مقدمة الناشر  
     

المرأة التي شرفها الله، ورفع بالإسلام من واقعها الذي إرادته الجاهلية لها. كانت إحدى الأهداف وفي نفس الوقت الوسائل التي أراد الاستعمار من خلالها ضرب قوة الأمة وشل حيويتها…
 بسبب عصور الظلم، وحكام الجور الذين سيطروا على الأمة الإسلامية لفترة من الزمن، تحول واقع المرأة من واقع العطاء، والتضحية والجهاد ومشاركة الرجل في مسيرته الفاضلة…
 من الواقع الذي وهبه لها الإسلام العظيم الذي جاء به منقذ البشرية رسول الله محمد صلى الله عليه وآله…
 تحول هذا الواقع شيئاً فشيئاً إلى الانزواء والابتعاد عن أدوارها الحقيقية وتحولت إلى مجرد عنصر لا دور فاعل له سوى الجلوس في البيت، وحتى أنها لم تكن مؤهلة لتربية أولادها فهي لم تحظ بأي قسط من التعليم أو القدرات التربوية الأخرى، كما تم تحويل قطاع واسع من النساء إلى مجرد أدوات متعة وتسلية للرجل…
 وجاء الاستعمار في بلادنا الإسلامية وعاث فيها الفساد وخطط من أجل ديمومة وجوده، واستمرارية سلبه لمقدرات البلاد وإبقائها تحت هيمنته…
 فشرع في تحطيم ثقافة الأمة، وضرب سياستها والاستفادة من ممارسات المسلمين ونظرتهم القشرية للعديد من قضايا الحياة، وتعاليم الإسلام، وقد كانت حملة نابليون بونابرت (1897م) طليعة الغزوات العسكرية التي جاءت حاملة معها ثقافة فرنسا، واسلحتها الفكرية التي تستهدف ضرب إساسات الأمة واستلابها ثقافياً وزرع بدائل تضمن ديمومة الوجود الغربي وأحداث حالة من الشلل في جسم الأمة تجاه اعتداءات الاستعمار…
 نابليون لم يحمل معه جيشاً جراراً، ومعدات عسكرية فقط بل حمل أيضاً فريقاً من كبار العلماء، الفرنسيين، ومطبعة، وحمل معه أيضاً شيئاً آخر، عرضه في شوارع مصر، ووجّه إليه الأنظار، وتلقفه بعض الكتاب والمفكرين، مصوراً أن هذا العرض هو سر التفوق الغربي والفرنسي داعياً أمتنا إلى الاقتداء بهم في هذه المسألة وإذا لم نقتد بهم فإن التقدم لن يكون من نصيبنا…
 فما هو ذلك الشيء؟!.. أجيب…
 إنه المرأة، لقد جلب نابليون ورجاله جيشاً من النساء المتبرجات والمتزينات وعرضه في شوارع القاهرة، وطاف به فوق القوارب في نهر النيل الذي يشق العاصمة، ولفت إليه أنظار الجميع…
 وتطور استخدام المرأة من قبل الغرب فعمل على ترويج ثقافة خاصة بها، مهمتها دفع المرأة نحو مواقع الابتذال والتبرج والانفلات من كل القيم والأعراف الدينية…
 وهنا بدأت سنوات من الغزو الاستعماري وانبرى داعية تقمص روح الغرب وثقافته، "قاسم أمين" ليسمي نفسه بنصير المرأة…
 وتبعته في ذلك هدى شعراوي التي تعد من أوائل النساء المصريات اللواتي تبرجن وخرجن دون حجاب…
وفي ظل غياب القوى المؤمنة، في مقابل هجمة متصاعدة من قبل الغرب وعملائه. أخذ تيار السفور والتبرج، يشق طريقه في الأمة وينخرها كالسوس. وقد شهدت عقود الخمسينات والستينات والسبعينات تصاعداً للهجمة على المرأة والأسرة المسلمة بلغت حداً كبيراً…
