حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في القانون الدولي والشريعة الإسلامية المؤلف: الدكتور جابر إبراهيم الراوي أستاذ القانون الدولي في الجامعة الأردنية، وجامعة بغداد سابقاً



     الباب الأول
التطور التاريخي لنشأة حقوق الإنسان وحرياته الاساسية
الفصل الأول
تطور نشأة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية قبل قيام التنظيم الدولي
المبحث الأول
تطور نشأة حقوق الإنسان في العصور القديمة والوسطى

   تقول الحكومة القديمة، ان الإنسان اجتماعي بطبعه، ويقول ابن خلدون في مقدمته (... ان الاجتماع الإنساني ضروري ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسان مدني بالطبع أي لابد من اجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم، وهو معنى العمران... الخ) ويضيف (وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضاً في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه، لأن الله سبحانه لما ركّب الطباع في الحيوانات كلها وقسم القدرة بينها جعل حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرة اكمل من حظ الإنسان... الخ). وتأسيسا على ذلك فان الإنسان لا يستطيع ان يعيش بمفرده بل لا بد أن يعيش مع امثاله يكوّن معهم جماعة، وان ينظم علاقته مع الجماعة التي يعيش فيها وان يخضع لقواعد تحكم سلوكه وتصرفاته لذلك نشأ نظام أطلقوا عليه (القانون). فكان للجماعات البدائية أحكام وتقاليد دينية تطورت على مر السنين فغدت عادات واعرافا كان اساسها القانون، فالقانون ظاهرة اجتماعية وهذا دليل على ان الحياة الاجتماعية قامت منذ القدم على اساس من القواعد التي تقضي بضرورة تأمين سلامة المجتمع في الداخل والخارج.
وتعد الاسرة، على الرأي الغالب، الخلية الاجتماعية الأولى التي نشأت في العصور القديمة، التي تتكون من الزوج والزوجة والاولاد، وهي مصدر الدولة والاساس في تكوينها كما يذهب إلى ذلك ارسطو [1].
  وكانت القبائل البدائية تنتقل من مكان إلى آخر بحثا عن الصيد والمرعى لتأمين غذائها عن طريق الصيد من جهة، وبحثا عن الكلأ لرعي مواشيها من جهة أخرى. وتنقلت في هجرات ضمن مناطق محدودة ومتقاربة مما دفعها إلى التمسك بالارض والدفاع عنها ضد غيرها من القبائل. وفي هذه المرحلة بدأت تلك القبائل تنزح إلى الارض المجاورة للأنهار ومنابع المياه وتقيم فيا اقامة مستمرة وظهرت فكرة التملك الفردي والجماعي وبرز حق الملكية الذي استند على العقائد الدينية في مصر القديمة ولدى الشعوب الجرمانية والاغريقية والايطالية فكانت الملكية عند قدماء الجرمان هي ملكية مجموع القبيلة ولم يعترفوا بالملكية الخاصة للفرد. وكانت الشعوب التي لا تسمح بالتملك الفردي للارض كانت تمنحه حق تملك محصولها.
 اما عند قدماء اليونان فكان يحق للفرد ان يتملك الارض ولكنه من جهة أخرى ملزم بأن يجعل جزءا من محصولها مشاعا يشارك الاخرون في استهلاكه. وكانت الشرائع القديمة لا تسمح بنزع ملكية المدين من ارضه ذلك لأن جسمه هو الذي يقابل دينه وليس ارضه فكان من السهل ان ينزح أو يقتل لأن حق التملك يتبع الاسرة ولا يتبع الفرد [2]
وهذا يعني ان الفرد لم يعترف له بأية شخصية مستقلة عن الجماعة وان الارض اثمن من حياة الإنسان. كما كان يجري التمييز بين النساء والرجال وحتى بين الرجال مع بعضهم.
 فالاب في الاسرة هو ممثل السلطة ومصدرها وهو المالك لأموالها وكان له حق الحياة والموت على الاسرة كلها وكان الرجل بمرتبة اسمى من المرأة، وكان الابن الاكبر في الاسرة هو الوارث الوحيد لأنه لا تجوز قسمة الميراث، ونجد في دستور اثينا انه لم يعترف بالحريات السياسية إلاّ للذكور من طبقة الاحرار ممن بلغوا عشرين عاما. اما النساء والرقيق فلم يعترف لهم بهذا الحق فكانت الحريات قاصرة على بعض الناس دون البعض الآخر[3]  .
  وحين نشأت المدن (LES CITES) من اتحاد عدة قبائل ظهرت معالم السلطة العامة فاصبح التحكيم الزاميا بعد ان كان اختياريا وقسمت الجرائم إلى عامة وخاصة. فما كان عاما منها تولت السلطة العامة (ممثلة بالملك) المعاقبة عليه، وما كان خاصا تولي الافراد الاقتصاص من الجاني في حدود القواعد المقررة.
