(3)
في الطريق إلى السجن

 
     

في الشارع العام بعد مفارقتنا للمنزل وآثار مدينتنا تبتعد شيئاً فشيئاً، زحفت بنا السيارة بسرعة غريبة جداً، تكاد في سرعتها تتجاوز سرعة الصوت، كان الشارع خالياً من المارة وحتى السيارات لم نصادف وقتها سوى مجموعة من القطط كانت تحتفل بوجودها وسط الشارع حيث لا تجد من يطاردها و يؤذيها.. كانت السيارة التي كنت بداخلها تتوسط أربع سيارات، اثنتان من الامام واثنتان من الخلف، كنت على ثقة كبيرة من نفسي ومن جميع تصرفاتي، لم أخطيء في شيء ولم ارتكب اية جريمة، والدي كان يجلس بجانبي يلمحني بنظراته التي تعبر عما في داخله، قرأت في عينه خوف الأب على إبنته.. الأب الذي يكن فائق الاحترام لفلذة كبده.. يا ترى ماذا سيعملون معها وهل سيؤذونها.. السجن للرجال فماذا حدث في هذه المرة.. إمرأة تساق إلى السجن.. كيف سأواجه الناس وماذا ستكون اقوالهم وكيف أتمكن من الرد عليها.. وما الذي سأقوله لهم، كانت هذه تساؤلات قرأتها في نظرات والدي.. كنت اتغاضى عنها في بداية الأمر وكأني لا أرى شيئاً، ولكن بعدها ازدادت نظراته التي كانت توحي لي بالفراق وانني لن اراه بعد هذه اللحظات واذا به يريد أن يتفوه بشيء ولكن سرعان ما يحبس نغمات صوته ويمنعها من الخروج، سبقته بالحديث قبل ان يبادر هو به.. عرفت ما يدور بداخلك ولكنني ارجوك ان لا تخاف عليّ فأنا ابنتك التي تعبت وسهرت على تربيتها.. أنا الآن قد كبرت وأعي الحياة جيداً، أنا لم ارتكب أي خطأ أبداً فهل انت واثق بي ومصدق ما أقول.. أجاب بكل رحابة صدر ـ نعم يا ابنتي انا اثق بتربيتي لك ولكن… قاطعته بالحديث وقبل ان يتم كلامه، أجل يا والدي هل تتذكر ما أوصيتني به آخر مرة، كوني شجاعة واصبري على ما اصابك تصرفي بكل ثقة وحكمة، ازرعي في نفسك الصبر وتذكري الآية الكريمة التي تقول {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما اصابك ان ذلك من عزم الامور} ولا تنسي قول الله تعالى في الحديث القدسي (يا عبادي تحلوا بأخلاقي اني انا الصبور) فلا تخشي احداً الا الله وهو الجدير فقط بأن نخافه ونخشاه.. هذه الكلمات التي كنت ترددها لي دائماً في كل صباح ومساء ونحن على مائدة الافطار وبالذات بعد اعتقال زوجي، هنا بدت عليه علامات الاطمئنان اكثر وكان يتمنى لو أن طاقات العالم ومواهبه كلها تجتمع بي كي يفتخر بإبنته في كل مكان، كنت اتصور مدى سعادته حينما انتهي من انجاز أي عمل من الاعمال بتفوق ونجاح فكم كان يدعولي بالتوفيق، وكم سعى لراحتي وكم شقي من اجل ان يوفر ما اريد فكان يضحيّ بالكثير في سبيل اسعادي، وتضيق به الدنيا لحزني وألمي، فأي حب هذا أحظى به يا والدي منكم فمهما كتبت ومهما خطت أناملي لن استطيع ان أف ولو بالقليل من فضلك عليّ واحسانك اليّ يا اعز انسان واكرم من في الوجود.. أخذ يربت بيديه الكريمتين فوق كتفي ويمسح بها تارة فوق رأسي كأنه يدفعني ويذودني بعطفه الابوي الملئ بأسمى معاني الحب والرأفة والحنان.
 … واصلنا المسير… الساعة تشير إلى الواحدة والنصف فجأة واذا بتلك السيارات قد اختفت، الاضواء، جدران المدينة كل ذلك اختفى ولا يوجد له أي اثر على الاطلاق، هممت أدير برأسي الى اليمين مرة باتجاه اليسار مرة أخرى إلى الإمام إلى الخلف لا أجد شيئاً سوى ذلك الظلام الدامس المحيط بنا من كل جانب، كسحابة سوداء غطت تلك السيارة حيث حجبت الرؤية عن الجميع ما عدا سائق السيارة.. لربما يكون ذلك كميناً معداً من قبله.. هكذا ساروا بنا وسط ظلام الليل الحالك، بدا لي أن الطريق لن ينتهي من طول مسافته فكان ذلك معداً حتى لا اتمكن من معرفة الطريق وحتى لا يتمكن أي شخص من رؤيتنا.. كان الصمت يلف الجميع، تذكرت وقتها بعض الآيات القرآنية {
ولنبلونّكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين، الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا اليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون} (البقرة 154).
 صدق الله العظيم
 ثم طافت بذهني مقاطع من بعض الاناشيد المختزنة في ذاكرتي..
تقدم وهاجر، تقدم وناضل، تقدم وحرر     فإن النجاة مع المقدمين
 اخي لاح في الافق صبح الامل             اخي في الجهاد أخي في العمل
 تعالوا تعالوا لقبر الشهيد                  نعاهده بالوفاء من جديد
نعاهد ان نرفض الظالمين                  ونشجب بالدم قهر الحديد
 نحرر أوطاننا                              ليحكم قرآننا
إضافة الى بعض أبيات الشعر التي تغذي الروح وتشحذ النفس بالشجاعة والثبات والعزيمة، بعد لحظات توقفت السيارة وأمرنا الملازم بالنزول.. نزل الجميع فك القيد من يدي وأصبحت أسيرة وسط إثنين من الجنود المسلحين ووالدي من الخلف.. تم إدخالنا في غرفة صغيرة حيث أمرنا بالانتظار، كانت هناك امرأة أخرى غير التي برفقتنا.. باشرتها بالسلام فردت التحية، كانت طويلة القامة شديدة السواد لا يرى منها إلا بياض عينيها المتخفية خلف ذلك البرقع الصغير.. رحبت بي بتحية طويلة عريضة حاملة معها كل استهزاء وسخرية وكأنها تعرفني منذ زمن طويل، حاولت أن استقصي الأمر منها لم تخبرني بشيء غير انها ستستضيفني بالنوم عندها لفترة معينة سألتها واين سيتم ذلك، قالت: بمنزلنا في الدمام.. زجرتني بعدها بقولها كفي عن الكلام وإياك أن تسألي مرة أخرى.. إتضح لي بأنني سأقيم في سجن الدمام أصابتني الحيرة وقتها.. يا ترى ماذا يريدون مني وما عسى ان تكون اسألتهم الموجهة لي وبأي طريقة اجيبهم واذا كنا سنغادر المكان إلى الدمام اذن اين نحن الآن وفي أي مكان… طال انتظارنا لما يقارب الساعتين على أثرها تم استدعاء والدي لعمل بعض الاجراءات وأنا انتظر عودته واذا بهم يستدعونني للداخل بعد مرور نصف ساعة تقريباً.. دخلت غرفة مجاورة لغرفة الانتظار، كانت تحوي مكتباً صغير خلفه كرسي دوار قد وضعت لائحة في الوسط كتب عليها (مديرية القطيف) ـ قسم المباحث. ). (عايض القحطاني) سلمني ورقة بيضاء وامرني بالتوقيع عليها.. طلبت قراءتها لكنه رفض، قائلاً: يجب ان تعملي ما نقوله لك فامسكي القلم وأمضي على الورقة ـ كررت رفضي لذلك قبل الاطلاع عليها وبعد الإصرار أمرني بقراءتها قراءة سريعة لأنه أخذ يتظاهر بأنه مشغول وليس لديه وقت يضيعه معنا.. قرأت الورقة بنظرات سريعة فكانت عبارة عن وثيقة توضح طريقة اعتقالي من المنزل وأنها كانت طريقة طبيعية عبر اسلوب هاديء واستئذان من قبل والدي ولم تكن هناك أي مداهمة للمنزل.. تعجبت حينما قرأت هذه الورقة لأن ما حصل هو العكس تماماً أبديت رفضي الشديد للإمضاء ولكن والدي أخذ يلح عليّ واحتراماً لمشاعره تم توقيعي على الورقة.. فور الانتهاء من هذه الاجراءات ضغط المدير.. عايض على زر موجود بجانب المكتب حضر الجندي وفي يده الكلبشة وضعها في يدي واقتادونا بواسطة احد الجنود خارج المكتب في ساحة مظلمة وقد أعدت سيارة من نوع (سوبربان) لنقلنا فقد كانت مشرعة الابواب لاستقبالنا، كان معنا وقتها رجل يرتدي لباساً مدنياً وهو الذي يقود السيارة، اضافة للملازم (حزام) وأحد الجنود كان يحمل معه سلاحاً وطاقماً من الرصاص… انطلقنا من مدينة القطيف متوجهين الى مدينة الدمام وبالاحرى الى السجن…

 
 

تابع