ولا تزال هذه الهجمة مستمرة اليوم. الغيارى من المؤمنين والمجاهدين في امتنا الإسلامية لم يقفوا مكتوفي الأيدي في مقابل هذه الهجمة، وسعوا جهدهم إلى مواجهة التيار الداعي إلى أغلال المرأة وتحطيم الأسرة المسلمة وقاموا بجهود كثيرة في هذا المجال، لكن نواقص كثيرة كانت تحيط بالرجال ولعل على رأسها النقص في بلورة ثقافة إسلامية بديلة موجهة للمرأة المسلمة في مقابل تلك الثقافة التي جاء بها الغرب لنا، ولم يكن من الصحيح أن تكون حالة الرفض فقط هي التي تحكم الخطاب الجماهيري لهؤلاء الرجال المؤمنين، بالإضافة إلى نقص آخر وهو وليد للنقص الأول. إلا وهو عدم بناء نماذج قيادية طليعية للمرأة المسلمة، تقود جهاد المرأة وتكون نموذجاً تقتدي به كل النساء المسلمات…
 في الجزيرة العربية، وفي منطقة الخليج كانت الاوضاع كما في باقي المناطق تعيش حالة من التخلف وسيطرة الحكومات الدكتاتورية الظالمة، حولوا البلاد والعباد إلى لعبة بأيديهم ورهنوها للغرب الذي أخذ يمتص الخيرات والنعم التي وهبها الله لهذه المنطقة…
 ولكن الشعب قاوم هذه الأعمال، وتصدى للظلم الذي لحق به… فتوالت النشاطات والانتفاضات التي استهدفت مواجهة الظلم والجور…
  في السبعينات بدأت نشاطات المجاميع لرسالية، بقيادة علماء مؤمنين، تتصاعد، ومعها بدأ الوعي الديني والسياسي يرتفع بين أبناء كل المنطقة، بفضل الخطباء والعلماء الرساليين، الذين بنوا الثقافة الرسالية الأصلية التي تدفع لتحسس الظلم، والتحرك نحو تحمل المسؤولية حيال هذا الظلم الذي يجثم على صدور الناس، فشهدت البلاد نهضة شعبية فريدة من نوعها، كما التف الشعب حول العلماء الرساليين الذين يمثلون هذا التوجه…
 فقد كان هناك مرجع ديني مجاهد كان المخفّز الأول على هذه الأعمال إلا هو سماحة آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (حفظه الله)، الذي كانت خطاباته وأشرطته وكتبه تنتشر بين أبناء المنطقة حاملة التوجيه والرؤية الثاقبة والوعي للجماهير، وكان هناك مجموعة أخرى من العلماء والخطباء منهم العلامة المجاهد السيد محمد تقي المدرسي وحجة الإسلام والمسلمين المجاهد السيد هادي المدرسي بالإضافة إلى عالم آخر استقر في إحدى مدن الجزيرة العربية، وهو العالم المجاهد الشيخ حسن الصفار فأخذ يمارس دوره الديني ويتصدى لقضايا الناس، فتجده خطيباً هنا ومتحدثاً هناك…
 وبالرغم من التحديات الموجودة آنذاك وعلى رأسها السلطات الطاغوتية إلا أن قطاعات واسعة من الجماهير التفت حوله وآزرته ودعمته بكل وجودها…
 وهكذا شهدت كل منطقة الخليج والجزيرة العربية نهضة دينية توعوية، بفضل جهود وعطاءات هؤلاء الرجال الذين قادوا العمل الرسالي وتبنوا ريادة الجماهير نحو التقدم والتمسك بعروة الإسلام الرسالي، ونحو إعادة الثقة إلى نفوس الجماهير، وتبصرتهم بذاتهم…
 فانتشرت الكتب والأشرطة، والندوات والاحتفالات الدينية في عموم المنطقة، وكان جيل الشباب هو الأكثر تفاعلاً مع هذه النشاطات.
 لقد جاءت هذه النشاطات لتشكل فيما بعد خطوة نحو خطوات أخرى تدفع بهذه المنطقة إلى مواقع جديدة في صراعها ضد التخلف والتسلط الدكتاتوري والتبعية التي يفرضها العدو عليها، حيث تفجر الصراع السياسي بين الجماهير والحكومات الكارتونية المسيطرة في هذه الدول وكان من هذه البلدان الجزيرة العربية ـ السعودية ـ التي حدثت فيها انتفاضتان كبيرتان، عام 1400هـ، 1979م.