وكان القصاص نظاما مقررا في الشرائع القديمة، فكان قانون الالواح الاثنى عشر مثلا يخول المجني عليه في جريمة أو فصله عضو، ان يقطع عضوا من الجاني مقابل قطعه عضوا في المجني عليه كقطع الذراع أو الساق ما لم يتفقا على دية يقدمها الجاني مقابل الصلح بأن يدفع الجاني وعشيرته مبلغا من المال للمعتدى عليه للثأر وفداء من العدوان. وكان نظام الدية اختياريا ثم اصبح الزاميا يقبله المجني عليه.
وقد اعتمدت المدن في علاقاتها مع افرادها على الروابط والعلاقات الشخصية، كما هو الحال في الشعوب الجرمانية بالنسبة للدول التي اقامتها في غرب ووسط اوروبا. وكان مبدأ شخصية القوانين هو الذي يحكم علاقات تلك المدن والدول، كما ان نظام الاقطاع كان يقوم على اساس الولاء الشخصي للملوك وامراء الاقطاع[4]  .
  وقد شهدت العصور الوسطى بعض الاتجاهات الفكرية الحديثة التي كانت تدعو إلى تحرير الفرد من القيود المفروضة عليه واعطائه نوعا من الاستقلال والحماية وتدعو إلى تقرير بعض الحريات السياسية وضرورة تقييد سلطان الملوك المطلق، وكان ذلك نتيجة الصراع الذي قام بين الكنيسة والامبراطورية وتعد فكرة الحقوق الطبيعية للافراد من مدنية وسياسية [5]  .
  أما الاجنبي، وبخاصة في نظام الاقطاع: فلم يكن يعترف له بالشخصية القانونية أي لم يكن له أي مركز قانوني وعليه اثناء وجوده في مدينة أو اقطاعية معينة ان يعترف بتابعيته لسيد أو أمير تلك المدينة أو الاقطاعية، وعند ذلك يكتسب الشخصية القانونية التي يقرها القانون لافراد تلك المدينة أو الاقطاعية، وقد لا يعترف له بالشخصية القانونية بالرغم من ذلك وانما يعتبر رقيقا فلا يرث ولا يورث، ويجوز ابعاده عن المدينة أو الاقطاعية في أي وقت كان. وكانت امواله عرضة للحجز عليها بموجب خطابات الثأر التي تخول الدائن الحجز على أموال أي فرد من مواطني المدينة التي يتبعها الاجنبي المدين[6]  .
  ولقد كان نظام الرق، في المدنيات الأولى، نظاما معروفا ومقبولا، فعلى الرغم من انه إنسان كغيره من بني البشر كان يعامل باعتباره سلعة أو شيء من الاشياء وحياته ملك لصاحبه فهو لا يتمتع بالشخصية القانونية التي يتمتع بها غيره. ومن ابرز ظواهر هذا النظام في العصر الاقطاعي هو الحاق الرقيق بالارض كالاشياء كتابع لها تنتقل ملكيته مع انتقال ملكية الارض، لذلك كانوا يزجون بهم في الحروب والعمل على تعمير الاراضي المكتشفة حديثا. واستمر هذا الوضع في العصر الاغريقي والروماني حيث جعلوا منه نظاما قانونيا ونصوا عليه في تشريعاتهم وادخلوا فيه فكرة انعدام الشخصية القانونية للرقيق وتجريده من الحقوق التي يتمتع بها غيره من البشر. وفي القرن الثامن عشر تولى الفلاسفة وبعض رجال السياسة محاربة الرق ونتيجة لتلك الجهود اصبح الاسترقاق معاقبا عليه في المستعمرات الفرنسية عام 1848م. وحرمت الولايات المتحدة تجارة الرقيق عام 1794م. كما حرّمه مؤتمر فينا عام 1815م واعيد النص عليه عام 1818م في مؤتمر اكس لاشابيل. وفي مؤتمر فيرون عام 1822م ومؤتمر برلين عام 1885م الخاص بافريقيا حيث قضى بالغاء تجارة الرقيق[7]  .
  وإذا كان نظام الرق يمثل صور التفرقة بين البشر في تلك الحقبة من الزمن، فلم يعدم هذا الوقت وجود انواع أخرى من التفرقة تقوم على اعتبارات العنصر أو الدين أو اللغة أو المركز الاجتماعي. ويذكر لنا اعمال التعذيب والتنكيل التي كان يتعرض لها بعض الافراد بسبب معتقداتهم الدينية أو بسبب معارضتهم لسلطة حاكم مستبد أو مخالفتهم لامر غير مشروع صادر منه. اما الشريعة الإسلامية التي ظهرت في القرن السابع الميلادي فقد ساوت بين الناس ونظمت العلاقة بين الحاكم والمحكوم حيث كان الحاكم (الخليفة) مقيد بأحكام القرآن والسنّة النبوية التي حددت حقوق الحاكم كما حددت حقوق المحكوم ونظمت حقوق الافراد وحرياتهم ووضعت لها الضمانات التي تكفل ذلك ضد أي اعتداء عليها من الحاكم أو المحكومين[8]  .
وإذا كانت الشريعة الإسلامية لم تستطع القضاء على نظام الرق نظرا لاستحكامه ورسوخه في التعامل بين الناس، فانها نظمته وأحاطته بالكثير من الضمانات والقيود التي تصون كرامة الإنسان وعدم الاعتداء عليه أو تعذيبه. 

