1 – التكفير العلنى لجمهور المسلمين ، واعتقدوا أن كل من لا يدين بالدعوة السلفية كفار مثل المتصوفة بعمومهم والشيعة على اختلاف طوائفهم ، وكذلك الأباضية .
2 – اعتبرت الوهابية نفسها المرجع المنضبط القوام والأسس ، وأى خلاف لها بدعة .
3 – التشدد الرهيب مع مخالفيهم حتى فى أبسط الأمور غير العقائدية ، فقد حرم ابن عبد الوهاب التدخين ، وهدم شواهد القبور وشرب القهوة والتصوير وما إلى ذلك من المسائل التى تدخل فى باب الأعراف والعادات والتقاليد أكثر منها دخولاً فى باب العبادات .
اصطدم الوهابيون بمعظم جيرانهم ، فكل من لم يكن وهابياً اتهم بالشرك والبدع ، وأعرضوا عن سيرة النبى (ص) مع المشركين حيث لم يبدأ النبى بقتالهم ، ولكن الوهابية اعتبرت نفسها وصية على عرب الجزيرة وباقى المسلمين فى الأرض ، ولذلك وبعد تأسيس الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبد العزيز وبسط نفوذه على معظم الجزيرة والتى أسماها المملكة السعودية ، وجد الوهابيون أنفسهم يسيطرون على المخالفين لهم فى الرأى والتوجه ، ومن ثم يمكن استشراف الخريطة السياسية / الدينية للمملكة كالآتى :
1 – منطقة نجد : حيث القصيم والرياض وهى المهد الأول للوهابية ، منها ظهرت دعوة ابن عبد الوهاب ، وفيها حدث التحالف بينه وبين ابن سعود فى الدرعية ، وفى هذه المنطقة يوجد شيوخ المملكة الكبار ، وهم غالباً ما يشكلون الزعامة الدينية فى المملكة ، ودوماً ما يكون خطيب يوم عرفة من نسل محمد بن عبد الوهاب ، وأسرة ابن عبد الوهاب أسرة دينية حسب الأصول الوهابية ، وذلك امتداداً للتراث القديم حيث أسرة سعود تحكم ، والأسرة الوهابية تنجب لهم العلماء .
تميزت القصيم بفرض نفوذها الدينى على باقى أرجاء المملكة ، وقام رجال المملكة الدينيون بالدعوة للجهاد ، الجهاد فى عرفهم هو نشر الدعوة الوهابية بين المسلمين بصفة عامة ، خاصة فى فترة ازدياد أسعار النفط فبدأت الكتب توزع بالمجان على حجاج بيت الله الحرام ، وكذلك على المسلمين غير السعوديين العاملين بالمملكة ، وقام كثير من هؤلاء بتبنى الفكر الوهابى فى بلادهم بدعم مالى هائل تمثل فى جمعيات أنصار السنة فى مصر وباكستان والجزائر والسودان وغيرها من الدول الإسلامية .
أما داخل المملكة فقد حرص العلماء على بيعة السلطان أو الملك السعودى بناء على الفكر السلفى الذى يقول بعدم جواز وجود أحزاب منظمة فى ظل الدولة الإسلامية أو الحاكم الذى تمت بيعته، وظهرت كتب تعزز هذا الاتجاه مثل " طاعة السلطان فى غير معصية الرحمن " و" معاملة الحكام فى الكتاب والسنة " و" الأسئلة المفيدة حول السلفية الجديدة " وهذه الكتب من تأليف الشيخ محمد أمان جامى وهو الذى كان متعاطفاً مع حركة جهيمان العتيبى ، ولكنه عاد بعد فشل حركة جهيمان إلى الاتجاه السلفى التقليدى .
2 – المنطقة الغربية / الحجاز : ظل يحكمها الأشراف فى الحكم العثمانى ومعظم الأشراف لهم ميول صوفية ، وكان لهم دور فى اعادة مشاهد قبور أهل البيت والصحابة التى دمرها السعوديون أثناء الدولة السعودية الأولى .
وكان الشريف حسين يعمل على توسيع دائرة حكمه عندما بدأت الدولة العثمانية تسقط فى الحرب العالمية الثانية ، فتحالف مع الانجليز ضد الأتراك فى ثورته الكبرى ، وكان يطمح فى حكم الشام والعراق ، وبالفعل تمكن أحد أبنائه من تأسيس إمارة شرق الأردن وهو الملك عبد الله الأول ، أما ابنه الثانى الأمير فيصل الأول فتم تتويجه على سوريا ثم العراق عام 1922.
عندما قام الشريف حسين بالمشاركة ضد الأتراك فى الحرب العالمية الأولى ، سارع الملك عبد العزيز آل سعود بعقد اتفاقية " دارين " مع الانجليز ، يحمى ويضمن بموجبها الأخير حكم آل سعود فى مقابل تفعيل المصالح المشتركة بينه وبين شركة الهند البريطانية التى كانت تسيطر على منطقة الخليج يومها .
