لمــــوضـــــوع

          ثانياً : الأزمة فى شكلها الراهن

   لنبدأ من العام 1979 حين وقع الاعتصام والاقتحام للحرم المكى الشريف فقد وقع الاعتصام من مجموعة يديرها رجل سعودى من أهل (العوجا) وهى قرية تابعة لمدينة الهجر الواقعة على مقربة من طريق الرياض مكة ، ويدعى جهيمان بن محمد بن سيف العتيبى ، والذى عمل قرابة ثمانية عشر عاماً فى الحرس الوطنى السعودى ، وانتسب إلى الجامعة الإسلامية فى المدينة المنورة ، وبذلك فقد كان الرجل وهابى الانتماء والاتجاه واختلطت لديه الرؤية العسكرية التى لا تعرف غير الطاعة بالرؤية المغلقة للمذهب الوهابى فأصبح يرى نفسه ومن تبعه على الحق المبين ، وان ما دونهم من الخوارج وأن كل علماء الدين على باطل ويجب قتالهم وان بدء القتال أو الاعتصام سيكون بالبيت العتيق ، بعدما أعلن كفر الحكام من آل سعود وغيرهم لأنهم عطلوا الجهاد ، ووآلو النصارى .
لعل هذا ما قاله زعيم المعتصمين نفسه عندما أعلن من ساحة البيت الحرام أنه يرفض الحكومة السعودية لأنها قائمة على غير هدى الشرع ، واتهم أغلب أمراء الأسرة السعودية بالفساد والانحراف وقد طالب فى خطابه بإنهاء الحكم الملكى السعودى ، ولأن بيعتهم وحكمهم قائمان على الجبر والقهر وأنهم لا يلتزمون الدين بل يهدمونه ، كما طالب بقطع الروابط مع حكومات (النصارى) وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية ، وإخراج الأجانب (النصارى) من مدرسين وأساتذة وخبراء .
كما طالب بالقضاء على الفساد والانحراف فى المجتمع والتشديد فى تطبيق الأحكام الشرعية. ولعل الأمر لم ينته عند هذا الحد بل كانت نتائجه وخيمة وفاجعة والتى تمثلت فى الآتى :
1 – امتهان بيت الله الحرام وقدس أقداس المسلمين من قبل الفريقين الذين ينتميان إلى نفس المدرسة الفقهية والعقائدية فالأول جعل منها قلعة لتنفيذ موقفه السياسى متسلحاً بأسلحة نارية سواء كانت هذه الأسلحة لتنفيذ ثورته أو انقلابه أو لحماية أنفسهم إلا أنه خرق أمر الله بأن حمل السلاح فى بيت الحرام وجاء بالمخالفين إلى البيت الحرام بعد أن نهى الله تعالى عن اقترابهم منه " يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم غيلة فسوف يغنيكم الله من فضله "
(14) .
2 – وضع علماء الدين السعوديين فى موضع الاستهانة والتابعين الإذلاء لآل سعود حينما أعلن وزير الداخلية نايف بن عبد العزيز أن العملية قامت بعد فتوى العلماء رغم أن البيان لم ينشر إلا بعد اليوم الخامس من الاقتحام ، كما أن الكثير والكثير من المواطنين يعلمون مدى اتفاق الرؤية الدينية والعقائدية للمعتصمين مع رجال الدين وعلى رأسهم مفتى المملكة الشيخ عبد العزيز بن باز
(15) .
ولعل هذا الحادث قد فتح الباب لحوادث قد تكون متشابهة إلا أنها تركت عمقاً فى النفوس ، ودلالة مفادها أن هذا البيت حكراً على آل سعود لهم حق الأمر والنهى فيه بدءاً من تحديد امامه الذى قد لا يكون أعلم الأمة كما يقتضى طبيعة الحال ، وموقع البيت من المسلمين ، وكذلك قصر العبادة والشعائر على مذهب واحد ووحيد ومن يتعداه فإن مصيره هو أن يطلق عليه النار حتى وإن كان فى حرمه الشريف كما حدث مع بعض الشباب الكويتين فى مطلع الثمانينات ثم حين جاء العام 1988 أطلقوا النار على 500 حاج إيراني كانوا يؤدون ركن البراءة من المشركين والكفار ويلعنون أمريكا وإسرائيل