المبحث الثاني
الاعتراف الدولي بحقوق الإنسان
أولاً: تطور مركز الفرد قديما:

   لم يكن للفرد كيان مستقل عن كيان الجماعة التي يعيش في كنفها بحيث يسأل مسؤولية شخصية عن الافعال التي يأتيها وتمس فرد معين أو جماعة معينة بضرر، بل ان اتيان فعل من أي فرد من افراد الجماعة يؤدي إلى مساءلة الجماعة كلها عن ذلك الفعل إذ يوجد تضامن بين كافة افراد تلك الجماعة[9] .فقد جاء في العهد القديم (التوراة) (العين بالعين والسن بالسن) وكان مطبقا بين الدول كما هو مطبق بين الافراد[10] . فالجماعة مسؤولة عن الافعال الضارة التي يرتكبها احد اعضائها على اساس أنها لم تستطع منعه من ارتكابها فتتحمل مسؤولية ذلك. فالقانون الدولي المطبق في العصور الوسطى يعتبر ان جميع افراد شعب الدولة مسؤولون بالتضامن في اشخاصهم وأموالهم عن أي عمل ضار يقع من احد افرادها، وان الفعل الضار الذي يقع على احد افراد شعب هذه الدولة يعتبر واقعا على الدولة كلها. فكان يحق لافراد كل مدينة أو امارة ان يحصلوا على حقوقهم، اما من الفرد الذي قام بالفعل مباشرة واما من افراد المدينة الاخرين. وهذه القاعدة من بين أولى القواعد التي كانت تنظم العلاقة بين المدن والامارات اليونانية والايطالية فقد وضعت لحل النزاعات التي تقوم بين تلك المدن والامارات وحماية حقوق الفرد الذي يقع اعتداء على حقوقه في الخارج ولتجنب العقبات التي تعوق التجارة الدولية ويطلق على هذا النظام نظام الثأر أو الانتقام (REDRISALS).
ثم تطور هذا النظام متأثراً بقواعد القانون الروماني حيث بدأ يختفي تدريجيا حيث نصت العديد من الدساتير والقوانين على تجريمه، ولكنه لم يلغ نهائيا بل تطور إلى شكل آخر وهو ما عرف بنظام خطابات الثأر (Letters of Reprisals) حيث وجد بين المدن الايطالية واليونانية التي تتمتع بنوع من الاستقلال ويقضي النظام الجديد بناء على ما جاء في دساتير تلك المدن وما أوضحته الاتفاقيات التي عقدت فيما بينها بحصره في حالة انكار العدالة من قبل القاضي (Denial of justice). في الحالة التي يرفض فيها الاجنبي الوفاء بالتزامه فعلى الدائن الوطني الالتجاء إلى القاضي الذي يتبعه المدين فإذا رفض القاضي الطلب عن طريق انكار العدالة فله ان يلجأ إلى مدينته التي تمنحه خطاب الثأر الذي يخوله حق القبض على رعايا المدينة التي يعود اليها المدين والتحفظ على اموالهم الموجودة في حدود اقليم المدينة التي اصدرت خطاب الثأر أو القبض على المدين وتسليمه إلى سلطات مدينته حيث تودعه السجن لحين حصول الدائن على حقوقه [11] .وهذا يعني ان نظام الثأر اصبح قاصرا على حالي انكار العدالة ويظهر ذلك من الاتفاقيات التي عقدت بين تلك المدن. فتوضح الاتفاقية المعقودة عام 836م بين الأمير سيكارد لمدينة (Benevent) ومدينة (Naples) التي تقضي بأنه ينبغي قبل القيام بالثأر من مواطني (نابليس) التي تقضي بأنه ينبغي قبل القيام بالثأر من مواطني (نابليس) عن الضرر الذي احدثوه بالفرد، على المتضرر ان يخاطب سلطة هذه المدينة لاستيفاء حقوقه وان يحدد فيها ان بضائع وممتلكات مواطني هذه المدينة التي توجد في اقليم مدينته ستكون محلا لاقتضاء حقوقه فإذا صدر منها ما يفيد نكران العدالة، ولم تصدر حكما بذلك واستمرت على ذلك دون الاستجابة لطلباته فله ان يقتضي حقوقه من الاشخاص والبضائع العائدة لهم حتى خارج مدينته. اضافة إلى العديد من الاتفاقيات المشابهة التي عقدت بهذا الشأن[12] .
  وابتداء من القرن العاشر فان العديد من المعاهدات قد عقدت بين المدن الايطالية مع بعضها وبين هذه المدن والمدن الأخرى والتي فرضت كثيرا من التقييد على ممارسة نظام الثأر.
وحتى الاتفاقيات الحديثة ابتداء من القرن الخامس عشر فان الكثير من الاتفاقيات قد حددت نظام الثأر في حالة واحدة هي حالة انكار العدالة من قبل الأمير. فقد نصت الاتفاقية المعقودة بين بريطانيا واسبانيا في 27 من مارس 1489م التي حددت حالة واحدة يجوز فيها اللجوء إلى خطابات الثأر في حالة انكار العدالة فان تلك الخطابات يجب ان تقدم في مواجهة الأمير الذي انكر العدالة.
ونصت الاتفاقية المعقودة بين بريطانيا وفرنسا في 3 من تشرين الثاني عام 1492م ((خطابات الثأر يجب ان توجه ضد المذنبين الاساسيين وبضائعهم)) كما ان الاتفاقية التي عقدت بين اسبانيا والبرتغال في 13 من شباط 1668م تنص على: ((في حالة انكار العدالة فان خطابات الثأر يجب تنفيذها ضد المعتدين)). كما نصت على ذلك الاتفاقية المعقودة بين الامبراطور جارلس الرابع وملك اسبانيا فيليب الخامس في الأول من مارس عام 1725م[13] ثم اختفى نظام الثأر الخاص بالمواطنين في وقت السلم ولكنه لم يختف نهائيا في نهاية القرن الثامن عشر والاسباب التي دعت إلى ذلك تكمن في:
 1ـ تركيز استخدام القوة بيد الدولة.
 2ـ اساءة استعمال هذا النظام من قبل الافراد.
 3ـ التحسن الذي حصل في مركز الأجانب واحوال التجارة الدولية. وبذلك تغير مركز الفرد في القانون الدولي فانه وان لم يكن موضوعا للقانون الدولي ولكنه منح بعض الحقوق والالتزامات وفقا للقانون الدولي
[14]  . فقد منحت بعض الحقوق والامتيازات للافراد بناء على الاتفاقيات الدولية الثنائية التي عقدت بين دولتين أو اكثر. كما ان القانون الدولي فرض على اعضاء الاسرة الدولية واجب ضمان بعض الامتيازات المعينة لمواطني الدول والبعثات الدبلوماسية كما فرض بعض الحقوق للمواطنين العاديين اثناء وجودهم في اقاليم دول أخرى مشابهة للحقوق التي يتمتعون بها في دولهم وان تضمن الدول الاجنبية هذه الحقوق للافراد والاجانب عن طريق النص عليها في التشريعات الوطنية. ولكنها ليست حقوق دولية بل حقوقا مستقاة من القوانين الوطنية ولكنها مقررة وفقا للقانون الدولي حالة عدم النص عليه في القوانين الوطنية.
 وزيادة في الاحترام المتبادل للافراد فان بعض الدول اتفقت فيما بينها على اعطاء مزايا لرعايا كل من الدولتين عندما يوجدون في اقليم الدولة الأخرى أي الانتفاع المتبادل للمزايا وهو ما يدعي بنظام تشبيه الاجنبي بالوطني من حيث المزايا التي يتمتع بها الوطني في دولته. فقد نصت معاهدة الاقامة المعقودة بين فرنسا واسبانيا في كانون الثاني عام 1862م ان من اجل الانتفاع المتبادل للمزايا فقد تقرر تشبيه (Assimilation) المواطن الفرنسي بالمواطن الاسباني في اسبانيا وتشبيه المواطن الاسباني بالمواطن الفرنسي في فرنسا [15]  .
  كفاح الإنسان لحماية حقوقه والاعتراف بشخصيته:
من الأمور المعروفة ان الإنسان بدأ كفاحا مريرا على مر العصور من اجل حقوقه وحرياته الاساسية والاعتراف بشخصيته وكرامته ومن ابرز المبادرات القديمة لحماية حقوق الإنسان والتي تعرض اهم الوثائق التاريخية التي تمثل كفاح الإنسان من اجل حقوقه وحرياته في مواجهة استبداد الملوك والامراء. العهد الكبير الماجانا كارتا (Magna Carta) وهي الوثيقة التي قدمها المهاجرون الانجليز إلى الملك جون (Jean Sanster) من اجل حماية الحرية الشخصية وعدم التعرض لها بما يمسها[16].

