- لماذا لا تدول الأماكن المقدسة بين المسلمين " قراءة في أوراق أول مؤتمر للصوفية في مصر يناقش قضية تدويل المقدسات في مكة و المدينة " سنة النشر 2006م -1427هـ / الناشر : البرنامج البحثي الإعلامي عن التدويل الإسلامي للأماكن المقدسة




(3)
مستقبل المقدسات الإسلامية بين التحديات و الآمال

    و في بحث تحت عنوان (مستقبل المقدسات الإسلامية بين التحديات و الآمال )إعداد الأستاذ عبد الحليم العزمي رئيس تحرير مجلة الإسلام وطن طرح فيه عدة تساؤلات قال أنها تتردد خارج هذا المؤتمر يقولون : لماذا تقيم الطريقة العزمية هذا مثل هذا المؤتمر ؟ و ما دخل طريقة صوفية بالمقدسات الإسلامية ؟ كان يكفيها أن تحافظ على ضريح شيخها ؟!! و للجواب على هذه التساؤلات نقول : إن إلغاء الخلافة الإسلامية في 2 مارس 1924- و على غرة – كان له دوي شديد في مصر و العالم الإسلامي ، و لم يغمض للإمام المجدد السيد محمد ماضي أبي العزايم رضي الله عنه جفن طوال الأيام الأولى من تلك الفتنة العمياء ، و كان رده فورياً .. و قد شهدت الساعات الأولى انجازين على درجة كبيرة من الأهمية :
   1. تكوين جمعية (إحياء الخلق المحمدية) و مقرها الرئيسي قصر الحنفي (سكن الإمام) و فروعها في بلاد مصر ، و إعلام للجميع عن استنكارها لقرار الإلغاء على المستوى الشعبي.
   2 – قام باتصالات هاتفية و كتابة خطابات شخصية و إرسال برقيات لجميع رؤساء بلدان العالم الإسلامي لتكوين جماعات عمل لمؤتمر الخلافة الإسلامية ، و كان أول المستجيبين أخوة الهند و قد توالت الردود على الإمام أبي العزايم و التي لا يتسع المقام هنا لذكرها .. و منها :
]رسالة من مشايخ إمارة الخليج العربي و هم : محمد بن عبد اللطيف ، و سليمان سهمان ، و عبد الله سهمان ، و عبد الله سالم ، و رسالة من الملك عبد العزيز آل سعود ، و من جمعية الشبان الفلسطينيين بحيفا ، و من جزيرة سنغافورة من السيد محمد عقيل بن يحيى ، و من ديوان المحكمة الشرعية بولاية البوسنة بيوغسلافيا موقع عليها من كل من : محمد موبا غنيك ، و محمد جمال الدين ، و محمد القاضي ، و رسالة من السيد محمد البطاح قاضي عدن ، و كتاب من لجنة العمل على إحياء الخلافة بمدينة الكاب بجنوب أفريقيا ،و رسالة من رئيس جمعية حزب المرشدين الدينيين في سومطرة ، و كتاب من بولونيا من رئيس الجمعية الإسلامية ، و رسالة من الاتحاد الصيني للجمعيات الإسلامية بشنغهاي ، و كتاب من اندونيسيا بتوقيع سوكارنو و آخرين ، وكتاب من حميد الدين إمام اليمن .....و غيرها[.
و تم أول اجتماع لجمعية (إحياء الأخلاق المحمدية) بمنزل الإمام أبي العزايم في 23 مارس 1924 ، و حضرها رجال الصحف و وكالات الأنباء العالمية و المحلية ، و خرج من هذا الاجتماع بفائدة هي : تكوين قيادة لهذه الهيئة أسماها (اللجنة التنفيذية لجماعة الخلافة الإسلامية بوادي النيل) كان أحد أقطابها علي بك فهمي كامل شقيق الزعيم مصطفى كامل ، و قرر الأعضاء العمل على الدعوة لإقامة مؤتمر إسلامي عالمي يشارك فيه جميع زعماء و ملوك الهيئات و الدول الإسلامية ، و انتخب هذا لجنة تحضيرية برئاسة الإمام أبي العزايم رضي الله عنه .
