لمــــوضـــــوع

  
   
أولاً : مكة قرة عين الموحدين
      على الرغم من أن مكة تقع جغرافياً فى قلب شبه الجزيرة العربية فى ذلك الوادى الجاف (غير ذى زرع)
(1) ، إلا أنها تقع فى مركز القلب فى التاريخ الإنسانى عامة والإسلامى خاصة ، فهى موضع التقديس من ملايين المسلمين الذين يقصدونها طوال العام لأداء العمرة أو لأداء فريضة الحج حيث الكعبة المشرفة ، التى هى قبة الزمان والأرض وهى أول بيت وضع للناس لقوله تعالى " إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركاً وهدى للعالمين " (2) ، ومكة هى أم القرى وهى (الحرام) لقوله صلى الله عليه وآله وسلم " هذا حرام – يعنى مكة – حرمها – الله يوم خلق السموات والأرض .. لم تحل لأحد قبلى ولا تحل لأحد بعدى ، ولم تحل لى إلا ساعة من نهار ، لا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها ، ولا يختلى حلالها ، ولا ترفع لقطتها إلا المنشد . فقال العباس : يا رسول الله ، إن أهل مكة لا صبر لهم عن الأزخر لقينهم وأبياتهم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – إلا الأزخر " (3) .
ولهذا فهى البلد الأمين خير بلاد الله وأحبها إليه ولهذا أقسم الله بها فى موضعين ، فقال تعالى "وهذا البلد الأمين "
(4) ، وقال تعالى " لا أقسم بهذا البلد " (5) ، وقد ثبت فى المسند والترمذى والنسائى عن عبد الله بن عدى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول وهو واقف على راحلته بالحزورة من مكة : " إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت " (6) .
وبها البيت الحرام الذى يقابله فى السماء البيت المعمور وفى حديث خالد بن عرعرة قال : قال على بن أبى طالب – رضى الله عنه – سلونى عما شئتم – فسأله رجل عن البيت المعمور ، فقال : بيت فى السماء يقال له الضَّراح وهو بجبال الكعبة من فوقها حُرمته فى السماء كحُرمة البيت فى الأرض ، يصلى فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة فلا يعودون فيه أبداً . قال : يا أمير المؤمنين أخبرنى عن هذا البيت ؟
قال : هو أول بيت وضع للناس ، كانت البيوت قبله ، وقد كان نوح يسكن البيوت ، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً وهدى للعالمين "
(7) .
وفى البيت ، الحجر الأسود ، وهو جزء لا يتجزأ من الكعبة وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا فى الكثير من أحاديثه الشريفة وفى الحديث عن ابن عباس قال : " الحجر الأسود يد الله فى الأرض فمن مسه فإنه يبايع الله "
(8) .
وعن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الركن والمقام من ياقوت الجنة ولولا ما مسها من خطايا بنى آدم لأضاء ما بين المشرق والمغرب ، وما مسهما من ذى عاهة ولا سقيم إلا شفى "
(9) ، وفيه مقام إبراهيم عليه السلام الذى قال فيه الله تعالى:" فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا " (10) ، كما أمر الناس بالصلاة عند المقام قال تعالى " واتخذ من مقام إبراهيم مصلى " (11) .
أما زمزم وهى بركة دعاء إبراهيم عليه السلام " رب إنى أسكنت من ذريتى بوادى غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون "
(12) .
وهو البئر الذى انفجر تحت أقدام إسماعيل عليه السلام فى القصة الشهيرة حين تركه أبوه فى هذا الوادى الجاف بناء على أمر من الله ، ثم أعاد حفره عبد المطلب بن هاشم جد النبى صلى الله عليه وسلم كما جاء فى العديد من الأحاديث
(13) .
وفى مكة ولد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وتربى ونشأ وشب وفى غار حراء نزل عليه الوحى الأول وهو يتبتل ويفكر ، ومكة بهذا تشكل مشهداً ثقافياً متكاملاً من خلال العديد من الأشكال الموحدة والمميزة ذات الطابع الروحى المشترك والمتماثل ثقافياً ، ومادياً على حد سواء ، وتظهر فيما تفاعل الأجزاء ككل من دار الندوة وجبال مكة وشعبها ومقر الثورة الأولى والدعوة دار الأرقم بن أبى الأرقم هذا كله يوحى بأن هذه الأجزاء متماسكة وظيفياً ، يمكن من خلال هذا كله فهم شخصية المكان الذى يصنع ديناميكية الأرض والحياة يقدم من خلال هذا كله النظام الاجتماعى الذى نشأ فيه الإسلام بداية من المنزل وأفضيته التى تربط المنزل بالعالم المحيط وعلاقته بالعالم ، وبالمعتقد ومن خلال المشهد اليومى يمكن معرفة معنى الحياة لدى هؤلاء القوم وعلاقتهم الأسرية وهو الذى يفسر أشياء لا حصر لها ويفتح عيوننا على حقائق جديدة .

 

 
التالي

السابق