ، والعلماء يعلمون أنهم الداء العضال للجسد الإسلامي ، لا يقوم كل عضو من أعضاء الجسد بالواجب عليه إلا بعد معافاته من المرض .. و لو أننا تتبعنا أسباب ضعف المسلمين ، لظهر لنا جلياً أن سبب ذلك كله هو الوهابية .
يجب أن نعلم أن حياتنا الطيبة – التي تكون لنا بها العزة من الله في الدنيا ، و السعادة في الدار الآخرة ،- لا تكون لنا حقاً إلا بأن نكون جميعاً مع خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و أن نحقر كل لذة و شهوة وسيادة خاصة بذاتنا في جانب خير المجتمع الإسلامي ، و لأن يكون الرجل منا فقيراً ذليلاً – مع عز المجتمع الإسلامي و قوته و تماسك أعضائه- خير من أن يكون مستقلاً بجماعة من المسلمين ، يفرق بذلك مجتمعهم و يضعف قوتهم ، كما يفعله أعداء الإسلام ممن يدعون الإسلام كذباً ، و يدسون الدسائس ليفرقوا المجتمع الإسلامي فيقولون : يجب علينا ألا نلتفت إلى غير بلادنا ، وألا نتألم لآلام المسلمين أيم كانوا ، و لا نساعدهم بأموالهم ، و أولئك هم الضالون المضلون ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (من لا يهمه هم المسلمين فليس منهم ).
|
|
(2)
|
|
و في كلمته الهامة أكد الشيخ عمر البسطويسي رئيس قطاع مكتب شيخ الأزهر أن الرسالة الإسلامية تمتاز بميزات و خصائص ملازمة لطبيعة القوانين و التكاليف و الأخلاق و الفكر و الدعوة الإسلامية ، وفيما يلي نوضح أبرز هذه الخصائص بشيء من الإيجار و التركيز ، فهي :
1. الخلود : فمن أولى خصائص الرسالة الإسلامية الخلود ، و خلود الإسلام هو استمرار بقائه ، و امتداد رسالته ودعوته ، مادامت البشرية تواصل حياتها على سطح هذه الأرض .
قال تعالى يصف خلود هذه الرسالة : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني و بينكم و أوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به و من بلغ ]الأنعام : 19[ و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ]الأنبياء :
]107[ ، و ما أرسلناك إلا كافة للناس[سبأ : 28] .
إن الإنسان في كل مرحلة من مراحل التاريخ ، و في كل فترة من فترات حياته ، لا يمكن أن يستغنى عن الدين إنما هو بحاجة إلى دين يهديه ، و إيمان ينقذه من الجاهلية ، و تسلط الطواغيت ، و انحراف الأنظمة الني وضعها المتسلطون و لعبت بهم الشهوات و الأهواء .
و قد شاء الله سبحانه و تعالى أن يكون هذا الدين الذي لازم البشرية في مسيرتها ، و يستوعب مظاهر التجدد و النمو في حياتها هو دين الإسلام .
أما سر خلود الرسالة الإسلامية ، فيمكن – من وجهة نظر الشيخ عمر البسطويسي في عدة عناصر أساسية هي :
أ – السعة و الشمول : إن العوامل المهمة التي تساعد الشريعة على البقاء و النظم و الأفكار و المفاهيم الإيمانية و الحضارية .
فالرسالة الإسلامية رسالة شاملة عامة ، عالجت قضايا العقيدة و العبادات و الأخلاق و القوانين المختلفة ، التي تنظم شئون الأسرة و الحكم و السياسة و العلاقات الدولية و المال و الاقتصاد و الحرب و السلام ، و علاقات ملكية الأرض و العلم ، كما تشمل تنظيم النشاطات الفردية المتعددة عند الإنسان ، كالطهارة و اللباس و المأكولات و المشروبات ، و الحفاظ على الصحة البد نية و الأوضاع النفسية و الانفعالية .. الخ .
و لو تأملنا في الحياة الإنسانية و حاجات الإنسان لوجدناها تنقسم بطبيعتها إلى قسمين اثنين هما :
1- قسم ثابت و دائم لا يتغير : و هو جانب الحاجات الإنسانية الثابتة المرتبط بالغريزة و الفطرة و التكوين البشري ، كالحاجة إلى الطعام و الشراب و الزواج و العلاج و العلم و الأمن .. إلخ .
2 – أما الجانب الثاني : من الحاجات و الحياة و الإنسانية فهو جانب الوسائل و الأساليب التي تمكن الإنسان من تحقيق مطالبه ، و الاستجابة للحاجات الثابتة ، و العمل على إشباعها .
لذا فإن الإنسان قام بتنظيم الجانب الثابت ، و وضع له الأسس و القواعد الكلية باعتباره حقيقة تكوينية ثابتة في ذات الإنسان ، و جعل الجانب المتطور من الحياة الإنسانية جانباً مفتوحاً ، و لكنه يتحرك وفق قواعد و مفاهيم ثابتة .
و بذلك فتح الإسلام باب النمو في الحياة الإنسانية على مصراعيه ، مادام يحقق مصالحها ، و يسير على وفق قيم الخير و الإيمان .
ب – الاجتهاد : و من العناصر الأساسية التي تحقق استيعاب الشريعة الإسلامية لكل متجدد و متطور في حياة الإنسان ، و تحقق لهذه الشريعة الخلود و البقاء هو (الاجتهاد) ، أي استنباط الأحكام و القوانين و المفاهيم و الأفكار من القرآن الكريم و السنة المطهرة ، فكل حادثة ، أمر جديد يحدث في المجتمع الإسلامي ، و لم يكن له حكم محدد و جاهز ، فإن الشريعة قد أدت باستنباط ذلك الحكم من القواعد و الأسس و المفاهيم الكلية العامة و بذا يمتد و يتسع القانون و الفكر الإسلامي ، و لا يجد المسلمون مسألة فردية أو اجتماعية إلا و يستطيعون أن يستخرجوا لها حكماً من القرآن و السنة .