و فوجئت الحكومة المصرية بما نشرته الصحف عن الاجتماع الذي دار في دار الإمام أبي العزايم ، فشرعت بعد ستة أشهر في تكوين مؤتمر من علماء الأزهر برئاسة الشيخ الأحمدي الظواهري ، لتزكية الملك فؤاد خليفة على المسلمين ، و حاول الملك فؤاد استمالة الإمام أبي العزايم إلى صفة بشتى الطرق إلا فشل في ذلك ، فبدأ في حرب شعواء مع الإمام ، كل هذا و الإمام يدعو لعقد مؤتمر الخلافة بمكة في موسم الحج .
حيث أرسل إلى الملك عبد العزيز يطلب منه ذلك ، فكان رده على الإمام أبي العزايم عام 1925 ما يلي : من عبد العزيز عبد الرحمن الفيصل آل سعود إلى جناب الأجل المكرم فضيلة السيد محمد أبو ماضي أبو العزايم سلمه الله ..
السلام عليكم و رحمة الله على الدوام .. ثم ورد إلينا كتابكم المؤرخ في 15 يناير الماضي ، و أسرتنا أخباركم ، و ما ذكرتم صار معلوماً ، خصوصاً ما ذكرتم من نصائحكم الثمينة الخالصة جعلناها على الخاطر ، كذلك دفاعا عن الحق و أهله ، إلى أن قال : و بحول الله ، إن الأمور ستكون وفق ما يرضاه كل مخلص لله و رسوله .
و عقد المؤتمر في موسم الحج 1344 هـ و بالتحديد 9 / يونيو/ 1926 بمكة المكرمة .. و كان الملك عبد العزيز آل سعود ممن فكر أن يكون خليفة للمسلمين و تؤيده بريطانيا ، و الملك فؤاد يريدها و تؤيده بريطانيا أيضاً ، تريد من ذلك الوقيعة بين الدول الإسلامية ..
و حضر الإمام أبو العزايم هذا المؤتمر بصفة شعبية لا بصفة رسمية ،حيث كان معه توقيعات من العمد و المشايخ و الأعيان و الموظفين تفيد بتوكيل الإمام أن يكون ممثلاً للشعب المصري في مؤتمر الخلافة الإسلامية .
و قال عبد الحليم العزمي في بحثه الهام أنه قد قدم الإمام للمؤتمر أربعة عشر اقتراحاً لصالح الإسلام و المسلمين ، و انتهت جلسات المؤتمر بالفشل ، لأن السياسة الاستعمارية كانت وراء القصد .
    و جاء يوم عرفة ، و اجتمعت الوفود الذين يمثلون الأمة الإسلامية في مسجد نمرة ، و اتفقوا على أن يلقي خطبة الجمعة الإمام أبو العزايم ، و التمسوا ذلك من الملك عبد العزيز فأجاب ملتمسهم فقال لهم الإمام :(هذا مقام لا ينبغي إلا لرسول الله صلى الله عليه و سلم أو خليفته) فارتفعت الأصوات جميعاً بقولهم :(قد أقمناك و رضيناك خليفة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ) فخطب الإمام خطبة تفوق وصف الواصف ، و صلوا خلفه الظهر و العصر جمع تقديم كما هي السنة .
إذن .. فالطريقة العزمية- وفقاً لقول عبد الحليم العزمي – دعوة عالمية لمصلحة الإسلام والمسلمين ، و إمامها هو أخر من بويع خليفة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذه الأمة .. لذلك لا عجب أن تدعو الطريقة العزمية لهذا المؤتمر من أجل حماية المقدسات و تصحيح مسار الفكر الإسلامي .
و السبب الداعي إلى عقد هذا المؤتمر هو ما يلي :
    أولاً : الفرقة الوهابية فأفكارها المتشددة على الحرمين الشريفين رغم أنها مقدسات إسلامية ، و ليست وهابية ، و تطفح كتبها بتكفير الصوفية و الشيعة و الأشاعرة – و هي عقيدة الأزهر الشريف – و الماتريدية ، و استنكر مفتيهم ابن باز في مجلة (المجلة السعودية) إتباع المذاهب الأربعة أو غيرها ، مع أن النهج الرسمي لدولتهم و الذي وضعه الملك عبد العزيز ينص على اعتماد و اعتبار المذاهب الأربعة .
