|
المقدمة
تعدد الكوارث والأحداث التى تقع فى مكة المكرمة والتى ترتبط فى العادة بموسم الحج المعظم يعد أمراً يعكر صفو هذه الفريضة الهامة والتى توفر ما لا توفره غيرها من الفرائض الإسلامية ، وعلى الرغم من أن هذه الأحداث أمراً يكدر صفو الكافة وقد يعذوه البعض وفقط إلى جهة بعينها متهماً إياها بالتقصير والقصور وقد يكون هذا الاتهام فى محله إلا أنه غير كاف .
إلا أننا فى بحثنا هذا لن نتوقف عند حد إزالة هذه الكوارث أو إجراء بعض التنظيم الإدارى وإحكام الأمر ومحاصرة هذه الكوارث والأحداث أو نلقى اللوم على الحكومة السعودية التى هى مسئولة بدرجة أو بأخرى عن أغلب هذه الأحداث ونكيل لها ولشعبها نقداً وتجريحاً واتهاماً ، كما أننا لن نقف عند اقتراح بإقامة هيئة أو لجنة إسلامية أو عربية أو دولية تقوم بدور إدارة المشاعر المقدسة والإشراف عليها رغم أهمية هذا الدور فى الوقت الحالى ان الأهم من كل هذا هو أن نرجع قليلاً إلى حدث قد يكون مشابهاً إلا انه يرتبط بخيط ما مع موضوعنا ، هذا الحدث هو محاولة حكومة أفغانستان (السابقة) المعروفة بحكومة طالبان الإقدام على هدم بعض تماثيل بوذا بحجة أنها تمثل أحد رموز الكفر والوثنية ، وكيف قامت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) بإثارة الدنيا كلها على هذه الحكومة واتهامها بأنها تعادى التراث الإنسانى الذى هو ليس ملكياً خاصاً بالبوذيين وحدهم أو للحكومة المتنفذة على أرض أفغانستان ، ولكن هذا التراث الانسانى هو ملك الحضارة الانسانية جمعاء، ولهذا قامت منظمات عالمية ودولية باستحضار شيوخ وعلماء دين إسلاميين للوساطة بينهم وبين هذه الحكومة حتى تعدل عن هذا الأمر وظلت هذه القضية تشغل الرأى العام المحلى والإقليمى والدولى عدة شهور إلى أن انجلت هذه الأزمة ، وهذا الأمر تكرر مع الاعتداءات الأمريكية على العراق فى عام 2003 وتم الاستيلاء على عدد من القطع الأثرية العراقية والآشورية وتدخلت المنظمات ذات الشأن لمحاولة إعادة تلك الآثار التى هى جزء من التراث الانسانى ، وإذا كان هذا الأمر وغيره قد تم مع تلك الحضارات البائدة والتى انتهى دورها الزمانى والتبشيرى فما بالنا بآثار وأماكن مقدسة مازالت تلعب دوراً هاماً ورئيسياً على كل الأصعدة والمجالات فى حياة ما يقرب من نصف سكان العالم ، وأقصد بها هنا المقدسات الإسلامية فى السعودية .
ان مكة المكرمة تعد مقصداً لمليار وربعمائة مليون مسلم فى العالم يقدرونها ويعظمونها لما تحتوى عليه هذه البقعة من بيت الله الحرام وأنها مكان الفريضة الخامسة على المسلم وأنها المكان الذى شهد مولد الإسلام ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وحياته ودعوته طوال نصف قرن متواصلة لعبت فيه جغرافية المكان جانباً مهماً وما تشتمل عليه من أندية ومنازل وأقنية والتى تشكل العالم المحيط ، أو بمعنى آخر انها تعنى أشياء مختلفة لاناس مختلفين فى أماكن مختلفة فى بقعة واحدة وذات رمزية ورسالة تاريخية بليغة تؤكد على التضامن الإسلامى الواسع ارتباطاً بهذه الرموز المقدسة .
اننا بهذا نهدف إلى الوصول إلى أهمية مكة دينياً وسياسياً وتاريخياً وأهمية المحافظة على تراثها وبذل الجهد لمحاولة الوصول إلى المركب التاريخى والحضارى لهذه المدينة بشكل خاص ولمجموع المدن الإسلامية المحيطة ومنها على وجه الخصوص المدينة المنورة موطن هجرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والتى تحوى جثمانه الشريف وجثامين بعض آله عليهم السلام وكذا أصحابه الميامين .
لذلك فإن محاولة استرجاع ما دمر أو المحافظة على ما تبقى بالإضافة إلى الإدارة الإسلامية العالمية للمشاعر الإسلامية المقدسة والوقوف على خدمة الحجيج وحسن استقبالهم فى الحج والعمرة والزيارة سوف يفتح عيون الباحثين والمؤرخين الإسلاميين والمهتمين بالتراث الإسلامى والانسانى بشكل عام على أشياء لم يروها من قبل وسوف يكون أيضاً مدخلاً للتقارب الإسلامى الإسلامى والحوار الهادف والفاعل لعلاقات ايجابية فعالة على هذه الأرضية .
فى هذا السياق نمحور بحثنا هذا حول أربعة محاور رئيسية تمثل مجتمعة بنية البحث الذى يدور حول دلالات وأبعاد عملية تدويل الأماكن المقدسة وعلاقاتها بالتاريخ والجغرافيا والثقافة الإسلامية . فماذا عن هذه المحاور ؟ |