2. اليسر و السهولة و التكليف بمستوى القدرة و الطاقة : و الخاصة الثانية من خصائص الرسالة الإسلامية هي التكليف بمستوى الطاقة ، و اليسر و السهولة في التكليف و الواجبات ، فليس في الشريعة الإسلامية تكليفاً فوق طاقة الإنسان و استطاعته ، فكل العبادات من الصوم ، و الصلاة ، و الطهارة ، و الحج ، و الزكاة ، و الجهاد في سبيل الله ، و الأمر بالمعروف و ا لنهي عن المنكر ، و النفقة على الزوجة و الأبناء و الوالدين ، و أمثال ذلك ، كلها قد وضعت بمستوى طاقة الإنسان و استطاعته .
و بذلك يقول الله سبحانه و تعالى : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها (البقرة 286).
و هكذا تتجلى صفات الرحمة و العدل و اللطف و الحكمة الإلهية في التكليف و المسئوليات جميعها .
2- الإنسانية : و الصفة الأخرى من صفات الرسالة الإسلامية هي صفة الإنسانية فهي رسالة موجهة إلى البشرية جميعها ، و هي تنظر إلى الناس جميعاً بأنهم من أصل واحد ، متساوون في الإنسانية ، و لا فضل لأحد على أحد ، إلا بالاستقامة ، وفعل الخير .
فلا يفضل أحد على أحد بسبب لونه ، أو جنسه ، أو ذكورته أو أنوثته ، أو ماله ، أو
قوته .. الخ ، و إنما الفضل للاستقامة في العقيدة و السلوك ، قال الله تعالى :"
يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إن
أكرمكم عند الله أنقاكم "(الحجرات:13)و قال مخاطباً نبيه صلى الله عليه و سلم (و ما
أرسلناك إلا رحمة للعالمين )[الأنبياء:107]
لا 4 – العقلانية و احترام العقل : تمتاز الرسالة الإسلامية بأنها رسالة للعقل و المنطق السليم ، فهي رسالة تقوم على أساس قناعة العقل و التوافق مع منطقه ، و إقناعه بالحجة و الدليل و البرهان الرصين ، لذا كان حوار القرآن مستمراً و مفتوحاً مع العقل ، و دعوة متواصلة لحث الإنسان على التفكير و التأمل و استخدام العقل .
قال تعالى :"و تلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون " (العنكبوت :43). " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون "( الأنفال : 22) .
و قد حرر الإسلام العقل و أطلقه من الجمود و الركود و الخرافة فبنى أعظم حضارة عقلية ملتزمة بقيم الإيمان و الأخلاق .
5 – الواقعية و عدم التناقض : الإسلام دين عمل ، و منهج حياة ، بلغ للبشرية لتهتدي به ، و تسير على نهجه و تبني حياتها على أساسه ، و رسالة هذه صفاتها و أهدافها ، يجب أن تكون رسالة واقعية ، بعيدة عن التزمت و التصور اللامعقول ،لذا فهي جاءت مراعية للفطرة البشرية و وضع الإنسان الجسمي و العقل و النفسي .
و بذا كانت القوانين و الأنظمة و العبادات و الأخلاق .. الخ ، التي جاءت بها الرسالة الإسلامية متجاوبة مع الفطرة ، و منظمة لنشاط العقل و الغريزة و الجسد ، وفق منهج إلهي متكامل ، و من أجل الوصول بالإنسان إلى الكمال اللائق بإنسانيته ، و المحقق لخيره و صالحه في الدنيا و الآخرة .
6 – الاهتمام بالقصد و الغاية : إن الغاية الإنسانية للرسالة الإسلامية ، هي بناء الذات الإنسانية بناءً خيّراً ، و تطهير محتواها من الياء و النفاق و الغش .. الخ ، لذلك اعتنى الإسلام بالقصد الإنساني (النية) ، و جعله روح الفعل و أساس قيمته .
لذلك ورد في الحديث النبوي الشريف : (إنما الأعمال بالنيات و لكل امرئ ما نوى ) ]رواه البخاري و مسلم ، و أبو داود[ ، كل ذلك من أجل تصحيح اتجاه الإنسان و غايته في الحياة ، كجزء من المنهج التربوي الذي يحرص على تقويم الذات الإنسانية من داخلها ، و بناء الإحساس الباطني بناء أخلاقياً و روحياً خيراً .
و على هذا الأساس ، اعتبر الإسلام عمل عبادي باطلاً إذا داخله الرياء أو النفاق ، و لم يتوفر قصد الإخلاص لله سبحانه .
7 – الاعتدال و الموازنة بين الدنيا و الآخرة : قال الله تعالى " و ابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا و أحسن كما أحسن الله إليك "
[القصص : 77].
تمتاز الرسالة الإسلامية بأنها رسالة و أزنت بين الدنيا و الآخرة ، فدعت الإنسان إلى طلب العلم و الإنتاج ، و الإعمار و التمتع بطيبات الحياة و زينتها ، و رعاية جسده و غرائزه فيما يحل له و يليق بحاله كمؤمن لا إفراط و لا تفريط في حياته .
و في الختام قال السيخ عمر البسطويسي : أتوجه بدعوة من القلب على المسلمين جميعاً بالإخلاص في دعوتهم ، و نبذ الخلافات و التعصب المذهبي فيما بينهم ، و العمل على إظهار صورة الإسلام المشرفة ، و تقديم القدوة و النموذج الطيب في التواضع و السماحة و الأخلاق الرفيعة .
|
|
|