لاشك أن ابن سعود بدعوته لهذا المؤتمر قد فوت على الكثيرين فرصة التفكير فى معاونة الأسرة الهاشمية على استرجاع الحجاز ، علاوة على أنه بهذه الخطوة سوف يضمن تأييد الرأى العام الإسلامى له ، ولعل ظروف الحجاز الاقتصادية وقتذاك هى التى جعلته فى حاجة دائمة لما يأتيه من الحكومات الإسلامية من معونات ومساعدات فى صورة جراية أو غيرها من الهبات والأموال الموقوفة على فقراء مكة والمدينة الى جانب المورد الرئيسى من الأموال التى تأتى من الحجاج فى موسم الحج ، كل هذا جعل الملك عبد العزيز يحسب هذا الحساب للرأى العام الإسلامى . ففى حالة عدم الرضا من العالم الإسلامى والحكومات سوف يتأثر بالضرورة الوضع الاقتصادى للحجاز وبالتالى سوف يعرض ذلك مركز بن سعود لمشاكل جديدة هو فى غنى عنها ، من أجل ذلك كان اهتمام عبد العزيز بالدعوة لعقد المؤتمر الإسلامى بمكة ولكنه لم يجد صدى لدعوته هذه حيث لم يلبى النداء إلا جمعية الخلافة وجمعية العلماء فى الهند . كما أن جمعية الخلافة بوادى النيل أرسلت رداً مشجعاً ولكن هذه الجمعية التى يرأسها محمد ماضى أبو العزائم لم تكن تمثل قطاعاً هاماً من الرأى المصرى فضلاً عن الحكومة .
                         ******
  ******  ******
بالمقابل أثارت دعوة عبد العزيز لعقد مؤتمر إسلامى بمكة إستياء الحجازيين وتذمرهم إذ رأوا فى ذلك تجاهلاً لهم وانكاراً لأهليتهم لتقرير مصير دولتهم بالإضافة إلى خوفهم من أن يقرر المؤتمر فكرة جمعية الخلافة الهندية التى نادت بجعل الحكم فى الحجاز جمهورياً تحت إدارة مشتركة منتخبة من قبل جميع المسلمين ، كما إنهم رأوا أن الحجاز له مكانته كمملكة معترف بها وقبول الإدارة المشتركة فيه قضاء على شخصيتهم وجعل الأراضى المقدسة بأيدى غير أهلها وبالتالى يصبحون فى وضع القاصر سياسياً بينما يتحكم الآخرون فيهم على الدوام . هذا فضلاً على أن أهل الحجاز وجدوا ان الذين سيديرون بلادهم ويهيمنون عليهم ، إنما هم فى الغالب شعوب لم تتمتع باستقلالها أو ممالك لازالت حتى ذلك الوقت للنفوذ الأجنبى بصورة أو بأخرى. الواقع ان نظام الادارة الجماعينة لم يكن واضحاً ومن ثم فإن اعادة النظر فيه كان أمراً متوقعاً فبعد دخول ابن سعود جدة فى 24 ديسمبر 1925 أذاع منشوراً عاماً على أهل الحجاز يحثهم على الاخلاد إلى السكون والانصراف إلى أعمالهم وختم المنشور بما يلى : " وأما مستقبل البلاد فلابد لتقريره من مؤتمر يشترك المسلمون جميعاً فيه لينظروا فى مستقبل الحجاز ومصالحها " .
لقد أذاع عبد العزيز تصميمه على دعوة المؤتمر الإسلامى لكى يكون جدير بوعده أمام العالم الإسلامى وليكفل للحجازيين حرية تقرير المصير إلا أن موقف العالم الإسلامى من تجاهل دعوته ثم ما جاء فى أفكار الهنود من تحبيذ قيام حكومة جماعية لتدبير شئون الحجاز قد أزعج أهله ، وهنا اجتمع علماء جدة ووجهاؤها فيما بينهم ليتدارسوا مستقبل الحجاز فرأوا أن يوسعوا مشاوراتهم فألفوا وفداً منهم يضم عشرين عضواً ، قصد مكة حيث اجتمع مع لجنة أهل الحل والعقد فيها ، وعددها ثلاثون وبعد مداولات طويلة قرر رأيهم بالاجماع على مبايعة عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركى آل سعود سلطان نجد وملحقاته ملكاً على الحجاز على كتاب الله وسنة رسوله ، وان يكون " الحجاز للحجازيين " وان يقوم أهله بإدارة شئونه وان تكون مكة عاصمة الحجاز ، وهكذا نستخلص من موقف الحجازيين عند مبايعة ابن سعود ملكاً . إنهم تصوروا أن الحجاز سيخضع لنوع من الحكم الذاتى تحت سيادة آل سعود وهو ما لم يمكن تحقيقه من الناحية العملية ، ثم توالت بعد ذلك الدعوات الداخلية فى السعودية والخارجية من العالم الإسلامى لتطالب بأسلمة الإشراف على الأماكن المقدسة لأنها تخص جميع المسلمين وأن فى ذلك فوائد جمة لهم وللعالم الإسلامى الا أن هذه الدعوة لم تجد آذاناً صاغية حتى يومنا هذا لما لهذه الدعوة من آثار كبيرة ستغير ليس فحسب مجرى المياه فى السعودية بل فى العالم أجمع وهى دعوة لاتزال مهمة وضرورية فى ضوء التحديات الجديدة التى تمر بها الأمة الإسلامية .

 

السابق

التالي