    ثانياً : يمنعون التدريس و الوعظ في الحرمين الشريفين و لو كان المدرس من كبار علماء المسلمين ، ما لم يكن على مذهبهم ، يمنعون غيرهم حتى لو كان شيخ الأزهر الشريف ، مع أنه كان للمذاهب الأربعة في الحرم المكي منابر هدمتها الوهابية ، و كراسي للتدريس منعتها ، و كان أخرها كرسي الدكتور محمد علوي المالكي الذي أحياه بعد أبيه وجده ، لكنهم اتهموه بالضلال و الكفر البواح في كتابهم الحوار ، و كان أخر كرسي للشافعية للشيخ عبد الرحمن الجهني ، و ترك المجال لأبي بكر الجزائري و إضرابه ينادي بأعلى صوته بجوار المصطفى صلى الله عليه و سلم أن : (أبوى النبي في النار) فإنا لله و إنا إليه راجعون .
يفعلون ذلك بالرغم من أن الملك عبد العزيز عندما دخل مكة و المدينة ، قال إنها مقدسات إسلامية لا يجب أن تكون سيطرة أحداً يقصد بذلك السادة الأشراف ، إلا أن الوهابية اليوم سيطرت على الحرمين و منعت غيرها .. فنحن نطالب بتنفيذ ما تعهد به الملك عبد العزيز أمام الأمة الإسلامية من حرية الدعوة بالحرمين الشريفين لجميع علماء المسلمين دون تفرقة.

     ثالثاً : أتوا بالمرتزقة و الجهال من العابسين عند المواجهة الشريفة يستدبرون المصطفى صلى الله عليه و سلم بأقفيتهم و ظهورهم ، و يستقبلون زواره من المسلمين بوجوه عابسة مكفهرة تنظر إليه شزراً ، متهمة إياهم بالشرك و الابتداع ، يكادون أن يبطشوا بهم ، و يوبخون هذا ، و ينتهزون ذلك ، و يضربون يد الثالث ، و يرفعون أصواتهم زاجرين ، متجاهلين أو ناسين قول اله تعالى :" إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة و أجر عظيم " ]الحجرات : 3[.
    رابعاً : اعلموا معولهم في هدم آثار النبي صلى الله عليه و سلم و أهل بيته الكرام ، و الصحابة رضي الله عنهم في المدينة المنورة خاصة ، و الحرمين الشريفين عامة ، حتى لا يكاد أن لا يبقى منها إلا المسجد النبوي الشريف وحده ، في حين أن الأمم تعتز و تحتفظ بآثارها ذكرى و عبرة و دليلاًً على ماضيها التليد ، فلماذا يحرمون المسلمين من مشاهدة معالم آثار و معركة أحد و بدر و الحديبية و حنين و الأحزاب و غيرها من أيام الله ؟
لماذا ترضى الوهابية بهدم بيت السيدة خديجة الكبرى أم المؤمنين و حبيبة رسول رب العالمين ، المكان الذي هو مهبط الوحي ، ليكون مكانه دورات مياه و بيوت خلاء و مبيضات ؟ فأين الخزف من الله تعالى ، و أين الحياء من رسول الله الكريم صلى الله عليه و سلم ؟ لماذا تحول البقعة الشريفة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى سوق للبهائم ، ثم حولها بالحيلة الصالحون إلى مكتبة هي (مكتبة مكة المكرمة) ؟ ألم تقرأوا في كتاب الله تعالى أن التابوت الذي كان فيه عصاة سيدنا موسى عليه السلام و نعليه و عمامته ؟! لماذا لم تلتفت الوهابية
    إلى آثار اليهود في خيبر ، و حصن كعب بن الأشراف الذي تحفظه و تكتب عليه (تحذير : منطقة آثار يحذر التعدي عليها تحت طائلة العقوبات الواردة بنظام الآثار بالمرسوم الملكي رقم 26 بتاريخ 12/6/1329 هـ) ؟
    و هل يجوز أن يفتدى أو يقلد المسلم اليهود في إزالتهم لكل أثر إسلامي في القدس الشريف فتزويل الوهابية آثارنا في المدينة المنورة و مكة المكرمة ؟.