على كل حال انتهى الأمر إلى سيطرة النجديين السعوديين على الحجاز ، وكان من نتائج هذه السيطرة أن أبعد الأشراف عن أى مناصب قيادية فى الشرطة أو الجيش أو حتى التعليم .
كما أجبر الأشراف على عدم الاعلان عن تصوفهم خشية الاتهام بالشرك والبدعة والمروق من الدين ، علماً بأن الشعائر الصوفية ماتزال تمارس سراً مثل تأدية الأوراد وزيارة الأماكن التاريخية فى مكة والمدينة مثل بيت النبى فى مكة وشعب أبى طالب والبقيع فى المدينة ، وتنتشر الطرق القادرية والنقشبندية بين الحجازيين رغم هول الدعوة الوهابية خلال أكثر من سبعين عاماً ، ولم تفلح المحاولات السعودية فى فك الارتباط بين المكان وقدسيته حتى بعد عدم القباب والأضرحة والمشاهد .
الأشراف يعتبرون أنفسهم الأفضل والأحق ليس فى حكم الحجاز وحده بل فى كل الجزيرة إن لم يكن العالم الإسلامى بأسره ، وهذا الاحساس بالتفوق على الأسرة السعودية النجدية كان أحد الأسباب الهامة فى ابعادهم حتى عن الدعوة ، لذلك لا يوجد شيخ من الأشراف تبنى الدعوة الوهابية ، وكثير منهم يدعو لطريقته خارج حدود المملكة ، وتأليف الكتب وطبعها بعد أن منعت .
3 – المنطقة الشرقية : يسكن المنطقة الشرقية شيعة إمامية اثنا عشرية حيث الإحساء والقطيف ، وقد وقع على الشيعة عموماً اتهامات ظالمة من أعدائهم ، وهى اتهامات ممتدة تاريخياً ، وأصلها الوهابيون الذين يكفرون الشيعة ، ويقولون الدين الشيعى ، وليس المذهب الشيعى على اعتبار أن الشيعة ليسوا مسلمين .
ولذلك حرص الوهابيون عندما سيطروا على المنطقة الشرقية على العمل فى طريقين : الأول التبشير بالدعوة بينهم وتهجير نجديين أو من جيزان للسكن فى تلك المنطقة خاصة وأنها المنطقة النفطية ، من أجل تحويل الشيعة إلى الاسلام (حسبما يقولون) ، ولم يفلح هذا الاتجاه وظل شيعة الشرق على مذهبهم ، أما الثانى فقد تمثل فى الضغط على الشيعة ، فتم منع الآذان بإضافة حى على خير العمل بعد حى على الفلاح ، كما منعوا من طبع كتبهم أو نشرها أو احضارها من خارج المملكة .
وفى هذه المناطق وجدت مساجد لأهل السنة يقوم خطباؤها بالهجوم على الشيعة مستهزئين بهم دون اعطاء أى دفاع لهم ، لأنهم ان أكملوا شهر شعبان مثلاً ثلاثين يوماً ، وأعلنت الدولة أن شعبان تسعة وعشرين يوماً قامت قيامة خطباء الوهابيين وسبوا الشيعة الرافضة الخبيثة ، وقالوا عنهم بأنهم أخطر على الاسلام من اليهود والنصارى والمجوس .
وكان من الطبيعى أن يبعد الشيعة عن أى قيادة من أى نوع سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو تعليمية ، بل ان المدارس فى المنطقة الشرقية تفرض المناهج الدينية والتاريخية على طلابها من وجهة نظر المذهب الحنبلى دون أى مراعاة لمشاعر المسلمين الشيعة ، كما أن مدرس الدين واللغة العربية لا يكون من أهل المنطقة حرصاً على صفاء العقيدة (كما روج الوهابيين) .
لذلك فإن المنطقة الشرقية عانت ومازالت تعانى من الرفض الدينى والثقافى وهم مظلومون تاريخياً من الناحية الثقافية ، مظلومون وهم داخل السيطرة فى حكم آل سعود .
4 - عسير : ظلت منطقة عسير الجبلية تعيش تحت حكم الدولة العثمانية شبه مستقلة ، كان يحكمها أحمد السنوسى أحد أحفاد السنوسى الكبير الذى بنى الزوايا فى الشمال الأفريقى والحجاز وعسير.
