ويمكن تصنيف هذه الأنظمة من حيث علاقتها بالمملكة :
1 - مصر – باكستان – المغرب – الجزائر – نيجيريا – تركيا ومعها الأردن والكويت وتونس والصومال وجيبوتى وتشاد والسنغال والنيجر والدول الإسلامية الخمس التى استقلت عن الاتحاد السوفيتى السابق وأفغانستان وبنجلاديش وعُمان والبحرين والامارات العربية وموريتانيا .
هذه الدول لها علاقات جيدة ومتنامية مع المملكة والأنظمة السياسية فى تلك الدول تتسق مع الموقف العام السعودى من حيث علاقته بأمريكا والاتجاه السلمى مع إسرائيل .
صحيح أن داخل هذه الدول اتجاهات اسلامية راديكالية تحارب الأنظمة ، ولكنها غير مؤثرة لا فى القرار السياسى ولا فى التعبئة الشعبية للمسلمين ، كما ان الاستبداد السياسى القاهر المنتشر فى كل الدول الإسلامية يمنع الجهر بأى دعوة تدويلية حتى لو كانت لأسباب إسلامية فقهية بحتة ، والتعامل السياسى يصب فى خدمة استمرار رعاية السعودية للأماكن المقدسة ، وعدم الاهتمام بالاستبداد الدينى السعودى ضد المذاهب الإسلامية الأخرى .
2 – توجد دول أخرى علاقتها السياسية مع السعودية غير جيدة أوهامشية أو متوترة يمكن حصرها فى اليمن – ايران – قطر – ليبيا ، كل لأسبابه الخاصة ، فاليمن تعتبر المنافس التقليدى للزعامة العربية فى شبه الجزيرة خاصة بعد أن توحد الشمال مع الجنوب وصار أكثر سكاناً من العربية السعودية ، والأقدر على المنافسة السياسية والعسكرية (إن حدثت) ، ولا يمكن نسيان الدور السعودى فى دعم الانفصال الجنوبى فى اليمن ، وفشل الانفصال يرجع لأسباب دولية أكثر منها يمنية خالصة .
كما لا تمنع العلاقة السعودية – الأمريكية من اتخاذ أمريكا لقرار سياسى مختلف مع القرار السعودى طالما ان المصلحة الأمريكية تصب فى ذلك الاتجاه ، وفى الحالة اليمنية ، رأت أمريكا ان وحدة اليمن تمنع الجنوب الشيوعى السابق والمشاغب للسياسة الأمريكية ، وهذا ما حدث فاحتوى اليمن الشمالى ثورية الجنوب ، وليكون فى الوقت نفسه عقبة فى حلق النظام السعودى اذا حاول يوماً الاستقلال بقراره السياسى ، واليمن الموحد يشمل أغلبية من الشيعة الزيدية الى جانب المذهب الشافعى الاسماعيلى ، ولهم جميعاً مواريث روحية وفقهية فى زياراتهم للأماكن المقدسة فى مكة والمدينة ، لا يمكن أن يقوم مجموعهم بالتأثير على القرار السياسى اليمنى ، ولكن النظام اليمنى بالتأكيد قد يتخذهم مبرراً فى شن هجومه الدعائى ضد العربية السعودية .
أما إيران ، فالمعروف ان أكثر المتضررين دينياً وسياسياً من الوهابية هم الشيعة ، وشيعة ايران على وجه الخصوص بعد الثورة الإسلامية فى ايران التى خشت السعودية وباقى الدول العربية المتوترة من آثار تصدير أفكار ثورتها إلى شعوبها ، ومن هذا المنطلق أسهمت السعودية فى الحرب مع العراق ضد ايران أثناء الحرب ، كما منعت حجاج ايران من الذهاب وقتلت بعضهم كما أوردنا آنفا .
ومن هنا فإن إيران ترى أن أسلمة الحجاز دعوة عادلة ان لم تكن فرضا ، ولكن ايران لا تريد أن تبدو دولة خارجة عن اجماع المسلمين خاصة وأن شيوخ الوهابية دائمو الهجوم على الشيعة والتشيع باستمرار ، ومن هنا فإن القرار الايرانى السياسى الداعم للتدويل لا يمكن أن يتخذه الساسة الايرانيون الرسميون فضلاً عن المراجع الكبار ، فالتراث الشيعى عامة يحرص على وحدة المسلمين ، ولكن لا تمانع ايران ان تنطلق الدعوة من أى دولة إسلامية تقف بجانبها ايران فيما بعد ، ونذكر على سبيل المثال ان هاشمى رفسنجانى كان فى زيارة رسمية للسعودية عام 1998 ، وصلى الجمعة مع الملك عبد الله (عندما كان ولياً للعهد) فى المسجد النبوى ، وبدون أى مناسبة قام خطيب المسجد النبوى الشيخ الحذيفى بالهجوم على الشيعة فى خطبة الجمعة وشكك فى إسلامهم وأطلق الشتائم التاريخية مثل الباطنية والعمالة .. إلى آخر المفردات ، وهاشمى رفسنجانى يفهم العربية جيداً ، وحدث سوء تفاهم رأت المملكة أن تمنع الحذيفى من خطبة الجمعة لاحقاً ، ولكن ذلك أثر كثيراً فى المفهوم السلفى فى النيل من شيعة أهل بيت رسول الله (ص) .
