مقدمة لأهمية التدويل الإسلامي للمقدسات
دور "آل سعود" و"الأخوان الوهابيون" فى تجريد
 الحجاز من آثارها الإسلامية
الدوافع والنتائج

 
نظر أول : في مركزية الأثر وتابعيه إذا كانت " الكعبة المشرفة " هي الأثر الديني المركزي ، في العقيدة الإسلامية الغراء ، على امتداد تاريخها التليد ، بوصفها " بيت الله المُحرَّم " (1) ، فإن كل أثر ديني أو دنيوي يدور في فلكها يصير – بدوره – ممجداً ، ومُكرماً ، لدى أتباع هذا الدين الحنيف ، أكان يتصل بسيرة آل البيت النبوي الشريف ، أم كان يشهد على فاعلية الموحدين ، من أبناء هذا الدين ، تخليداً لذكراهم ، في سجل الذاكرة الجمعية – إسلاماً – وأرشيفاً غنياً لكل طالب علم ومعرفة ، من أبناء كل دين وملة . وجرياً على هذا التقليد ، لم يشهد الزمان الإسلامي ، طوال عهود دوله المتعاقبة ، وحتى قيام الدولة العثمانية ، انتهاكاً صارخاً ، لذلك التقليد ، أو انقلاباً فاضحاً عليه ، كي يتوقف عنده المؤرخون بالرصد والتحليل ، إلا في حالات نادرة - ارتبطت بمستويات غير مسبوقة ، أو ملحوقة ، من الاحتقان السياسي الإسلامي - في عهدي الأمويين والعباسيين (2) . ودون ذلك ، ظل هذا الأثر – أي (الكعبة) – وتلك الآثار موضعاً للرعاية والإجلال ، من خاصة المسلمين وعامتهم ، إضافة إلى ما استحدثه حكام المسلمين ، أنفسهم ، من آثار عزيزة، على نفوسهم ، حتى اليوم ، وباتت مجالاً للتنازع الإسلامي الإسرائيلي إلى اليوم ، وفى مقدمتها " المسجد الأقصى " و" قبة الصخرة " في (القدس الشريف) ، حين أمر الخليفة الأموي (الوليد بن عبد الملك) ببناء المسجد والقبة ، الذي كلف خزانة الدولة جُل إيراد ، أو "خِراج مصر " ، لسبع سنوات متصلة ، رغم كونه الأضخم ، من بين كل إيرادات الولايات ، الموجهة إلى الخزانة الأموية ، آنذاك .
على الرغم من أن المبادرة الأموية ، في هذا الشأن ، لم تكن ببعيدة عن المرامي السياسية لهذه الدولة ، في صراعها مع مناوئيها ، من أنصار الخليفة / الشهيد (على بن أبى طالب) ، لبسط النفوذ على المقدسات المكية والحجازية ، عموماً ، بوصفها مصدر الشرعية ، الأساس، بين جموع المسلمين ، إلا أن تلك المبادرة حفرت أثراً عميقاً ، في الوجدان والواقع الإسلامي، يندر مقارنته بسواه .
إذ كان لموضع المسجد الأقصى وقبته – ولا يزال – قداسته المعلومة ، من حيث أولية "القبلة" الإسلامية إليه ، في عهد النبي الكريم (محمد) – ص – قبل أن يأمر تابعيه بتحويل قبلتهم إلى "البيت الحرام" بـ (مكة المكرمة) ، في وقت مبكر ، من ذلك الزمان .
 وقد حفظت (مكة) ، على مدى عهودها الإسلامية ، وحتى عشية قيام الدولة السعودية الأولى (أواخر النصف الأول من القرن الثامن عشر) كل أثر لسيرة النبي وآله وصحبه ، ومن والهم وتبعهم ، لأكثر من مائتي وألف سنة ، والتي اشتملت على (3) : * أجزاء من البيت الذي ولد به النبي ، بعد تدمير أغلبه على يد أحد الموجات العسكرية لـ(التتار) .
