حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في القانون الدولي والشريعة الإسلامية المؤلف: الدكتور جابر إبراهيم الراوي أستاذ القانون الدولي في الجامعة الأردنية، وجامعة بغداد سابقاً



    الفصل الثاني
حماية حقوق الإنسان في عهد التنظيم الدولي
المبحث الأول
حماية حقوق الإنسان في ظل عصبة الأمم

   عرف القانون الدولي التقليدي القليل من المبادئ التي كانت تهدف إلى حماية حقوق الإنسان. فقد ساد مبدأ التدخل الذي كان الهدف الظاهر منه منح حماية رعايا الدول الاوروبية المسيحية المقيمين في دول أخرى غير اوروبية وحتى في بعض الاحيان المقيمين في دول أخرى حينما كان القانون الدولي ينظم علاقات الدول الاوروبية المسيحية وهذا المبدأ ينسجم مع الافكار التي كانت سائدة آنذاك، والتي كانت تقوم على اساس السلطان المطلق لسيادة تلك الدول. كما عرف القانون الدولي تالتليدي نظاما يهدف إلى حماية حقوق الإنسان ولكنه يقتصر على حماية طائفة معينة من الناس هم الأجانب.
وبمقتضى هذا النظام تستطيع الدولة حماية رعاياها ومصالحهم اينما ذهبوا، على اساس مبدأ شخصية القانون الذي كان يسود العلاقات الدولية، فإذا تعرضوا للاعتداء عليهم أو على اموالهم، ولم يستطيعوا الحصول على التعويض أو الترضية أو لم يعاقب المعتدون، عند ذلك تتولى دولهم الدفاع عنهم، عن طريق الحماية الدبلوماسية في بعض الاحيان أو عرض الأمر على القضاء الدولي في احيان أخرى ولما كان هذا النظام مقصورا على الأجانب فانه لم يؤد الغرض المطلوب من المبدأ الاساس وهو حماية حقوق الإنسان الاساسية عموما.
أما في عهد عصبة الامم (1919 ـ 1920م) فان العهد (الميثاق) تضمن نصوصا خاصة بحماية حقوق الإنسان ولكنها لم تكن شاملة لكل الحقوق بل تشير إلى حماية حقوق فئات خاصة من البشر. فقد نصت الفقرة الأولى من المادة الثانية والعشرون من العهد على حماية شعوب المستعمرات والاقاليم التي اصبحت تابعة لدول أخرى اعضاء في العصبة (يطبق عليها البدأ القاضي بأن رفاهية هذه الشعوب وتقدمها، إنما هي امانة مقدسة في عنق المدنية، بأن يشتمل العهد على الضمانات الكفيلة بالاطلاع بهذه الامانة).
كما نصت الفقرة الرابعة في الشطر الاخير منها على: ((... ويتعين ان تكون لرغبات هذه الشعوب الاعتبار الرئيسي في اختيار السلطة القائمة بالانتداب)).
اما بشأن الشعوب الأخرى، وبخاصة شعوب افريقيا، فقد نصت الفقرة الخامسة من المادة المذكورة على ذلك بقولها: ((وثمة شعوب أخرى، وبخاصة شعوب وسط افريقيا، ما زالت في مرحلة يتعين فيها ان تكون السلطة القائمة بالانتداب مسؤولة عن ادارة الاقليم وفقا لشروط تكفل حرية العقيدة والاديان مع مراعاة المحافظة على النظام العام الآداب، وبتحريم الاساءات كتجارة الرقيق والاتجار بالاسلحة والاتجار بالخمور، ومنع انشاء استحكامات أو قواعد حربية وجوية والتدريب العسكرية لاغراض غير الشرطة والدفاع عن الاقليم، وضمان تهيئة فرص متكافئة لاعضاء العصبة الآخرين في الاتجار والتجارة)).
من جهة أخرى فان العهد تضمن نصوصا أخرى تتصف بالصفة الدولية لحماية حقوق الإنسان خلافا لما يذهب إليه بعض فقهاء القانون الدولي. ولكن العهد لم يتضمن نصوصا خاصة بحماية الاقليات سواء بالنسبة للدول المهزومة أو بالنسبة للدول الجديدة تفكك الامبراطوريات المهزومة خلافا لما يذهب إليه الفقهاء [1] .
فقد نصت المادة الثالثة والعشرون من العهد، انه مع مراعاة الاتفاقيات الدولية المعقودة والتي ستعقد فيما بعد فان اعضاء العصبة يتعهدون:
1ـ بالسعي إلى توفير ضمان ظروف للعمل عادلة وانسانية للرجال والنساء والاطفال في بلادهم، وفي البلاد التي تمتد اليها علاقاتهم التجارية والصناعية بصورة متساوية. وتحقيقا لهذا الغرض، يتعهدون بانشاء المنظمات الدولية اللازمة ودعمها.
2ـ العمل على توفير المعاملة العادلة للسكان الوطنيين للاقاليم المشمولة برقابتهم.
3ـ بأن يعهدوا إلى العصبة بالاشراف العام على تنفيذ الاتفاقيات الخاصة بالاتجار بالنساء والاطفال والاتجار بالمخدرات وغيرها من العقاقير الخطرة.
4ـ السعي إلى اتخاذ الخطوات اللازمة ـ في المسائل ذات الاهمية الدولية ـ لمنع الامراض ورقابتها.
ومما هو جدير بالملاحظة، ان بعض الدول (اليابان والصين) بذلت جهودا كبيرة في مؤتمر الصلح، لتضمين معاهدات الصلح نصوصا تقضي بالمساواة في المعاملة بين الأجانب بدون تمييز يقوم على اساس الاصل أو الجنس أو اللغة ولكن تلك الجهود لم تأت صمارها حتى ان الدول المؤتمرة لم تتفق على مجرد الالتزام بتعزيز المساواة في المعاملة بين رعايا الدول المختلفة باستثناء الدول التي فرض عليها نظام الحماية بموجب معاهدات الصلح سواء الدول المهزومة أم الدول الجديدة التي انفصلت عن الامبراطوريات المهزومة
[2] .

