لا اكراه في الدين

الدين والعقيدة شان قلبي يعتمد على قناعة الإنسان ووجدانه وادراكه الذاتي، وإذا كان يمكن اخضاع الشخصية المادية للإنسان فان شخصيته المعنوية المتمثلة بعقله وقلبه تستعصي على الإكراه والقسر. فكما لا يمكن إجبار الإنسان على ان يكره من يحب أو يحب من يكره كذلك لا يمكن إجباره على الإيمان بما لا يقنع به ويقبله وجدانه وعقله.. وغاية ما يحدث هو تظاهر الإنسان بالخضوع والقبول لا اعتقاده وايمانه فعلاً بما اقسر عليه، وهذا التظاهر لا قيمة له، لذلك اعتبر الإسلام اضطرار المسلم للتظاهر بالكفر غير مخل بإيمانه يقول تعالى في الآية 106 من سورة النحل (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان ).
 ومن ناحية أخرى فان التدخل في الشؤون القلبية للإنسان كمسألة العقيدة والدين بالفرض والإكراه يعتبر اعتداءاً صارخاً على إنسانية الإنسان، ومصادرة لابسط حقوقه وادنى درجات حريته.يقول الشهيد سيد قطب: (ان قضية العقيدة قضية اقتناع بعد البيان والإدراك وليست قضية إكراه وغضب وإجبار..ان حرية الإعتقاد هي أول حقوق الإنسان التي يثبت له بها وصف إنسان، فالذي يسلب إنساناً حرية الاعتقاد، إنما يسلبه إنسانيته ابتداء).
 (في ظلال القران ص425).
لذلك فان الله سبحانه وتعالى لم يفرض الإيمان به وقبول رسالاته على البشر بالقوة والجبر وإنما بعث الأنبياء (عليهم السلام ) لتذكير الناس ودعوتهم وهدايتهم إلى الله والى الدين الحق دون فرض أو اكراه، يقول الله سبحانه (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) البقرة 256. (ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعاً أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) ـ يونس 99.
 (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ) الغاشية 21ـ 22.
 واخرج ابن اسحاق وابن جرير عن ابي عباس في قوله تعالى (لا إكراه في الدين ) قال : نزلت في رجل من الانصار من بني سالم بن عوف يقول له الحصين كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلاً مسلماً فقال للنبي (ص) إلاّ استكرههما فانهما قد ابيا إلاّ النصرانية؟ فانزل الله فيه ذلك. بل ان الله سبحانه نهى عن مناقشة أهل الكتاب إلاّ باسلوب مؤدب (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن ).
 وانطلاقا من هذا المبدأ العظيم فقد ضرب المسلمون في تاريخهم الزاهر اروع الأمثلة والنماذج في احترام الحريات الدينية، بدءاً من المعاهدات التي عقدها رسول الله (ص) لنصارى نجران وسائر فرق أهل الكتاب واقر فيها بحريتهم الدينية وبعدم التدخل في شؤون معتقداتهم وشعائرهم إلى مواقف الخلفاء الراشدين في احترام سائر الديانات كما ينقل عن الخليفة عمر بن الخطاب حينما دخل كنيسة القيامة في فلسطين وحان وقت الصلاة غادر الكنيسة إلى خارجها وادى الصلاة الواجبة ولما سئل في ذلك قال اني اخشى إذا ما صليت في الكنيسة ان يقول المسلمين هنا صلى عمر ثم يتخذوه مسجداً.
وعاش اتباع الديانات الأخرى في ظل الإسلام احراراً محترمين التزاماً من المسلمين بتعاليم الدين حيث يقول رسول الله (ص) من اذى ذمياً فقد اذاني. فإذا كانت حرية العقيدة في ظل الإسلام مكفولة ومصانة حتى للمخالفين له والكافرين به فهل يرض الإسلام بان يتعامل المسلمون فيما بينهم بالقسر والإكراه في شؤون العقيدة والدين؟ ان من الواضح والمعروف تعدد المذاهب والفرق عند المسلمين في الماضي والحاضر وتلتقي كل هذه المذاهب في أصول واحدة مشتركة هي الإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وآله وباليوم الآخر، كما تتفق على كتاب واحد هو القران الحكيم وتتجه إلى قبلة واحدة هي الكعبة المعظمة، إلى ما هنالك من مساحات واسعة في الاتفاق ولكن هذه المذاهب الإسلامية تختلف فيما بينها حول بعض جزيئات العقيدة أو تفاصيل الشريعة وهنا كيف يجب ان يتعامل المسلمون فيما بينهم مع اختلاف مذاهبهم وفرقهم ؟ هل يصح ان يصادر بعضهم حرية العقيدة للبعض الآخر ؟ أو هل يجوز لفئة ان تفرض فهمها للدين ورأيها الاجتهادي في احكامه على الآخرين ؟ لقد تمرد الخوارج على الإمام علي بن أبي طالب وهو الخليفة الشرعي الذي انتخبته جماهير الأمة وابتدعوا لهم أراء واثاروا فتناً وتجروا على اتهام الإمام علي بالكفر والشرك ولكن الإمام رفض ان يصادر شيئاً من حقوقهم أو يحاسبهم على معتقداتهم بل نهى اصحابه ان يطلقوا عليهم مشركين أو منافقين، واعلن على منبر الكوفة انه لن يمنعهم دخول المساجد ولا حصتهم من بيت المال.ونقل الغزالي في المستصفى ان علي بن أبي طالب استشاره قضاته في البصرة في القضاء بشهادة أهل البصرة من الخوارج أو عدم قبول شهادتهم، فأمرهم بقبولها.
وحينما طلب بعضهم من الخليفة عمر بن عبد العزيز ان يجمع الناس على مذهب ورأي واحد رفض ذلك وكتب إلى الأمصار ليقضي كل قوم بما اجتمع عليه فقهاؤهم. وأيضاً حينما طلب المنصور العباسي من الإمام مالك بن انس ان يضع كتاباً فقهياً على مذهبه ليحمل الناس عليه، وألف الإمام مالك كتابه (الموطأ) لكنه رفض فرض مذهبه على الناس وخاطب المنصور قائلاً: (دع الناس يا أمير المؤمنين وما اختاروا لانفسهم).
وفي الواقع المعاصر فان المسلمين في أغلب البلدان الإسلامية يمارسون حريتهم المذهبية كل حسب مذهبه.وتكاد بلادنا (السعودية) تنفرد من بين بقية البلدان بمصادرة الحريات الدينية المذهبية، فاتباع أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم يعانون في السعودية ضغوطاً وتمييزاً طائفياً لا شبيه له في جميع انحاء العالم مع انهم يشكلون ربع أو ثلث سكان البلاد ً!! فبناء المساجد ممنوع عليهم !وكتبهم الدينية محظورة التداول لهم! وشعائر مذهبهم محاربة ! ومحاكمهم الشرعية لا تملك ادنى الصلاحيات! والأخطر من ذلك تشن ضدهم حملة إعلامية عدوانية للتشكيك في دينهم ولسب معتقداتهم! كما تمارس ضدهم سياسة التمييز الطائفي في الوظائف والجامعات ومشاريع العمران !! انه لوضع عجيب غريب يتنافى مع مبادئ الإسلام وميثاق حقوق الانسان ولا يكاد يصدق العقل حدوثه في ظل حكومة ترفع شعارات للإسلام وتتبنى خدمة الحرمين الشريفين..ان سياسة التمييز الطائفي تشوه سمعة الإسلام في العالم وعند الأجيال الناشئة كما تعرض الوطن والشعب لا عاصير الفتن والأحقاد.. وان الشيعة في السعودية وهم يطالبون بحريتهم الدينية انما يطالبون بحق انساني مشروع، فمتى تعيد الحكومة السعودية النظر في تعاملها مع مواطنيها من الشيعة، لتحقيق المساواة بين المواطنين ولتخيب آمال الأعداء في تمزيق الأمة وتفريق صفوفها.