ولقد كانت هذه الوثيقة بمثابة اتفاق معقود بين الملك والمهاجرين حيث تضمنت الأمور المذكورة اضافة إلى حق كل مواطن انجليزي بأن لا يحكم عليه من اجل جريمة اسند إليه ارتكابها إلاّ إذا ثبتت ادانته من قبل المحلفين في مجلس القضاء وحقه في التظلم امام القاضي من أي حبس يحدد حريته إلا وفقا للقانون وحق ممثلها الشعب في البرلمان بالموافقة على الضرائب والاشراف على طرق انفاقها.
ثم اعقب تلك المحاولة محاولة أخرى هي وثيقة المطالبة بالحقوق عن طريق حق التظلم (Rights of Petition) عام 1629م. ووثيقة اعلان الحقوق (Bill of rights) عام 1689م. كل تلك المحاولات والنداءات الغرض منها التقليل من استبداد الملوك وتقييد سلطانهم المطلق. وقد طورت فرنسا وامريكا، تلك المحاولات والنداءات من اجل ضمان حماية مواطنيها وممثليها. ومن افضل تلك المحاولات وثيقة اعلان الاستقلال عام 1776م التي اعلنتها دول امريكا الشمالية ابان حرب التحرير التي جاء فيها: ((والحقيقة الواضحة تقتضي القول بأن الناس يولدون متساوين وان الخالق منحهم حقوقا لا يمكن سلبها. منهم ومن هذه الحقوق، حق الحياة والحرية، ونشدان السعادة وقد اقيمت الحكومات على حماية هذه الحقوق وضمانها)).
كما كان للثورة الفرنسية فضل كبير في تبيان تلك الحقوق بشكل واضح وشامل في اعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي (Declaration de droit de L, homme et du cltoyen) الذي تضمن سبعة عشر مادة، وقد تأثر الاعلان بالنظريات الفلسفية الصادرة قبله مثل نظرية العقد الاجتماعي التي قال بها جان جاك روسوفي كتابه العقد الاجتماعي. وكذلك اعلان الاستقلال الامريكي الصادر عام 1776م حيث جاء بالكثير مما جاء في هذا الاعلان. وبناء على ذلك صدرت عدة دساتير فرنسية متأثرة بالاعلان المذكور [17] .
ولا تخلو الاتفاقيات ومقررات المؤتمرات الدولية من نصوص تهدف إلى حماية حقوق الإنسان وحرياته الاساسية. فمن بين الاهداف التي نصت عليها اتفاقيات لاهاي المقعودة عام 1899م وعام 1907م، على حماية حقوق الإنسان عندما نظمت الحرب البرية والبحرية فنصت على تحديد انواع الاسلحة وحماية المدن الآمنة وسكانها والعناية بالجرحى والاسرى ومنع الغرامات الجماعية وقد اعطى الرئيس الامريكي ((روزفلت)) اهمية ومعنى جديد لدور حقوق الإنسان في الشؤون الدولية في الحريات الاربع التي تضمنتها الرسالة التي وجهها إلى الكونجرس الامريكي في السادس من كانون الثاني عام 1941م التي تضمنت [18]  :
  1ـ حرية الكلام وحرية التعبير في أي مكان في العالم.
2ـ حرية كل شخص في التعبير الالهي بطريقته الخاصة في أي مكان في العالم.
3ـ حرية الرغبة التي يمكن ترجمتها في مصطلحات عالمية لتعني الفهم الاقتصادي الذي يؤدي إلى ضبط كل شعب في الحياة والصحة السليمة للمواطنين في أي مكان في العالم.
4ـ الحرية من الخوف لتعني تخفيض التسلح وليكون كل شعب بعيدا عن ارتكاب أي عمل طبيعي عدواني ضد أي جار في أي مكان في العالم.
وبناء على ما تقدم فقد اصبح للفرد مركزا متميزا يستمده من التشريعات الداخلية في دولته أو من تشريعات الدول الاجنبية عندما يوجد في أقاليمها على اساس المعاملة بالمثل أو على اساس العرف الدولي والاتفاقيات الدولية.
ثانياً: التدخل لحماية الإنسان قديما
معنى التدخل عموما: لم تحدد اقدم النصوص التي وردت في المواثيق والاعلانات الدولية معنى التدخل ويبرز دور الكتاب في بيان معنى التدخل في القانون الدولي وتوضيح المقصود منه. فيرى برايرلي (Brierly) أن كلمة التدخل استعملت لتدل بشكل عام على انه: ((أي عمل من اعمال التدخل من قبل دولة في شؤون دولة أخرى)) وبمعنى اكثر خصوصية بأنه تدخل قسري في الشؤون الداخلية أو الخارجية للدولة الأخرى بما يؤثر على استقلالها[19] .اما أوبنهايم (Oppenhiem) فيعرف التدخل بأنه ((تدخل قسري من قبل دولة في شؤون دولة أخرى بهدف الابقاء على الاشياء بوضعها الحالي أو تغييرها))[20] . ويذهب رأي آخر إلى ان التدخل هو ((تعرض دولة لشؤون دولة أخرى بطريقة استبدادية وذلك بقصد الابقاء على الأمور الراهنة للاشياء أو تغييرها)) [21]  .ويعرفه الفقيه الفرنسي بونفيلس (Ponfils) بأنه ((تدخل دولة في الشؤون الداخلية أو الخارجية للدول الأخرى)). ويعرفه البعض الآخر بأنه ضغط فعلي تمارسه دولة أو عدة دول على دولة أخرى بقصد الزامها بالقيام بعمل أو الامتناع عن عمل أو بالعدول عن تصرفات تعسفية تأتيها بالنسبة لرعاياها أو لرعايا غيرها من الدول المقيمين بأقليمها[22]  .
ونرى أن التدخل عموما هو: التدخل التحكمي الذي تمارسه دولة في الشؤون الخاصة بدولة أخرى، والتدخل قد يمارس في شؤون الدولة الداخلية، وهو الغالب، كما يمارس في شؤونها الخارجية. وقد يكون التدخل سياسيا أو عسكريا أو اقتصاديا.
أما التدخل الإنساني: فقد عرفه الفقهاء تعريفات مختلفة تقوم في اساسها على الادعاء بحماية الإنسانية، وذلك بقيام دولة بالدخل في شؤون دولة أخرى لحماية رعاياها المتواجدون في الدولة الأخرى.
والحماية الإنسانية، عموما، تقع نتيجة للمعاملة القاسية التحكمية غير الإنسانية لفئة معينة من الناس على اساس الجنس أو الدين أو اللغة فيعرف ستويل (Stowell) التدخل الإنساني بأنه ((الذي يعتمد على القوة المبني على غاية مبررة، الا وهي حماية مواطن دولة أخرى من المعاملة الاستبدادية أو التعسفية المستمرة والتي تتعدى حدود السلطات الممنوحة للدولة من خلال مبدأ السيادة التي يجب ان تمارسها ضمن مبادئ العدالة والتعقل)) [23] .
 