    المبحث الثاني
حماية الاقليات في ظل عصبة الأمم

   قبل أن نبدأ الكلام عن حقوق الاقليات في ظل عصبة الامم، يقتضي أصول البحث العلمي تحديد المقصود بالاقليات.
    أولاً: فما المقصود بالاقليات (Minorities)
لقد كانت الاقليات موجودة منذ اقدم العصور وان كانت بشكل قليل، تعيش إلى جانب الاغلبية الساحقة من سكان الامبراطوريات والدول القديمة. وفي القرن التاسع عشر ظهرت فكرة الدولة القومية، التي نادى بها فلاسفة ذلك القرن ولاتي ترمي إلى انتماء شعب الدولة إلى قومية واحدة والتي لم تستمر طويلا ففي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين انتهت فكرة الدولة القومية وبخاصة بعد الحرب العالمية الأولى التي ادت إلى قيام دول جديدة واقتطاع أو اضافة اجزاء من دول إلى دول أخرى نتيجة تعديل الحدود بين الدول بموجب معاهدات الصلح التي عقدت بعد الحرب، مما ادى إلى ايجاد اقليات في تلك الدول، وكان دافعا إلى وضع نظام جديد يمثل قاعدة من قواعد القانون الدولي لحماية هذه الفئة من الناس الذي يعتبر من النظام الدولي لحماية حقوق الإنسان وحرياته الاساسية والتي ارست قواعد معاهدات الصلح التي اشرنا اليها، اساسه عدم التمييز بين تلك الاقليات وشعوب الدول التي تعيش فيها من النواحي القومية (الأثنية) أو الدينية أو اللغوية.
ولم تهتم الدراسات التي تناولت بالبحث الموجز حقوق الاقليات بتحديد المقصود منها وفي محاولة متواضعة لتحديد المقصود بالاقليات اعتمادا على ما نصت عليه معاهدات الصلح والمعاهدات الثنائية والوثائق الدولية والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولي الدائمة نقول:
((هي مجموعة معينة من السكان تقل نسبة عددها إلى نسبة مجموع شعب الدولة التي ينتمون اليها جميعا بجنسيتهم، وتختلف عنهم أما في قوميتها أو دينها أو لغتها)).
وهذا التعريف بالتأكيد لا ينطبق على الشعب العربي الفلسطيني أو الاغلبية الملونة في جنوب افريقيا (التي تعاني من حكم الاقلية البيضاء فيها) لأن هذين الشعبين وغيرهما من الشعوب لا ينطبق عليها هذا الوصف بل تمثل الاكثرية الساحقة في ارض فلسطين سابقا التي احتلتها العصابات الصهيونية، وفي جنوب افريقيا بالنسبة للملونين فانها تستمد حقها في حماية حقوق الإنسان ونيل حقوقها المغتصبة على اساس حق تقرير المصير الذي اصبح قاعدة من قواعد القانون الدولي.
    ثانيا: المواثيق الدولية التي تولت حماية حقوق الأقليات
وتشمل المعاهدات الخاصة بحماية الاقليات، والنصوص الواردة في معاهدات الصلح التي نصت على حماية الاقليات اضافة إلى التصريحات التي اصدرتها بعض الدول من جانبها والتزمت بموجبها بحماية حقوق الاقليات.
1ـ المعاهدات الخاصة بحماية الأقليات
وهي عدة معاهدات اطلق عليها معاهدات الاقليات وقعت في باريس خلال مؤتمر الصلح تعالج موضوع الاقليات وهي:
أ ـ المعاهدة التي عقدت بين دول الحلفاء ودول المحور وبولندا والتي وقعت في فرساي (Versailles) في الثامن والعشرين من حزيران عام 1919م.
ب ـ المعاهدة التي عقدت بين دول الحلفاء ودول المحور ومع مملكة صربيا والكروات والسلوفان في سان جرمان (St. Germain) في العاشر من ايلول 1919م.
ج ـ والمعاهدة التي عقدت بين دول الحلفاء ودول المحو ومع تشيكوسلوفاكيا التي وقعت في سان جرمان في العاشر من ايلول 1919م.
د ـ والمعاهدة التي عقدت بين دول الحلفاء أو دول المحور ومع اليونان والتي وقعت في سيفر (Severs) في العاشر من آب 1920م.
هـ ـ المعاهدة التي عقدت بين دول الحلفاء ودول المحور ومع رومانيا التي وقعت في باريس في التاسع من كانون الأول 1919م.
2ـ معاهدات الصلح التي تضمنت نصوصا لحماية الأقليات
وهذه المعاهدات لم تكن خاصة بحماية حقوق الاقليات ولكنها تضمنت في بعض موادها نصوصا خاصة بحماية الاقليات في الدول التي عقدت معها.
وقد تضمنت عدة معاهدات صلح هي:
أ ـ معاهدة صلح مع النمسا وقعت في سانت جرمان في لي (Laye) في العاشر من ايلول 1919م (القسم الثالث الفرع (4) المواد في 62 ـ 63).
ب ـ معاهدة صلح مع بلغاريا وقعت في (Nellilly – dur - Drine) في 27 من تشرين ثاني 1919م (القسم الثالث الفرع (5) المواد من 49 ـ 57).
ج ـ معاهدة صلح مع هنجاريا وقعت في تريانون (Trianon) في الرابع من حزيران 1920م (القسم الثالث الفرع (6) المواد من 54 ـ 60).
د ـ معاهدة صلح مع تركيا وقعت في لوزان (Lausonne) في الرابع والعشرين من تموز 1923م (القسم الأول الفرع (3) المواد من 37 ـ 45) [3] .
 3ـ التصريحات التي صدرت من جانب واحد بالالتزام بحماية حقوق الاقليات [4] .
 وهي التصريحات التي اصدرتها بعض الدول من جانب واحد أمام مجلس العصبة عندما انضمت إلى العصبة تعهدت هذه الدول باحترام حقوق الاقليات عند انضمام كل منها إلى العصبة، كان بعضها تصريحات عامة واخرى تصريحات خاصة.
أ ـ التصريحات العامة التي صدرت أمام مجلس العصبة وهي:
ـ التصريح الصادر من البانيا في الثاني من تشرين الأول 1921م.
ـ التصريح الصادر من استونيا في السابع عشر من ايلول 1923م.
ـ التصريح الصادر من لاتفيا في السابع من تموز 1923م.
ـ التصريح الصادر من لتونيا في الثاني عشر من مارس 1922م.
ب ـ التصريحات الخاصة التي صدرت أمام مجلس العصبة وهي:
ـ تصريح فنلندا (بشأن جزر ايسلندا) في السابع والعشرين من حزيران 1921م.
ثالثا: الضمانات الخاصة بحقوق الاقليات طبقا للمعاهدات والوثائق الدولية
وقد كانت تلك الضمانات ثلاث وهي:
1ـ ان المعاهدات الدولية والثائق والتصريحات التي صدرت من جانب تواجد من بعض الدول لا يمكن تعديلها أو تغيرها أو الغاؤها إلاّ بعد عرضها على مجلس العصبة وصدور قرار منه بالاغلبية. وان القواعد والاشتراطات (Stipulations) تعني ان على العصبة ان تؤكد دائما على احترامها وعدم المساس بها واجراء الرقابة اللازمة عليها. وعلى مجلس العصبة ان يجري تحقيقا والتدخل في كل انتهاك يحصل لتلك الالتزامات الخاصة بالاقليات وقد اوضحت تلك المعاهدات الاجراءات الواجب اتباعها في حالة انتهاك احكامها.