المسلمون في المعسكر الشرقي والشيعة في السعودية

الأحداث والمتغيرات الأخيرة في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية تحمل في طياتها اكثر من عبرة وأكثر من درس لمن يتأملها ويتفكر في خلفياتها.
 ومن بين ما تحمل من العبر والدروس: مسألة تعاطي السلطة مع الأفكار والمعتقدات، فقد انبثقت الانظمة الحزبية القائمة هناك من ارضية الإلتزام بالفكر الماركسي الشيوعي، واستهدفت تطبيقه، ولان من بين شعوبها ومواطنيها من يرفض أو يخالف الشيوعية كقوة أو كنظام حكم، فان تلك الانظمة الماركسية لم تتردد في المواجهة وخوض المعارك الشرسة ضد مخالفيها فكرياً وان لم يبدوا معارضة سياسية، كما هو الحال بالنسبة للمسلمين المواطنين في الاتحاد السوفياتي والعديد من دول أوروبا الشرقية، فقد تعرضوا طوال سنوات الحكم الماركسي المستبد إلى تصفيات وحرب فكرية اعلامية اجتماعية نفسية، حيث صودرت حرياتهم الدينية فما كانوا يستطيعون التعبير عن معتقداتهم ولا ممارسة شعائرهم، بل منعوهم حتى من استخدام اسمائهم واسماء آبائهم واجدادهم وعوائلهم والزموهم باستبدالها باسماء لا تحمل رائحة دينهم وجذروهم العرقية !!وأغلقوا مساجدهم وحاصروهم ثقافياً بمنع ابنائهم من الهجرة إلى الحوزات والمعاهد الإسلامية لدراسة الدين خارج بلدانهم، ومنع دخول وطبع القران والكتب الدينية.
وحظروا عليهم السفر لاداء فريضة الحج، ثم وجهوا صوبهم سيلاً من الإعلام الإلحادي المضاد والمعادي لدينهم وتاريخهم، وكان لا بد لأبنائهم ان يدرسوا مناهج الإلحاد المخالفة لعقيدتهم في مختلف مراحل الدراسة الرسمية. والان وبعد سبعين عاماً من القهر العقائدي والقمع الفكري ماذا كانت النتيجة ؟ لم يحصل ما كان يهدفه ويتوقعه الشيوعيون من تذويب المجتمعات الإسلامية الخاضعة لسيطرتهم وتنازلها عن هويتها الدينية والتاريخية، بل ازداد تمسكهم بدينهم واصرارهم على مبادئهم وحرصهم على الإحتفاظ بخصائصهم، وذلك كرد فعل طبيعي وكتحد فطري لما واجهوه من قمع وضغوط.
 وما انتفاضة المسلمين في اذربيجان الإتحاد السوفيتي إلاّ نموذج ومظهر للغضب الديني والتحدي العقائدي الذي لا بد له من الانفجار مهما طال الزمان. ونود لو ان حكومتنا السعودية ـ أصلحها الله ـ تقرأ وتتأمل هذا الدرس في تعاملها وتعاطيها مع المواطنين الشيعة في المملكة العربية السعودية.
 فالحكومة السعودية انبثقت من ارضية الإلتزام باراء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهو يعبر عن طريقة فهم معين للإسلام يخالفها الكثيرون من المواطنين وخاصة الشيعة، بيد ان التزام الشيعة بمذهبهم الذي يختلف في فهمه للإسلام عن الأراء الوهابية لم يكن يعني المعاداة للحكم السعودي ولا الإصطدام معه وخلافاً للعديد من القبائل والمناطق التي قاومت السيطرة السعودية ولم تخضع لها إلاّ بعد حروب ومعارك فان الشيعة في المدنية المنورة ونجران والاحساء والقطيف قبلوا الحكم السعودي بعد ان اشترطوا لانفسهم شرطاً بسيطاً هو ضمان حريتهم الدينية! ولم يبخلوا بأموالهم وثرواتهم على الحكومة السعودية أيام حاجتها الماسة وللعديد من ادبائهم قصائد وكلمات يعلنون فيها قبولهم بالحكم السعودي والتزامهم بواجبات المواطنة في ظله بل ويمدحون فيها مقامات الحكم والسلطة... ولكن المؤلم والمؤسف جداً هو سياسة الحكومة السعودية تجاه هؤلاء المواطنين الشيعة، حيث استغلت موقعها في السلطة والحكم لتشن على المواطنين المسلمين الشيعة حرباً عقائدية شعواء تستهدف تغيير هويتهم.
 والان وبعد سبعين سنة من سياسة القمع الطائفي والحصار العقائدي الذي تمارسه الحكومة السعودية تجاه المواطنين الشيعة فما هي النتائج والثمار؟ لقد كان رد فعل الشيعة في السعودية المزيد من التمسك والالتزام بمذهبهم وخصائصهم ومقاومة كل السياسات الطائفية بالتحدي والصبر والإستقامة.
 ويؤسفنا ان نقول ان هناك تشابها ووحدة في اسلوب وطريقة التعامل والتعاطي مع المعتقدات بين الحكومات الشيوعية تجاه مواطنيها المسلمين وبين الحكومة السعودية مع مواطنيها الشيعة وهو اسلوب القمع الفكري والقهر العقائدي ومحاولات التذويب ومن ثم الحصار والمحاربة.. فالشيعة في السعودية يمنعون إلى الان من بناء المساجد والحسينيات، ويمنع ابناؤهم من الهجرة للدراسة في الحوزات العلمية الشيعية، وتمنع كتبهم من الدخول والطباعة في بلادهم ويفقدون حتى حريتهم في استخدام الأسماء التي تحمل رائحة مذهبهم !! وما دام الأسلوب واحداً فان النتيجة لا بد وان تكون واحدة فالعقيدة لا يزيدها القمع والضغط إلاّ قوة وصلابة. هذا ما نأمله ونرجوه وهو ابسط حق وتنازل يمكن ان تقدمه الحكومة للشعب في عصر الحريات وتقدم مسيرة حقوق الانسان.