أما روجر (Rougier) فيعرف التدخل على اساس حماية الإنسانية فيقول: ((ان نظرية التدخل القائمة على مبدأ الإنسانية هي بالاحرى: ((التي تسمح لدولة معينة بممارسة التحكم الدولي، التدخل في شؤون دولة أخرى في سيادتها الداخلية، عندما تتعارض ممارسات هذه السيادة مع مبدأ الإنسانية. وتنطبق هذه النظرية أيضاً عند محاولة ايجاد مبررات قانونية لتبرير التدخل))[24] .
  أما ارنتز (ARNTS) فقد عرف التدخل الإنساني بأنه: ((عندما تقوم دولة ـ الممثلة لحكومتها ـ (وان كانت تمارس سيادتها) بانتهاك حقوق الإنسان عن طريق ممارسات مخالفة للعدالة بانتهاك حقوق الإنسان عن طريق ممارسات مخالفة للعدالة والتي يمكن ان تعتبر كوصمة عار على حضارتنا. فان حق التدخل، عندئذ، يمكن ان يمارس ولو ان حق السيادة والاستقلال يجب ان يحترما. ولكن في مثل هذه الحالة هناك شيء أحق بالاحترام، وهو حقوق الإنسانية أو المجتمع الإنساني الذي يجب ان لا تنهك حرماته)) [25] .
 