ولقد كانت كل هذه الأمور موضع عناية تقرير مجلس العصبة، ممثل بريطانيا (M. Tittoni) الذي قدمه إلى مجلس العصبة.
2ـ اجازت هذه المعاهدات للاقليات ان تتقدم بتظلمات (Petitions) أو شكاوي إلى مجلس العصبة مباشرة وقد تقدم تلك التظلمات أو الشكاوي من قبل الدول التي يتبعونها.
وعند تقديم مثل هذه التظلمات أو الشكاوي إلى مجلس العصبة فعلى السكرتير العام للعصبة ان يتصل بالعضو المشكو منه للحصول على المعلومات المتعلقة بالشكوى، وذلك لأن مجلس العصبة يكون مختصا بالموضوع عندما يلفت نظره احد الاعضاء إلى الاعتداء على تلك الحقوق.
وقد اوضح المقرر في تقريره ان مجلس العصبة أو المحكمة الدائمة للعدل الدولي هما الجهازان المسؤولان عن تنفيذ تلك الالتزامات كل حسب اختصاصه.
أما الجمعية العمومية للعصبة فانها تقوم في مناسبات مختلفة، من خلال مناقشة التقرير السنوي، بفحص موضوع حماية الاقليات والتأكد من تطبيق تلك القواعد في مناسبات مختلفة. وقد اتخذت الجمعية العمومية عدة قرارات بهذا الشأن في مجال حماية حقوق الاقليات وخاصة في 21 من ايلول 1922م الذي نص على ان مجلس العصبة يستخدم سلطته في العمل المباشر وان على الجمعية العمومية ان تعمل على تحسين العلاقة بين الدول الموقعة على تلك المعاهدات والاقليات التي تقيم في أقاليمها.
واقترحت على المجلس ان يخصص بعضا من موظفي السكرتارية لمتابعة موضوع حماية الاقليات
[5] .
 3ـ ان المحكمة الدائمة للعدل الدولي تكون مختصة في حالة الاختلاف حول تفسير أو تطبيق النصوص الخاصة بالاقليات بين الدولة التي تكون طرفاً في المعاهدة والاقليات.
ولما كان نظام حماية الاقليات مرتبطا بشكل مباشر بالاتفاقيات الدولية، وبنظام عصبة الامم الذي هو المرجع في كل ماله علاقة بهذا النظام، فبمجرد انهيار عصبة الامم انهار نظام حماية الاقليات، كما انه لم يكن نظاما يسري على جميع دول العالم، وانما فرض على الدول المهزومة في الحرب العالمية الأولى دون الدول المنتصرة فكل نظام يقوم على التمييز مصيره الفشل، اضافة إلى ذلك فان هذا النظام سمح لبعض الدول التدخل في شؤون الدول الأخرى بحجة حماية الاقليات [6] .
 رابعا: دور منظمة العمل الدولية في حماية حقوق الإنسان:
لقد كان لمنظمة العمل الدولية شأن كبير في حماية حقوق الإنسان وذلك في الاعمال المختارة التي قامت بها في المسائل المهمة المتعلقة بحقوق الإنسان وارساء قواعد سامية للتعامل، وقد توشحت اهداف المنظمة التي تهدف إلى حماية حقوق الإنسان في ديباجة دستور المنظمة الذي يقضي بأن السلام العالمي الدائم لا يمكن ان يقوم إلاّ على اساس من العدالة الاجتماعية واشار إلى أن ظروف العمل الحالية تنظوي على الكثير من صور الظلم والبؤس والحرمان لعدد كبير من الناس واستمرار هذا الوضع دون تلافقيه يعرض السلم والامن الدوليين للخطر.
ويشير دستور المنظمة في الفقرة الأولى من المادة الثالثة إلى التمثيل الثلاثي لاجهزة المنظمة. ولما كان مؤتمر العمل الدولي هو اعلى جهاز في المنظمة فان الوفود الوطنية للدول اعضاء المنظمة تتكون من اربعة اعضاء اثنان منهم يمثلون الحكومة وواحد يمثل اصحاب العمل والرابع يمثل العمال، ويصوت كل عضو بصورة مستقلة عن غيره في مؤتمر العمل الدولي.
كما توضحت اهداف المنظمة في العديد من الاتفاقيات والقرارات والتوصيات الدولية التي اصدرتها والتي تهدف في النهاية إلى حماية حقوق الإنسان. وقد نصت المادة الرابعة والعشرون من دستور منظمة العمل الدولية على حق المنظمات المهنية لاصحاب الاعمال أو العمال بتقديم مطالباتهم إلى مكتب العمل الدولي من جراء عدم قيام دولة من الدول الاعضاء بكفالة احكام اتفاقية انضمت اليها عند ذلك يجوز دعوة الدولة للاجابة على المطالبة. ويقول الاستاذ جورج سل ان النص المذكور يحمل في طياته عقوبة على مخالفة قواعد العمل الدولية [7] .
وبناء على ذلك فانه يمكن القول بأن دستور المنظمة قد اوجد نظاما من شأنه ان يجعل المنظمات غير الحكومية والافراد طرفا مباشرا في علاقة قانونية مع شخص من اشخاص القانون الدولي وهو الدولة [8] .
 يؤيد ذلك الراي الافتائي لمحكمة العدل الدولية الدائمة بشأن النزاع بين بولندا ودانتزنج، حيث قالت المحكمة: ((بأنه من الممكن ان يكتسب الفرد حقوقا أو تفرض عليه التزامات مباشرة عن طريق الاتفاقيات الدولية)).
 ولا يقتصر الأمر على تقديم التظلمات، فيحق لاي دولة من الدول الاعضاء ان تقدم شكوى إلى مكتب العمل الدولي ضد أية دولة أخرى ترى أنها لم تطبق الاتفاقية بشكل مرض ونصت على ذلك الفقرة الأولى من المادة السادسة والعشرين من دستور المنظمة.
واشترطت هذه المادة تقديم الشكوى من قبل الدولة. لاي من المندوبين في مؤتمر العمل الدولي تقديم الشكوى ويجوز لمجلس الادارة إذا رأى ذلك مناسبا، ان يجري التوفيق بين وجهات النظر المختلفة للتوصل إلى حل، وإلاّ فتُحال الشكوى إلى لجنة التحقيق وقد يحال الأمر اليها مباشرة دون حاجة لاتخاذ الاجراء التوفيقي إذا رأى المجلس ذلك ابتدأ أو إذا بعث بالشكوى للدولة المشكو منها ولم ترد او ردت ولكن ردها غير مقنع.
وعلى اللجنة ان تجري التحقيق اللازم وتثبت الوقائع وتقدم توصياتها ثم يقوم المدير العام لمكتب العمل الدولي بابلاغ تقرير لجنة التحقيق إلى مجلس الادارة إلى الحكومات المعنية مع نشر تلك التوصيات والتحقيقات [9] .
 وتلتزم الحكومات المعنية، بأن تخطر المدير العام، خلال ثلاثة اشر فيما إذا كانت تقبل التقرير والتوصيات أم لا تقبلها. وفي حالة عدم قبول احدى الحكومات المعنية لتوصيات لجنة التحقيق عليها ان تبدي رأيها صراحة فيما إذا كانت ترغب في احالة الشكوى إلى محكمة العدل الدولية من عدمه.
وهكذا يتضح ان الشكاوي الخاصة بعدم تطبيق قواعد العمل الدولية ممكن ان تنظرها محكمة العدل الدولية ولكن باتفاق الطرفين أو الاطراف المعنية [10].