 * مقبرة المعلا ، وتضم رفاة العديد من أهل البيت والصحابة ، كقبر السيدة (خديجة) ، ووالدة النبي (آمنة بنت وهب) ، ومثوى (أبى طالب) ، والد الخليفة (على) ، وكذا مثوى جدي النبي (عبد المطلب) و(عبد مناف) ، بالإضافة إلى ما ضمته هذه المقبرة من رفات المئات ، من أهل العلم والدين والتقى والمتصوفة ، والأمراء والتجار ، وما دون ذلك من عامة المسلمين (4) .
 * الاسطوانة الرخامية ، التي شيدها (عبد الله محمد المهدي) ، سنة 67 هـ ، لتكون علماً للطريق الذي سلكه النبي ، إلى (الصفا) ، بعد انتهائه من الطواف ، كي يقتدي به كل حاج ومعتمر .
* عمود من الرخام ، داخل رواق الحرم المكي ، من الناحية الجنوبية ، والذي شيده (المهدي)- أيضاً – بغية توسعة الباب الأوسط من الحرم ، بعد أن ضاقت الطرق إلى (الصفا)، ويظهر على العمود نقش بديع ، من صنع أهل (الكوفة) .
* المحيط الدائري الأول لـ " الحرم " ، والذي كان يضم أقدم آثار توسيعه ، بما فيها التوسعة العثمانية والأموية والعباسية ، بنقوشها التاريخية ، المتعددة .
* آثار بيت أم المؤمنين وأولى زوجات النبي ، السيدة (خديجة) ، والذي ضم الغرف الخاصة بعبادة النبي ، واجتماعاته بالصحابة الأوائل ، وميلاد كريمته (فاطمة الزهراء) وعقيلة الخليفة (على بن أبى طالب) ، فيما بعد .
كما استمرت (مكة) – إلى ما قبل مائة سنة – أمينة على جغرافيتها الطبيعية والتاريخية ، بجبالها وأوديتها وآبارها .. الخ .
 بينما حفلت (المدينة المنورة) بآثار لا حصر لها ، مثل (5) : * مقابر تضم رفات والد النبي ، وأخرى تعرف بـ (البقيع) ، تضم رفات الأئمة من آل البيت مثل الإمام (الحسن بن على بن أبى طالب) و(على بن الحسين زين العابدين) و(جعفر الصادق) ، و(محمد بن على الباقر) ، إلى جانب رفات (فاطمة بنت أسد) ، والدة الإمام (على بن أبى طالب) و(إبراهيم) نجل النبي ، و(العباس بن عبد المطلب) عم النبي، وعمتاه (عاتكة) و(صفية) ، وبناته (زينب) و(أم كلثوم) و(رقية) ، ومرضعته (حليمة) ، وزوجاته ، فضلاً عن رفات مئات الصحابة والصالحين التي ضمتهم هذه المقبرة ، إلى جانب قبور شهداء معركة (بدر) .
* الخندق الذي احتفره المسلمون ، من حول (المدينة) ، استعداداً لغزوة (الخندق) الشهيرة، ومكان (العريش) الذي نُصب للنبي ، في أرض موقعة (بدر) .
 * مساجد : (سلمان الفارسي) و(الشمس) و(ذي النفس الزكية) و(المائدة) ، وقد شهد الأخير موقعة تلقى النبي وحي سورة المائدة ، إلى جانب مسجد (ثنية الوداع) الذي يضم ثنايا النبي التي كسرت أثناء موقعة (أحد) . * بيوت : (بني هاشم) و(فاطمة الزهراء) ، المعروف بـ " بيت الأحزان " . * سقيفة (بني ساعدة) .
 وفى حصر آخر ، يذكر المؤرخ المصري الشهير (الجبرتى) ، في تاريخه – والذي عاصر فترة الدولة السعودية الأولى – أن (سعود الكبير) استولى على سجاد " المسجد النبوي " وقناديله المذهبة ، ثم ادعى أنه باعها وصرف حصيلتها على الفقراء (...) ، بيد أن باحث مصري معاصر يؤكد أن أتباع (ابن سعود) تناهبوا كنوز المسجد ، المحفوظة به ، مثل "تاج كسرى" ، ملك (فارس) – الذي كان أحد غنائم المسلمين في معركة (القادسية) مع الفرس – وسيف الخليفة العباسي الشهير (هارون الرشيد) (6) ، في إطار عمليات التهديم والإهلاك التي أنزلوها بالأضرحة والمقابر الإسلامية المُكرمة ، حتى تحولت إلى أطلال تحترق بها نفوس المسلمين حسرة وألم .