ولما كان القانون الدولي (قديما) يحكم علاقات الدول الاوروبية المتمدنة فيما بينها لذلك كانت تلك الدول تسمح لنفسها بالتدخل في شؤون الدول الأخرى، اضافة إلى ذلك فان تلك الدول لم تكن تعترف بالسيادة كمبدأ اساسي في التعامل فيما بينها وبين الدول الأخرى، لأن مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى يتصل اتصالا مباشرا مع سيادة الدولة. وان الفقهاء الاقدمون (مثل فيتوريا) (1480ـ 1546م). وسواريز (1548 ـ 1617م) اعترفوا للدول بحق التدخل في شؤون الدول الأخرى لاسباب انسانية، كما اعترفت الدول لنفسها بحق التدخل في شؤون الدول الأخرى لنفس الغرض.
ويذهب البعض إلى أن مبدأ عدم التدخل نشأ مع نشوء القانون الدولي في القرن السابع عشر عندما اصدر جروسيوس (Grosius) كتابه الشهير قانون الحرب والسلم وكان اول كاتب عارض التدخل في شؤون الدول الأخرى إلاّ إذا كان مستندا على سبب عادل[26]  . ولكن من جهة أخرى كان من بين الكتاب الذين يؤيدون شرعية التدخل الإنساني ويتون (Wheaton)، وهبرج (Heiberg)، وولسي (Woolsiy)، وبلنتشي (Bluntschli)، ووستليك (Westlake)، وآخرون. اما كريستيان وولف (Christion Wolff) وبفندروف (Samuel Buffendrof)، وفاتيل (Vattal) فانهم يعارضون التدخل في شؤون الدول الأخرى باي شكل من الاشكال لأنه يتعارض مع الحرية الطبيعية للدولة[27]  .
  ونعتقد ان ظهور مبدأ عدم التدخل والتضييق من نطاق التدخل في شؤون الدول الأخرى كان رد فعل لتدخلات الحلف المقدس في شؤون الدول الأخرى، والذي كان يرمي إلى محاربة الافكار الديمقراطية والافكار الثورية والتحررية حماية للملوك والامراء ومصالحهم [28] .
 وكانت الدول الاوروبية (البروتستانتية) في القرن السادس عشر والسابع عشر تتدخل في شؤون الدول الاوروبية الكاثوليكية لحماية الافراد الذين يتمون إلى المذهب البروتستانتي، حتى ولو كانوا من رعايا الدول الكاثوليكية نفسها، مما ادى إلى قيام الحروب والمنازعات بين تلك الدول، ومن بين تلك الحروب حرب الثلاثين التي قامت عام 1618م وانتهت بتوقيع معاهدة وشنغاليا عام 1648م [29] .فالمعاملة غير الإنسانية وغير العادلة من قبل الدولة لفئة معينة من رعاياها، تقتضي حمايتهم والحفاظ على ارواحهم ومفتقداتهم وممتلكاتهم لذلك تلجأ بعض الدول لاسباب دينية أو لغوية أو عرقية، للتدخل في شؤون الدول الأخرى، ومن ابرز الامثلة على مثل هذا التدخل:
  1ـ تدخل الدول الاوروبية (فرنسا والنمسا وبريطانيا وبروسيا وروسيا القيصرية) في لبنان وسوريا التابعتين للدولة العثمانية عام 1860م. فقد سكن هاتين المنطقتين منذ اوائل القرون الوسطى مجموعتان من القبائل التي تدين كل منهما بدين معين. فالموارنة (Maronites) المسيحيون يقيمون في الشمال والدروز (Druses) المسلمون الذين يقيمون في الجنوب، وكانت الحكومة الفرنسية تدعم الموارنة في حين كانت الحكومة البريطانية تدعم الدروز، والسبب في ذلك واضح وهو خلق الفتن والاضطرابات بين الجانبين في الوقت المناسب لتحقيق الاغراض الاستعمارية. وقد اتهمت الدول الغربية، الدول العثمانية، بأنها كانت تشجع النزاعات المحلية من اجل الحفاظ على بقائها وسيادتها في المنطقة. ومن بين النزاعات الرئيسية بين الطائفتين القتال الذي نشب بينهما في عام 1860م، وأدى إلى قتل عدد من الموارنة وكان من الصعب تحديد الجانب الذي كان السبب في اثارة النزاع.
وأكدت الدول الاوروبية ان الدولة العثمانية كانت وراء اثارة هذا النزاع. وان النزاع بين الطائفتين لم يكن جديدا بل يرجع إلى خمسة عشر عاما الماضية حيث استمر النزاع الكتائبي بينهما والذي ذهب ضحيته آلاف البشر من الجانبين اضافة إلى الاضرار المادية. وقد ادعت الدول الاوروبية ان مذابح وقعت بين الجانبين في حاصبيا وزحلة على مرأى من السلطات العثمانية وانها لم تقم بالحماية اللازمة للرعايا على قدم المساواة، واتهمتها بالعجز عن اعادة الهدوء والنظام إلى نصابه، حتى يكون مبررا لتدخلها في الشؤون الداخلية للدولة العثمانية.
ونتيجة للضغط الذي مارسته الدول الاوروبية على الدولة العثمانية استطاعت ان ترغم الدولة العثماية على قبول تدخلها في شؤونها الداخلية وتم الاتفاق بين هذه الدول الخمس والدولة العثمانية بأن تقدم خدماتها وتتعاون مع الدولة العثمانية بموجب بروتوكول عقد في باريس في الثالث من آب 1860م ترسل بموجبه قوات فرنسية إلى المنطقة. كما عقدت اتفاقات أخرى في باريس في الخامس من ايلول 1860م صدق عليها في 18 تشرين الأول 1860م، اضافة إلى عدد من الاتفاقات الأخرى. فارسلت تلك الدول بموجب البروتوكول والاتفاقات المذكورة اثنا عشر الف جندي نصفهم فرنسيين والنصف الاخر من الدول الاوروبية الاربع الأخرى اضافة إلى قوات بحرية
[30] .
2ـ تدخل الولايات المتحدة الأمريكية بحجة وقف الحرب التي وقعت على الارمن الذين يخضعون للسيادة العثمانية عام 1906م. فقد وجهت الحكومة الأمريكية إلى الحكومة العثمانية مذكرة مؤرخة في 30 كانون الثاني عام 1900م اضافة إلى عدد آخر من المذكرات التي استمرت حتى عام 1916م فقد جاء في الرسالة المؤرخة في 2 من مارس 1915م ((انه منذ شهر واحد قام السكان الاكراد والاتراك في منطقة ارمينيا بقتل الارمن بالجملة، بموافقة ومساعدة السلطات العثمانية وقد حصلت هذه المذابح في منتصف شهر نيسان في وهزوم وغيرها من المدن العثمانية. وقد قتل سكان حوالي مائة قرية قرب (VAN)... وان ارتكاب هذه الجرائم من قبل رعايا تركيا هي جرائم ضد الإنسانية والمدنية، وان الحكومات المتحالفة تعلن بشكل عام إلى الباب العالي أنها تعتبر اعضاء الحكومة العثمانية مسؤولين مسؤولية شخصية عن هذه الجرائم ووكلائهم الذين ساهموا في هذه المذابح  [31]  . 
 ويجري تبادل مذكرات جديدة بين الحكومة الأمريكية والحكومة الألمانية من جهة والحكومة العثمانية من جهة أخرى، قدمت من خلالها الحكومة الأمريكية العديد من الاقتراحات لحل مشكلة الارمن ومنها:
1ـ ان الحكومة الأمريكية نيابة عن الإنسانية تطالب الحكومة العثمانية بالموافقة على عودة الارمن إلى مساكنهم.
2ـ ان الحكومة الالمانية تصر على ضرورة وقف ابادة الجنس المسيحي من قبل الحكومة العثمانية.
3ـ تقدم طلب رسمي مستعجل من الحكومة الأمريكية للموافقة وضمان التسهيلات لزيارة الامريكيين وغيرهم لتقديم المساعدة التي يرغبون في تقديمها للأرمن وتوقف دعم الولايات المتحدة الأمريكية للأرمن بعد الحرب العالمية الأولى بدخولها الحرب عام 1917م[32] .