    المبحث الثالث
حماية حقوق الإنسان في ظل نظام الانتداب

   لقد تظافرت عوامل عديدة ساعدت على قيام نظام الانتداب، فقد كانت الافكار السائدة في نهاية القرن التاسع عشر، تقضي بضرورة عدم التدخل في شؤون المستعمرات التي تخضع للسيطرة الاستعمارية لبعض الدول حيث يعتبر ذلك من صميم السلطان الداخلي للدول الاستعمارية. ولكن يقظة الشعوب التي كانت تخضع للنظام الاستعماري وظهور الافكار الثورية التي نادى بها بعض فلاسفة القرن التاسع كانت مشجعا للمجتمع الدولي، الذي وجد انه من الضروري تدخل المجتمع الدولي لتنظيم تلك العلاقات الاستعمارية والاشراف على ذلك التنظيم. شجع على ذلك الاعلانات المتتالية التي صدرت عن الحلفاء والتي تنادي بقبولها لحق تقرير المصير لشعوب المستعمرات. وقد نجح الحلفاء في استمالة الرأي العام العالمي واقتناعه باخضاع الاقاليم والمستعمرات التي كانت خاضعة للاستعمار الالماني والعثماني إلى نظام جديد تولت تفصيلاته المادة الثانية والعشرين من عهد عصبة الامم [11] .
 أولاً: اهداف نظام الانتداب
لقد كان الشعور السائد في بداية الأمر ان الاقاليم والمستعمرات التي تسكنها شعوب غير قادرة على ان تحكم نفسها نظرا للاوضاع القاسية التي يمر بها المجتمع الدولي، حيث ان هذه الاقاليم والمستعمرات لم تعد تخضع لسيادة الدول التي كانت تحكمها قبل الحرب العالمية الأولى. فيقتضي ان يطبق عليها المبدأ القاضي بأن رفاهية هذه الشعوب وتقدمها إنما هي امانة مقدسة في عنق المدنية. وكان من المتصور، وطبقا لتلك الاهداف التي كان الاعتقاد السائد بانها نبيلة ولخدمة بني الإنسان، ان تتولى العصبة نفسها ادارة تلك الاقاليم والمستعمرات، اما عن طريق لجان تنشتها لهذا الغرض أو عن طريق موظفين دوليين تابعين يتولون تلك المسؤولية يكونوا مسؤولين أمام العصبة مباشرة. ولكن تلك الاهداف الظاهرة لنظام الانتداب كانت تخفي في طياتها نظاما استعماريا قصد به السيطرة على تلك الشعوب وثرواتها الطبيعية ابشع استغلال، وهو ما حصل بالفعل فتولى مجلس الحلفاء تحديد الاقاليم التي تخضع لانتداب العصبة وفقا للمادة 22 من العهد على اساس الاتفاقيات العلنية والسرية التي جرى توقيعها بين دول الحلفاء حتى قبل انتهاء الحرب. واقتسموا تلك الاقاليم في (سان ريمو) في 25 نيسان 1920م واصبح رسميا في معاهدة سيفر في العاشر من آب 1920م.
ومن دراسة المادة (22) من العهد يتبين لنا أن هذا النظام كان يهدف إلى:
1ـ حماية الشعوب المنتدبة ورعاية مصالحها:
فقد كانت عبارة (ضمان تحقيق تقدم هذه الشعوب ورفاهيتها) تعني الكثير بالنسبة لتقدم هذه الشعوب وطرق تحقيق الرفاهية والحماية لها. فقد نصت الفقرة الرابعة الخاصة بانتداب فئة (أ) ان تقوم الدولة المنتدبة بارشاد ومساعدة هذه الشعوب حتى يجيء اليوم الذي تصبح فيه قادرة على ادارة شؤونها بنفسها ووفقا للفقرة الخامسة يجب ان تتجه الدولة القائمة على الانتداب إلى ازالة المساوئ التي وصمت الاستعمار التقليدي كتجارة الرقيق مثلا، وان تتجه إلى ضمان حرية الضمير والدين في حدود النظام العام والاخلاق، وحرمت تدريب سكان تلك الاقاليم إلاّ لأغراض البوليس أو الدفاع عن الاقليم. اما الفقرة السادسة فقد نصت على ادارة الاقليم كجزء من اقليم الدولة المنتدبة مع مراعاة الضمانات المسار اليها لمصلحة سكان البلاد الاصليين.
2ـ حماية حقوق الافراد سكان تلك الاقاليم
إن المادة (22) التي تعتبر دستور نظام الانتداب لم تنص على تفصيلات وافية لحماية حقوق الافراد سكان الاقاليم التي خضعت للانتداب ولكن يمكن استخلاص ذلك من بعض نصوص فقرات المادة (22) فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد الفقرة الخامسة من انتداب (أ) نصت على ضمان حرية الضمير وحرية الاديان وهذا يعني ان الإنسان حر فيما يعتقد وحر في اختيار الدين الذي يرغب في اعتناقه.
كما ان لجنة الانتداب، التي شكلت بموجب الفقرة (9) من المادة (22) من العهد، قد بلورت بعضا من اهداف نظام الانتداب بالنسبة لحماية حقوق الافراد، فقد اهتمت اللجنة باشراك سكان البلاد الاصليين في الوظائف العامة كجزء من ممارسة الحقوق السياسية والمشاركة في اجهزة الاقليم الخاضع للانتداب. وكذلك انشاء محاكم محلية للقضاء في الخصومات التي تنشأ بين افراد ينتمون للاقليم الخاضع لنظام الانتداب. وحماية الايدي العاملة لسكان البلاد الاصليين وحصولهم على حقوقهم كاملة، وكذلك حماية الحقوق العقارية لهؤلاء السكان وكذلك انشاء مدارس جديدة خاصة بهم لتعليمهم وتثقيفهم باعتبار التعليم حقا من حقوق كل فرد. وكذلك العناية بالامور الصحية وعدم انتشار الامراض بينهم وتعزيز الوسائل الكفيلة بمكافحة الامراض ما أمكن.
مما تقدم يتضح أن الهدف الرئيسي من نظام الانتداب طبقا لنص المادة (22) هو رفع المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للشعوب الخاضعة لنظام الانتداب والسير بها قدما حتى تستطيع ان تحكم نفسها وتنال استقلالها
[12] .
      ثانيا: نطاق تطبيق مبدأ التنظيم الدولي لادارة المستعمرات في عهد العصبة.
ويقوم هذا النظام الذي تقرر في عهد عصبة الامم على اساس مبدأين اساسيين هما:
1ـ مبدأ استبعاد ضم تلك الاقاليم لسيادة الدول التي انتصرت في الحرب.
2ـ مبدأ اعتبار مصير هذه الاقاليم وادارتها مسؤولية المجتمع الدولي ممثلا في شخص الهيئة الدولية وهي عصبة الامم.
وان نطاق تطبيق مبدأ التنظيم الدولي لادارة المستعمرات، كما قررته المادة (22) من عهد العصبة لا يشمل جميع الشعوب والاقاليم التي لا تحكم نفسها وهي التي تخضع لاحدى الدول الاعضاء في عصبة الامم وانما اقتصر المبدأ على فئة معينة من تلك الشعوب والاقاليم كما اوضحتها المادة (22) من عهد العصبة على سبيل الحصر، ولا يسري على المستعمرات والاقاليم الأخرى.
