حماية الأماكن المقدسة
       و قراءة جديدة في كتاب "أم القرى " للكواكبي  

 

                                         - 1 -
     فى الوقت الذى يتجه فيه أحرار العالم كله للوقوف فى وجه العولمة الأمريكية ومحاولات فضح اليمين المسيطر على الحكم فى الولايات المتحدة الأمريكية وما يقوم به من جرائم فى العراق وجوانتنامو وأبو غريب ، تخرج علينا صحيفة (يولاندس بوستن) الدانماركية لتقترب من ذات الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم فى صلف وغطرسة وغرور ومعها رئيس التحرير ورئيس وزراء الدانمارك ومن العجيب تضامن العديد من الدول الأوروبية مع هذه الصحيفة والذين لم يأخذوا فى الاعتبار غضب مليار و400 مليون مسلم .
هذه الحالة تدل على ما وصل إليه حال العرب والمسلمين ووزنهم فى موازين القوى العالمية، هذا الامتحان القاسى الذى رسبت فيه النظم العربية والإسلامية رغم فورة الغضب التى اجتاحت أغلب عواصم المعمورة غضباً لذات الرسول الأعظم ، والعجيب أن هذه الفعلة لم تكن الأولى للهجوم على الإسلام ورموزه ، فمن قبل قام سلمان رشدى بالتهجم على القرآن وآياته ولم يكن رد الفعل على مستوى الحدث اللهم ما قام به الإمام الخمينى من إهدار دم هذا الرجل ، ومنذ عام تقريباً قام أحد أعضاء الكونجرس الأمريكى ويدعى " توم ثن كريدم " بتبنى دعوة لضرب بيت الله الحرام بالقنابل وهدمه فوق رؤوس المسلمين ، وأيضاً كان رد الفعل هنا يكاد يكون معدوماً .
إن المسلمين والعرب يتعرضون اليوم ، فى عصر العولمة وإسرائيل ، لأبشع حملات التشهير والتحقير والتى تعد سابقة تاريخية لم تحدث لهم من قبل فالمرء يهوله مدى اتساع هذه الحملة التى تمتد من أمريكا غرباً إلى الصين شرقاً ، مروراً بأوروبا الغربية والشرقية ، ناهيك بالطبع عن إسرائيل .
وهى لا تقتصر على وسائل الاعلام ، بل تشمل السياسيين أيضاً ، من البيت الأبيض إلى رئيس الوزراء الايطالى حتى رئيس الوزراء الدانماركى – ووسائل الاعلام المشتركة فى الحملة تشمل كل شىء ، ليس فقط التليفزيون والإذاعة والصحف والكتب بل تشمل أيضاً جائزة نوبل للأدب ، إذ أعطت الجائزة هذا العام لرجل اشتهر بدأبه على إهانة المسلمين والأمر عند هذا الحد ليس مدهشاً ولكن الأكثر دهشة هو حال الحكام العربى والمسلمين ومثقفيهم الذين أخذتهم السذاجة والغفلة إلى الظن أن هذا الأمر إنما يحتاج إلى ندوات ومؤتمرات متخصصة لتوضيح أو تفهيم صورتهم الحقيقية ، ولكن السؤال الذي يحتاج إلى اجابة هل رجال الحكم والسياسة الغربيون يحتاجون إلى فهم للإسلام والعرب ، وهل مايزالون تنقصهم المعرفة الجيدة لنا ، أما أنهم مايزالون يحكمهم سوء الفهم أو سوء الظن رغم عشرات السنين من الاستعمار والتخابر والعبث فى بلادنا من خلال العشرات من مراكز الأبحاث والدبلوماسيين والجواسيس كل هذا ومايزالون يعانون من سوء الفهم حتى يحتاجون لبعثات أو ندوات لشرح حقيقة العرب والمسلمين
(1) .
                                