العراق الجديد رغم ارتباط قادته بأمريكا ووقوعه تحت الاحتلال ، إلا أن عودة أغلبيته الشيعية للحكم أو لنقل المرة الأولى الذين يتولون فيه قيادة الدولة العراقية الحديثة ، صار من المؤكد أن يحرص شيعة العراق على تأدية الشعائر الدينية فى مكة والمدينة علانية ، وهم الذين كانوا محرومين من اعلان شعائرهم فى العتبات المقدسة فى كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء أثناء حكم صدام حسين .
من هذا المنطلق منعت السلطات السعودية سبعة آلاف حاج عراقى من حج بيت الله الحرام أثناء موسم الحج الماضى 1426هـ ، مما أدى الى تلاسن حاد بين بيان جبر وزير الداخلية العراقى وسعود الفيصل وزير الخارجية السعودى .
ربما جاءت دعوة التدويل من إبراهيم الجعفرى بسبب الموقف السعودى من منع حجاج العراق، وجاءت لتحيى الآمال فى كف أذى السلطات السياسية والدينية السعودية عن باقى المخالفين لهم فى الرأى والمذهب ، وهى دعوة نالت استحساناً من المذاهب الأخرى حتى داخل المملكة فى المنطقة الشرقية ونجران وفى الحجاز ذاته فضلاً عن إيران وفرق كثيرة فى الدول الأخرى .
أما ليبيا فإن العلاقات المتوترة مع السعودية بدأت عن
ما أعلن قائد الثورة الليبية العقيد القذافى دعوته للتدويل قبل ما يقرب من ربع قرن من الزمان ، وهى الدعوة التى لم ينتبه لأهميتها وقيمتها أغلب البلاد الإسلامية نظراً للظروف السياسية التى كانت منفرجة بين السعودية وباقى الدول باستثناء ليبيا ، وكانت ليبيا تدعم ايران سياسياً إبان الحرب العراقية – الايرانية ، واعتبرت المملكة ذلك الموقف خطأ رغم انه كان موقفاً حكيماً وصائباً ، ورغم أن سوريا كانت تدعم ايران سياسياً وعسكرياً ، ولكن السعودية لم توجه لها الاتهام كما فعلت مع ليبيا .
أما قطر ، فقد ساءت العلاقات مع العربية السعودية منذ الانقلاب الفاشل عام 1996 ضد الأمير حمد ، وعندما قامت قطر باطلاق قناة الجزيرة استطاعت أن توقف الجهود السعودية لتغيير النظام القطرى ، ومع نجاح قناة الجزيرة المتتالى واستقطابها لمعارضين سعوديين ظلت النفوس عند قادة الدولتين عند حدود كراهيتها العليا ، ورغم الارتماء القطرى فى حضن السياسة الأمريكية ، لكن ذلك لا يمنعها من الدخول ضد أى دعوة تؤذى النظام السعودى حتى تمثلت فى دعوة التدويل للأماكن المقدسة فى الحجاز .
تبقى سوريا والتى هى فى علاقات تاريخية جيدة مع النظام السعودى ، ولكنها تأثرت باغتيال رفيق الحريرى رئيس الوزراء اللبنانى الأسبق ، وأضحت السعودية من ضمن المعاديين ولو نسبياً لسوريا ، ولكنها تتخفى وراء النصح السياسى للنظام السورى لتقديم تنازلات سياسية تصب فى النهاية لخدمة الدولة الإسرائيلية ، ولا تخدم المقاومة الإسلامية بقيادة حزب الله ، والتى كان من المفترض أن تكون السعودية هى الداعم لها .
خلاصة القول ان انطلاق مسألة التدويل ودعوتها الاسلامية العامة قد يعترض طريقها الأنظمة الإسلامية ذاتها ، معظمها لأهداف ومصالح سياسية انتهازية بحتة ، وليس لأسباب مذهبية ، والشعوب الإسلامية قد تأتى منها الدعوة ولكنها لا تتمكن من فرضها على أجندة منظمة المؤتمر الإسلامى أو رابطة العالم الإسلامى .
من هنا فإن الشعوب ان استردت حريتها فى العالم الإسلامى بما فيه السعودية ، قد تأخذ دعوة التدويل شكلاً أكثر جدية ، وهذا ما نراه فى المحور الثالث .
|