|
و تحت عنوان هام يقول (خطورة هيمنة المذهب الواحد على أماكن العبادات و المقدسات الإسلامية تحدث الأستاذ الدكتور
/ أحمد عبد الرحيم السايح الأستاذ في جامعة الأزهر و قطر و أم القرى ) و في بحث مطول كتب كإطار نظري دون تطرق إلى مذهب بعينه و إن كان بالقطع هنا الانتقاد المحدد للمذهب الوهابي ،
جاء في هذا البحث الهام للدكتور السايح أن المسلمين جميعاً يؤمنون بالله رباً ، و بمحمد صلى الله عليه و سلم نبياً و رسولاً و بالقرآن كتاباً ، و بالكعبة قبلة و بيتاً محجوباً ، و يؤمنون أنه ليس بعد رسوله محمد نبي و لا رسول ، و بأن كل ما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم حق ،فالساعة حق ، و البعث حق ، و الجزاء في الدار الآخرة حق و الجنة حق ، و ما اختلف فيه المسلمون فيه من شيء فحكمه إلى الله و رسوله أي أن المسلمين متفقون على أسلوب الخلاف .
إذ أن الأمة الإسلامية – و إن اختلفت فيها المدارس الفكرية و الفقهية – تملك أسساً مشتركة تستطيع بها أن تجمع شتاتها و توحد كلمتها .. فهي أمة واحدة ، ذات دين واحد ، و كتاب واحد ، و رسول واحد ، هذه هي الأصول الثابتة التي تشترك فيها الأمة ، فإذا أدركتها جيداً و التزمت بمقتضياتها ، فإن ذلك يجعل منها أمة واحدة ، تلتقي على وحدة الغاية ، و وحدة المنهج و العقيدة ، ثم تحدث د . السايح عن هذه الأسس بإيجاز قائلاً أنها تتمحور في :
• وحدة الغاية : حيث إن المسلمين يدركون غاية وجودهم في هذه الحياة ، و هي الطاعة الكاملة لله – عز و جل – قال تعالى (و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون )]الذاريات :56[ ، و إدراك هذه الغاية أساس أصيل في وحدة المسلمين .
• وحدة المنهج : و هذا المنهج الذي يجب إتباعه ، هو ما أشارت إليه الآية الكريمة (و اعتصموا بحبل الله جميعاً و لا تفرقوا) ]آل عمران : 103[ ، و ليس لهذا المنهج إلا مصدر واحد ، و هو الله سبحانه و تعالى ، فهو الذي وضعه للمسلمين ، فإذا اتضحت هذه الحقيقة في أذهان المسلمين ، و أشرقت في قلوبهم المؤمنة ، تمثلوها في واقعهم و سلوكهم .
• وحدة الرسالة : لقد شاء الله أن يكون الإسلام آخر الرسالات السماوية في الأرض و أن يكون محمد صلى الله عليه و سلم آخر الرسل ، فبه أكمل الله الدين ، و به ختم المرسلين ، و هذه الحقيقة يجب أن تتضح في أذهان المسلمين ، إذ بقدر وضوحها و التزامهم بها ، بقدر ما يتيسر للأمة الاجتماع .
• وحدة العقيدة : فالعقيدة هي الأساس الذي يرتفع عليه بناء الدين فإذا قوي الأساس سهل على الأمة تصحيح أوضاعها ، و أمكن لها الاجتماع و اللقاء ، و حين تكون فالعقيدة واضحة في الأذهان مشرفة في القلوب ، تزول الحواجز التي قامت بين الأمة ، فالحق كل الحق أنه لا ضرر على المسلمين في أن يختلفوا ، فإن الاختلاف سنة من سنن الاجتماع ، لكن الضرر في أن يقضي بهم الخلاف إلى القطيعة و الخروج على مقتضى الأخوة التي أثبتها الله في كتابه العزيز ، لا على أنها شيء يؤمر به المؤمنون ، و لكن على أنها حقيقة واقعة ، رضى الناس أم أبوا : (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم و اتقوا الله لعلكم ترحمون ) ]الحجرات : 10[ .
فالخلاف فيما يتعلق بالعقائد ، لم يتجاوز الحد النظري ، و لا الاتجاه الفكري ، فإن العلماء الذين تصدوا لها لم يجر بينهم خلاف أدى إلى امتشاق الحسام .
و طبيعة حياتهم العلمية لا تسمح لهم بأن ينقلوا الخلاف من ميدان القول إلى ميدان العمل ، و لم يكن الاختلاف النظري ليصل في حدته إلى أن يجعلوه عملياً ، و لم تظهر الحدة إلا في أن يحكم كل واحد على الآخرين بالخطأ .
و مهما يكن مقدار الاختلاف النظري في العلوم الاعتقادية ، فإنه لم يمس لب الإسلام و لم يكن الاختلاف فيما علم من الدين بطريق قطعي لا شك فيه ، أو في أصل من أصوله التي لا مجال لإنكارها التي تعد من أركان الإسلام التي يقوم عليها بناؤه .
فالخلاف حول أوائل المقالات , يجري حول معارف إسلامية تبلور كثيراً من الحقائق , وتصقل العقول والأفهام وتحدث باحتكاكها وميضاً , يكشف سبيل البحث , وطرائق الاستدلال.
تلك هي خلافات المذاهب الإسلامية قديماً وحديثاً , وهي في باطنها تشير إلي الوحدة لا الفرقة , وتنبئ عن الاجتماع , لا التشتت.
