|
…توجهت مع السجانية والجنود باتجاه مكتب التحقيق، واذا بالمحقق قد أعدّ لي استقبالاً غير المعتاد، أخذ يستقبلني بكل حرارة وتلهف عكس كل مرة تساءلت في نفسي (سترك يا رب، وجهه يتلألأ بالسرور، ما عساها تكون المعلومات هذه المرة وماذا حصل من جديد) باشرني بقوله اهلاً وسهلاً نورتي المكتب يا شيخة ام مهتدى تفضلي المحل مكانك تفاجأت… يناديني بإسمي وكنيتي المتعارفة بين الناس لربما هذه المعلومة جديدة ـ سترك يا رب. تفاديت هول المفاجأة وكأنه لم يحدث شيء أجبته عفواً، لا يصح يا استاذ تفادى الغلط انا اسمي ام مهتدي وليس ام مهتدى قال تفضلي شيختنا تفضلي، كان عايض موجوداً معه حيث كان يقف خلف المكتب أخذ ينظر الي باستهزاء كعادته وهو يقول:ـ ما شاء الله ما شاء الله أشوف (لسانها طويل، قال المحقق مو طويل وبس وبيحتاج قص اجاب عايض مهدداً بنظراته معبراً بإشاراته ـ أنا إن شاء الله اللي رايح أقصه بعون الله).
بعدها افتتح المحضر وبدأ المحق بالسؤال.
لماذا اخترت الدراسة في مدرسة العلوم الدينية، وانت تعلمين بأن هذه المدرسة وكر من اوكار منظمة الثورة فلماذا انضممت اليها؟
ـ لا علم لي بكل ما تقول فقد كان هميّ دراسة العلوم الدينية ولا دخل لي بكل ما تقوله.
بكونك طالبة من طالبات العوم الدينية اذن انت عضوة من اعضاء منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية فلا تنكري ولدينا ما يثبت ذلك؟
ـ ان كل ما اقوله هو الصدق ولا علم لي بأية منظمة، وانا لست عضوة في منظمة الثورة، انا مجرد طالبة علوم دينية.
انت كذابة هل تعلمين؟ ومنافقة ودنيئة، انت منظمة وتأخذين دروس تنظيم، اعترفي ولا تكذبي والاّ سوف نتخذ معك اجراءات اخرى؟
ـ لا علم لي بأية دروس تنظيم وما أخذته من دروس قد ذكرته لكم.
لماذا تنكرين انك تأخذين دروس تنظيم، لا فائدة من ذلك فزميلتك إعترفت بأنكم تأخذون دروس تنظيم؟
ـ لربما هي اعترفت بأنها تأخذ دروس لكنني لا دخل لي بذلك ولا علم لي بأية دروس تنظيم.
نهض من مقعده وكان بيده أحد الأسلاك ذو قاعدة قوية يمتد منه سلكين من نوع سميك (اصطبغا باللون الوردي) وهو يتلاعب بين يديه وقد يريد تخويفي وبك استهزاء أخذ يقول تنكرين يا عالية.. ها.. وكان يلتزم الهدوء أخذ يلمحني بنظراته الوحشية ويردد تنكرين انك عضوة في منظمة الخراب والدمار ـ ها.. ها.. ها.. استدار الى الخلف قليلاً باتجاه المكتبة وبدورة سريعة ضرب ضربة قوية فوق الكتب صارخاً في وجهي.
من الذي كان يعطيك دروس تنظيم؟ ومن الذي كان يغرس بذهنك افكار ثورية رسالية
ـ وإذا بالنقيب ظافر قد اقبل بعد خروج عايض، وقف بجانب المكتب خلف المحقق حيث رحب به ترحيباً خاصاً بكونه في مكتبه، قال وهو يشير لي باصبعه ساخراً من تكون هذه؟
اجاب المحقق هذي الشيخة ام مهتدي، قال ظافر كيف حالك يا ام مهتدي؟ أجبته الحمد لله بخير، قال لقد أخطا اهلك حينما سموك باسمك عالية.
كان من المفروض ان يسموك دنيئة، رديئة مو صحيح يا ردئية؟ فعالية اسم مبارك طاهر يأتي من السمو والعلو والمجد ولا ينطبق على واحدة من اشكالك.
لم أعره أي اهتمام..
فقد لزمت الصمت حينما أجبته من الأفضل ان تحترم نفسك نظر الي المحقق نظرة غضب قائلاً للنقيب ظافر هذه هي ام وائل طالبة العلوم الدينية، قال ظافر.. ما عليكم من هذه الحركات.. فحركاتهم مفهومة زين، دي بتعمل عليكم تقية، هذه التقية مو صحيح يا رديئة؟ استرسل في الضحك والاستهزاء وهو يردد التقية ديني ودين آبائي ما شاء الله ها.. ها.. ها.. كل شيء قالوا تقية، أي تقية أي خرابيط.
حضر الجندي ومعه الشاي والقهوة مقدماً ذلك للضيف، قال المحقق هل تريدين شاي..
اجبته بلا قال: ولماذا لا تريدين من عندنا شيء، اكيداً الاوباش في الخارج قالوا لك اذا دخلت مكتب التحقيق لا تشربي شيء ـ ها ـ قالها باستهزاء لا تخافي الشاي ليس به سم او به دواء يجعلك تدلي بكل ما عندك من معلومات او يجعلك تعترفي أجبته: رفضي للشاي لا يعني ذلك وانما لانني نويت الصيام.
