ان حادث 11 سبتمبر / أيلول دفع السياسة الخارجية الامريكية إلى عمل توازن ما بين علاقاتها ومصالحها مع الجهات الرسمية من جهة ومع الفعاليات الشعبية والحزبية من جهة أخرى ، كما دفعها الى اجراءات اصلاحية جذرية فى المنطقة العربية والسعودية خصوصاً ، وتشكل هذه الملامح فى الاعلان عن المشروع الأمريكى للاصلاح .
3 – ما سبق شرحه انعكس بالتالى على شبه انفراجة للسعوديين الشيعة ، وهى انفراجة بسيطة ولكنها مع الواقع الدينى السعودى المتزمت تعتبر نقله نوعيه ، أى أن تراخى القبضة الأمنية والدينية يوحى للآخر بزيادة مطالبه ، شيعة نجران الاسماعيلية مثلا بدأوا فى الاعلان عن هويتهم وتفعيل مواقعهم الالكترونية ، وبث رسائلهم عبر دول العالم لأنهم – كما أشرنا - تعرضوا لضغوط كبيرة ، كما انه سمح لشيعة المنطقة الشرقية بالدعوة داخل أوساطهم بعد ان كان ممنوعاً عليهم ذلك .
هى تحولات بسيطة غير مرئية ، ولكنها فى النهاية بداية حلقة من سلسلة تنازلات شبه مؤكدة فى المستقبل ، بعد أن صار الدفاع عن حقوق الانسان من الثوابت الضرورية التى يعنى بها الجميع .
4 – توجد ضغوط أخرى خارجية من قبل معارضين سعوديين يعيشون بالخارج أبرزهم د.سعد الفقيه ود.محمد المسعرى ، وتلك المجموعة حريصة على الضغط على النظام السعودى عبر الفضائيات ، وهو ما كان يعتبر فى الماضى جريمة ينظر إليها كشىء حقيقى .
لابد من التأكيد على أن الأنظمة العربية عموماً لا يمكن التنازل عن سلطتها وتفعل المستحيل للاستمرار ، وتحاول الالتفاف حول أى مطلب اصلاحى وإفراغه من أى مضمون ، والسعودية فى النهاية تستقى تعاليمها من مواريثها الفكرية التى تنص على أن طاعة السلطان من ضرورات الدين ، وقد شاهدنا البيعة للملك عبد الله بتقبيل الكتف ، والمذيع يحاول أن يقنعنا بأن مثل هذه البيعة هى الشورى الإسلامية أو أنها الديمقراطية ، وكلها وسائل تندر عليها القريب والبعيد .
كما تندروا على فتوى عدم جواز تقبيل يد الحاكم ، وكأن هذا هو التغيير ، وإذا كانت حرمة تقبيل يد الحاكم من الإسلام ، فلماذا ظل هذا التقبيل طوال القرون الماضية دون تحريم .
على العموم الظروف الدولية الضاغطة يمكنها أن تتواكب مع دعوة التدويل للتمهيد لأن تتبناها احدى الدول الاسلامية المؤثرة .
المزاوجة بين الواقع وامكانية التدويل :
مما سبق يتضح أن أسلمة مكة المكرمة والمدينة المنورة شبه مستحيلة فى الوقت الراهن نظراً لأن معظم الدول الإسلامية ستؤيد المملكة فى استمرار رعايتها للأماكن المقدسة ، خاصة أن الشعوب الإسلامية ليس لها دور مؤثر فى اتخاذ القرار السياسى فى أى دولة ومن ثم فإن كل مشاكل الدول الإسلامية مرهون بالتحول نحو التعددية والديمقراطية ، لأن هذه التعددية والتداول السلمى للسلطة سيعطى قيمة لأصوات الشعوب الانتخابية التى ستأتى بالحاكم ، وتعزله وتفرض ارادتها عليه .
من هنا نستطيع بالاضافة إلى مقترحات التدويل التى عرضناها فى بحث " بين التنزيل الدينى والتأويل السياسى " القول ان الاصلاح السياسى فى المملكة العربية السعودية على سبيل المثال ، اما بتحولها لجمهورية عربية إسلامية أو انتقالها إلى ملكية دستورية ، تشكيل حكومات تمثل كل شعب الجزيرة شيعة وسنة (على اختلاف مذاهب الطرفين) وطرق صوفية التى حتما ستعيد وجودها ، وشعائرها الروحية وكلها تصب فى الانفراجة السياسية المنتظر حدوثها .
ولن يكون الحجاز بعيداً عن هذا التغيير ، لأنه سيكون فى ظل الوضع الجديد له حرية اختيار ممثليه الذين سيرعون الأماكن المقدسة بدعم من السلطة السياسية .