الشيعة ليسو اعداء

من الحكمة والحنكة القدرة على تمييز الأصدقاء من الأعداء، فما كل من تظاهر لك بالصداقة هو صديق حقيقي، ولا كل من توهمت عداوته يكون عدواً واقعياً، فقد يحصل الإلتباس وتختلط الظواهر فيصعب الفرز والتمييز بين الأصدقاء والأعداء إلاّ على من صفا قلبه واستخدم عقله. ولعل من أخطر مجالات هذه الحقيقة هو المجال السياسي فإذا أخطأت حكومة ما في تشخيص أعدائها ومعرفة أصدقائها فان ثمن هذا الخطأ سيكون فادحاً على مستبقلها وشعبها.
وهذا هو المنزلق الخطير الذي اندفعت إليه الحكومة السعودية في تعاملها مع النظام العراقي الصدامي من جهة ومع مواطنيها من الشيعة من جهة ثانية.
 مبدئياً النظام البعثي العراقي يتناقض في منطلقاته وشعاراته العلمانية والقومية مع ما تتبناه الحكومة السعودية من منطلقات وشعارات دينية وإسلامية، كما ان النزعة التوسعية العدوانية لنظام البعث العراقي يشكل تهديداً ليس بالجديد للسلطة السعودية ونفوذها في المنطقة فقد استقطب بعض العناصر والفئات من المواطنين السعوديين ليكونوا إمتداداً لإتجاهه البعثي ومعارضته للحكومة السعودية وكانت بغداد مقراً ومحضناً لنشاطاتهم المزعجة للحكومة، كما رفض النظام العراقي ترسيم الحدود مع السعودية لفترة طويلة، وكان يستغل الفرص للتأليب ضد النفوذ السعودي في المنطقة.ومع كل ذلك فان الحكومة السعودية واستجابة لبعض المخاطر الوهمية والتكتيكات الخادعة وقعت في شراك حب النظام الصدامي ورأت فيه عشيقاً وصديقاً ومدافعاً عن العروبة وناصراً للإسلام وحامياً للمنطقة، واغدقت عليه مليارات الدولارات، وفتحت إراضيها لانابيب نفطه وتبنت الدفاع عن مواقفه دولياً وكان إعلامها بوقا يردد إدعاءاته في الوقت الذي كان يشن فيه حرباً عدوانية ضد الشعب الإيراني المسلم ويمارس إبادة بشعة وفتكاً شريراً بالمؤمنين وعلماء الإسلام في العراق !! وعلى الصعيد الآخر فقد إلتبست الأمور على الحكومة السعودية في تعاملها مع المواطنين الشيعة في المنطقة الشرقية والمدينة المنورة ونجران فتوهمتهم اعداء وصارت تتعامل معهم على هذا الأساس، واتخذت ضدهم الإجراءات العدائية وهم مواطنون ضعفاء وهي سلطة تمتلك القدرة والسيطرة.
 مع ان تاريخ الشيعة في السعودية وواقعهم المعاصر يثبت إخلاصهم لوطنهم وطيب نواياهم واستقامة مواقفهم تجاه النظام، فإذا كانت مختلف المناطق والقبائل قد خاضت المعارك والحروب ضد سيطرة الحكم السعودي في بداية تأسيسه فان الشيعة في المنطقة الشرقية لم يشهروا ضده إلاّ سلاح التفاوض والحوار ليضمنوا في ظله حقوقهم وحريتهم وفضلوا الحكم السعودي على الانتداب البريطاني الذي كان مطروحاً عليهم بالحاح واغراء من قبل الانكليز واستولت الحكومة السعودية على مناطق الشيعة دون أي معركة أو قتال..وحين كان النظام السعودي يعاني من فقر مدقع وضائقة مالية أول نشأته كان الشيعة، هم مصدر لتمويله حيث كانوا ينعمون بثروات وافرة وزراعة لا مثيل لها في البلاد ففرض عليهم النظام الضرائب الباهظة لتوفير نفقاته حتى لقد اضطر بعضهم إلى بيع أثاث بيته !! وشاءت حكمة الله تعالى ان يتفجر النفط في مناطق الشيعة وان يصبح نفطهم مصدر الثراء والنعمة والخير لكل البلاد وللحكومة...وعلى اكتاف الشيعة وبعرقهم قامت المنشآت النفطية حيث كانوا يشكلون الغالبية الساحقة من العاملين في شركة النفط كما هو معروف..ولم يتقاعس الشيعة عن البذل والتضحية في مختلف المجالات لخدمة وطنهم وضمن توجهات الحكومة، كما لم تصدر منهم أي بادرة عداء تجاه السلطة فلم يشاركوا في أي محاولة لقلب نظام الحكم ولا أي تآمر خارجي ضد السلطة وكانت منطقتهم ومجتمعهم من أهدأ المناطق والمجتمعات.
لكن المؤسف والمؤلم ان الحكومة السعودية إتخذت تجاههم موقف العداء والتجاهل بعد ان قويت شوكتها لا لذنب إلاّ لانهم يخالفونها في المذهب حيث يتبعون مذهب أهل البيت عليهم السلام ولم يكن بمقدور الشيعة التنازل عن مذهبهم الذي يعتقدونه حقاً لازماً !! ولقد لعبت ثقافة التعصب والتزمت الديني لدى رجال الدين الملتفين حول السلطة دوراً مهماً في تأجيج حالة العداء ضد الشيعة.. كما ان الحوادث السياسية خلال العشر سنوات الماضية صبت الزيت على نار العداء للشيعة حيث تبنت دوائر المخابرات الأجنبية ووسائل الإعلام الدولية موقف التحريض ضد الشيعة في إطار الصراع مع الثورة الإسلامية الإيرانية ومنعاً لقيام وحدة إسلامية شاملة. ان تراكم الضغوط وتصعيد حالة العداء للشيعة أوجد في أوساطهم توجهاً للزوم الدفاع عن الذات والمطالبة بالحقوق المشروعة، وبدلاً من ان تبادر الحكومة السعودية لإعادة النظر في موقفها منهم وتعاملها معهم فانها إعتبرت ذلك التوجه وتلك المحاولات دليلاً ومستمسكاً ضدهم.
 وهكذا أخطأت الحكومة في تشخيص أعدائها كما اخطأت في تمييز أصدقائها. ونأمل من ان تكون الحوادث الأخيرة والتي كشفت للحكومة خطأها المميت الفادح في التحالف مع صدام وموقف الشيعة المبدئي تجاه العدوان الصدامي ان يكون سبباً دافعاً للحكومة السعودية لإعادة النظر في نظرتها للشيعة وتعاملها معهم فهم ليسوا اعداء بل مواطنين مخلصين مضطهدين.

 المواقف الوطنية للشيعة

على امتداد تاريخ المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية وما تخلله من أزمات حادة وقاسية كان الشيعة في مقدمة المتصدرين للدفاع ومواجهة الأزمات، فقد اثبتوا طيلة فترات التاريخ حضوراً فاعلاً ورئيسياً في ساحة العمل الوطني ضد العدوان الأجنبي وذلك للارتباط الكامل والوثيق بين السكان الشيعة والتراب الوطني الذي نشأوا عليه ولطبيعة الثقافة الشيعية التي ربتهم على الإستقامة والصمود والتضحية من أجل الحق والكرامة.
 ولان الشيعة في المنطقة الشرقية هم أهل هذا الوطن الذي تشكل على ترابه وجودهم وتاريخهم كوجود أصيل فكان من الطبيعي ان يضطلعوا بالدفاع عنه والإستماتة في سبيل الحفاظ عليه وان يكونوا سداً منيعاً قبالة كافة أشكال العدوان الخارجي. وتبدو الصورة جلية من خلال قراءة صفحات التاريخ في بعض أدواره المختلفة والتي مرت فيها المنطقة بانعطافات خطيرة سجل خلالها الشيعة في المملكة موقفاً وطنياً رائعاً حينما كانوا يذودون عن حياض الوطن والتصدي للمعتدين على حريمه. ففي غزوة القرامطة على المنطقة الشرقية سنة 287هـ بقيادة أبو سعيد الجنابي وما فعله الأخير من تدمير رهيب للأحياء السكنية واحراق اهلها بالنار وقتل من حاول الهرب وكما يقول الشاعر الشيعي أبن المقرب في بيت من الشعر:
وحرقوا عبد قيس في منازلهم
وغادروا الغر من ساداتها حمماً
ورغم دور القوة العسكرية للقرامطة في تمكينهم من السيطرة على الاحساء والقطيف لفترة من الزمن إلاّ ان التاريخ يشهد للشيعة في المنطقة الشرقية استبسالهم وبطولاتهم في مقاومة الاحتلال القرمطي ثم اخراجهم إلى الأبد.
 فقد انبرى عبد الله بن علي العيوني مؤسس الدولة العيونية (467ـ 642 هـ ) لقيادة حركة المقاومة الوطنية ضد القرامطة في عام 466هـ مدة سبع سنوات حتى تمكن من طرد فلول جيوش القرامطة من المنطقة وإعلان دولة العيونيين المستقلة والتي اشتهر منها الشاعر علي بن مقرب العيوني من شعراء أهل البيت (ع) الذي خاطبهم في احد قصائده قائلاً:
قمنا بسنتكم وحطنا دينكم
              بالسيف لا نالوا ولا نتبرم
وعلى المنابر صرحت خطباؤنا
              جهراً بكم وانوف قوم ترغم
لا تسلموني يوم لا متأخر
              لي عن جزا عملي ولا متقدم
فعاشت البلاد في أجواء الأمن والحرية والاستقلال بعد ان اندحرت جيوش القرامطة الغزاة وتولى أصحاب هذه الأرض زمام السلطة.
ويدور دولاب الزمن وتمر المنطقة الشرقية بمحنة أخرى إبان الغزو البرتغالي لمناطق الخليج واستيلاء الجيوش الغازية ـ في أول ظاهرة استعمارية تمر بها المنطقة ـ على أغلب المدن والموانئ وذلك في نهاية عام 921هـ.
ثم جاء الاستعمار البرتغالي ليطأ جيوشه تراب الوطن بعد احتلاله الاحساء في عام 927هـ وإقدامه على تأسيس القلاع والحصون والمراكز الدفاعية في خطة استعمارية طويلة المدى غير ان جيوش البرتغاليين لم تجد طريقاً معبداً لاحتلال الوطن بل واجهت قلعة حصينة صامدة فقد انبرى أبناء المنطقة لمواجهة قوات الاحتلال، فبعد ان وقعت الحرب بين الدولة العثمانية ـ بعد دخولها القطيف ـ والجيوش البرتغالية الغازية وقف الشيعة في المنطقة الشرقية موقفاً وطنياً مشرفاً حينما قاموا بمساندة الدولة العثمانية ـ كممثل للدولة الإسلامية انذاك ـ في حربها ضد البرتغاليين حتى تمكنت القوات العثمانية من انزال الهزيمة في جيش الاحتلال البرتغالي وتطهير ثغوره وتحصيناته ودحر فلوله في عام 958هـ، حيث عادت المنطقة الشرقية إلى حظيرة الدولة الإسلامية بعد وقفة الكرامة التي وقفها الشيعة في السعودية ضد كيد المعتدين.
 وموقف وطني آخر يسجله الشيعة في السعودية فبعد التدخل العسكري البريطاني في الخليج عام 1820م والنشاط الدبلوماسي المكثف للاستعمار البريطاني لابعاد النفوذ المصري عن الخليج ثم قيام البحرية البريطانية بفرض حصار على القوات المصرية في القطيف وسيهات والعقير في شهر مايو عام 1840م، والدخول معها في عمليات عسكرية بهدف تقليم اظافر محمد علي باشا من بسط نفوذه في منطقة الخليج وابعاد العثمانيين من ميدان الصراع الخليجي لتهيئة الأجواء في المنطقة للاحتلال الانجليزي، غير ان الانجليز واجهوا معارضة شيعية شديدة وواسعة رغم الإغراءات التي قدمها الانجليز لزعماء الشيعة في المنطقة الشرقية منها ما حصل عام 1899م عندما زار الممثل البريطاني في البحرين الزعيم القطيفي منصور بن جمعة وعرض عليه نيابة عن بريطانيا المساعدة على الاستقلال وتقديم الحماية ضد أي إجراء عسكري قد تتخذه الدولة العثمانية، ولكن منصور بن جمعة بوازع من الحمية الدينية ووفاء للدولة الإسلامية رفض العرض البريطاني جملة وتفصيلاً. وقد تتابعت المحاولات البريطانية مع زعماء الشيعة في المنطقة للقبول بدولة مستقلة تحت الحماية البريطانية كالمحاولة في عام 1905مع حسين النصر عمدة سيهات وعام 1907 م مع منصور باشا من قبل المقيم البريطاني في الخليج المستر برسي كوكس، وقد قوبلت هذه العروض برفض قاطع.
فلما شعر الانجليز بخيبة أمل قاموا بإرسال سفينة حربية عام 1908م إلى رأس تنورة بالقطيف فركزت علمها البريطاني هناك فما كان من الشيعة من أهالي مدينة صفوى إلاّ ان بادروا إلى انزال العلم البريطاني وتمزيقه وتحطيم ساريته مما جعل البريطانيين يفقدون الأمل في إغراء الشيعة للقبول بعروض الاستعمار الانجليزي ثم في الدولة السعودية الثاني والتي تعرض الشيعة في المنطقة الشرقية لمحن شديدة تمثلت في غارات قبائل البدو في وقت عمت فيها البلاد الفوضى واضطربت المنطقة حتى تصورت بريطانيا ان الفرصة باتت سانحة لان يقبل شيعة المنطقة الشرقية عروضهم فبعثت سفينة حربية أرست في ميناء رأس تنورة سنة 1327هـ ولكن الأهالي رفضوا الاستجابة لترغيبات الانجليز بدافع ديني وطني وقبلوا الحكم السعودي بعد الاتفاق الذي عقد بين زعماء الشيعة في الهفوف على رأسهم الشيخ موسى أبو خمسين في جمادى الأول عام 1331 هـ مع أبن سعود في منزل الشيخ عبد اللطيف الملا وكذلك الحال في القطيف حيث كان يتزعم الشيعة الشيخ علي أبو عبد الكريم الخنيزي هذه كانت بعض المواقف الوطنية لشيعة المنطقة الشرقية والتي تعبر ـ بحق ـ عن تمسكهم بتراب الوطن والدفاع عنه والذي من أجله رفضوا المزايدة عليه. وقد يحاول البعض إثارة الشكوك حول علاقة الشيعة بالجمهورية الإسلامية في إيران عندما استنكروا عدوان النظام العراقي عليها في أيلول / سبتمبر عام 1980م معتقدين هؤلاء المشككين ان هذا الموقف يعارض الروح الوطنية. بيد ان حقيقة الأمر هو ان تعاطف الشيعة مع اخوتهم الإيرانيين انما كان مبدئي يقضي بوجوب التأييد لجميع الشعوب الإسلامية الثائرة ضد الهيمنة والظلم من منطلق كما هو الموقف من الثورة الإٍسلامية في أفغانستان ضد الغزو السوفيتي والانتفاضة الجماهيرية في فلسطين المحتلة ضد الكيان الصهيوني الغاصب. ولقد اثبتت الأحداث الأخيرة في منطقة الخليج بعد أقدام القوات العراقية على احتلال الكويت وترويع شعبه ونهب ثرواته، صدق الموقف الشيعي الذي استنكر على صدام حسين جرائمه ضد الإسلام والمسلمين في إيران وهي ما ظهرت للعيان حتى اعترفت بذلك حكومات الخليج بما فيها الحكومة السعودية بما يدلل على ان الشيعة في المنطقة الشرقية لم يهدفوا من موقفهم المتعاطف مع الجمهورية الإسلامية في إيران في حربها طيلة ثمان سنوات مع النظام العراقي سوى التزام جادة الحق، وكانوا يتمنون لو ان الحكومة السعودية اتخذت ذات الموقف. وها هم الشيعة في المنطقة يتخذون نفس الموقف من الأزمة الراهنة في الخليج حيث اعربوا عن استنكارهم وشجبهم للاحتلال العراقي للكويت وأعلنوا استعدادهم للدفاع عن الوطن ليعيدوا سيرة الآباء والأجداد في الذود عن حريم الوطن وكرامته.