 ويُعد كتاب " الشرف الأعلى " للمؤرخ المكي (جمال الدين الشيبى) – الذي وضعه في القرن الخامس عشر الميلادي – أحد أبرز المدونات التاريخية ، حول الآثار المكية ، حتى ذلك الوقت ، والذي رسم المؤلف – من خلاله – منهجاً جديداً ، مع معاصره (تقي الدين الفاسي) ، يقوم على توظيف الكتابات المنقوشة ، على شواهد القبور ، في عملية التدوين ، وجعل المصادر الأدبية الأخرى مساندة لتلك الكتابات ، فعُد – بذلك – أحد رواد دارسي الكتابات الإسلامية المنقوشة ، على شواهد القبور (7) .
 وقد عزا (الشيبى) أسباب إقدامه على هذا العمل بالقول : " فقد خطر لي أن أكتب في هذه الأوراق بعض ما قرأته على القبور بمقبرة مكة المشرفة المسماة بالمعلا ، أو ما قدرت عليه ، فإن في ذلك تخليد ذكرهم ، وأسمائهم ، وحفظ وفياتهم ، والترحم عليهم وقت الوقوف على ذلك، والاتعاظ بحالهم إلى غير ذلك من الفوائد مثل شعر غريب فيه ذكر الموت ، والإشارة إلى الفراق ، وذكر التوجه إلى دار التلاق ، والله تعالى هو المسئول أن يثبت على ذلك ، وأن يجعلنا ممن اتعظ بالموت وأيقن بما هنالك ، وسهل عليه سلوك تلك المسائل فهو العليم بجميع الأمور ، والمطلع على ما في الصدور سبحانه لا إله إلا هو تقدس وتمجَّد وتعزَّز " (8) .
 وقسم (الشيبى) كتابه إلى قسمين : الأول يحتوى على مسائل متعددة ، ومعلومات متنوعة ، تشمل التعريف بالموت ، واشتقاق لفظه ، وذكر القبر ، وأسمائه ، والأشعار التي تحمل لفظ القبر ، ومعانيه المختلفة ، وغير ذلك من المسائل والمداخل ، التي أطلق على كل منها اسم فائدة (جمع فوائد) ، ومنها : كل قتل موت ، وإن لم يكن كل موت قتلاً ، لو حفر الإنسان له قبراً في حياته ، هل يصير أحق به من غيره ؟ وما حصل للأنبياء عند الموت من معالجة سكراته ، ومن مقاسات شدائده ، وفيمن عاش بعد الموت ، وفزع الأغنياء (من الموت) ، وشهوة الفقراء (له) ، وفيما يستحب من رفع القبر شبر ، ولو بالحصى والحجارة ، ليُعرف ، وتجصيصه مكروه ، وفى احترام القبر كما لو كان صاحبه فيه حياً ، ولا يجوز نبش القبر إلا أن ينمحي (يمَّحى) ، ويبلى أثره ، ويصير تراباً (9) .