أما المستعمرات الأخرى، التي لم يشملها هذا المبدأ، فقد بقيت ادارتها خاضعة لقواعد القانون الدولي التقليدي، بمعنى أنها خاضعة لسيادة الدول التابعة لها، ومقيدة بالفقرة (ب) من المادة (23) من العهد التي نقض ان تضمن الاعضاء في العصبة معاملة سكان البلاد الاصليين في تلك الاقاليم معاملة عادلة، ولكن تلك الدول في الواقع، لم تتقيد بالنص رافق ذلك حركة استعمارية واسعة تمثلت في ضم اليابان لمنشوريا وضمت ايطاليا للحبشة صاحبها انتهاك لقواعد القانون الدولي، مما اثار المجتمع الدولي الاستعمارية إلى التنافس الاستعماري في سبيل ضم اقاليم جديدة كانت كل تلك العوامل اسباب لاشعال نار الحرب العالمية الثانية.
   ثالثا: الرقابة والاشراف على تطبيق نظام الانتداب:
ان جهاز الرقابة الرئيسي يمثل في مجلس عصبة الامم وفقا للمادة (22) من العهد. كما ان للجمعية العمومية للعصبة مناقشة المسائل الخاصة بالانتداب وفقا للمادة الثالثة من العهد وفقا للاختصاص العام. إلى جانب هذين الجهازين توجد لجنة الانتداب الدائمة.
وإذا كان من الضروري وجود هذه الاجهزة لمراقبة عمل الدول المنتدبة وحسن قيامها بعملها وتنفيذ الاغراض التي جاءت بها المادة (22) من العهد فان هذه الاجهزة لم تستطيع أن تقوم بالمهام الجسام المناطة بها بسبب الاتجاهات والسياسات التي اتبعتها الدول الكبرى تحقيقا لمصالحها.
وقد كانت لجنة الانتداب اكثر فعالية من مجلس العصبة وجمعيتها حيث نظمت وسائل الاشراف بشكل دقيق وفقا لما نص عليه العهد وذلك عن طريق التقارير السنوية التي ترفعها الدول القائمة بالانتداب. كما استعانت اللجنة إلى جانب تلك التقارير بوسائل أخرى لتحقيق تلك الفعالية تمثلت في:
أ ـ الوثائق الرسمية: التي قدمتها الدول المنتدبة وتشمل التقارير السنوية التي قدمتها إلى لجنة الانتداب. والوثائق الرسمية الأخرى وهي اما تقارير خاصة تتضمن نتائج تحقيقات امرت باجرائها الدول المنتدبة واما مطبوعات وجداول احصائية عن الادارة والأمور المالية وغيرها.
ب ـ العرائض: ويتم ذلك عن طريق تقديم عرائض تظلم من قبل الاشخاص الذين يقع عليهم اعتداء واهدار لحقوقهم لضمان هذه الحقوق والمصالح اعطي الحق لهم بتقديم العرائض إلى الدول المنتدبة. وجدير بالذكر ان المادة (22) من العهد لم تنص على موضع تقديم العرائض ولكن لجنة الانتداب في سبيل تحقيق رقابة فعالة فانها قبلت العرائض التي تقدم عن قضية. وتتمتع هذه العرائض بأهمية خاصة فهي وسيلة فعالة للرقابة والتوجيه على ادارة واعمال الدولة المنتدبة. وهي اكبر ضمانة لحماية حقوق الإنسان من انتهاك الدولة المنتدبة. ثم وضعت لجنة الانتداب نظاما خاصا بالنسبة للاجراءات الواجب اتباعها عند تقديم العرائض بالاقاليم الخاضعة للانتداب نشرت ملخصا عنه.
وقد تكون العرائض مكتوبة وهذا هو الاصل العام، فإذا كانت مقدمة من سكان الاقليم الخاضع للانتداب فترفع إلى لجنة الانتداب عن طريق الدولة المنتدبة مع التوصيات التي تراها ضرورية. اما إذا كانت مقدمة من اشخاص اخرين غير سكان تلك الاقاليم فتعرض على رئيس لجنة الانتداب الذي يقبل ما يراه مناسبا ويستبعد ما يرى عدم ضرورته ويقدم الأولى إلى اللجنة ويقدم الثانية إلى الدولة المنتدبة لتبدي ملاحظاتها عليها خلال ستة اشهر كاقصى حد. اما العرائض التي تتلقاها اللجنة عن طريق الدولة المنتدبة فهي التي تقرر قبولها وفقا للمعايير التي وضعتها. وهذا يعني انه لا يجوز اهمال أي عريضة تقدم إنما تجري دراستها جميعا ثم تبث بها لجنة الانتداب وبذلك يتبين ان رقابة اللجنة اكثر فعالية وجدية من رقابة مجلس العصبة وجمعيتها.
وتقوم اللجنة بدراسة تلك العرائض بحضور ممثل عن الدولة المنتدبة لاستجلاء بعض الحقائق وتقدم تقريرها إلى المجلس عن كل عريضة يتضمن النتائج التي توصلت اليها وتوصياتها بهذا الشأن ويقر المجلس النتائج التي توصلت اليها اللجنة ويطلب من السكرتير العام ابلاغ صاحب العريضة والدولة المنتدبة بالنتائج.
اما بالنسبة للعرائض الشفوية فلم تبحث في بادئ الأمر. فقد رفضت لجنة الانتداب العرائض الشفوية ابتداء. وقد قدم اقتراح بأن تقوم اللجنة بقبول الادعاءات الشفوية حيث اقتنعت اللجنة فيما بعد معلله رأيها بأن بعض العرائض لا يفهم مضمونها دون الاستماع إلى اقوال مقدميها امام اللجنة. وفي السابع من آذار عام 1929م رفض المجلس قبول الادعاءات الشفوية ولكن لا يمنع اللجنة من الاستماع إلى الاشخاص الذين يريدون مقابلة اللجنة ولكن بصفة غير رسمية ولا يكون طلبهم رسميا ما لم يكن مكتوبا إلى جانب وسائل الرقابة التي ذكرناها توجد وسائل أخرى للرقابة ولكنها اقل فعالية من الوسائل المذكورة وهي المصادر غير الرسمية للمعلومات كالدراسات والتقارير والمقالات التي تنشر في الصحف والمجلات وقد كلفت اللجنة الفرع الخاص بالانتداب في سكرتارية العصبة ان يعرض عليها هذه المصادر للاطلاع عليها والاستفادة منها كما ان قيام لجنة الانتداب باجراء التفتيش واجراء التحقيق يعتبر نوعا من الرقابة ولكنها لم تكن رقابة فعالة حيث ان مجلس العصبة لم يشجع هذه الزيارات [13] .
     اضافة إلى ما تقدم فهناك الاشراف القضائي:
 فإذا كان الاشراف الذي مارسته مجلس العصبة وجميعتها ولجنة الانتداب تمثل في التأكد من ان ادارة الاقاليم الخاضعة لنظام الانتداب كانت تسير وفقا للاهداف والمبادئ التي وردت في المادة (22) من العهد، فان الرقابة أو الاشراف القضائي يتمثل في تسوية المنازعات التي تثور ولا تتم تسويتها بالمفاوضة والخاص بتفسير أو تطبيق نصوص الانتداب وهي مسائل قانونية، فقد تولت محكمة العدل الدولية الدائمة هذا الاشراف عن طريقتين
[14] :
     الأول: الاختصاص القضائي.
     الثاني: الاختصاص الافتائي. الأول: الاختصاص القضائي:

يبدو من صكوك نصوص الانتداب جميعا ان اختصاص محكمة العدل الدولية الدائمة اختصاص الزامي فقد فرضت تلك الصكوك على الدولة المنتدبة احالة أي خلاف ((لاتتم تسويته عن طريق المفاوضة ويكون متعلقا بتفسير أو تطبيق لنصوص الانتداب ـ يثور بينها وبين عضو آخر في العصبة ـ)) إلى محكمة العدل الدولية الدائمة المنشأة وفقا للمادة الرابعة عشر من العهد وفي اختصاص المحكمة هذا اكبر ضمان لحماية حقوق الإنسان في الاقاليم الخاضعة لنظام الانتداب. وقد اثير هذا الموضوع وقصد به حماية حقوق الافراد كما حصل في قضية مافروماتيس.
فقد رفعت الحكومة اليونانية باعتبارها عضوا في عصبة الامم، دعوى ضد بريطانيا تطبيقا لنص المادة (26) من صك الانتداب الذي نص على قبول بريطانيا الاختصاص الالزامي للمحكمة. فيما يتعلق بتفسير وتطبيق نظام الانتداب على اليونان. فقد قام خلاف بين بريطانيا الدولة المنتدبة والشخص المدعو مافروماتيس من رعايا اليونان فقد حصل من السلطات العثمانية ـ قبل الحرب ـ على امتيازات لبعض الاشغال العامة في فلسطين، وبعد الحرب قامت السلطات البريطانية بمنح الشخص المدعو بروتنبرج (امتيازات كاملة تعارض البعض منها مع الامتيازات الممنوحة لمافروماتيس) في الوقت الذي كانت معاهدة لوزان قد نصت في احد بنودها على ضرورة احترام السلطة الجديدة للتعهدات والامتيازات الممنوحة قبل الحرب.
وحين فشل مافروماتيس مع الحكومة البريطانية استعان بحكومته حيث تبنت هذه القضية واقامت دعوى لدى محكمة العدل الدولية الدائمة مطالبة الحكومة البريطانية بتعويض الخسائر التي تعرض لها احد مواطنيها. اعترضت بريطانيا على اختصاص المحكمة ولكن المحكمة رفضت الاعتراض البريطاني واقرت امتيازات مافروتيس ولكن المحكمة ذهبت إلى انه لم يثبت لديها وقوع الضرر لمافروماتيس ولذلك فانها لم تر موجبا للتعويض. وحين ادعى ان الحكومة البريطانية حالت دون تنفيذ عقوده اقامت اليونان الدعوى مرة أخرى محتجة بصك انتداب على فلسطين، ولكن المحكمة ردت الدعوى لعدم الاختصاص بحجة ان الشروط الموضوعية لصلاحيتها في تفسير صكوك الانتداب وتطبيقها لم تتوفر في هذه الدعوى [15] . وصدر القرار في 30 آب 1924م.
    الثاني: الاختصاص الافتائي:
فقد نصت صكوك الانتداب على امكانية الاستعانة برأي المحكمة في المسائل القانونية التي يثيرها نظام الانتداب فأجازت لمجلس العصبة وجمعيتها ان تستعين برأي المحكمة في مصل هذه المسائل ولكن لم تخول صكوك الانتداب مثل هذا الحق إلى الدول الاعضاء. والرأي الذي تبديه المحكمة غير ملزم للهيئة التي تطلبه ولكن يتمتع بقيمة معنوية كبيرة[16] .