أخطار السياسة الطائفية

كان لا بد لهذه الأزمة الخطيرة ـ احتلال صدام للكويت، وما استتبعه من زحف القوات الأجنبية للمنطقة ـ ان تترك آثاراً كبيرة على مختلف الأصعدة في بلادنا، فهي اخطر أزمة تمر بها البلاد منذ تأسيس النظام السعودي. ولعل من أبرز تلك الآثار والنتائج التي تفرضها هذه الأزمة مراجعة الواقع السياسي الاجتماعي في هذه المنطقة، فما حدث يكشف عن خلل كبير وثغرات واسعة لا يصح أبداً تجاهلها والمرور عليها مرور الكرام. من هنا فاننا نوافق تماماً على ما قاله الملك فهد في حديث تناقلته وسائل الإعلام وورد فيه ما نصه: (ان نظامنا السياسي في حاجة إلى إعادة النظر فيه من الفه إلى يائه).
 ان عملية النقد والتقويم والمحاسبة والمراجعة من اجل معالجة نقاط الضعف وتطور النواحي الايجابية سمة حضارية يدعو إليها ديننا الإسلامي الحنيف وينادي بها العقل السليم في مختلف المجالات على الصعيد الفردي والاجتماعي. فقد جاء في الحديث الشريف: (ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم فان عمل خيراً استزاد الله منه وحمد الله عليه وان عمل شراً استغفر الله منه وتاب إليه).
 وفي حديث آخر يدعو إلى التطور والتقدم وعدم الجمود على مستوى معين يقول: (من تساوى يوماه فهو مغبون ومن كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون.ومن لم ير الزيادة في نفسه فهو إلى النقصان، ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة).
 ونحن نرى المجتمعات المادية المتقدمة كيف تخضع واقعها ومواقفها وسياساتها دائما لحالة النقد والتقويم والمراجعة عبر انظمتها الديمقراطية ومؤتمراتها العلمية ووسائلها الإعلامية الحرة.
 اننا نتمنى ونأمل من ان تكون تصريحات الملك فهد وما سبقها من وعد باعتماد دستور للحكم وقيام مجلس للشورى وتنفيذ نظام المقاطعات، ان يكون كل ذلك تعبيراً عن تصميم جاد وعزم أكيد على تطوير النظام السياسي في بلادنا، وان لا يكون كالوعود السابقة التي طال انتظار الشعب لتحقيقها !! وإذا كان النظام السياسي السعودي في حاجة لإعادة النظر فيه كاملاً من ألفه إلى يائه حسب تعبير الملك فهد فاننا نشير هنا إلى قضية مهمة نراها في طليعة المسائل التي يجب معالجتها سريعاً واعتماد الحلول اللازمة تجاهها. وتلك هي قضية سياسة التمييز الطائفي التي مارسها النظام السعودي منذ نشأته تجاه المواطنين..فالشعب كله بحمد الله يدين بالإسلام ومعلوم ان فهم المسلمين لدينهم والتزامهم باحكامه يتم عبر المذاهب ومدارس مختلفة تتفق في الأصول والأسس والقواعد وتختلف في التفريعات والتفاصيل..وهذه حقيقة تاريخية واقعية لا سبيل لانكارها أو تجاوزها، وهي لا تخص بلداً دون آخر فلا تكاد ترى مجتمعاً أو شعباً مسلماً يتفق كل افراده على مذهب واحد أو مدرسة واحدة.. بل حتى ضمن المذهب الواحد هناك اختلاف وتعدد في الآراء والاجتهادات حول بعض المسائل.. وهذا هو واقع المسلمين في مختلف البلدان وبلادنا واحدة منها لكن ما تفردت به بلادنا منذ قيام الحكم السعودي هو تبني السلطة لمذهب معين ومحاولة فرضه بالقوة على الناس والتمييز بين المواطنين على أساس انتمائهم المذهبي !! وقد عانى المواطنون الشيعة في السعودية وهم يشكلون 25% من الشعب الكثير من الويلات والاضطهاد والحرمان من ابسط حقوقهم الانسانية جراء تلك السياسة الطائفية المقيتة.. والتي سببت لكل الشعب والوطن اضراراً ومشاكل خطيرة.. ونشير في هذه العجالة إلى بعض تلكم الأضرار والأخطار التي انتجتها السياسة الطائفية في بلادنا:
 أولاً: لقد خسر الوطن كثيراً من طاقات أبنائه الذين وئدت كفاءاتهم وعطل دورهم وكبتت مواهبهم بسبب انتمائهم المذهبي، وحتى بعض الكفاءات التي اثبتت اخلاصها وجدارتها العملية كانت تفصل وتقال وتعزل لانتمائها المذهبي ولدينا قائمة طويلة تشتمل على اسماء العسكريين والأطباء المتخصصين وأصحاب الخبرات العلمية الذين فصلوا من أعمالهم بعد سنين من الخدمة المخلصة لبلادهم لا لسبب إلاّ لانهم من الشيعة.
 ثانياً: تمزيق وحدة الشعب، فنحن نرى الدول التي تتكون شعوبها من قوميات أو أديان متعددة كيف تعمل المستحيل وتصرف الجهود الطائلة لخلق الوحدة الوطنية، المصلحة للشعب وحماية الوطن وقوة الدولة، بينما نلحظ بأسف ومرارة ما يحصل في بلادنا من تمزيق وحدة شعبنا وكله عربي مسلم بمبرر تافه سخيف هو الاختلاف في بعض المسائل الفرعية الجزئية من الدين !!حتى أصبح بعض الشعب ينظر إلى البعض الآخر ممن يختلف معه في المذهب وكانه عدو رئيسي يستأثر باولوية المقاومة والمواجهة. ثالثاً: زعزعة الثقة بين السلطة والشعب: فالمواطنون الذين يضطهدون ويحرمون من حقوقهم بسبب انتمائهم المذهبي لن يتمكن الولاء والثقة بالحكومة من نفوسهم، كما ان الحكومة بنظرتها الطائفية تخلق بينها وبين المواطنين حاجزا مصطنعاً من عدم الثقة والاطمئنان.
 رابعاً :الثغرة الأمنية: فان الشعور بالغبن والظلامة عند المواطنين الشيعة لا بد وان يدفع البعض منهم للمطالبة بالعدل وللضغط على السلطة من أجل حقوقهم المشروعة ومع اصرار الحكومة على سياستها الطائفية فانها وكما حصل ستتعامل مع المسألة أمنياً وعبر جهاز المباحث والمخابرات بإساليبه القمعية التي تزيد رقعة المعارضة والضغط وتسبب ردود فعل غاضبة في الكثير من الأحيان.. وتكون النتيجة تعكيراً لصفو الأمن والاستقرار الذي تحرص عليه الحكومة وينشده الشعب وأحداث الفترة الماضية دليل واضح على ذلك.
 خامساً: إتاحة الفرصة للقوى الخارجية للاستفادة من هذه الثغرة، فواضح في العلاقات الدولية ان تسعى كل دولة تناويء دولة أخرى لتشجيع المعارضة والضغوط الداخلية في تلك الدولة التي تناوئها.. لذلك ليس غريباً ان يتشدق النظام العراقي حالياً بشعارات التحريض عبر وسائله الإعلامية للشيعة في السعودية رغم المواقف المبدئي المعادي لصدام من قبل الشيعة في السعودية والذي أعلن عنه علماؤهم داخل وخارج البلاد.
 وقد تجد النداءات العراقية آذاناً صاغية عند من تشتد عليهم ضغوط السياسة الطائفية للنظام !! وأخيراً فاننا نرجو ان تكون الفترة الماضية باحداثها كافية لكشف اضرار واخطار سياسة التمييز الطائفي وان تكون هذه القضية من اوائل ما تتصدى الحكومة السعودية لمعالجته طبقاً لوعود الملك فهد بالإصلاح