 كما سلك المؤلف في تناوله لمقابر الشخصيات ، التي اختار أسماءها – في الجزء الثاني من كتابه – طريقة منهجية محددة ، فبدأ بتحديد مكان الحجر ، ونوع الخط الذي كُتب به ، وحالته، ثم يورد النص المكتوب على وجه الشاهد ، وعلى جانبيه إن وجد ، مبتدئاً ذلك بالبسملة ، ثم بآية أو أكثر من القرآن الكريم ، وأحياناً بصور استهلالية أخرى ، من أدعية مأثورة ، أو أبيات شعرية ، ثم اسم المتوفى مسبوقاً بسلسلة طويلة من الألقاب والكنى ، ثم الترحم عليه ، وتاريخ وفاته والصلاة على النبي محمد – صلى الله عليه (وآله) وسلم – وطلب الرحمة لمن ترحم عليه ، أي على صاحب الشاهد ، ويلي ذلك الترجمة للمتوفى من أمهات الكتب التي عنيت بترجمته ذاكراً صفته ، ومهنته ، والبلد المنسوب إليه ، واشتقاق اسم ذلك البلد ، وشهرته ، ونماذج من شعر المترجم له ، إن كان شاعراً ، ونثره ، إن كان ناثراً ، ونماذج مما قيل فيه ، من شعر المديح ، وما يتصل به ، وذاكراً المشهورين من أفراد أسرته ، أو من القبيلة أو العشيرة ، أو البيت المنسوب إليه ، كما أنه كثيراً ما يربط المؤلف تاريخ وفاة المترجم له ، أو تاريخ ميلاده ، وغير ذلك من التواريخ المتصلة به ، بالأحداث المهمة التي تصادفه ، أو تتزامن معه ، استناداً إلى مصادر جمة كانت متاحة للمؤلف ، في زمانه ، وبعضها – اليوم – في حكم المفقود ، وهنا مكمن الفائدة من هذا الكتاب ، القيم المتفرد في موضوعه ، وفى المنهج الذي اتبعه فيه مؤلفه ، بحسب وصف باحث سعودي معاصر (10) .
 إذ تضمنت الشواهد – التي استند إليها المؤلف – تنوعاً ثرياً من الصيغ الاستهلالية ، التي تستهل بها النصوص المدونة ، على بلاطات تلك الشواهد ، فبعضها آيات مختارة – بعناية – من القرآن الكريم ، وقليل ، منها أدعية ، مستوحاة من القرآن الكريم ، ومن الحديث النبوي، وبعضها من عيون الشعر ، الذي يناسب المقام ، مثل : أضحى بفقدك ركن المجد منهدم والعلم بعدك عز الدين منثلم والفضل والجود والمعروف كلهم ماتوا لموتك والإحسان والكرم من للشريعة والفتوى إذا عجزت أولوا العلوم وعن إدراكها فحموا من للقضاء ومن للحكم بعدك ياقا ضى القضاة ومن للحق وملتزم (11) وقد اشتملت أسماء المتوفين – الذين يشكلون المادة الرئيسية لها الكتاب – على سبيل المثال- كل من : داعي أمير المؤمنين اليمنى (أبو حمير سبأ بن أبى السعود بن الزريع بن موسى الكرم الهمذانى) ، والدة الملك (اليمنى) (المنتخب) ، المسماة (علم أم منصور بن فاتك) ، الإمام (زين الدين عبد الغنى السبكى الشافعى ، قاضى القضاة بالديار المصرية (عز الدين بن عمر بن عبد العزيز بن جماعة الكنانى) ، شيخ الحرمين (عفيف الدين أبو الظفر منصور بن أبى الفضل بن سعد البغدادي) ، إمام المالكية بالحرم الشيخ الفقيه (خليل بن عبد الرحمن بن محمد بن عمر) ، وغيرهم ممن تولوا شياخة الحرمين ، ومسئولية الافتاء باسمهما (12) .
 نظر ثان : في وحدانية السياسة والمذهب ولا ريب في أن ذلك الكتاب / الوثيقة يمثل شاهداً حياً على ما كانت تحويه وتمثله أحد أبرز الآثار الإسلامية ، بل والإنسانية ، وهى (مقبرة المعلا) ، الذي جرى تدميرها – هي وغيرها من الآثار ، التي أشرنا إليها أعلاه – على يد سدنة الدولة السعودية الأولى (1744م – 1818م) ، والثالثة (1902 - ؟؟؟؟) ، من أتباع جماعة (ابن عبد الوهاب) ، ضمن تحالفهما الممتد ، إلى اليوم .
 وككل حركة دينية مذهبية وشمولية تستقوي بالسلطان السياسي ، وككل سلطان سياسي أفلوى يبحث لنفسه عن خطابات أيديولوجية تتيح له فرص التمكين لسلطانه ، وجد (ابن عبد الوهاب) غايته عبر سلطان (ابن سعود) ووجد الثاني غايته عبر الأول .