(16) .
ولكن الاتهام جاهز والحكم نافذ والمكان بيت الله الحرام والنتيجة انتهاك حرمة البيت الحرام، وهنا يصبح سند هذه الحكومة التى تعتمد على الإسلام وتنطلق من مبدأ الشورى وتعتبر القرآن هو دستور الدولة وتستند فى شرعيتها على الآتى :
1 – الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية التى يعتبرها الشعب السعودى مصدراً شرعياً لأى نظام يضطلع بمهمة الحكم
(*)
2 – الالتحام التاريخى الطويل الذى جمع بين الأسرة السعودية والشعب فى الجزيرة العربية والقضاء على حالة التشرذم والتخلف الذى كانت تعيشه المنطقة
(17) (**)
ولعل الحوادث الكثيرة التى تقع بين الحكومة السعودية والقبائل وأهل المدن الأخرى أبلغ مثال على كذب هذا الادعاء ومنها تلك الحوادث التى وقعت يوم السادس من محرم 1400 هـ حينما أطلقت قوات الأمن النار على سكان مدينة سيهات مما أدى إلى انطلاق ثورة عارمة فى المدينة سقط ضحيتها مئات الشهداء من أهالى سيهات ، وهذا ما حدث أيضاً فى القطيف وصفوى وغيرها من المدن الأخرى هذا فضلاً عن آلاف المبعدين من أبناء القبائل المختلفين سياسياً أو دينياً مع الحكومة السعودية والتى أجمع المؤرخون على أنها اغتصبت المملكة والملك من أهالى المناطق قسراً حينما تأسست العربية السعودية فى 1902
(18) .
هذه الأحداث وغيرها التى جرت فى ظل صمت دولى وإسلامى وعربى مطبق شجعت الحكومة السعودية على الاستهانة بأرواح الناس حتى خرج مسئول حكومى حينما نشب حريق هائل فى منى أودى بحياة 340 حاجاً وجرح أكثر من 1500 آخرين ليقول لوسائل الاعلام "أنه شرف للحاج أن يموت هنا" ولعله أراد أن يقول أننا نقدم لكم خدمة منقطعة النظير وهى أننا نمنحكم الموت هنا .
إن تبجح الحكومة السعودية فى وسائلها الاعلامية حينما تتحدث عن خدمات الحجيج وكأنهم يقدمون لهم منة يمنون بها عليهم رغم أنهم يبيعون الوهم لهؤلاء الحجاج والمعتمرين بأسعار باهظة ويتعاملون معهم باستهانة شديدة ولعل مواسم الحج أصبحت مقترنة بكل ما هو كارثى ففى عام 1990 توفى أكثر من 1500 حاج ، وكذلك فى عام 1994 كان عدد الشهداء 650 حاج ، وفى هذا العام حينما انهارت عمارة لؤلؤة الخير استشهد على أثرها 76 حاجاً ومقتل أكثر من مائتى حاج أثناء رمى الجمرات مما يدل على انهيار شبكة المتابعة والأمان والاهتمام بضيوف الرحمن هذا الشكل واضح تماماً فى المرافق (دورات المياه) فى المزدلفة وعرفات ومنى حيث أن أغلب هذه المرافق من المعدن سابق التجهيز والتى تفتقد إلى أدنى شروط الصحة والنظافة ناهيك عن قلة عددها ، وفضلاً عن الحوادث المتعددة التى تتسبب فى سقوط شهداء فى مواضع رمى الجمرات ويرجع هذا إلى ثلاثة أمور هى :

 

 
التالي

السابق