   وبموجب اتفاقية سيفر (Sever) التي عقدت في العاشر من آب 1920م اعترفت الحكومة العثمانية باعلان جمهورية الارمن كدولة مستقلة حرة وخولت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية تحديد الحدود بينها وبين تركيا. ونظرا لعدم تصديق الحكومة التركية على هذه المعاهدة فلم تقم هذه الجمهورية. ولكنها حين عقدت معاهدة لوزان في 24 من تموز 1923م التي اصبحت نافذة بعد سنة واحدة فان هذه المعاهدة لم تنه مشكلة الارمن ولكنها تضمنت نصوصا تقضي بحماية حقوق الاقليات غير المسلمة في تركيا ووضعهم تحت حماية عصبة الامم[33] .فلم يقتصر الأمر على تلك التدخلات فهناك العديد من القضايا الخاصة بالتدخل لحماية الإنسان خلال القرن التاسع عشر.
 على سبيل المثال، تدخل بريطانيا وفرنسا وروسيا عام 1827م الذي أدى إلى وقف اعمال الحكومة العثمانية التي كانت تهدف إلاّ سحق المقاومة اليونانية التي كانت تناضل من اجل الاستقلال بحجة ان الحكومة العثمانية استخدمت طرقا حربية غير انسانية. وبدأ تدخل روسيا القيصرية في شؤون الدولة العثمانية بحجة قيام قواتها بالقضاء على الثورة في بلغاريا على اساس ارتكابها اعمالا وحشية ضد السكان المسيحيين. وان روسيا قامت بعملها لحماية السكان المسيححيين بعدها عقد مؤتمر القسطنطينية عام 1876م أو عام 1877م دون التوصل إلى حل. اخيرا عقدت معاهدة برلين في 13 من حزيران 1878م، التي التزمت بموجبها الدولة العثمانية بالمساواة في المعاملة بين جميع رعاياها وبخاصة المسيحيين منهم [34] .يذهب بعض كتاب القانون الدولي إلى انه اجرى فحص لحالات كثيرة فوجد ان التدخل يهدف إلى تحقيق مصالح خاصة للدولة المتدخلة مثل تدخل الدول الاوروبية الخمس في سوريا ولبنان عام 1860 ـ 1861م[35]  .وكذلك تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في لبنان عام 1958م.
 وتستند الدول في كثير من حالات التدخل، على اساس قواعد الاخلاق التي تقضي بحماية الإنسانية من كل اعتداء يقع عليها. والحقيقة الواضحة ان الدول حين تسلك طريق التدخل في شؤون الدول الأخرى بحجة تدخلها لحماية الإنسانية فانها إذا كانت تتدخل في بعض الاحيان لحماية الاقليات الدينية أو اللغوية أو العرقية، فانها في غالب الاحيان تتدخل لحماية مصالحها الخاصة أو لتحقيق مصالح استعمارية. (فحالات التدخل السابقة لم تكن لصالح المجتمع الدولي باسره بقدر كونها للصالح الخاص للدول الكبرى التي قامت بالتدخل. ولهذا تلقى هذه التدخلات عادة استنكار المجتمع الدولي) [36] .
 ثالثا: تطور مركز الفرد في العهد الاستعماري لقد برز العهد الاستعماري كنتيجة للاوضاع التي كانت تسود العلاقات الدولية ومنها الحق للأقوى نتيجة للاكتشافات الجديدة في قارة افريقيا وآسيا وقارة امريكا مما دفع الدول الاستعمارية إلى بسط سيطرتها على الكثير من المناطق المكتشفة وخاصة الدول الاوروبية التي وسعت من نطاق سيطرتها الاستعمارية. وكانت وظيفة القانون الدولي في تلك الفترة، تنظم اكتساب السيادة على تلك المستعمرات [37]  . ولم تكتف الدول الاوروبية بذلك بل قامت باكتساب اقاليم وضمها اليها بطرق اكتساب الاقليم حتى كانت تجيز ذلك[38]  .
 وبدأت تلك الدول الاستعمارية (الاوروبية) بتقسيم مناطق النفوذ فيما بينها وظهر نظام الحماية الاستعمارية، وهي التي تتم بعمل انفرادي من قبل الدول الحامية التي تعتبر في الحقيقة طريقا غير مباشر للضم[39].ونظام الحماية الاستعمارية من الآثار التي خلفها الطابع الطائفي الاقليمي الذي كان يتصف به القانون الدولي منذ نشأته، وأدى هذا النظام إلى عقد كثير من المعاهدات غير المتكافئة في سبيل الوصول إلى تحقيق اهداف خاصة لبعض الدول الاستعمارية [40] .
 ولقد طبع حكم الدول الاستعمارية للمستعمرات بطابع استخدام القوة الذي اتصف بالقسوة والفظاعة حتى وصل في بعض الحالات إلى حد الابادة الجماعية للسكان الاصليين في تلك المستعمرات. وكانت الوظائف الحكومية مقصورة على ابناء الدول الاستعمارية اما اهل البلاد الاصليين فلم يكن من نصيبهم إلاّ تولي الوظائف الثانوية، وكانوا يخضعون لحكم استبدادي مطلق. ولم يكن يعترف لهم باية حقوق أو ضمانات دستورية بالنسبة للدول المستعمرة، اضافة إلى التفرقة العنصرية البغيضة التي تقوم على اساس تفوق الجنس الابيض على غيره من الاجناس.
كل تلك الاسباب تدخل المجتمع الدولي لتنظيم تلك الاوضاع عن طريق وضع قواعد خاصة كانت بادرة لظهور فكرة التنظيم الدولي لادارة المستعمرات[41] ، كما وضعت قواعد أخرى منها.
 تحريم الرق ومكافحة الاتجار به: فقد كانت تجارة الرقيق ضرورة اقتصادية للنظام الاستعماري لتأمين حاجة الحرب بزج اعداد كبيرة منهم في الحرب. والقيام بخدمة الارض وزراعتها والقيام بالاعمال العمرانية وغيرها من الاعمال. وفي بداية القرن التاسع عشر، ازاء الحملة التي استهدفت حماية حقوق الإنسان، صدرت عدة تصريحات وعقد العديد من المعاهدات التي اشارت إلى ان تجارة الرقيق لا تنسجم مع مبدأ العدالة والإنسانية وطلبت من الدول وضع التشريعات الداخلية اللازمة لمكافحته. وفي نهاية القرن التاسع عشر عقد العديد من الاتفاقات والمؤتمرات الدولية لمعالجة حالات كثيرة من بينها مشكلة تجارة الرقيق. فقد نصت المادة السادسة والتاسعة من اتفاق برلين الذي عقد في 26 شباط 1885م صراحة على تحريم الاتجار بالرقيق تطبيقا لمبادئ القانون الدولي العام. وألزم هذا الاتفاق الدول الموقعة عليه بمكافحة تجارة الرقيق.
[42]  
 وجاء اتفاق بروكسل المعقود في الثاني تموز 1890م وكان خاصا بمكافحة الاتجار بالرقيق. قد نص على مكافحة الرق في كل القارة الافريقية وسواء أكان في البحر أم في البر. فقد اوردت اتفاقية اعالي البحار لعام 1958م نصا يقضي بمنع تجارة الرقيق بأن على كل دولة ان تتخذ تدابير فعالة لمنع ومعاقبة نقل الرقيق في السفن المأذون لها برفع علمها ولمنع الاستخدام غير له. كما نص على ذلك في المادتين (99) و(110) من اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م [43] .وفي سبيل الاتفاق بين الدول الاعضاء للقضاء على هذا النظام اللاانساني فان الاتفاق نص على تبادل المعلومات بين الدول الاعضاء بشأن التشريعات والاجراءات التي تتخذها لمكافحة الاتجار بالرقيق وانشاء مكاتب دولية لتنفيذ الاتفاق[44]  .
 كما وضعت قواعد خاصة تقيد من الاتجار بالاسلحة النارية والمشروبات الروحية لحماية الإنسان من الحيلولة دون اندلاع الحروب بين القبائل الوطنية في افريقيا[45]
.

 
 

الهوامــش

[1] انظر الدكتور عبد السلام الترمانيني: محاضرات في تاريخ القانون. كلية الحقوق ـ جامعة حلب، الطبعة الأولى 1964م، ص 16 وما بعدها، والاستاذ عبد الكريم الخطيب: الخلافة والامامة: دار الكتاب العربي، مصر. غير مؤرخ ص 24.