والسنوسيون بصفة عامة كانوا أقرب للتصوف الاسلامى رغم انهم أشعرية فى العقيدة ، لكن النجديون السعوديون فتحوا عسير عنوة ، وسلم أهلها سريعاً خوفاً أن يحدث لهم مثلما حدث لأهل الحجاز والطائف ، ولأنهم من مذهب أهل السنة كانت الدعوة الوهابية فيها أسهل من غيرها فى الحجاز والاحساء ، خاصة وأن منطقة جيزان قريبة من أبها وخميس مشيط وجيزان تبنت الدعوة الوابية مثل النجديين تماماً ، وتمكنوا من فرض نفوذهم الدينى فى عسير وصارت عسير مهيأة تماماً للتسليم بصحة ما يقول به النجديون ، وظلت المنطقة تحت حكم أمير من الأسرة الحاكمة لأنها من المناطق الهامة فهى الطريق الموصل الى الجنوب حيث نجران ، التى كانت تعرف بنجران اليمن ، ولكنها انضمت للحكم السعودى فيما بعد .
5 – نجران .. بلاد يام : ظلت نجران منطقة شبه مستقلة عن اليمن ، وان ظلت تسمى نجران اليمن ، يدين أهل منطقة نجران بالمذهب الشيعى الاسماعيلى الذى ينتسب إليه الخلفاء الفاطميون .
ظلت نجران تتمتع باستقلال نسبى حيث كان يحكمها سياسياً أحد أبناء قبيلة أبو ساق ، أما روحياً فإن أسرة المكرمى يكون أحد أبنائها العلماء المرجع الدينى للمنطقة ، وهذا الوضع مازال قائماً من الناحية الروحية .
دخلت المنطقة تحت الحكم السعودى بوثيقة بين أهل نجران والملك عبد العزيز أن يظلوا على مذهبهم وأن يتركوا أحراراً فى ممارسة شعائرهم الدينية فى مقابل الاعتراف بسلطة آل سعود.
ولكن ما حدث أن الدولة الوهابية التى تعتبر الشيعة كفاراً سارعت بتهجير أسر كاملة وبأعداد هائلة من جيزان سكنوا مدنا فى مدينة نجران مثل حى الفهد والفيصليه ، وقاموا بنفس ما قاموا به فى المنطقة الشرقية .
عشت أنا فى نجران عدة سنوات شاهدت كيف منع شيعة نجران من تأدية صلاة الجماعة فى المساجد ،ولا يسمح لهم بالآذان الذى يضاف إليه (حى على خير العمل بعد حى على الفلاح) .
شيوخ الوهابية دوماً ما يشنون حملات اعلامية فى المساجد ضد شيعة نجران ، وأنهم مثل أحفاد القردة والخنازير .
حدث نوع من التمرد ضد هذا الوضع ، ولكنه أخمد بسرعة ، ففى احدى المرات قال أحد الشيوخ على المنبر ان أحد مساجد نجران تحوى مكتبة كتب شيعية ، فقام بعض الطلبة والشيوخ بمهاجمة المسجد بدعم من الشرطة ثم قبض على المئات من أهل نجران وأودعوا السجون .
من العرض السابق يتضح أن المملكة العربية السعودية تضم عدة مذاهب إسلامية ، وليس المذهب الوهابى وحده ، وان كان هذا المذهب استغل السياسة فى قمع المذاهب الأخرى بقوة السيف والتشويه الاعلامى .
لكن من المؤكد أن الدعوة الوهابية اقتصر نفوذها الدينى على المناطق السنية باستثناء الحجاز، أما الشيعة فى الشرق والجنوب فلم تتمكن الدعوة من تحويل أبنائها الى المذهب السنى فضلاً عن الوهابية .
فى ظل هذا الوضع فإن الحجاز المقدس يبقى مطمحاً للاشراف بحكم سلطانهم التاريخى عليه ، وللشيعة الذين تهفوا نفوسهم إلى تعمير ما هدمه الوهابيون فى دولتهم الثالثة المعاصرة ، وأن يتمكنوا من حرية التوجه الى المراقد المقدسة فى مكة والمدينة دون تجريح أو تشويه أو اعتداء بدنى ونفسى .
ولذلك فإن الدعوة لأسلمة المناطق المقدسة فى الحجاز وجدت لها صدى دينى داخل هذه الأوساط ، لأن معنى هذا التدويل الإسلامى تقليص النفوذ الدعوى الوهابى وادعائه أنه الفرقة الناجية الوحيدة من النار .
ولقد رشح البعض من المحللين السياسيين الدولة السعودية بالتمزيق لو حدثت ضغوط خارجية ، أو انتفاضات داخلية مدعومة من خارج الحدود ، وربما يكون العراق أكثر تماسكاً من السعودية إذا سقطت لأن العراق ظل تاريخياً وحدة جغرافية بتنوع مذاهبه وأعراقه ، أما الجزيرة فظلت تاريخياً مناطق معزولة عن بعضها حتى فى ظل الدولة العثمانية .

   

السابق

التالي