 هما انتفاضة المحرم في المنطقة الشرقية وانتفاضة الحرم في مكة المكرمة. قد نتساءل اين هي المرأة في كل هذه النشاطات…
 لقد حظيت المرأة في هذه النشاطات، وتحديداً من قبل القيادات الرسالية باهتمام وتوجه خاص وكانت في الطليعة… لقد توجهت انظار المرأة في الجزيرة والخليج نحو الكتب التي بدأت تنتشر هناك فهذا العلامة السيد محمد تقي المدرسي يعطي اهتماماً للحديث عن المرأة، ويكتب كتاباً تحت عنوان "المرأة في المجتمع الإسلامي" وكتاباً آخر تحت عنوان "فاطمة الزهراء قدوة واسوة" وهذا هو الاستاذ السيد هادي المدرسي يؤلف عدة كتب حول المرأة ويتحدث فيها عن مختلف جوانب حياتها.
 وحتى الحياة الزوجية لم يغفل عن الكتابة حولها وكتب في هذا المجال "في العلاقات الزوجية" وكتاب آخر "كيف تسعد الحياة الزوجية" كما وجه للمرأة رسائل، "رسالة إلى الزوجة ورسالة إلى المرأة"…
 وقد ضمَّن كل كتاباته رؤية حول ما يجب ان تكون عليه "المرأة ونظرة الإسلام حيال ذلك.. أما الشيخ الصفار فقد كتب "المرأة مسوؤلية وموقف"، "المرأة والثورة"، "مسؤولية المرأة"…
 والى جانب كل ذلك كانت هناك العشرات من اشرطة الكاسيت التي تضمنت خطابات ومحاضرات لهؤلاء العلماء تدور حول المرأة ونظرة الإسلام اليها، وما يجب ان يكون عليه واقعها…
 لقد استقبلت الفتاة في الجزيرة العربية هذه التوجيهات، كما الأرض الجدباء حيث يهطل عليها المطر، فتفاعلت معها بصورة رائعة الى جانب أخيها وزوجها الرجل، فكانت تحضر الندوات، والمجالس الدينية جنباً إلى جنب مع الرجل كما كانت لها مجالسها وندواتها الخاصة بها، وكانت تسهم بقسط وافر في إنجاح المشروع الرسالي الهادف إلى رفعة أمتنا ونهضتها وفك إسار التبعية والدكتاتورية عنها، برغم المعوقات القائمة، والتي منها الاثارات التي خلفتها الجماعات المناوئة أو المحافظة حيث سعت إلى اثارة الاتهامات والمشاكل، التي تحول دون مشاركة المرأة في هذه المسيرة، اضافة الى الحواجز التي يضعها الطاغوت…
 لكن إبنة الجزيرة العربية، لم تكن كل تلك الأمور لتثنيها عن عزمها، وكيف تنثني وقد تجسدت صورة خديجة، وفاطمة، وزينب(ع) وكل النساء المؤمنات الفاضلات امام ناظرها، تلهب حماسها، وتدفعها الى المزيد من الخطوات نحو الإمام.
 وحينما تصاعدت الاحداث، وتفجرت انتفاضة المنطقة الشرقية في عام 1400هـ. وخرجت التظاهرات والمسيرات، كانت المرأة المؤمنة تسير إلى جانب أبيها وأخيها وزوجها، في هذه المسيرة، وتشارك بكل ما تستطيع من جهد وعطاء…
في الهتاف، وفي مواجهة الجلادين واعلان رفض الظلم، حينما سقط الشهداء والجرحى كانت من بين الشهداء، والجرحى كما قامت بدورها في رعاية الجرحى وتضميد جراحاتهم، لقد جسدت المرأة الرسالية في هذه الانتفاضة دور المرأة في صدر الإسلام حيث كانت تشارك من خلال هذه الأدوار في معارك الإسلام ضد الكفر والظلم.