رابعا: انتهاء الانتداب:
لم تحدد المادة الثانية والعشرون من العهد، الذي هو دستور نظام الانتداب، كيفية انتهاء الانتداب ولكن بالرجوع إلى نهاية الفقرة الرابعة نجدها على ((... حتى يحين الوقت الذي تصبح فيه قادرة على الوقوف وحدها... الخ)) أي تستطيع ان تحكم نفسها بنفسها. وهذا هو المعيار الذي يمكن تطبيقه على كافة الانتدابات. وحيث ان الموضوع لم يكن واضحا فقد كلف مجلس العصبة لجنة الانتداب الدائمة في الثالث عشر من كانون الثاني عام 1930م لبيان الشروط التي تراها لانتهاء الانتداب. في الرابع من ايلول عام 1931م ناقش المجلس تقرير اللجنة التي علقت انتاء الانتداب على توافر الشرطين التاليين:
أ ـ ان تتوافر في الاقاليم حالة واقعية (De facto) يمكن تبريرها على أنها قرينة على ان البلد قد وصل إلى درجة من التطور التي اصبح فيها الشعب ـ طبقا لنص المادة 22 من العهد ـ يستطيع ان يحكم نفسه بنفسه في الظروف الصعبة التي يجتازها العالم الحديث.
ب ـ الضمانات الخاصة. أن يقدم الإقليم الذي على وشك التحرر بعض الضمانات لعصبة الامم التي باسمها أوكل الانتداب للدولة المنتدبة.
وقد وضعت اللجنة خمسة شروط ينبغي توافرها في الاقاليم التي يراد رفع الانتداب عنها هي:
1ـ ان يملك حكومة وادارة قادرة على دوام العملية التنظيمية للخدمات الرئيسية للدولة.
2ـ قادرا على الحفاظ على سلامة اراضيه واستقلاله السياسي.
3ـ قادرا على الحفاظ على السلام العالمي في جميع انحاء الاقليم.
4ـ ان يملك التدبير المناسب للموارد المالية بشكل منتظم لتأمين المتطلبات الضرورية للدولة.
5ـ ان يمتلك قوانين ونظام قضائي يضمن المساواة والعدالة [17] .
 وأوضحت اللجنة الضمانات التي يجب على الدولة الجديدة ان تقدمها للعصبة والتي تتضمن:
1ـ الحماية الفعالة للاقليات العرقية واللغوية والدينية.
2ـ الامتيازات والحصانات الممنوحة (لاقليم الشرق الادنى) بضمنها القضاء القنصلي طبقا لنظام الامتيازات الاجنبية الذي كان مطبقا في الدولة العثمانية ما لم يحل دون ذلك اتفاق آخر يقره المجلس بالاتفاق مع الدول المعنية.
3ـ مصالح الأجانب في القضايا القانونية والمدنية والجنائية التي لم تكن مضمونة بنظام الامتيازات.
4ـ الاتزامات المالية القياسية التي وضعت من قبل دول الانتداب السابقة.
5ـ الحقوق القانونية المكتسبة للجميع في ظل الانتداب.
6ـ الحفاظ على الاتفاقيات الدولية الخاصة التي عقدتها الدول المنتدبة باسم الاقليم.
فبعد التأكد من توافر الشروط اللازمة يختص مجلس العصبة في انهاء الانتداب في الوقت نفسه تستطيع الدولة المنتدبة أن تقدم اقتراحا برفع الانتداب على اساس ان الاقليم اصبح قادرا على ان يحكم نفسه بنفسه وتقدمه إلى مجلس العصبة.
والحالة الوحيدة في حالات الانتداب التي اتيح فيها لمجلس العصبة ان ينهي الانتداب هي انهاء الانتداب على العراق بعد ان قدم الضمانات المطلوبة في 30 من مارس 1932م. وبناء على ذلك افقت الجمعية العمومية على قبول العراق عضوا في العصبة في 3 تشرين الأول 1932م.
ثم انهى الانتداب على سوريا ولبنان وفلسطين بموجب اعلان من الدولة المنتدبة اما بالنسبة لاقاليم الانتداب الأخرى فقد تم وضعها جميعا تحت نظام الوصاية الدولي بموجب ميثاق الامم المتحدة.