قالها متعجباً.. صائمة!!!
نعم صائمة.
قال: ومن الذي امرك بالصيام، فالصيام هنا لا يتم إلا بأخذ اوامر.. مفهوم!! كلا ليس مفهوم فاذا كان الصوم عندكم بأوامر، إذن لا داعي لإداء الصلاة وحينما نريد اداء الصلاة ما علينا الا ان نطرق ابوابكم حتى تسمحوا لنا بذلك.
"هذا اللي ناقص" عجائب آخر زمان.
صرخ في وجهي تأدبي واحترمي نفسك واياك ان تصومي مرة أخرى بدون اذن وإلا ستنالين العقاب.
اجيبي على السؤال:ـ حيث هم ظافر بالخروج.
كيف تنكرين تعلمك درس تنظيم، وجميع تصرفاتك واساليبك وحتى تعاملك داخل السجن يدل على انك منظمة ومنظمة بشكل قوي يا كذابة، لا تواصلي حبل الكذب وها أنا احذرك فإنه سينقطع، فأرجو أن لا تنكري مرة أخرى ولدينا معلومات تثبت انك درست تنظيم؟
ـ تصرفاتي في داخل السجن طبيعية جداً كما يتصرف أي انسان سجين ولا ارى فيها أي خلل او خط، وانا لم ادرس تنظيم ولم آخذ أية دروس تنظيمية.
هدأ بعد ما كانت اعصابه في حالة من الهيجان، وبعد ان اتعبهم اسلوب الاستفزاز والاستهزاء والسخرية، واذا بهم اليوم قد اعدوا اسلوباً آخر جديداً من نوعه اسلوب الترغيب والاغراء والميوعة، لعلي استسلم لهم واخضع لأوامرهم والبيّ ما يطلبونه ولكن هيهات من ذلك.
أخذ المحقق في تغيير نبرات صوته ويعمل على تمييع كلماته قائلاً يا ام مهتدي… أنت فتاة جيدة ولك مستقبل عظيم وسمعة ممتازة في البلاد فلا تفكري بأننا سنؤذي أحد بالمعلومات التي ستدلين بها الينا، فقط سوف تكون بيني وبينك، وانت الآن في راحة تامة تأكلين وتشربين واذا أعطيتنا معلومات سنوفر لك كل ما تطلبينه، سنجعلك تزورين زوجك الا تودي رؤيته؟ وسنجعل اهلك يزورونك في كل وقت وسوف تتناولان طعام الغذاء معاً انت وزوجك أنا اعلم أنت الآن مشتاقة لرؤيته وهو كذلك يريد مقابلتك فلقد اخبرني بذلك وانا رفضت طلبه، أخبرته اذا طلبت زوجتك ذلك نحن سنجعلكما تريا بعضكما…
مسكين هو زوجك يريد الجلوس معك الا تلبين طلبه، والآن سوف نناديه ليجلس معك فما رأيك؟
في الحقيقة ليس لدي ما اقوله، وانا مستعدة لرؤية زوجي، ولكن ان تم ذلك فليس بإرادتكم، وانما اذا شاء الله سأراه، واذا لم يشأ فلم اراه وذلك لحكمة منه سبحانه وتعالى.
قال: الا تحسين، زوجك تعبان.. تعبان جداً ويتألم وبحاجة ماسة لرؤيتك..
اذا شاء الله سأراه.
انت لا تحبين زوجك ولو تحبينه لما صبرت دقيقة واحدة عن رؤيته وهو في امس الحاجة اليك؟
ـ هذا ليس من شأنك وسواء أحببته ام لا فهذه حياتنا لا دخل لك بها واذا شاء الله سأراه.
قال:. ولكن هذه ليست بارادة الله لأنها متوقفة عليك انت فماذا ترين؟
ـ ارى بأن ارادة الله فوق ارادتي واذا شاء الله سأراه.
صرخ في وجهي وهمّ يزجرني هذا كل ما عندك ما شاء الله وارادة الله لكل سؤال اذا شاء.. الله اذا شاء الله.
ـ أجبته بكل هدوء، نعم هذا كل ما لدي يا سبحان الله!!
كاد ان يهوي بيده فوق رأسي ولكن الله ستر، لم تستقر أعصابه لأنه فقد زمام أمره، كنت انظر اليه وهو يمسك حافة الطاولة بقوة ويضغط عليها بشدة كأنه يريد السيطرة على اعصابه.
واذا به قد تنهد بعمق واطلق زفيراً طويلاً وقال بصوت نهكه التعب يا ام مهتدي…
قد أصابك اليأس من حالتك داخل الزنزانة فبين فترة واخرى يأتينا تلفون من قبل السجّانات بأن (عالية) تعبانة وتصرخ من رجلها، بحاجة الى دكتور… الى مستشفى… الى…… الى….
فالافضل لك ان تعترفي وتخلصي نفسك وتذهبي الى اهلك كي يسهروا على راحتك، ونستريح نحن من الازعاج بين لحظة واخرى فقولي الصدق واعترفي بالحقيقة!!!
كل ما لدي ذكرته، ولم يبق شيء الا واخذتموه مني ماذا تريدون أكثر من ذلك.
قولي الصدق..
انا لا اكذب فكل اقوالي حقيقة.
|