- 4 -
      إن الحج هو الركن الركين فى أركان الإسلام وهو الفريضة التى يجب أن تتوثق من خلالها المعارف الإسلامية والأخوة ، ففى البيت الحرام تمتد مائدة الرحمن الروحية وقد كان المسلمون ومازالوا يتخذون منه سبيلاً للتعارف والتزاور واللقاء ، وهذا إقتداءً بالنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقد قدم النبى البيت حاجاً فى حجة الوداع وحدث المسلمين عن البيت وحرمته وعن الشهر وحرمته وعن المسلم وحرمته ، وسن لهم سنة اللقاء والتشاور والتعارف، وليدبروا أمرهم وشئونهم .
(3)
ولو عدنا لمقارنة ما كان مع ما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم فإننا سنجد أن هذه الفريضة أصبحت لا تحتل نفس هذه المكانة فى نفس أغلب المسلمين وأنها أداة من أدوات التمايز الاجتماعى نظراً لتكلفة الرحلة والإقامة ، كما أنها أصبحت تحمل حالة من حالات المخاطرة بالنفس عامة ويرجع ذلك لقلة الخدمة المقدمة للحجيج أو إهمالها أصلاً هذا غير ما كان يمكن أن يتعرض له المختلفين فى المذهب الحاكم فى الأراضى السعودية اليوم فقد تعرض عشرات بل مئات من الشيعة الإيرانيين والكويتيين للقتل لأسباب دينية وسياسية رغم أنهم لا ذنب لهم فى هذا ، فضلاً على أن البيت الحرام ليس ملكاً لأحد دون غيره بل هو قبلة المسلمين جميعاً على اختلاف مذاهبهم ، كما أنه يمكن حرمان بعض المختلفين مع النظام السياسى السعودى من زيارة البيت أو الحج وهذا يمثل أقصى أنواع الإجحاف والظلم كما حدث فى الموسم الماضى مع الحجاج العراقيين وهو الأمر الذى دعى رئيس الوزراء العراقى – المنتهى ولايته د. إبراهيم الجعفرى – إلى توجيه الانتقاد للحكومة السعودية لعدم تقديم التسهيلات اللازمة للحجاج العراقيين وهذا يمثل نوعاً من الخلط الواضح بين المسار السياسى والمسار الدينى
(4)
كما أن حوادث التزاحم عند أداء المشاعر وسقوط مئات القتلى الأبرياء لا تنقطع والتى علق عليها حسن حنفى حين زيارته للبيت فقال : " وكما بدأ الحج بتهنئة الأقارب والأصدقاء خاصة بعد أنباء استشهاد الحجيج الذين سقطوا فوق جسر الجمرات بالمئات ، بالتدافع طبقاً للرواية الرسمية ، أو بدفع رجال الأمن للحجيج لإفساح الجسر لمرور شخصية كبيرة مسئولة ، والناس طبقات وأصحاب البلاد لهم الأولوية فى الحج على عامة المسلمين .
(5)
وكما أن التشاور والتدارس غاب على مستوى الوفود الشعبية التى تم دعوتها رسمياً من قبل وزارة الثقافة والإعلام بالمملكة العربية السعودية ولم يكن لقاء الملك معهم سوى لقاء تقليدى يخلو تماماً من موضوعات الساعة التى تشغل بال المثقفين والإعلاميين والعلماء ، فقد غاب أيضاً هذا التشاور والاعتراف على مستوى الوفود الرسمية مما استدعى العديد من الشخصيات الشيعية الاسماعيلية إلى الإبراق إلى خادم الحرمين بالعديد من البرقيات كان منها برقية تحمل رقم 1307 فى 6/11/1426هـ - 8/12/2205 تحت مسمى " نداء عاجل " وكان نصها.
مولاى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إنعقد مؤتمر القمة الإسلامية وكان لنا جميعاً شرف إقامته فى أطهر البقاع على وجه المعمورة، فى ظروف صعبة ودقيقة يمر بها عالمنا الإسلامى وكان أهم أهدافها محاربة الغلو والتطرف والإرهاب وقد كانت آمالنا معلقة بنتائج هذا المؤتمر لكنه أصابنا بالدهشة والذهول والحزن لعدم ذكره للمذهب الإسماعيلى الذى يتراوح أتباعه ما بين ثمانمائة ألف إلى مليون مواطن سعودى فى منطقة نجران فقط ، وإننا إذا نستنكر هذا الإقصاء وغياب ذكر مذهبنا نتوجه لكم يا خادم الحرمين بهذا النداء العاجل بالتدخل الشخصى وإنصافنا حتى لا نكون عرضة للمكفرين والمفجرين الذين قد يرون فينا طريقاً لهم إلى الجنة وسواها من الأفكار الضالة والهدامة .
(6)