ثم ختم عبد الحليم العزمي كلمته الهامة بقوله : أقولها بصراحة : إن ترك الحرمين الشريفين في هذه الأيدي العابثة يمثل خطراً كبيرا لا يقل عن الخطر الذي يهدد المسجد الأقصى !!
   والأمل : أن تفيق الأمة الإسلامية من رقدتها التي طالت ، و ترفع الظلمة عن الحرمين الشريفين ،و تقضي على الغلو و التطرف ، مع مراجعة التراث التكفيري الرجعي ، و العمل على حرية الدعوة بالمقدسات الشريفة دون أية هيمنة من أحد عليها منفرداً مع تجديد ما أندرس من معالم و آثار إسلامية بها .

(4)
اختلاف الأئمة رحمة و التيسير على المسلمين في فريضة الحج

  و في بحث حمل عنوان (اختلاف الأئمة رحمة و التيسير على المسلمين في فريضة الحج ) للأستاذ الدكتور عبد الحكم عبد اللطيف الصعيدي الأستاذ بجامعة الأزهر
     جاء فيه أنه قد شاءت إرادة الله تعالى أن تكون الشريعة الإسلامية الغراء بما ضمنها الله من أسباب اليسر و عناصر الراحة و الرحابة ما جعلها صالحة لكل زمان و كل مكان ، فهي الشريعة التي ختم الله بها إرسال السماء إلى هدى أهل الأرض ، وقد صانها الله من التحريف و التزييف بحفظ دستورها الخالد القرآن الكريم (إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون) ]سورة الحجر:9[ ، كما قد حفظ الله سنة الرسول الكريم بواسطة عبادة الصادقين ، حفظاً في الصدور ، و تدوينا في السطور، مما جعلها بفضل الله تعالى فضرب المثال في الدقة و التمحيص ، وقد تلقتها الأمة الإسلامية بالقبول الحسن جيلاُ بعد جيل ، و قبيلاً بعد قبيل ، و لن يخلو بفضل الله تعالى ، منهم عصر من الأعصار ، و لا مصر من الأمصار ، طالما تعاقب الليل و النهار فهم يدافعون عنها ، و ينددون عن حياضها حتى تظل في أعلى منازل النصاعة و البيان كما أنهم ميسرون لما بشر به رسول الله صلى الله عليه و سلم فعم معاذ ابن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العدوي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :" يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ، ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال الطيبين ، و تأويل الجاهلين" ، البهيقي و الحاكم وابن عساكر .
    كما أن التجديد سنة من سنن الاجتماع البشري و الديني في النسق الفكري الإسلامي ، و هذه السنة دائمة الفعل عبر الزمان و المكان ، وقد أشار إليها النبي صلى الله عليه و سلم ، و أقرها فيما رواه أبو داود بسنده عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ يقول : "يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها " و من أجل هذا فإن الاجتهاد في الدين يعتبر فريضة إسلامية يتوقف عليها بقاء أصول الشريعة الإسلامية دائمة العطاء و الإثمار ، لما يواكب المستجدات عبر الزمان و المكان .
   ثم قال في موضع آخر : نحن إذ نحضر هذا المؤتمر الذي يدعو إلى التيسير على المسلمين في فريضة الحج م خلال استنباط الأحكام الميسرة لأعمال هذه الفريضة الغالية ، في ظل تلك الزيادة المطردة بفضل الله تعالى في أعداد الحجيج عاماً بعد عاماً ، فإننا لنحمد للقائمين على تنظيم هذا المؤتمر العلمي الرائع هذه الوجهة و نرجو الله - تعالى – أن يجعلها في موازين حسناتهم ، و أن يجزي المشاركين في هذا المؤتمر خيراً ، راجين الله عز و جل أن تتوحد هذه الجهود لتقديم الأحكام الميسرة .
