كما تحدثنا عن الوضع الداخلى السعودى ، فإن الوضع الإسلامى العام يمثل صورة مكبرة للوضع الداخلى السعودى ، ذلك أن العالم الإسلامى لا يدين جميعه بالمذهب الوهابى ، ولكنه مذاهب مختلفة أباضية وزيدية وإمامية بالإضافة إلى المذاهب السنية الأربعة والتى بداخلها كل الطرق الصوفية المختلفة من الأحمدية والتيجانية والبرهامية والبرهانية والشاذلية والدسوقية والقادرية والنقشبندية وغيرها من الطرق الصوفية ، وكل هذه المذاهب والطرق الصوفية غير راضية عن النفوذ الوهابى على الحرمين الشريفين ولكن لابد من إيراد بعض الحقائق السياسية / الدينية :
1 – تمكن السعوديون من تصدير أفكارهم عبر الدعم المالى إلى كثير من الدول الإسلامية ، وتصدير فكرة أنهم الممثلون للاسلام على الأرض ، حتى أن البعض قدر ما صرفته المملكة على الدعوة خارج حدود المملكة خلال الفترة من عام 1974 حتى عام 2001 بحوالى خمسة وسبعين مليار دولار ، تمكنت من خلالها من نشر الفكر الرافض للغير فى مصر والجزائر والسودان وباكستان وأفغانستان وغيرها أو الفكر الجهادى بصورة عامة ، وهو الفكر الذى تنامى فيما بعد ليصطدم بالنظم السياسية فى الدول الإسلامية ومنها المملكة ذاتها ، وقد تمثل الدعم لنشر المذهب فى صورة طبع كتب بآلاف النسخ وتوزيعها مجاناً ومعظمها كتب التوحيد لابن عبد الوهاب والتوسل والوسيلة لابن تيمية وشروح ابن باز وابن عثيمين والعقيدة الطحاوية ، أو كتب فى مهاجمة التصوف والتشيع مثل كتاب (الرد على المالكى) و(مهاجمة التيجانية) وقصيدة (البردة) للبوصيرى .
وقد تغاضى الحكام المسلمون عن هذا النفوذ السعودى لأن النظام بدأ يقدم مساعدات مالية الى الحكام الموالين لهم ، فدعموا نظام محمد ضياء الحق الذى أعدم ذو الفقار على بوتو بعد انقلابه العسكرى ، ودعموا نظام أنور السادات ، وأسهموا فى دعم حكومة الفريق عمر البشير عندما تحالف مع الدكتور حسن الترابى .
ربما كانت هذه المساعدات المالية للأنظمة العربية غير كافية ، ولكنها على كل حال أصبحت من ضمن موارد الدول الفقيرة بالإضافة الى استقبال المملكة للعمالة الوافدة من الدول الإسلامية واستغلالها للضغط على الحكومات ثم التبشير بينهم بالدعوة للعودة إلى بلادهم حاملين لهذا الفكر .
صحيح لم يوجد نظام فى دولة إسلامية تبنى المذهب الوهابى رسمياً لكنهم على كل حال غضوا الطرف عن التبشير السعودى ، لذلك يرى البعض أن ما صرفته المملكة على امارة طالبان خلال الفترة من عام 1996 حتى 2001 يفوق ما صرفته المملكة نفسها على مصر وسوريا والأردن خلال الفترة من 1967 – 1973 ، وهى المدة التى كانت تلك الدولة تستعد خلالها للحرب لإزالة هزيمة عام 1967 ، وذلك لأن السعودية اعتبرت طالبان صورة مصغرة لها أو أنها دولة نموذج لما يمكن أن تصير إليه دول أخرى ، علماً بأن هذا الدعم كان بموافقة أمريكية سواء كان هذا بعد تأسيس امارة طالبان عام 1996 أو قبلها أثناء فترة الجهاد الأفغانى ضد الجيش السوفيتى .
2 – تمكن النظام السعودى من فرض نفوذه من خلال عدة هيئات عربية واسلامية مثل الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامى ورابطة العالم الاسلامى وهيئة الاغاثة الاسلامية ، فالتمويل السعودى لهذه المنظمات جعل من الدور السياسى السعودى مؤثراً وحيوياً ، رغم أن هذا الدور كان فى بعض الأحيان ينتمى للرؤية الأحادية السعودية ولا يستقيم تماماً مع الهدف العربى أو الإسلامى العام ، فالموقف السعودى كان ضد الوحدة اليمنية وعمل جاهداً على تقويض وحدة جنوب اليمن وشماله ، قد يكون للنظام السعودى خوف من تأثير تلك الوحدة على الدور السعودى فى الجزيرة العربية ، ولكن من المؤكد أنه يتناقض مع الحلم الوحدوى سواء على المستوى العربى أو الإسلامى ، كما أن العلاقة بين العربية السعودية وليبيا متوترة فى أغلب الأوقات ، ونحن هنا لا نلقى اللوم على المملكة بلا سبب ، ولكن لأن النظام يقدم نفسه على أنه الممثل الشرعى للاسلام أو الراعى للحرمين الشريفين مما يدفعنا الى التأكيد انه ما كان ينبغى له أن يخوض حروباً سياسية أو دعائية تنقص من هذه الرعاية ، مثلاً قام النظام السعودى بالتأثير على القرارات العربية والإسلامية ، فأثناء الحرب العراقية الايرانية حشدت المملكة الجهود الإسلامية ضد إيران ، رغم أن عراق صدام حسين هو الذى أشعل هذه الحرب ، وفى عام 1987 قام الحجاج الايرانيون وبتصريح من سلطات الأمن السعودية بالتظاهر فى مكة المكرمة ضد أمريكا وإسرائيل ، وتظاهروا بالفعل ، ولكن السلطات أطلقت النار عليهم فقتلت منهم خمسة آلاف شخص رغم الاذن المسبق لهم ، وتكرر ذلك عام 1989 عندما أعدمت خمسة وعشرين رجلاً كويتياً بحجة أنهم حاولوا تفجير بعض الأماكن فى مكة المكرمة .