                                    
- 5 -
    وانطلاقاً مما سبق فإن هذه الدراسة تتصدى للقيام بمحاولة لوضع تصور لأهمية البيت الحرام ومحاولة إبعاده عن الصراع السياسى أو المذهبى فى آن واحد وأن يبقى البيت (مثابة للناس وأمنا) كما أراده الله تعالى وأن يكون أداء الشعيرة الإسلامية كاملاً من خلال تدارس العلماء والحكماء لأحوال المسلمين ولوحدتهم عسى أن يكون البيت هو مكان وحدتهم وتجمعهم .
وتتناول هذه الدراسة عبر محورين رئيسيين الأول دراسة أو قراءة فى كتاب عبد الرحمن الكواكبى " أم القرى " الذى أبدع فيه كاتبه فكرة جامعة للأمة الإسلامية ، وسوف نبين بالدليل ومن واقع دراسات لعلماء استندوا لهذا المؤلف باعتباره تنظيماً للوحدة العربية ، سبق الكواكبى فيه العديد من الآباء الأوائل للوحدة أو للقومية العربية .
أما المحور الثانى فإنه يتضمن تصوراً إجرائياً حول كيفية إنشاء (هيئة إسلامية ودولية للإشراف على البيت الحرام والمقدسات الإسلامية) سائلين الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا .
المحور الأول : قراءة فى كتاب " أم القرى " :
يعد كتاب عبد الرحمن الكواكبى " أم القرى " محاولة للخروج من نفق الاستبداد والكبت الذى فُرض على الأمة الإسلامية من جراء تسلط السلاطين العثمانيين وبغض النظر عن أولئك الذين اعتبروا الكواكبى أحد منظرى القومية العربية وقدموه على نجيب عازورى الذى ألف فى عام 1905 كتاب سماه " يقظة الأمة العربية " .
فالكواكبى ورغم انتصاره فى هذا المؤلف للعرب لأسباب هى أنهم هم بيت الوحى وقوم النبى صلى الله عليه وسلم واليهم ينتسب ، غير أن هؤلاء غفلوا أشياء ولم ينيطوا اللثام عن أشياء أخرى .
فأما الاشياء التى أغفلوها فهى أولاً : أن الرجل وللحق لم يكن متعصباً للقومية العربية بمقدار رؤيته فى أن آل عثمان – العثمانيين – لم يكونوا أمناء على الإسلام فالسلطان محمد الفاتح وهو يعد أفضل آل عثمان قدم الملك على الدين واتفق مع فرديناند الملك الأسبانى المعروف ومع زوجته إيزابيلا على تمكينهم من إزالة ملك بنى الأحمر آخر ملوك الدول العربية فى الأندلس ، ورضى بالقتل العام والإكراه على التنصير .
وهذا السلطان سليم غدر بآل العباس واستأصلهم حتى أنه قتل الأمهات لأجل الأجنة وبينما كان يقتل العرب فى الشرق كان الأسبانيون يحرقون بقيتهم فى الأندلس .
وهذا السلطان سليمان ضايق الإيرانيين حتى ألجأهم إلى اعلان الرفض المكفر ثم لم يقبل العثمانيون تكليف (نادر شاه) لرفع التفرقة بمجرد تصديق مذهب الامام جعفر ، كما لم يقبلوا من (أشرف خان) الأفغانى اقتسام فارس كى لا يجاورهم ملك سنى .
وقد سعوا فى انقراض خمس عشر دولة وحكومة إسلامية ، ومنها أنهم أغروا الروس على التتار المسلمين وكذلك مع باقى البلاد الإسلامية التى خضعت لهم .
(7)
هذه الأفعال التى قام بها العثمايون هى ما جعلت الكواكبى يرفض ولاية العثمانيين على المسلمين لعدم أمانتهم على الدين أو على المسلمين وتوظيف الإسلام لصالح تقوية ملكهم لا لتقوية ملكهم لصالح الإسلام .

 

 
التالي

السابق