 من بين هؤلاء الفتيات المؤمنات في الجزيرة العربية، كانت هناك فتاة تفاعلت وهي في بيت أبيها مع النشاطات الرسالية بصورة كبيرة، فعملت في البدؤ على تثقيف نفسها بالفكر الرسالي عبر الكتب والاشرطة المتوفرة حين ذاك، ثم انطلقت تشارك في الندوات والهيئات والمجالس الحسينية التي كانت تعقد لبث الوعي الديني والرسالي، كما أخذت تنشط في توزيع الكتب والنشرات التوعوية بين صفوف الناس، وكان يقف الى جانبها في كل هذه النشاطات ابن عمها وزوجها وأب اولادها في المستقبل، الذي كان هو الآخر رجلاً مضحياً معطاءاً في كل النشاطات الإسلامية…
 وحينما وجد الفرصة المناسبة للهجرة لغرض الدراسة الدينية حيث أخذت طلائع المؤمنات بالهجرة من أجل الدراسة الدينية، كانت هي وزوجها من أولئك الذين تخلصوا من قيود المادة، ومغريات الحياة الدنيا وأسارها في رحاب التوجيه والتربية الرسالية…
ثم لتعود بعدها في رحلات تبليغية الى بلادها هي وزوجها… فتشاء الاقدار أن يتم إعتقال زوجها، ويفتش بيته، ويتعرض للتعذيب… هنا هل تسكت زوجته، وهي التي تعلمت في مدارس الجهاد كيف تقاوم الظلم، وكيف تصرخ في وجه الظالم…
 لا… لا… لن تسكت؛ لا بد من صرخة توقظ الضمائر…
وهنا صممت على جمع كل عوائل المعتقلين، زوجاتهم، امهاتهم، اخواتهم، بالمئات وقيادتهم في شبه تظاهرة إلى إمارة الدمام، حيث يعيش أحد أبناء الطاغوت الأكبر…
ولقد بهت عملاء الطاغوت من هذه الحشد الضخم من النساء، وحاروا في امره…
 كيف يتعاملون معه، كيف تتم مواجهة…! اعلنوا صرختهم نريد ان يطلق سراح أبناءنا وازواجنا وإخوتنا، بأي جرم تعتقلوهم؟ ما هي مبرراتكم القانونية؟ قلن أشياء كثيرة، غير هذا، شرحن معاناتهن، والظلم الذي يحيق بالشعب…
 نائب الأمير الذي التقى بهن حاول تهديدهن بقوته وشرطته، فتوعدنه ببطش الله وقوته التي هي فوق كل ظالم، ذكرنه بتاريخ كل الظلمة والطواعيت في التاريخ…
ثم حاول الكذب عليهن ووعدهن خيراً في المستقبل، وبعد أيام عدن الى نفس المكان…
وكانت نفس المواقف…
ثم الى مدير المباحث…
ولقد استفز هذا التحرك كل أجهزة النظام، وأفزعهم، وشعروا كم هم ضعفاء أمام صوت المرأة المظلومة… كانت هذه المرأة المؤمنة تقود جموع عوائل المعتقلين وتحفزهن، وتحثهم على ضرورة مواجهة الظلم، والوقوف في وجه الظالم…
هنا كان للطاغوت محاولته الجبانة، في احدى الليالي المظلمة تسلل مع مجموعة من رجاله منتصف الليل، وهاجم بصورة وحشية بيت هذه المرأة المؤمنة، بهدف اعتقالها.. وكان له ذلك…
 وكان مبرره في ذلك انها تدرس العلوم الدينية في احدى المدارس الدينية برفقة زوجها (المعتقل) وانها تقوم بنشاطات اسلامية رسالية!!. في الصفحات التالية نقرأ مذكرات هذه الشابة الرسالية التي إعتقلها النظام السعودي لعدة شهور واجهت خلالها شراسة التحقيق والتعذيب، نقرأ وهي تصف بدقة وبتفصيل وقائع الاعتقال، ويومياتها…
 وهي قصة تحوي دروس رائعة. أبرزها درس الصمود والتحدي الذي واجهت به الجلادين وأرهقتهم به…
 مواقف عظيمة نقرأ في هذه المذكرات…
وهي رسالة موجهة أولاً للطاغوت الذي ينبغي عليه ان يعرف كيف تقهر ارادة الشعوب كل عنجهيات الطغاة والجلادين، وموجهة الى المرأة المؤمنة لكي تقتدي بأختها التي جاهدت وصابرت ورابطت في سبيل الله. لقد اضطر النظام لاطلاق سراح الاخت الرسالية ومعها عدة أخوات، بعدها اطلق سراح كل المعتقلين السياسيين في البلاد، حيث تكللت ضغوط المعارضة في الداخل والخارج بالنجاح بعد أن قامت بمجموعة من النشاطات الجماهيرية والاعلامية والسياسية في كل من لندن، ولبنان، والخليج، وفي داخل الجزيرة لقيت تجاوباً واسعاً من قبل الجهات المهتمة بالأمر…
 كيف والنظام يدعي دائماً أنه لا يوجد لديه أي معتقل سياسي… نترككم مع قصة الصمود والتحدي… قصة الضعف والوهن لنظام يرتبط بأميركا ويملك ترسانات الاسلحة الضخمة…

 
 

الناشر