الشيعة والدستور

من اين يبدأ الإصلاح
تكررت تصريحات الملك عن الحاجة إلى وضع نظام اساسي للحكم ووضع مجلس شورى ونظام للمقاطعات، وقد جاءت تصريحات الملك للمرة الثانية والتي اعلن فيها ان النظام السياسي للبلاد بحاجة إلى اصلاح من الفه إلى يائه، عاكسة لطبيعة المرحلة وتحدياتها، معبرة عن رغبة اولية لدى الحكومة لفك طوق (الفيتو)المضروب على الإصلاح السياسي في البلاد أو أي مطالبة مشروعة للمواطنين.
غير ان تجاوز الملك للفظ الدستور والاستعاضة عنها بكلمة القانون الأساسي للحكم أثار بعض التخوفات من ان تنحو الحكومة إلى وضع نظام اساسي لتوارث الحكم وتعود إلى التشبث بمقولتها السابقة القائلة بان دستور البلاد هو القران، وكان تقنين احكام القران والسنة النبوية في لوائح تحدد صلاحيات الحاكم والمحكوم وتنظيم سير الأمور في البلاد امر ينافي الشريعة الإسلامية !! وبالطبع تختلف اساليب نشأة الدساتير باختلاف الظروف والأوضاع المحيطة بهذه النشأة، لان كل دستور يعتبر وليد الظروف الموضوعية التي احاطت به سواء بالنسبة لنشأته أو مضمونه.. ويصنف فقه القانون الدستوري أساليب نشأة الدساتير إلى نوعين رئيسيين، أساليب ديمقراطية وأساليب غير ديمقراطية. وبعكس ما درجت عليه دول العالم الثالث من اعتبار الدساتير اداة تساعد تسلط الحاكم على المحكوم فان للدستور في الدول المتحضرة مفهوماً يجعل منه القانون الأعلى الواجب الإتباع في مواجهة الحاكم والمحكومين ومنه تستمد السلطات العامة سندها الشرعي في الحكم، وعلى ضوئه تحدد النظرية العامة للقانون التي تسود علائق المحكومين بشتى صورها. ومن هنا نتمنى ألا تكون وعود الملك كتلك التي سبق ان تكررت طيلة الخمسة عشر سنة الماضية، والتي اطلقت الحكومة فيها الكثير من الوعود وكلها مؤكدة على وضع دستور أساسي للحكم وانشاء مجلس شورى ونظام للمقاطعات، خاصة مع تطور الأوضاع الإقليمية والدولية الدافعة باتجاه التغيير ومع ما رافق النمو الشعبي في البلاد من تطور جعله تواقاً لذلك الاتجاه. لقد حان الوقت إلى الانتقال بالبلاد إلى الحالة العصرية في الحكم، حالة سيادة الدساتير والقوانين الحافظة والمقيدة للحاكم والمحكوم وحالة المشاركة السياسية التي تنتقل بالبلاد إلى صفوف الدول الديمقراطية الضامنة للحقوق والحريات دولة يشارك فيها الجميع في أداء أمورها وتتعاضد فيها سواعد الشعب مع الحكومة لبنائها.
وأمام هذا المنعطف الذي كما رأينا ليس أمام الحكومة من خيار سوى سلوكه كأسلوب أمثل لضمان الاستقرار، تعاود مسألة مظلومية الشيعة واصلاح الخلل القائم في العلاقة بينهم وبين الحكومة الطرح من جديد، بغية ان تكون فاتحة لعملية تغيير تضع أبناء الطائفة في موقعهم الطبيعي كقطاع مهم وفاعل من الشعب السعودي، له حقوقه وعليه واجباته. ولعل احد الموارد المهمة لمعاودة طرح ذلك الموضوع هو ما بدء يتداول في اوساط الشيعة من ان تستغل الحكومة المرحلة المقبلة لتضاعف من ضغطها على الشيعة وتكرس الوضع القائم بصيغ قانونية ودستورية، هذا فضلاً عن المشاركة الشيعية المقبلة في الانظمة المقترحة والتي من المتوقع ان تنسقها الحكومة على ذات الوضع المغلوط الذي خلقته ودابت جاهدة على ترسيخه وجعله حقيقة يومية يعيشها جميع المواطنين كالتقليل من عدد سكان الطائفة الشيعية إلى مستوى لا يقارب تعدادها الحقيقي الذي لا يقل عن 25%من تعداد سكان البلاد. وحتى لا يتكرر الخطأ من جديد وتبنى المعادلة الإصلاحية بطريقة عادلة نشير هنا إلى مجموعة من الإصلاحات الدستورية المرتبطة بالمقترحات الحكومية مركزين على الحقوق الخاصة التي من شانها رفع الحيف والظلم عن الواقع الشيعي متجاوزين الحقوق والواجبات المشتركة التي تجمع الشيعة مع بقية اخوانهم المواطنين بالرغم من اننا نعود ونؤكد ان ما سنطرحه يتجاوز بطرحه حقوق طائفة إلى حقوق كل الطوائف والمذاهب الإسلامية كلاً حسب موضعه. وسنتناول في هذه الحلقة الضمانات الخاصة بالجانب الأول من المقترحات الحكومية وهو الجانب الدستوري وفي ذلك نؤكد على الآتي: أولاً: ضرورة مشاركة رجالات الشيعة وكفاءاتها في وضع اللوائح الدستورية للبلاد فإذا كان يراد للحياة السياسية في البلاد ان تشهد تجربة دستورية جديدة، فلا يجب الدخول إلى عالم الدساتير من نافذته الضيقة التي تجاوزها الزمن، وذلك باستحداث دستور تقوم باستصداره ووضع لوائحه وزارة الداخلية واجهزتها أو الأخذ بأسلوب المنحة الدستورية الذي تجاوزته قيم العدالة والحرية في العالم.
 فإذا كانت الحكومة لا تستطيع الارتفاع بمستوى المشاركة الشعبية إلى مستوى اشتراك الشعب مباشرة من خلال استفتاءات عامة تمكنه من المشاركة المباشرة أو غير انتخابه لجنة تتولى الاشراف على وضع الدستور ومن ثم يعرض العمل المنجز على الشعب في استفتاء شعبي اخر،.. إذا لم تستطع الحكومة ذلك وتجاوزت رغبة عموم الشعب الراغبة في ذلك الاسلوب، فلا اقل من ان تأخذ باسلوب العقد الدستوري القاضي باشتراك الشعب معها في وضع اللوائح الدستورية والذي يعتبر مرحلة انتقالية بين الاساليب غير الديمقراطية والاساليب الديمقراطية. ثانياً: وسعياً إلى إزالة المظلومية التي لحقت بالشيعة طيلة السنوات الماضية والتي تثبت من خلال طبيعة العلاقة التي حكمت السلطة بالشيعة في عموم المملكة طيلة العهد السعودي.. سعياً إلى إزالة المظلومية وإعادة الأمور إلى موضعها الطبيعي يجب ان تغير الدولة من ذلك الاسلوب وان تضمن ثبات ذلك التغيير ودوامه من خلال نصوص دستورية مدونة وفي مقدمتها: ـ
 النقطة الأولى:ـ إثبات نص دستوري يحول دون الممارسات المذهبية الانفة الذكر وغيرها، ويضمن للشيعة التمتع بحرية التعبد وإقامة شعائر مذهبهم وذلك عبر مجموعة من الطرق لن يفوت الحكومة إدراكها ومنها:ـ
 أ/ إيجاد نص دستوري يعترف بالمذهب الإسلامي الشيعي كأحد المذاهب الإسلامية.
 ب/ النص على حرية الاعتقاد والتعبد وإقامة الشعائر لجميع المذاهب الإسلامية في البلاد.
 النقطة الثانية :ـ وضع نص دستوري يعطي للشيعة الحق في حرية انشاء المدارس الدينية، وينص ان يكون نظام التعليم الحكومي في جانبه الديني في مناطق تواجد الأكثرية الشيعية، يكون وفق المذهب الشيعي، كما يجيز للشيعة انشاء مدارسهم الخاصة على ان تكون ضمن النظام التعليمي للمملكة.
 النقطة الثالثة:ـ إثبات نص دستوري يضع المواطنين الشيعة على قدم المساواة في الحقوق والواجبات والاستفادة من امكانات الدولة وخدماتها وتولي أي مسؤولية فيها كلاً حسب كفاءته بغض النظر عن المنطقة أو المذهب أو الانتماء القبلي.
 ولا يخفى ان تلك الأمور الثلاثة الانفة الذكر هي من الحقوق التي ضمنها الإسلام لمواطني الدولة الإسلامية على جميع مذاهبهم ومعتقداتهم احتراماً لحرية العقيدة، وصوناً للحريات، ومنعاً للحيف والظلم، وهذا ما أكدته سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، حتى مع جميع اصحاب الديانات الأخرى كوعده لنصارى نجران مثلاً، وسار عليه جميع الخلفاء الراشدين من بعده.
 أما في التطبيقات المعاصرة للدولة العربية والإسلامية فلقد ضمنت تلك الحقوق في نصوص مدونة ضمنت حرية العقيدة وحرية التعليم وساوت بين جميع المواطنين ومراجعة بسيطة للدساتير المعمولة بها في الدول العربية والإسلامية كافية لإثبات ذلك الحق.
ولا نريد الخوض في تلك الأمور ومقارنتها بالضمانات والحقوق المعطاة للمواطنين في دساتير الدول الديمقراطية، فهي تكاد تكون من البديهيات كما لا مقارنة بينها في السعة والمجال، وأخيراً فنظرة واحدة في الإعلان العالمي لحقوق الانسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إضافة إلى الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع اشكال التمييز العنصري.. فنظرة واحدة إلى تلك المواثيق المقرة من الجمعية العامة للأمم المتحدة، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأحقية تلك الأمور ومشروعيتها. فهل تضع الحكومة تلك الأمور في اعتبارها ؟؟