[2] نفس المرجع ص 35 ـ 39.

[3] انظر الدكتور عدنان حمودي الجليل: نظرية الحقوق والحريات العامة في تطبيقاتها المعاصرة. القاهرة 1974 ـ 1975م (11).

[4] Schoenborn, WLe: Nature Juridique du Territoire.

Recueil des cours de liacdemie de la Haye 1929 PP. 86 – 126.

[5] انظر الدكتور عدنان حمودي الجليل: المرجع السابق ص 16 وما بعدها.

[6] Batiffol, H: Droit International prive (3 em. ed) 1959. Paris. PP. 14 – 16.

[7] انظر الدكتور عبد العزيز سرحان: المدخل لدراسة حقوق الإنسان في القانون الدولي الطبعة الأولى عام 1980م الكويت ص 127 ـ 128.

 [8] وان لفظ الرقيق (servi) ظهر نتيجة للحروب حيث قضى هذا النظام بعدم قتل الاسرى بل بيعهم ابقاء على حياتهم ويطلق على هؤلاء الارقاء اسم (ملك اليمين) لانهم يأخذون من الاعداء باليد كما جاء في القرآن الكريم (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ). انظر الاستاذ زهدي يكن. تاريخ القانون، الطبعة الثانية القاهرة 1965م ص 245.

[9] انظر لدكتور سمير محمد فاضل: المسؤولية الدولية عن الاضرار الناتجة عن استخدام الطاقة النووية وقت السلم، القاهرة 1976م ص 36 ـ 37. والدكتور محمد عبد العزيز أبو سخيلة، المسؤولية الدولية عن تنفيذ قرارات الامم المتحدة: الجزء الأول ـ النظرية العامة للمسؤولية الدولية ـ الكويت ص 205 ـ 206. والدكتور جابر ابراهيم الراوي: المسؤولية الدولية عن الاضرار الناتجة عن تلوث البيئة. بغداد 1983م ص 21.

[10] Eaglton, clyde; The Responsibility of state in international law New York (1928) P. 16 – 17.

 [11] Sohn Louis and Puergenthal thoms: international protiachion of human Rights. New York (1973) PP. 30 – 31.

[12] Ibid.

[13] Ibid: P 32.

[14]Ibid: P 32.

[15] Kiss, Charlcs: Rcpertoire de la pratique Francaise en Matire de Drot International Public. Tom. 1 (Paris) (1962) PP. 399 – 405.

 [16] انظر الاستاذ وجدي ملاط: حقوق الإنسان بين الامس واليوم ـ محاضرة القاها في جامعة بيروت العربية في 29 من آذار 1974م ـ ص 19 ـ 20. والدكتور وحيد رأفت: القانون الدولي وحقوق الإنسان ـ المجلة المصرية للقانون الدولي ـ العدد ((33)) ـ عام 1977م ـ ص 17.

 [17] نفس المرجعين السابقين.

 [18] Sohn: OP. eit: PP. 505- 506.

 [19] Brierly, J. L: The law of nations (6th. ed) London (1963) PP. 402.

 [20] Oppenhien, L: International law. Vol. 1 (8 th. ed) (1963) PP. 305.

[21] انظر الدكتور محمد طلعت الغنمي: الاحكام العامة في قانون الامم (قانون السلام) الاسكندرية 1971م ص 329.

[22] Fa bela de. L: Intervention (Paris) (1961) P. 17.

[23] Snhn: Op. cit; P. 137.

[24] Ibid: Margin. P. 137.

[25] Ibid: Margin. P. 137.

[26] Ibid; PP. 14 – 15.

[27] Sohn: OP. Cit, P. 138.

[28] نشأ الحلف المقدس بموجب معاهدة وقعت في 26 ايلول 1815م بين بريطانيا والنمسا والمانيا وروسيا القيصرية.

[29] وما أشبه اليوم بالبارحة، فان الولايات المتحدة الأمريكية تلعب دورا مشابها للدور الذي لعبته تلك الدول الاوروبية في التدخل في شؤون لبنان الداخلية باثارة النعرات الطائفية بين الموارنة من جهة والدروز والمقاومة الفلسطينية من جهة أخرى حيث سهلت عن هذا الطريق للكيان الصهيوني التدخل العسكري في لبنان واحتلال دولة ذات سيادة بالقوات العسكرية خلافا لميثاق الامم المتحدة والقانون الدولي، واخذت تغذي تلك التفرقة الطائفية... الخ.

[30] Sohn, L and Burgerenthal: Protection of human right. New Yourk. 1973. P. 185.

[31] Ibid; 185.

[32] Ibid; p. 192.

[33] Ibid; P. 193.

[34] Ibid; P.178.

[35] Brownlie; international lawand use pf frorce by Stats Oxford (1963).

[36] انظر الدكتور محمد يوسف علوان: حقوق الإنسان في ضوء القوانين الوطنية والمواثيق الدولية. جامعة الكويت. الطبعة الأولى عام 1989م ص 84.

[37] انظر الدكتور احمد عثمان: مبدأ التنظيم الدولي لادارة المستعمرات، وتطبيقاته في نظامي الانتداب والوصاية الدولي ورسالة دكتوراه قدمت إلى كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1963م ص 21 ـ 24.

[38] انظر الدكتور حامد سلطان والدكتورة عائشة راتب والدكتور صلاح الدين عامر: القانون الدولي العام ـ الطبعة الأولى ـ القاهرة ص 129.

[39] نفس المرجع السابق ص 129.

[40] انظر الدكتور عصام صادق رمضان: المعاهدات غير المتكافئة في القانون الدولي ـ رسالة دكتوراه قدمت إلى كلية الحقوق بجامعة عين شمس عام 1978 ص 123.

[41] انظر الدكتور احمد عثمان ـ المرجع السابق ـ ص 48.

[42] انظر الدكتور احمد عثمان: المرجع السابق ص 48.

[43] انظر الدكتور محمد يوسف علوان: حقوق الإنسان في ضوء القوانين الوطنية والمواثيق الدولية. الطبعة الأولى عام 1989م ص 407.

[44] نفس المرجع السابق ص 50 ـ 52.

[45] نفس المرجع ص 53.


التالي

السابق