ان ما يحدث فى المملكة سيؤثر حتماً فى باقى الدول الإسلامية التى لابد أن تتحول الى الانتقال السلمى للديمقراطية ، والا حدث لها ما حدث للعراق ، فتتحول الى شبه حرب أهلية طاغية ومؤثرة وتخدم أعداء الأمة فى نهاية الطريق ، وهذا ما لا يرضاه مسلم لدينه ولدنياه على السواء .
ان هذا التصور الذى قدمناه قد يرفضه البعض ولا يرى فيه إلا خيالاً جامحاً نقول أنه قد يحدث لأن الواقع السياسى والضغوط الأمريكية للاصلاح فى المنطقة العربية والمرهونة أصلاً بالمصالح الأمريكية ستدفع الأمور الى التغيير للأفضل .
والملاحظ الآن فى ضوء هذه التغييرات ان النظام السعودى بدأ يتكيف أو يلتف حول هذه الضغوط إما بالاستجابة للمطالب الأمريكية مثل الضغط السعودى على سوريا لتقديم تنازلات ، أو سفر الملك عبد الله إلى الصين والهند لكى يؤيدا تحويل الملف النووى الايرانى الى مجلس الأمن .
ولكن الشعوب دوماً ما تستفيد بتنازل الأنظمة ، تستشعره وترقبه ، وتنتهز الفرصة للتعبير عن آرائها واقتناص حقوقها .
*******
* مما سبق يتبين أن أفضل الحلول الممكنة للحجاز المقدس هو الحكم الذاتى الادارى للحجاز ، يرتبط بالنظام السياسى الموجود فى الرياض ، ولكنه مستقل فى رعايته لمكة والمدينة ، أى ان الاشراف الاسمى لحكومة الرياض ، أما الحقيقى يكون للحجازيين مع الاشتراط ان يكون الحجاز مفتوحاً لكل المسلمين دون النظر لمذهبهم .
توضع قواعد وشروط لعدد الحجاج حسب النسب المئوية التى أقرتها منظمة المؤتمر الإسلامى كل مليون نسمة نسبته ألف حاج ، قد تزيد هذه النسبة أو تقل حسب ما يقرره المسلمون ومعهم الحجازيون .
وأن تنشأ هيئة إسلامية عالمية من المذاهب الثمانية المعترف بها وهم الأحناف – الشافعية – المالكية – الحنبلية – الامامية – الزيدية – الاسماعيلية – الأباضية ، تكون مهمتها الاتفاق على كيفية رعاية الأماكن المقدسة ، وأن يكون رئيس هذه اللجنة من أحد المذاهب بالتداول كل عام ، وأن تصدر القرارات بالأغلبية ، فمثلاً اذا اتفق معظم الأعضاء على اعادة تعمير الأماكن المقدسة كان قرارها ملزماً للباقى ، كما يترك لشيوخ كل مذهب الافتاء لمريديه ، ومن يدرى ربما تحولت هذه اللجنة الى مرجعية دينية عالمية لكل المسلمين ، أى يتحول الحجاز المقدس إلى رمز لوحدة المسلمين الروحية ، فيمكن ساعتها – مثلاً - توحيد هلالى شهر رمضان وشوال ، ويمكن أن يتلقى بيت مال المسلمين العام فى الحجاز أموال الزكاة لكى ينفقها على فقراء مسلمى العالم دون النظر لانتماءاتهم السياسية والمذهبية .
ان هذا الاقتراح مرهون بالقبول السعودى والعالم الإسلامى ، وهو كما شرحناه غير موافق على مسألة أسلمة الاراضى الحجازية ، ويعتبرها البعض فكرة تفرق لا تجمع ، ولكن المتأمل فيها يجدها على المدى البعيد هى الأجدى لأنها لن تجعل بعض المسلمين يعتقدون انهم الوحيدون الفرقة الناجية أو أنهم يمثلون الاسلام ، خاصة أن هذا الاعتقاد الخاطىء هو أنجبه التكفيريين ومازال ينجبهم .
فكرة التدويل رغم انها تنطلق من بعد دينى ، لكنها تحمل بعداً سياسياً كبيراً ، لأن اطلاق حريات الشعوب الاسلامية لاتخاذ قراراتها حسب رؤيتها السياسية هى المقدمة الضرورية ليصل إلى حكم المملكة من يتفق مع ما تقوله ويردده الجميع ، وكلها رؤى سياسية ، ولكنا نريدها رؤى سياسية تعتبر الشعوب هم أصحاب الأمر ، ولأن الشعوب الإسلامية مرتبطة بدينها ارتباطاً وثيقاً ، فإن الدين والسياسة لابد أن يمتزجا فى رؤية عالمية الفكر ، شمولية الفهم ، أو أن ينفصلا فيريحا ويستريحا بدلا من قيام البعض من أصحاب السياسة بخطف دين الله منذ زمن طويل ، فأفسد أكثر مما أصلح . |