الشيعة ومستقبل الشرق الأوسط

يدور الان وعلى اثر أزمة الخليج كلام كثير في الأوساط الغربية والعالمية حول نظام ووضع أمني جديد للشرق الأوسط، وهذا ما كان يجب معالجته منذ فترة طويلة لتجنيب المنطقة والعالم ما حصل من مشاكل وأزمات في هذه البقعة الاستراتيجية. وما يثير الانتباه في هذه المسألة هو الاهتمام بها في الأوساط الغربية والأجنبية وتولي التصريحات بشانها من الإدارة الأمريكية والبريطانية والفرنسية والألمانية وسائر أركان التحالف الغربي المناوئ للعراق حالياً، وتداول الموضوع بكثافة في وسائل إعلام تلك الدول كالإذاعات والصحف.. بينما يخيم صمت مطبق تجاه هذه المسألة في البلدان المعنية بالأمر أي بلدان الشرق الأوسط، فهل يعني ذلك ان حكومات المنطقة لا قرار شان لها بهذه الترتيبات وان المبادرة والقرار بيد الآخرين؟ أم ان هذه الحكومات تتهيب الحديث حول التغيير فضلا عن ممارسته ؟ أم انها لا ترى داع لاطلاع شعوبها على ما تفكر به تجاه مستقبلها ؟ وإذا كان بعض هذه العوامل أو كلها وارده في تفسير موقف الحكومات الصامت في بلادنا تجاه موضوع التغييرات والترتيبات المستقبلية، فماذا يعني صمت الشعوب وضعف حضورها السياسي ومشاركتها الفكرية والعملية تجاه صنع المستقبل ورسم معالمه واتجاهاته ؟ لا شك ان آمالاً عريضة، تطلعات كبيرة، وتمنيات واسعة، تعتمل في نفوس أبناء شعوبنا تجاه مستقبلهم ومستقبل بلادهم، وما الانتفاضات الجماهيرية والتحركات الثورية التي حصلت في العقد المنصرم إلاّ تعبير عن تلك الآمال والتطلعات، ولكن ما تعانيه هذه الشعوب من قمع وارهاب، وما يفرض على اخبارها من حصار وتعتيم، إضافة إلى نوع من التقصير والقصورفي الفاعلية والنشاط، كل ذلك يشكل خلفية لعدم ظهور وارتفاع صوت هذه الشعوب ودورها في رسم ملامح الأوضاع المستقبلية في بلادها. ويهمنا في هذا الموضوع الإشارة إلى زاوية مهمة تتعلق بمستقبل الشرق الأوسط بشكل عام وأوضاع بلادنا السعودية بشكل خاص وهي أوضاع وقضايا الطائفة الشيعية.. فالشيعة هم الجناح الثاني للأمة الإسلامية، ويشكلون نسبة لا يمكن انكارها ولا تجاهلها في الشرق الأوسط، وخاصة في البلدان المهمة والتي تعتبر الان نقاطاً ساخنة مشتعلة، فهم الأكثرية في إيران (الجمهورية الإسلامية)وأيضاً هم الأكثرية في العراق والبحرين واليمن ولبنان.. وهم جزء أساسي ونسبة معينة في بلدان أخرى كالسعودية حيث تبلغ نسبتهم 25%من عدد السكان ويتواجدون في أهم مناطقها المنطقة الشرقية..وهم بمجموعهم في دول الخليج والجزيرة العربية، يمثلون أغلبية ساحقة..! وقد عانى الشيعة بشكل عام وفي السعودية بشكل خاص الكثير من الاجحاف بحقوقهم خلال الفترة الماضية، كما سببت لهم مواقفهم المبدئية في الدفاع عن الدين واستقلال الوطن ضد المستعمرين الغربيين، سببت لهم وجود أزمة ثقة تجاههم عند الغربيين، فالبريطانيون مثلاً تلقوا أعنف النكسات والضربات لوجودهم الاستعماري من قبل الشيعة، كثورة العشرين في العراق ومسألة شركة التنباك في إيران، ورفض أهالي المنطقة الشرقية في السعودية للانتداب البريطاني، وأخيراً ما واجهه الأمريكيون من قبل الثورة الإسلامية في إيران والجمهور الشيعي في لبنان.. وبالطبع فاننا لا ننكر ولا نتجاهل دور وفاعلية سائر المسلمين إلاّ ان موضوعنا هنا يعالج المسألة الشيعية بالخصوص. كل ذلك أوجد انطباعاً معنيا ً لدى دوائر ومؤسسات القرار الدولي تجاه الشيعة وما نخشاه هو تأثير ذلك الانطباعات على ما يفكر به الغربيون تجاه مستقبل الشرق الأوسط ودور الشيعة فيه. لذلك نؤكد ما يلي:
1ـ ان ما قام به الشيعة من نضال لتحرير بلاد الإسلام ولمواجهة أطماع المستعمرين هو اندفاع ديني وممارسة لحق انساني مشروع هو امتلاك تقرير المصير والتطلع للحرية والإستقلال وبالتالي فما قاموا به ليس جريمة يعاقبون عليها بتهميشهم والاستمرار في الاجحاف بحقوقهم، بل هو مدعاة للفخر والإعتزاز وخاصة في الأجواء العالمية التي تدعو الان لحماية حقوق الانسان.
2ـ من الناحية الواقعية والموضوعية فان الأمن والاستقرار لا يتحقق في أي منطقة إذا كان جزء من أهلها يشعرون بالحيف والغبن والاضطهاد..واذا ما حصل ترتيب وهدوء فسيكون هشاً لا يلبث ان تضعف به رياح الغضب والرفض من قبل المضطهدين والمحرومين.
 3ـ وإذا كان الشيعة في طليعة المجاهدين ضد العدوان الأجنبي فانهم من أفضل المخلصين لخدمة أوطانهم وأمتهم وستكون مشاركتهم في ظل وضع نظام عادل للمنطقة مشاركة حيوية وايجابية..وبعبارة أخرى: لا داعي من الخوف والتهيب من الشيعة فهم ليسوا عدائيين ان لم يفرض عليهم العدوان ولا مشاغبين إذا ما ضمنت حقوقهم الوطنية المشروعة..
4ـ وهنا لا بدّ وان نحذّر من الدور الذي تلعبه بعض الجهات الدولية والمحلية المشبوهة والتي تحاول تشويه سمعة الشيعة وإلصاق تهمة الإرهاب والتخريب بهم، فهذا الدور يأتي في سياق مخطط تآمري لتفتيت وحدة المسلمين، ولزرع الحقد والتفرقة في أوساط شعوب المنطقة، فالشيعة مسلمون مسالمون ومخلصون ايجابيون لأمتهم وأوطانهم.
5ـ ان العقل والمنطق ليدعو الأمريكيين والغربيين إلى فتح صفحة جديدة مع شعوب المنطقة تقوم على أساس احترام حقوق الانسان، وسيادة الديمقراطية، وإلاّ فلن تكون أزمة الخليج إلاّ حلقة في سلسلة من المشاكل والأزمات لا تسلم كل أرجاء العالم من تأثيراتها..