 فباسم وحدة الدين لدى الأول ، وباسم وحدة الدولة لدى الثاني ، أطلق (ابن سعود) يد (ابن عبد الوهاب) ، الذي قال " بدوارس القبور والآثار " (13) ، بوصفها بدعة وخروجاً على الإسلام، وهى الدعوة التي انتشرت في مرحلة بدأ فيها وكأن الناس خرجوا من صافى إيمانهم بالله إلى إيمان بالخوارق والنذور ، واستبدال الحقائق بالظواهر ، لكن سرعان ما انغلقت هذه الدعوة على نفسها ، وتحولت من دعوة للإصلاح ، في عيون مريديها ، وفى ظرف تاريخي محدد ، إلى سلاح ديني بيد أسرة (آل سعود) تشهر الدين في وجه معارضيها السياسيين ، واستخداماً لتبرير استمرارها ، وحكمها ، وكأنها جزء لا يتجزأ من الإسلام (14) (!) . والذين تابعوا مسيرة " الوهابية " ، وبخاصة في مرحلة الدولة الثالثة ، التي بدأت بـ (عبد العزيز) يستطيعون أن يلمسوا دور الدين في تثبيت حكم الأسرة ، أكثر من دور الدين في تثبيت الإيمان (15) .
 إذ حققت قوات " الإخوان الوهابيون " لـ " عبد العزيز" السلطة ، ووفرت له أسباب التوسع ، وما أن أيقن أنها صارت قوة مستقلة ، خطرة ، وأثارت له المتاعب مع جواره ، حتى ضربها، وأعانه الانجليز على ذلك أي عون (16) .
 ومع ذلك فقد ظلت عقيدة هؤلاء " الأخوان " تقود السلطة ، فعلياً ، بعد أن رأت السلطة السعودية في تلك العقيدة عوناً لها تثبيتاً حكمها ، وإشهاراً لقوتها وعصبية رجالها ، في وجه خصومها ، ولكنها ظلت – كذلك – تمسك بزمام هذه الجماعة ، وتروضها ، كلما خرجت أو استشرت ، كي تُقصر مهمتها على دعم النظام (17) ، لا أكثر .
 بيد أن اللافت ، أن عقيدة " الأخوان الوهابيين " شكلت النواة المركزية لتيار "الإسلام السياسي"، منذ قرنين ونصف القرن ، من قلب العالم الإسلامي ، والتي وجدت بشائر صداها في (مصر) بتأسيس جماعة بنفس الاسم " الأخوان " ، في العام 1928 ، والتي نهلت من الأصل الوهابي وروافده الباكستانية مثل (أبو الأعلى المودودي) ، وغيره ، فقوبلت ، وقوبل ما تفرع عنها من حركات أخرى ، بالرعاية السعودية والدولية ، إلى أن بلغ " الخطاب الوهابي " حدود المؤسسة الأزهرية ، وغيرها من مؤسسات العلم الإسلامي ، في غير قطر ، بعد أن شحب خطابها ، ونالته علل الجمود والأحادية الفقهية ، حتى صار " الخطاب الوهابي" معزوفة أساسية في خطابات مختلف الفرق والمؤسسات السنية ، وخصوصاً ضد كل ما يتصل بالفكر العصري ومنجزات الحضارية ، من علوم وفنون ، إلى حد " إزالة آثار الإسلام في أرضه الأولى ، مُنهية بجهلها ، وبقصد من هو خلفها ، حُقباً كثيرة من تطور الإسلام ورموزه الغنية " (18) ، وهو ما حمل معارض سعودي ، في تسعينات القرن المنصرم على وصف ما جرى بأنه " هدم للإسلام " (19) ، وإلى اتساع الحملة الإعلامية والسياسية ، من جانب المعارضين السعوديين ، خارج المملكة ، لأجل حماية ما تبقى من الآثار الإسلامية في (الحجاز) من الهدم (20) ، ودخول صحف غربية ، على خط الحملة ، والتي تحدثت عن تدمير العمارة الإسلامية ليحل محلها " حضارة الكونكريت " (21) ، في عشية إقدام ملك السعودية (فهد بن عبد العزيز) على هدم بيت النبي – ص – ومحو المحيط الداخلي " للحرم المكي " ، بما يتضمنه من نقوش وآثار ، يمتد عمرها على مائة وألف عام ، باسم توسعة " الحرم " (!) .
