- المحور الثالث : الوضع الدولى

       يمكن اعتبار يوم الحادى عشر من أيلول / سبتمبر العام 2001 يوماً فارقاً عالمياً ليس على المستوى الأمريكى فقط ، بل امتد أثره على العالم ، والسعودية على وجه الخصوص ، وذلك يرجع ليس لأن أكثر الذين قاموا بالعملية من السعوديين بقدر ما يرجع إلى الفكر التكفيرى الرافض للغير ، الإسلامى منه وغير الإسلامى ، وقد شرحنا فى الجزء الأول من هذا البحث كيفية قيام الوهابية بتدمير كل الآثار الإسلامية فى مكة والمدينة لا لشىء إلا لأنها لا تتفق مع اعتقادهم ، وامتد التدمير الى البيت الذى شهد ميلاد نبى الله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ، والمساجد التى أقيمت فى الأماكن التى شهدت دعوته ، فمعظم الآثار ليس من بينها مسجد أقيم فيه قبر ، ولكنها آثار إسلامية يقدسها المسلمون باستثناء الوهابيين .
بعد أحداث 11 أيلول / سبتمبر ضد الولايات المتحدة فى نيويورك وواشنطن قام الاعلام الأمريكى باتهام السعودية على وجه الخصوص بأن فكر شيوخها هو الذى قاد مختطفى الطائرات بقيادة محمد عطا المهندس المصرى الذى رفض التكنولوجيا ليتحول الى قنبلة ارهابية ، فابن لادن السعودى والظواهرى المصرى تربيا من نفس الفكر التكفيرى الذى تبنته الدولة السعودية عندما استضافت ودعمت قادة التكفير من دول العالم المختلفة ، وحولت إمارة طالبان باعتبارها امتداداً للفكر الوهابى إلى نقطة انطلاق للتدمير ، ووصل الحد الى ان استقبل الشيخ عبد العزيز بن باز مفتى السعودية السابق (حسب رواية الصحفى عادل حمودة فى كتابه صلاة الجواسيس) وفداً من الشباب المصرى الذى قرر اغتيال الرئيس أنور السادات ، واستفتوه عن قتل الحاكم الظالم وأجابهم بأن ذلك مباح ان لم يكن ضرورة (حسب رواية حمودة) .
هذا الفكر هو الذى ظل يتمدد ليفرخ الجماعات المتطرفة فى كل الدول الإسلامية ، فى الجزائر حدثت مواجهات فيما يشبه الحرب الأهلية ، وفى مصر والسودان وغيرها .
هذا الفكر حول اتجاهه ليضرب برجى التجارة فى نيويورك وواشنطن ، وليضرب معهما هذا الفكر الذى قوبل باستعداء عالمى واسلامى عام وان ظلت الازدواجية الأمريكية والاحتلال الأمريكى لأفغانستان والعراق تفرض على الشعور العربى عدم عقلانية الابتهاج بالضرب مع الأمريكيين حتى لو راح فى سبيله أبرياء من مسلمين وغير مسلمين .
لكن ما حدث هو أن قامت الادارة الأمريكية بفحص ملفاتها الخارجية ، ورأت أن كل الرؤساء الأمريكيين تعاملوا وساعدوا الأنظمة المستبدة للاستفادة منها لكبح جماح شعوبها ، ورأت أمريكا انها يجب أن تعدل من تلك السياسة وبدأت فى السعودية فقامت بضغوط على السعوديين لتعديل المناهج السعودية التى تحرض على قتل الغير أو محاربة المخالفين فى المذهب أو العقيدة أو غير المسلمين .
يمكن رصد تداعيات أحداث سبتمبر / أيلول 2001 على المملكة قبل ان نحدد كيفية تحول الدعوة للتدويل الى برنامج سياسى فى الآتى :
أ – قامت الحكومة السعودية بعد الأحداث بالتضييق على الدعاة الوهابيين والاصلاحيين فى وقت واحد ، فالنظام لا يريد الاصطدام بالحليف الأمريكى التاريخى ، ولا يرغب فى الاصلاح السياسى فى الوقت ذاته ، فقام الشباب السعودى المنضم لتنظيم القاعدة بالتفجيرات ضد الحكومة السعودية وضد الأجانب الذين يعيشون فى المملكة وقتلوا ومثلوا بالكثيرين منهم ، ورأى النظام أنه يمكن الخروج من الأزمة بأقل الخسائر اذا تخلى عن المذهب الوهابى كمذهب وحيد داخل المملكة لأنه صار عبئاً على النظام بعد أن كان مصدر شرعيته الوحيدة .
ب – بدأ فى السعودية ظهور بوادر اصلاحية من الشباب المثقف الذى صار راغباً فى الاصلاح السياسى واعطاء دور للمرأة السعودية ، رغم أن المرأة فى العرف الوهابى تعتبر من المحظورات الدينية (رغم أن الدين لا يأمر بذلك) ، وقام بعض الأكاديميين السعوديين بتقديم مطالب اصلاحية ، واعتبرت السلطة أن هذه المطالب تعبر عن جرأة وتعد على السلطة السياسية والدينية وأن التسامح مع هذه المطالب وهؤلاء الأشخاص يفتح الباب لخطوات أخرى ربما تفوقها جرأة ، ولكن الضغوط الأمريكية أجبرت السلطة على أن تغض الطرف قليلاً أو تحقيق أجزاء بسيطة من تلك المطالب مثل الموافقة على منح المرأة السعودية رخصة قيادة للسيارات .

 

السابق

التالي