فلم يكن الاختلاف في وحدانية الله تعالي , وشهادة أن محمداً رسول الله صلي الله عليه وسلم , ولا في القرآن نزل من عند الله العلي القدير , وأنه معجزة النبي الكبرى , ولا في أنه يروي بطريق متواتر , نقلته الأجيال الإسلامية , كلها جيلاً بعد جيل , ولا في أصول الفرائض كالصلوات الخمس , والزكاة , والحج , والصوم , و لا في طريق أداء هذه التكليفات.
وبعبارة عامة: لم يكن الخلاف في ركن من أركان الإسلام , وفي أمر علم من الدين بالضرورة , كتحريم الخمر , والخنزير , وأكل الميتة , والقواعد العامة
للميراث .. وإنما الاختلاف في أمور لاتمس الأركان , ولا الأصول العامة .
إذن الخلاف: خلاف فكري , والخلاف الفكري , مقبول مادام في دائرة معقولة, والمعارف ميدان من ميادين التفكير , للمسلم أن يجول فيها.
ويذهب د. السايح إلي القول إن والخلافات بين المذاهب , تدل علي الحرية الفكرية , إن أحسن النظر إليها تسعد الأمة , وتكفل رقيها , وتبقي علي سلامتها.
إن هذه الخلافات في جوهرها تنبئ عن معني الوفاق , فهي ترتبط بأصل واحد هو الكتاب والسنة.
ومدارس الفكر المختلفة داخل الإسلام , شيء طبيعي مرغوب فيه, ليس منه بد , مادام الإسلام ديناً حياً لإحياء , لكي يزدادوا حياة .. والإسلام نفسه شحنة هائلة من النشاط العقلي , تأبي أن يتحول المسلمون إلي مجرد نسخ متطابقة , تتكرر باستمرار , وبلا اختلاف , من عقل واحد أيا كان هذا العقل .. حتى لا يهلك المسلمون من الإجداب والرتابة , والركود, والشعور بالقدم .
وليس يرضي الإسلام , أن تلد الأمهات المسلمات إمعات مكررة معتمة, وإنما يرضيه ويعليه إنجاب العقول اليقظة النشطة.
وبكل تأكيد ستظل المذاهب الإسلامية , ومدارس الفكر في الإسلام , موجودة ما بقي للمسلمين حاجة إلي التعبير عن تراثهم العقلي والروحي , والي استدامة الصلة بين أصول دينهم , وبين واقع الحياة , وليس من مصلحة الإسلام والمسلمين كبت النشاط العقلي والروحي داخل الإسلام , لأن ذلك من أجل ما يقدمه المسلم لدينه أو يفكر فيه ويشعر به.
والإسلام يضعف ويصبح تراثاً جامداً محنطاً إذا لم يفكر فيه , ويشعر به إلا الحمقى والجهلاء من أصحاب المذاهب الإسلامية : أن نعي دور العقل الإسلامي , ومن أوضح سمات القرآن الكريم التي لفتت نظر الباحثين : هي الإشادة بالعقل , وتوجيه النظر إلي استخدامه , فيما يفيد , وينفع .
فدعا القرآن بطريق مباشر وغير مباشر , إلي تقدير العقل , والرجوع إليه , فيما اختص به من تفكير.
ويحرص القرآن علي تأكيد هذا المعني , حتى أنه ليكرر هذا في الدعوى بشكل يلفت النظر ويثير الاهتمام.
ويؤكد د. السايح في بحثه إلي أن القرآن يشير إلي العقل بمعاينة المختلفة , مستخدماً لذلك كل الألفاظ التي تدل عليه أو تشير إليه من قريب أو بعيد , من التفكير والنظر , والتدبر , والرأي , والحكمة والتذكر , والعلم , والفقه , والرشد , والبصر .. إلي غير ذلك من الألفاظ التي تدور حول الوظائف العقلية علي اختلاف معانيها, وخصائصها , وظلالها.. مما يعتبر إيحاءات قوية , بدور العقل وأهميته.
والقرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم , والتنبيه إلي وجوب العمل به والرجوع إليه.
ولا تأتي الإشارة اليه عارضة , ولا مقتضبة في سياق آية , بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها , مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة , ولا
يأتي تكرار الإشارة الي العقل بمعني واحد من معانيه , بل هي تشمل وظائف الإنسان العقلية علي اختلاف أعمالها وخصائصها , وتتعمد التفرقة بين هذه الوظائف والخصائص من مواطن الخطاب ومناسباته .
فلا ينحصر خطاب العقل منها في العقل الوازع , ولا في العقل المدرك , ولا في العقل الذي يناط به التأمل الصادق والحكم الصحيح , بل يضم الخطاب في الآيات القرآنية كل ما يتسع له الذهن الإنسان من خاصة أو وظيفة .
وينتهي د. السايح الي أنه من أجل ذلك باتت قضية الاجتهاد تطرح نفسها في كل زمان ومكان بإلحاح , فقد روي أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال لعمرو بن العاص : أحكم في هذه القضية , فقال عمرو : أأجتهد وأنت حاضر , قال: "نعم إن أصبت فلك أجران و إن أخطأت فلك أجر" ،. و عن عمر بن العاص أنه سمع النبي يقول : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران فإذا حكم و اجتهد ثم أخطأ فله أجر ". و قد ذهب نجم الدين الطوفي إلى أن الدين وضع لتحصيل النفع و المصلحة ، و قال إن قول النبي صلى الله عليه و سلم " لا ضرر و لا ضرار " يقتضي رعاية المصالح إثباتاً و نفياً و المفاسد نفياً إذ الضرر هو المفسدة ، فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما ، و المصالح من حيث هي لا تخلو من احد أوجه ثلاثة : مصالح قام الدليل على اعتبارها ، و مصالح قام الدليل على إلغائها ، و مصالح لم يقم دليل لا على اعتبارها و لا على إلغائها ، و هي المصالح المرسلة .
|