 وكان (ابن سعود الكبير) قد سبق الملك فهد في النيل من أغلب هذه الآثار ، بمساندة أتباعه من "الأخوان الوهابيين " ، إلا أن الدولة العثمانية أعادت تعمير وتشييد ما جرى هدمه في (مكة) و(المدينة) ، ومنها " الأضرحة " والمساجد ، بعد تدمير دولة (ابن سعود) في العام 1818م ، على يد الحاكم العثماني لـ (مصر) ، آنذاك (محمد على) .
 وكما أدت توسعات الأب (عبد العزيز) لـ " الحرم " في عشرينات القرن الفائت إلى اختلاط النشاط التجاري بالنشاط الروحي حتى ضاق الحجاج ذرعاً به ، أدت توسعات شبله الملك فهد ، في تسعينات نفس القرن ، إلى تجريد " الحرم " من تاريخه الحضاري المسلم ، والتضييق على الحجيج ، في ضوء الحوادث الدامية ، المتتالية ، طوال السنوات التي تلت هذا التوسع ، وحتى اليوم (!) ، بحيث صارت تلك التوسعات – بقديمها وجديدها – عملاً عشوائياً ومنهكاً لقاصدي فريضة الحج ، ناهيك عن طمس الخصوصية التاريخية والثقافية لـ (مكة) و" بيتها المحرم" ، على نحو ما فصلته باحثة سعودية معاصرة (22) ، خلال الاحتفال باختيار (مكة) ، عاصمة ثقافية في العام 2005 .
 وكما أدى عدوان الأب (عبد العزيز) ومناصروه ، من " الأخوان الوهابيين ، على الآثار الإسلامية المكرمة ، في ذلك الوقت ، إلى استنكار جمهرة المسلمين ، في مختلف الأقطار، وإقدام الحكومات على إعلان الاحتجاج الرسمي ، مثل (مصر) – التي امتنعت عن إرسال الحجاج – بينما أقامت (إيران) مراسم الحداد ، ووجه مسلمو (الهند) برقيات الاحتجاج (23) أدى عدوان الملك فهد ، المدعوم من نفس فئة مناصري أبيه ، إلى استياء إسلامي واسع النطاق، وإن وقع في ظل أغلبية من الحكومات الإسلامية الصامتة (!) ، هذه المرة.
 وكانت النتيجة ، في عهد (عبد العزيز) ، أن فرض كل من مؤتمري (مكة) ، عام 1926 ، و(الرياض) ، عام 1927 ، المذهب الوهابي – إن جاز وصفه بذلك – على أتباع المذاهب الأخرى ، وعبر حملات إعلامية وتثقيفية و" ضغوط إرهابية قمعية وإغراءات وتطميعات مادية، مما خلق حالة من العداء المذهبي والتعصب الطائفي المقيت ، لا شبيه له في أي بلد إسلامي آخر " (24) ، بينما جرى استغلال موسم الحج للترويج لذلك المذهب ، عبر طبع الكتب التي تبشر به ، وتندد بالمخالفين له ، إلى أن تمكن " الخطاب الوهابي " من احتكار مواسم الحج ، وبعد أن حالت السلطة السعودية بين شيوخ المسلمين ، من أتباع المذاهب الأخرى ، وبين بسط رؤاهم ، خلال هذه المواسم ، بينما لم يكف المرشدون الوهابيون عن تحريم الاقتراب من ضريح النبي – ص – بناء على فتوى (ابن تيمية) ، المثيرة للجدل .

 

 بقلم : الكاتب والباحث فكرى عبد المطلب

 


التالي

الرئيسية