ومن ثم منعت الكثيرين من الحجاج الايرانيين والليبيين بسبب خلافات سياسية مع تلك الدول، تماماً كما ممنعت الحجاج المصريين فى الستينات أثناء حدة الخلاف بين الرئيس جمال عبد الناصر وبين السعوديين أثناء حرب اليمن ..
ومن الملاحظ هنا أن الاعتراضات السياسية من الأنظمة العربية والإسلامية ضد هذه الممارسات لم تكن على مستوى المسئولية ، ربما بسبب سوء العلاقات العربية مع إيران أو ليبيا ، ويقيناً ان مسألة التدويل لمكة والمدينة لم تطرأ على أذهان المسئولين فى الدول الإسلامية ، واعتبرت الاشراف والسيطرة السعودية على الأماكن المقدسة ضمن ضرورات الدين والسياسة معاً .
3 – لم ينشأ فى أذهان عامة المسلمين أى ربط بين السياسة السعودية والغربية ، بريطانيا أولاً ثم الولايات المتحدة بعد ذلك ، فالدولة السعودية الأولى والثالثة قامتا بدعم بريطانى مؤثر ، ولم يتمكن الخليفة العثمانى أن يفعل شيئاً الا بعد أن طلب من محمد على حرب السعوديين وهزيمتهم وتقويض دولتهم الأولى ، أما الدولة الثالثة فقد بدأ تشكيل كيانها أثناء انهيار الدولة العثمانية ، وبدعم بريطانى بعد توقيع اتفاقية " دارين " بين الانجليز والملك عبد العزيز .
وبعد الحرب العالمية الثانية وبروز الولايات المتحدة الأمريكية كدولة كبرى مؤثرة على القرار العالمى حتى سارعت الدولة السعودية بدعم الدور الأمريكى فى المنطقة مقابل الرعاية الأمريكية لتلك الدولة الناشئة ، وهذا ما ثبتت وحدة الأراضى العربية تحت السلطة السعودية خاصة فى فترة الانقلابات العسكرية التى سادت المنطقة منذ الانقلاب العسكرى فى سوريا عام 1949 بقيادة حسنى الزعيم ثم الانقلاب العسكرى المصرى عام 1952 ، وتحول الانقلاب العسكرى الى ثورة قومية اصطدمت بالقوى التى وصموها بالرجعية العربية ، وكانت السعودية تقف فى مقدمة معسكر الرجعية العربية كما كان يصفهم جمال عبد الناصر.
فى تلك الفترة استمر التعاون السعودى – الأمريكى دؤوباً لم يهتز بأى صدمات أو مآسى حدثت للدول العربية ، لم يتأثر هذا التحالف بهزيمة 1967 التى احتلت اسرائيل بسببها مناطق عربية كبيرة فى مصر والأردن وسوريا ، رغم أن المشاركة السياسية والعسكرية الأمريكية هى التى أدت الى هذه الهزيمة ، وربما كانت السعودية شامته فى الدولة المصرية الناصرية بسبب الخلافات التى تأزمت بين النظامين ، وبسبب لجوء الملك سعود إلى مصر بعد خلعه من منصب الملك السعودى وتعيين الملك فيصل خليفة له .
نقول ان العوام من المسلمين لم ينظروا إلى السياسة السعودية ، ولا نطلب منهم ذلك طبعاً ، ولكن قادة المسلمين الروحيين مثل شيوخ الطرق الصوفية ، ومراجع الشيعة يرون فى هذا التقارب السعودى – الأمريكى دوراً مشبوهاً يؤثر فى علاقات المسلمين الروحية خاصة عند أداء شعائر الحج وزيارة مرقد الرسول الكريم (ص) .
من هنا يمكن القول ان عملية الأسلمة لمكة المكرمة والمدينة المنورة لا تنفصل أبداً عن السياسة العربية – الإسلامية مع المملكة .
ويمكن رصد هذه العلاقات من خلال رصد العلاقات السعودية مع الدول الإسلامية ، ونفضل هنا أن نقول العلاقات بين النظام السعودى وباقى الأنظمة التى تحكم البلاد الإسلامية لنرى إلى أى مدى يمكن لدعوة التدويل أن تتحقق :
1 – هناك دول إسلامية كبرى ومؤثرة فى القرار السياسى الإسلامى ، ويمكن حصرها فى مصر – تركيا – باكستان – العراق – ايران – نيجيريا – المغرب – الجزائر ، وهذه الدول لها ثقل سياسى ودور إقليمى وعالمى أيضاً ، وعلاقات الأنظمة الحاكمة لهذه الدول مع النظام السعودى تحسم هذه الدعوة التدويلية .. |