    ثم قسم الدكتور” الصعيدي” بحثه إلى جزئين رئيسيين هما :
   أولا ً: الحاجة إلى الاجتهاد و التقليد : و جاء فيه أنه :
من المعلوم أن نصوص كل القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة متناهية ، هذا في الوقت الذي نجد فيه أحداث الزمان و مستجداته غير متناهية ، بل إننا نرى منها الجديد و الجديد ، الذي تدعو إليه طبيعة كل عصر ، و سلوك أهل مصر ، و من أجل هذا فقد وجب الأخذ بمبدأ الاجتهاد لاستنباط أحكام شرعية لهذه المستجدات التي لم تكن أولم تقع في عهد النبوة ، و قد أشار النبي صلى الله عليه و سلم إلى هذا المعنى في الحديث الشريف الذي يقول فيه : و إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاُ كثيراً ، فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عضواً عليها بالتواجد ، رواه الترمذي و قال : حسن صحيح ، كما رواه أبو داود و ابن ماجة و ابن حيان .
    فالاجتهاد في مسائل الفروع أمر كلفته شريعة ربنا ، و ذلك حتى لا تتعطل الملكات العقلية ، و القدرات الفكرية للناس ، أي أنه إذا كانت سنة التطور و التقدم في الحياة واقعة لا محالة في دنيا الناس ، فإن ذلك يقتضي وجود مستجدات ، و استحداث ألوان التعاملات و المخترعات في شتى مجالات الحياة ، و المؤمن دائماً و أبداً مرتبط بشرع ربه يعرض عليه كل شأن من شئونه ، و كل أمر من أموره ، فما كان موافقاً للشرع فعله ، و ما كان مخالفاٌ له ابتعد عنه و تركه .
و مع هذا فإنه لا يلزم بطبيعة الحال أن يكون لكل واقعة و نازلة حكم معين يدل عليها بخصوصها ، ففي ذلك من المشقة ما فيه ، و من هنا فإن وجود قاعدة الأحكام العامة التي يمكن من خلالها رد الجزئيات إليها دليلاً على عظمة و رسوخ الشريعة الإسلامية ، بل و شموخها كذلك ، الأمر الذي يجعلها رحمة من الله بعباده ، و تيسيراً لهم في كل شان .
   و بقدر ما أتاح الشارع لنا من حرية الاختلاف في ضوء ضوابط الدين و أصوله فإن ذلك لا يفسد للود قضية ، و أن الرجوع للحق خير من التمادي في الباطل ، فقد كان سلف الأمة الصالح من الفقهاء العاملين الذين بلغوا من ذكاء الفهم و وقته شاذاً عظيماً في التسامح و الابتعاد عن تجريح الغير ، اقتضاء الصراط المستقيم ، و اقتفاء لآثار الصحابة و التابعين ، الذين وصفهم بالخيرية على لسان رسوله الأمين ، ففي الحديث الشريف " خير القرون قروني ، ثم الذي يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الأمثل فالأمثل ".
   فكان الواحد منهم يقول : " مذهبي هذا صواب يحتمل الخطأ و مذهب غيري خطأ يحتمل الصواب " و يقول الآخر : " إذا صح الحديث فهو مذهبي ، و اضربوا برأيي عرض الحائط ".
   و رحم الله الإمام الأعظم أبا خليفة النعمان – رضي الله عنه – فلقد كان يقول : "هذا رأي أبو حنيفة ، و هو أحسن ما قدرنا عليه ، فمن جاءنا بخير منه فهو أولى بالصواب ".

  و كان الإمام مالك صاحب المذهب يقول : " كل أحد يؤخذ منه و يرد عليه ما خلا رسول الله صلى الله عليه و سلم ، كما أن الإمام مالكاً لم يقبل رأي الخليفة أبي جعفر المنصور حينما طلب منه أن يحمل الناس على كتابه الموطأ ، و قال كلمته الشهيرة : " يا أمير المؤمنين ، إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة ، كل يتبع ما صح من عقده ، و كل على هدى ، و كل يريد الله تعالى " فقال له الخليفة : " وفقك الله يا أبا عبد الله " .