 
 

الهوامــش

[1] انظر الدكتور عبد العزيز محمد سرحان: المدخل لدراسة حقوق الإنسان في القانون الدولي. الطبعة الأولى، كلية الحقوق جامعة الكويت 1980م ص 72 حيث يقول ((لم يتضمن عهد منظمة عصبة الامم نصوصا خاصة بتقرير الصفة الدولية لحماية حقوق الإنسان وذلك إذا استثنينا ما جاء في هذا العهد، من التزام اعضاء العصبة بأن يعاملوا بصورة عادلة الشعوب التي تقطن الاقاليم الخاضعة لارادتها، وأيضاً النص على احترام حقوق الشعوب التي تسكن الاقاليم التي وضعت تحت نظام الانتداب... الخ)).

كذلك انظر الدكتور بطرس غالي: الاقليات وحقوق الإنسان في الفقه الدولي. مجلة السياسة الدولية. العدد 39 يناير 1975م ص 10 حيث يقول ((... فانه عندما قامت عصبة الامم لم يذكر مبدأ حماية الاقليات في ميثاقها إلاّ بالنسبة للدول المهزومة أو الدول الجديدة التي ظهرت نتيجة لتفكك الامبراطوريات المهزومة، واعفت الدول المنتصرة ونحوها من هذا النظام)).

أما الاستاذ براونيلي (Broenlis) فيؤكد ان عهد العصبة لم يتضمن نصوصا خاصة بحماية الاقليات حيث يقول:

((Al though there Wehereno Clauses on protection of Minorities in Coventent of the league of Nqtions… etc). I an, Brownlie; Principlies of Public International Law. (Therd – Ed, tian) Oxford University Press, 1979. P. 565.

[2] انظر الدكتور عبد العزيز سرحان: المرجع السابق ص 72.

 [3] Protection of Minorites. Uned Nations. New York, 1967, E/CN4/Sub. 2/214/ Rev. 1 PP. 7-8 E/CN. 4/Sub. 2/221/rev. 1.

[4]  Sohn, Land Buergenthal, T: OP. Cit; PP 213- 214وان الاصل والعرض من هذه المعاهدات يتوضح من الرسالة التي بعث بها كليمانصو إلى بادروسكي (M. Clememceau, M. Baderewski) عند عقد المعاهدة البولندية حيث قال ((فان الأمور التي يمكن ان تؤدي إلى تمزيق السلام في العالم، هي المعاملة غير العادلة للأقليات التي تتوزع بين العديد من الدول... الخ)).

[5] ولذلك بينما قامت البانيا عام 1933م بتعديل دستورها الذي منع التعديل وجود أو اقامة مدارس خاصة في بلدها قدمت الاقليات تظلمات (شكاوي) إلى عصبة الامم، وقامت اللجنة الثلاثية بفحص تلك التظلمات باعتبارها مخالفة للمعاهدة والتي تعهدت البانيا بحماية حقوق الاقليات والتي لا يجوز تعديلها إلاّ بموافقة ثلثي مجلس العصبة. ولغرض ايجاد الدليل القانوني لذلك فقد طلب مجلس العصبة من محكمة العدل الدولية الدائمة رأيا افتائيا بموجب قراره الصادر في 18 كانون الثاني 1935م. حيث قالت المحكمة: ((ان حجة الحكومة الالبانية بالغاء المدارس الخاصة في البانيا بشكل اجراء عاما مطبق على الاغلبية كما هو مطبق على الاقلية وهو يتفق مع رسالة وروح الاشتراطات التي وضعت في الفقرة الأولى من المادة الخامسة من التصريح الذي وقعته البانيا في الثاني من آب 1921م. (Shon: OP. Cit; P. 266).

[6] انظر الدكتور بطرس غالي المرجع السابق 12 ـ 13.

[7] انظر الدكتور محمد مسعد محمود: المرجع السابق ص 421.

[8] انظر الدكتور محمود مسعد محمود: المرجع السبق ص 421.

[9] اشار إليه براونلي: Jan Brorwlie: OP. Cit; P. 569 وخلاصة النزاع انه في 23 من تشرين الأول عام 1921م عقدت اتفاقية بين بولندا ودانزنج، بشأن تقرير حقوق والتزامات معينة لابناء مدينة دانتزنج الحرة ممن يعلمون في سكة الحديد البولندية ولكن بولندا لم تصدق على الاتفاق بموجب قانونها الداخلي لكي يصبح الاتفاق نافدا المفعول قانونا طبقا للدستور، كما أنها لم تف بالتزاماتها تجاه ابناء دانتزنج، مما ادى إلى اصابتهم باضرار فعرض الأمر على المحكمة الدائمة للعدل الدولي. وكان موضوع النزاع هو ما إذا كان الاتفاق يسري مباشرة على الافراد، أم انه يلزم التصديق على الاتفاق بموجب قانون داخلي حتى يمكن ان يسري عليهم. P. C. I. Justice; Ser. No. 15. PP. 17- 21.
[10] انظر لتفصيلات وافية في كتاب الدكتور محمود مسعد محمود المرجع السابق الصفحات من 426 ـ 438.

[11] انظر الدكتور احمد عثمان: المرجع السابق ص 62 ـ 63.

[12] Boutant, C: Les Mandats Internationaux. Paris. 1937 P. 49.

[13] انظر الدكتور احمد عثمان: المرجع السابق صفحات 176 ـ 191.

[14] انشأت وفقا للمادة (14) من عهد العصبة.

[15] انظر الدكتور فؤاد شباط والدكتور محمد عزيز شكري: القضاء الدولي. المطبعة الجديدة دمشق. عام 1966م صفحة 71 ـ 72.

[16] نفس المرجع.     Shon: OP: Cit; P. 357

[17] انظر الدكتور احمد عثمان: المرجع السابق ص 205.


التالي

السابق