  - 2 -
       إن حال العالم الإسلامى اليوم عظيم الشبه بحاله فى ظل الدولة العثمانية والتى عانى فيها المجتمع المسلم كله من العزلة والتحجر الفكرى والاستغراق فى صغائر الأمور والترهات وترك القضايا الكبرى والتطورات البالغة وأغلب الظن أنه إذا استمر هذا الحال كما هو عليه من انغلاق النظم والحكام فإننا جميعاً سوف ندفع الثمن من مستقبلنا وهذا ثمن باهظ .
وإذا كانت الفرقة والتنابز لهما ما يبررهما فى السابق بسبب الاستعمار الذى اعتمد سياسة "فرق تسد " فإنه من غير المعقول أن يستمر هذا الحال إلى اليوم وأن يصبح كل قطر عربى أو إسلامى يدور فى فلك وحده وأن تصبح كل المنظمات الإقليمية مثل الجامعة العربية / منظمة العالم الإسلامى – الخ ، دون الفاعلية الحقيقية فى الوقت الذى تتجه فيه كل دول العالم الى التجمع والاتحاد .
إن روح العصر ومواجهة التحديات توجب على المسلمين أن يتجمعوا فى وحدة واحدة يعتصمون فيها بحبل الله المتين ، وإذا كانت أوروبا رغم اختلاف لغاتها وثقافاتها قد أنجزت وحدتها ، فلما تقف هذه الوقفة رغم أننا جميعاً نتحدث لغة واحدة ، وبيننا من القواسم الكثير والكثير .
ورغم أن الخلافة الإسلامية استمرت قرابة ثلاثة عشر قرناً من الزمان إلا أنها فعلياً لم تحقق الوحدة المرجوة ، ويرجع ذلك إلى أنها لم تحظ منذ البداية بالاتفاق الإسلامى نظراً لاختلاف المسلمين حولها ودار صراع مبكر وهو ما سمى بـ " حركة الردة " والتى طالما تنوعت اتجاهات الدارسين فى تفسير أسبابها ودوافعها ومهما قيل فيها فإنه لا يمكن إغفال الطابع " الدنيوى " للصراع مهما احتوى وغُلف بغطاء دينى قح .
(2)
كما أن الشيعة ذهبوا إلى أن الإمامة ليست بأمر دنيوى ولكنها ركن ركين فى الدين و"هل فى الدين أمر أهم من تعيين الإمام ؟ حتى لا تكون فتنة " ورغم هذا الاختلاف من البداية إلا الخلافة سرعان ما تحولت إلى ملك عضوض تركت تراثاً من الصراع المذهبى والفكرى المرير .

                               
     - 3 -
      مع اجتياح التتار لبغداد انهارت الخلافة العباسية فإنها معها منظومة الخلافة بطابعها الإسلامى ودخل العالم الإسلامى مرحلة الأقاليم المستقلة سواء عن طريق الولاة الذين تولوا هذه الأقاليم من قبل العثمانيين ثم راحوا واستقلوا بها ولم يعد للعثمانيين أى نوع من الولاية عليهم غير الولاية الاسمية ، أو الأقاليم التى كانت لا تتبع العثمانيين أصلاً فى الشرق والغرب .
مع بداية القرن العشرين سقطت الخلافة نهائياً ، ومع هذا السقوط عمل الكثير من الحكام على تنصيب أنفسهم خلفاء على المسلمين فى الشرق والغرب إلا أن هذه المحاولات كلها لم تنجح رغم استماتة أصحابها وعلى رأسهم ملك مصر – السابق - ، إذن فلابد من أن يجتمع المسلمون ولا يختلفوا وأن يكونوا أمة واحدة كما أمرهم الله وليس القصد من وراء هذا هو إقامة حكومة واحدة فإن هذا لن يتحقق من أبرزها اختلاف الأوضاع السياسية الإقليمية والدولية .
إن الأمة الإسلامية والتى تقوم فيها الروابط على وحدة الدين ، والعقيدة ووحدة العبادات اليومية من خلال الصلوات الخمس التى يؤديها المسلمين فى كل مكان يولون وجوههم شطر المسجد الحرام وهذا المسجد الذى مايزال هو المكان الوحيد الذى يجمع المسلمين دورياً ودون انقطاع ودون النظر لأى سبب من مسببات الخلاف ، فإن المسلمين جميعاً مع بدء هلال شهر ذو الحجة يتوجهون الى هذا البيت ويتوافدون عليه قصداً للحج وأداءاً للركن الخامس من أركان الإسلام ، فضلاً عن الزيارة والعمرة باقى أيام العام ، هذا المسجد وباقى المقدسات المحيطة به وبالكعبة المشرفة يحتاج إلى فقه جديد لحمايته بديلاً عن فقه الوهابيين شديد التعصب .

 

 
التالي

السابق