   و يرحم الله الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز حيث قال : " ما سرني لو أن أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة ". و يخلص د . الصعيدي في هذا المحور إلى القول أنه بناء على ما سبق علينا أن نقوم بعرض قضايانا و مستجدات حياتنا على شرع الله ، حتى نتبين موافقتها و مستجدات حياتنا على شرع الله ، حتى نتبين موافقتها للشرع من عدمه ، و ليكن رائدنا في كل ذلك الحرص على تحصيل مرضاة الله ، مع الابتعاد التام عن اللدد في الخصومة ، واضعين نصب أعيننا ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه – عن رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من يرد الله خيراً يفقه في الدين ، و إنما أنا أقسم و الله عز و جل يعطي ، و لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالقهم ، حتى يأتي أمر الله " .
فالاجتهاد المشروع مشروط بضوابطه ، و النصوص العامة تعطي حق الاجتهاد لمن يقدر عليه .
    ثانياً : رمي الجمار في فريضة الحج :
   الجمار هي الحجار الصغيرة التي تقذف بمكان رمي الجمار في العقبة ، و يرمز بهذا إلى محاربة الشيطان و قطع وساوسه ، و دليل مشروعيتها ما رواه البهيقي بسنده عن ابن عباس – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " لما أتى إبراهيم عليه السلام المناسك عرض له الشيطان عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض ، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة ، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض " قال ابن عباس : " الشيطان ترجمون ، و ملة أبيكم إبراهيم تتبعون ".
   و الجمار ثلاث : جمرة العقبة ، و الجمرة الوسطى و الجمرة الصغرى .
    و رمي الجمار واجب عند جمهور العلماء ، مع العلم بأنهم قد اتفقوا جميعاً على أنه ليس بركن ، و معنى هذا أنه إدراك إذا ترك فإنه يجب يدم .
و عدد الحصى في كل الأيام سبعون حصاة : سبع في جمرة العقبة الأولى يوم النحر ، و إحدى و عشرين حصاة في كل يوم من أيام منى الثلاثة بإجمالي ثلاث و ستين حصاة .
     و هذه أمور تكاد تكون معلومة مشتهرة ، و الخلاف فيها يسير هين ، أما القضية الأهم كم وجهة نظر د . الصعيدي و التي استغلها الفقه الوهابي المتحجر فشق على المسلمين و التي تحتاج مزيداً من بذل الجهد لتوضيح مدعي رحمة الله بعباده المؤمنين فهو موضوع (وقت رمي الجمرات) و في ذلك يقول د . الصعيدي : اتفق جمهور الفقهاء على أن وقت الرمي في يوم النحر يكون في وقت الضحى ، و في أيام منى الثلاثة يكون بعد الزوال ، و هذا هو ما أثر عن النبي صلى الله عليه و سلم و خالف بعض الفقهاء هذا الإجماع كعطاء و طاووس فقالوا بجواز الرمي قبل الزوال مطلقاً ، كما رخص الأحقاق في الرمي قبل الزوال كذلك ، و بخاصة في يوم النحر ، و حجتهم في ذلك أنه كما جاز ترك الرمي أصلاً في اليوم الرابع ، فلأن تقديم الرمي أولى .
و قال بعض الفقهاء : إن وقت أداء جمرة العقبة من فجر يوم النحر إلى فجر يوم الثاني منه ، فإن قدمه عن ذلك لا يجوز ، و إن أقره عن ذلك لزمه دم ، إلا أنه يستحب أن يكون بعد الشروق إلى الزوال ، امتثالا لما فعل النبي صلى الله عليه و سلم ، و يباح بعد ذلك إلى الغروب ، و يكره ليلاً .
    و لعلنا نجد أن رأي عطاء و طاووس يتفق الآن مع أحوال الناس الذين يعانون في هذه الأيام من شدة الزحام حينما يتدافقون جميعاً في وقت الزوال للرمي ، الأمر الذي يترتب عليه كثيراً من المخاطر .
و يطالب د الصعيدي في النهاية بضرورة الاجتهاد في هذا المجال و عدم قصر القضية على مذهب واحد هو هنا المذهب الوهابي .

 

التالي

السابق