|
…فور دخولي المكتب كانت المفاجأة العظيمة بالنسبة لي وجود أمي وأبي وجمع من المحققين من بينهم المحقق اللعين سعيد منصور والحقير عايض القحطاني، ومحمد عسيري، وظافر وسعد زهراني اضافة إلى مسؤول لجنة المحققين مع جنديين كانا يلزمان الوقوف خلف الباب، قد إحتلوا جميع المقاعد الموجودة، وقد حشرت الغرفة من دخان السيكار الذي يتطاير من الافواه، توسطت المقاعد طاولة صغيرة وضع عليها اكواب الشاي وفناجين القهوة، أما انا فلم يعد لي مقعد معهم، مع العلم انه في هذه المرة لم تكن السجّانة برفقتي اضافة الى انه تم انتزاع الكلبشة من يدي قبل دخولي غرفة التحقيق.
كنت سعيدة جداً برؤية والداي وبعد ان باشرت الجميع بالسلام، أخذت أبحث في الغرفة عن مقعد ولكني لم أجد، خرجت مني كلمات أثارت الجميع بقولي:ـ ما شاء الله.. محتلين جميع المقاعد وانا اين هو مكاني؟ أخذ كل واحد يحملق بي، ثم هممت بسحب طاولة صغيرة كانت قد اتخذت حيزاً في زاوية الغرفة وجلست فوقها مقابلة لوالدي ووالدتي بعد ان سملت عليهما وكان سلاماً جافاً جداً، لعدم تمكني من الاقتراب منهما لأن ذلك خلاف الأوامر، ضمن قائمة الممنوعات لدى المباحث.
آلمني منظر والدتي وهي تجهش بالبكاء، حيث لم تفلح محاولاتها في كتم ما اعتمل بداخلها من حزن ومهما حاولت، كان صدى النحيب والشجن ودمع العيون يفضحها، كنا نتمنى ان نتبادل العناق وقبلات الشوق والحنان، ولكن حالت الأوامر المتسلطة بيني وبينها.
قال المحقق: ها هم اهلك أتوا كي يطمئنوا عليك، فنحن قلنا لهم انك بخير وبصحة جيدة لا ينقصك شيء هنا وفي راحة تامة والجميع بخدمتك اليس صحيح؟
لزمت الصمت، اجابتهم والدتي بصوت حزين (طيبين فيكم الخير والبركة" أخذ المحقق يسهب في الحديث مع والدي عن أمن الدولة وما سعت فيه من توفير حاجيات الشعب من مدارس ومعاهد وانه لا بد على كل مواطن المحافظة على أمن الدولة وان يكون الشعب يدعون للحكومة وان يعمل الجميع على فضح المخربين في البلاد وما شابه ذلك.
هذا وكان المحقق يقاطعني بين فترة وأخرى، حينما اهوم بالكلام، خوفاً من افلات لساني حتى لا يفضحهم وحتى لا استجلب انتباه والدي ووالدتي للمعاملة السيئة التي الاقيها في السجن.
هنا انتهزت فرصة حديثة مع والدي، وفرصة صمت الجميع ـ سألت والدتي عن اخبارها واخبار اخوتي الصغار والكبار، واخبار الناس والجيران.
اجابتني انهم بخير ويهدونك السلام..
كان المحقق يتصنع في الحديث مع والدي ويتظاهر انه مندمج معه في الكلام لكن نظراته كانت تحملق بي وسمعه يصغي لحديثي مع والدتي، كذلك كان الجميع جدران بآذان.
بعد ان لزم المحقق الصمت لهنيهة من الوقت تناول على اثرها سحقات من الشاي.
قلت لوادي، انا سعيدة لوجودي في هذا المكان وأنا مرتاحة وصحتي جيدة، لقد سمنت كثيراً، حتى انظروا إلى يداي من كثرة الاكل اكل الفواكه والخضار والرز الامريكي ليل نهار، انظروا، المحقق يحاول مقاطعتي لكني لم ادع له فرصة، لي زميلة في السجن هي بخير الرجاء توصيل السلام لاهلها.
انظري يا والدتي وانت يا والدي بالفعل لقد سمنت فالفواكة منشطة جداً (رفعت اكمامي لترى يداي، أخذا ينظران الى آثار الضرب الحمراء والخدوش المليئة بالدم من اثر الرطوبة الخانقة وعضّ الحشرات داخل الزنزانة) انظروا إلى يداي وانا اقلبهما تارة بعد أخرى، كادت والدتي تصل لحالة الاغماء فازداد نحيبها وعلا بكاؤها متألمة لأجلي.
اما والدي فكان ينظر الي ويعتصر من الالم في داخله، فهو لا يستطيع ان يقول لهم شيئاً سوى مسايرتهم في الكلام.
ولكني اردت إعادة روح الاطمئنان والسكينة لوادي ووالدتي (لا تخافوا عليّ انا ابنتكم وتربيتكم، بلغوا سلامي لجميع الناس ولا ينسوني من الدعاء، كذلك انتم..
كان المحقق مع البقية كالمتفرجين في صالة للعرض، كانوا جالسين على اعصابهم وقد غطت وجوههم علامات التعجب والاستغراب وكأنهم يريدون الانتقام تعبر عن ذلك نظراتهم الحادة الشرسة، وتنهداتهم الملئية بالحقد الساخر والبله الاعمى.
بعد مضي نصف ساعة تقريباً اعلن المحقق انتهاء الزيارة حيث أمر أهلي بالجلوس لحين انصرف الى الزنزانة.
شكرته على اتاحة الفرصة لهذه الهدية الثمينة بمقابلة اهلي والاطمئنان عليهم ختمت حديثي معه بأن تكون هذه الزيارة دوم وليس يوم إنشاء الله.
تفاجأ الجميع، احسست ان في كلامي اهانة وإحراج كبيرين للمحقق، حيث بدأ الغضب يرتسم على وجهه ويبرز على مظهره، نظر إلي وهو يضغط باسنانه العليا فوق شفتيه، محاولاً السيطرة على اعصابه قائلاً الى والدي انظروا أمرتوها بالذهاب الى الدراسة الدينية والحين بتتفلسف علينا والدتي اثارها العجب بأني اتحدث معهم بهذه اللهجة (شدت يدي بحركة خفيفة من الخلف كأنها تريد اسكاتي حاولت ان تغطي الامر بقولها.. هي دائماً تتكلم هكذا وهي لم تذهب إلى الدراسة) مسكينة والدتي كانت طيبة وحسب تعبيرنا (على نياتها لا تعلم بشيء).
أجبتهم المهم لا تقلقوا عليّ فلديهم علم بأني ذهبت إلى الدراسة الدينية مرتين فوراً قاطعني المحقق وقبل ان اصرح بشيء آخر أصر بإخراجي من المكتب..
توجهت الى الزنزانة وانا سعيدة برؤية أهلي ومحادثتي معهم، وكنت وقتها متأكدة بأن والدتي ستنقل كل ما رأته وسمعته لكل من يسأل عني، رغم هذا كنت اتوقع وانتظر العقاب الصارم لجميع التصرفات التي صدرت مني اثناء المقابلة والله اعلم بما سيكون في الجلسة القادمة اتمنى ان أخرج منها بسلام..
|