الشيعة ونظام المقطاعات في البلاد

لا زالت الحكومة تعطي الوعود للمواطنين حول عزمها الاقدام على مجموعة من الاصلاحات السياسية والإدارية، خاصة مع زيادة المطالب الشعبية التي ترجمت نفسها من خلال الكثير من العرائض والوفود التي بدأت تخاطب الدولة ملحة عليها تنفيذ وعودها الإصلاحية. وقد كان آخر تلك الوعود العلنية التي سرعان ما تجاهلتها وسائل الإعلام في البلاد وكان شيئا لم يكن، ذلك التصريح الذي أدلى به الملك واعداً الشعب بانشاء نظام أساسي للحكم وانشاء مجلس شورى وإقرار نظام للمقاطعات.
وإذا كان ذلك التصريح لم يأخذ حظه من المناقشة في أجهزة الإعلام بالصورة المعبرة عن رأي الشعب، فان الأمل لدى المواطنين كبير في ان تكون الدولة قد وعت المصاعب الإدارية والحياتية التي تخيم على أجهزة الدولة وقطاعاتها الأمر الذي يجعل من تطبيق نظام المقاطعات خير وسيلة للقفز على تلك المصاعب والنهوض بالبلاد، وافساح المجال أمام المزيد من المشاركة الإدارية للمواطنين في شؤون مناطقهم بدل ان تبقى حكراً على فئة معينة.
 ولكون مناطق الشيعة هي الأكثر تضرراً من الأسلوب المتبع في الإدارة الحالية لمقاطعات البلاد، نظراً لما اتصف به ذلك الأسلوب من سمات كرست مظلومية الشيعة وابعدتهم عن أي مشاركة إدارية وسياسية في مناطقهم...فان الأمر يصبح أكثر إلحاحاً لدى أبناء الطائفة الشيعية من غيرهم في ان يجد ذلك النظام طريقة إلى النور، خاصة إذا ما أتبع ذلك من قبل الحكومة بنية جادة ومخلصة في ان يكون ذلك النظام بوابة لرفع الحيف عن الشيعة وافساح المجال أمام المزيد من مشاركتهم في إدارة البلاد. وقبل ان ندخل في هذا الموضوع استكمالاً للحلقة السابقة وتسليط الضوء على ما يريده الشيعة من خلال ذلك النظام حري بنا الإشارة إلى خلفيات تطبيقات هذا النظام على الصعيد العالمي وابراز مرتكزاته.
 يعرف القانونيون الإداريون نظام المقاطعات أو اللامركزية الإدارية بانه عبارة عن إقامة هيئات منتخبة من الشعب في أقاليم أو في مقاطعات تمارس اختصاصات متفاوتة تختلف نسبة السلطات الممنوحة لها، غير انها في جميع الأحوال لا تصل إلى مرتبة اللامركزية السياسية، إذ تبقى الشؤون السياسية والعسكرية في يد السلطات المركزية كما ان الأخيرة تبقى تمارس دور الوصاية على الهيئات المنتخبة بحيث لا تفقدها حرية قرارها ولا القدرة على ممارسة دور الاعتراض على أي قرار غير قانوني يصدر عن السلطة المركزية تجد فيه تعدياً على اختصاص السلطات المحلية.
 وتبعاً لتلك المهام المنوطة بالمجلس المحلية المنتخبة والتي تتولى إدارة المقاطعات يحدد فقه القانون الإداري عدة عناصر مهمة لكي يتمكن نظام المقاطعات من تأدية الوظيفة المنوطة بالمجالس والهيئات المنتخبة فيه ومنها: ـ
 1ـ ان يكون للسلطات المحلية المنتخبة جهازاً إدارياً محلياً عاملاً من المستخدمين والعمال خاص بها، حيث يعتبر الجهاز الإداري والمالي لكل منطقة من المناطق ممثلاً لها لا للدولة المركزية، وهذا يقتضي ان ينتخب ذلك الجهاز الإداري لكل مقاطعة من قبل أهالي المقاطعة انفسهم لا ان يعين عليهم، وصولاً إلى ان يكون ذلك الجهاز الإداري معبراً عنهم.
 2 ـ يجب ان يكون للسلطات العامة المحلية والهيئات المتخصصة فيها أهداف خاصة محلية تقتضي منها إدارة شؤونها وتأمين استمرارها.فما لا شك فيه ان لكل منطقة من مناطق الدولة مصالح خاصة تجعل من سكانها وحدة متضامنه في مضمار هذه المصالح وتبني بينهم رابطة واحدة، كما ان لهذه المناطق انطلاقاً من المناطق العامة لكل منطقة والخاصة بها خدمات عامة محلية خاصة بها ومنفصلة تماماً عن الخدمات العامة المشتركة بين أبناء الدولة الواحدة، وهذه المصالح المتضامنة في منطقة واحدة والمتميزة عن بقية المواقع لأسباب شتى هي التي تكمن وراء مفهوم اللامركزية وتؤدي إليها، بل وتجعل تطبيقها ضرورة ملحة لإحداث تسيير المرافق العامة المحلية.
 3ـ أما الأمر الثالث والأخير في هذا المجال فهو ان يكون ذلك الجهاز القائم على نظام المقاطعة من أهالي المنطقة انفسهم حتى يتسنى له الشعور بالسكان المحليين من حيث الإحتياجات العامة والخاصة بالمنطقة، وبذلك يبتعد هذا الجهاز عن الصيغة الوظيفية العامة التي تعني تأمين مصالح الدولة العامة والامة بأجمعها.
 أما من الناحية التطبيقية في العالم لذلك النظام، فهو معمول به في الكثير من دول العالم الكبيرة والمتحضرة، غير ان قوانينه تختلف من دولة لأخرى بحسب المجال المسموح به من المشاركة الشعبية والخصائص الاجتماعية والسياسية للدولة.
 ففي بريطانيا يطبق هذا النظام بنطاق واسع، حيث أدخلت جميع الخدمات العامة ضمن نطاق الإدارة أو الحكم المحلي، كما يتمتع الحكم المحلي فيها باستقلال مطلق من ناحية التمويل الذي يتم عن طريق الرسوم والضرائب والواردات التي تحصل من المرافق المحلية. كما يطبق ذلك النظام في جميع الجمهوريات السوفيتية حيث اعتمد فيه على تقسيم المدن أو المناطق إلى ثلاث مستويات إدارية تبعاً إلى مدى اتساع المدنية أو المحافظة، ويطبق هذا النظام في الكثير من الدول الأوروبية منها مثلاً فرنسا التي أصبحت عضوية تلك المجالس فيها لا تعطي إلاّ عن طريق الانتخاب. أما الدول العربية فان هذا النظام مأخوذ به في الكثير منها، نشير إلى احداها على سبيل المثال وهي الجمهورية العربية السورية، التي تنقسم التنظيمات الإدارية فيها إلى محافظات، والمحافظات إلى مناطق، والمناطق إلى نواح ولقد منح المشروع المحافظات الشخصية الاعتبارية. وجعل لها مجالس خاصة أطلق عليها (مجالس المحافظات).
اما في بلادنا فقد كان من المقرر ان يدخل هذا النظام إلى البلاد قبل ما يقارب ثمان وعشرين عاماً، إذ صدرت اللوائح الأساسية لذلك النظام في الثالث عشر من شهر جمادى الأولى لعام 1383هـ بمرسوم مجلس الوزراء رقم 491، حين كان يرأس المجلس الملك فيصل (حينذاك)، وصادق على المشروع الملك سعود بمرسوم ملكي صدر في الحادي والعشرين من ذات الشهر.
 غير ان الحكومة طوت صفحات ذلك المشروع واستعاضت عنه بتعيين أمراء من ذات الأسرة على جميع مناطق البلاد أملاً منها في الحد من المركزية الإدارية المتبعة إلى هذا اليوم، حيث لم تستطيع تلك الاجراءات ان تلغي الحاجة الماسة لهذا المشروع في جميع مناطق البلاد. ولقد نص ذلك النظام على تقسيم البلاد إلى مجموعة من المقاطعات "يراعي في تحديدها الاعتبارات الجغرافية، وعدد السكان، وظروف البيئة ومقتضيات الامن وطرق المواصلات "وقسم ذلك المشروع كل (مقاطعة إلى مناطق، وتضم المنطقة مدينة أو أكثر، أو مدينة وعدداً من القرى المجاورة لها المرتبطة بها بناء على اقتراح وزير الداخلية وموافقة مجالس المقاطعات)ونص المشروع في مادته الثانية على (اعتبار المقاطعات في ممارسة صلاحياتها المحلية أشخاصاً معنوية، وتمثلها في هذا الخصوص مجالس المقاطعات). وقد جعل ذلك النظام جميع المناصب الأساسية في المقاطعة بدءاً بحاكم المقاطعة ومروراً بوكيل الحاكم وانتهاءً بالمحافظين المرتبطين بحاكم المقاطعة كلها بالتعيين من قبل الدولة. وخلافاً لكل انظمة المقاطعات المعمولة بها في العالم والأهداف التي تنشأ من أجلها مجالس المقاطعات، فان المشروع المعد سابقاً يذهب إلى تعيين أعضاء المجلس أيضاً من قبل الدولة، قاطعا الطريق أمام المواطنين في المشاركة في تحديد ممثليهم كما هو الحال في جميع انحاء العالم !! إما من ناحية المهام والصلاحيات المنوطة بهذه المجالس، فان حيز الحركة المتاح أمامها ضيق إلى أبعد الحدود، رغم كونه بلا شك تحسيناً طفيفاً للوضع الحالي، فالانظمة والمهمات الموكلة إلى مجالس المقاطعات، والنظم الإدارية المقيدة لأعضائها تجعل من تلك المجالس صورة مصغرة لمركزية الدولة وإدارتها، لا ممثلاً حاكياً لرغبات الشعب ومنفذاً لآمالها حتى ليخيل إلى المرء وهو يتفحص ذلك المشروع على انه وضع خصيصا لاحكام وضع المناطق تحت سيطرة وزارة الداخلية وأجهزتها الامنية !! ولا يفوتنا التنويه هنا إلى أمر آخر يمكن تداوله في هذا السياق، ألا وهو المجالس البلدية في البلاد، والتي لم تر النور وظلت حبيسة السجلات الحكومية، ولربما كان السبب وراء ذلك هو في احتواء نظام تلك المجالس على موارد ايجابية كان يمكن ان تساهم في تطوير البلاد لو انه أتيحت الفرصة لتأخذ مكانها على الواقع التطبيقي، فقد نصت المادة الحادية والعشرين من النظام العام لأمانة العاصمة والبلديات على اختيار أصحابها بالانتخاب، وصودق على هذا النظام برقم 8723في 20/7/1357هـ.
 كما أعطيت تلك المجالس حيزاً جيداً من الحركة يمكن تطويره. ان تطور البلاد واتساع عمرانها مع ما رافق ذلك من ارتفاع مستوى الوعي والتعليم لدى المواطنين يجعلان من الضرورة على الحكومة إعادة البت في تلك الامور المعطلة والبحث عن الصيغ الافضل التي تساعد على توفير أفضل السبل للنهوض بالبلاد وتعطي المواطنين المزيد من المشاركة الإدارية والسياسية في تصريف شؤون البلاد، وتحفظ لجميع المناطق خصوصيتها وصولاً إلى تقديم افضل الخدمات.
من هنا فان المنطقة الشرقية بأكثريتها الشيعية وخصوصتها الاقتصادية والثقافية بحاجة إلى الانظمة الإدارية التي يمكن ان تساعد على رفع الحيف والمظلومية عن أبنائها، كما وتنهض بالخدمات المقدمة إلى المنطقة التي لا يزال الشعور بالغبن والمظلومية يراود سكانها لذا فان أي نظام يراد له التطبيق في المنطقة لا بد ان يراعي فيه الخاصيتين التاليتين: ـ
 أولاً: ان أكثرية هذه المنطقة هم من الشيعة، وفي الاقرار بهذا الأمر دحض لجميع محاولات التهميش التي تتبناها الدولة، سواء بالنسبة لتعداد السكان، أو في نسبة توليهم للوظائف الإدارية في الحكومة، كما ان فيه تسليطا للضوء على مدى التناقض بين النظم الإدارية والقائمين عليها وبين أهالي المنطقة، ولا يفوتنا هنا التذكير بمحاولات التغيير السكاني التي حاولت بعض الجهات ايجادها في المنطقة كما لا يفوتنا التذكير بان سكان هذه المنطقة وغيرها من المناطق الشيعية كالمنطقة الجنوبية مثلاً يشكلون نسبة لا تقل عن 25% من سكان البلاد !!
 ثانيا: ـ ان لهذه المنطقة خصوصية اقتصادية نابعة من كونها المنطقة النفطية والصناعية في المملكة، مما يضيف إلى النواحي الايجابية موارد أخرى كالأخطار الناتجة من الصناعة وغيرها، لذا فان هذه المنطقة بمقدار ما تمثل من ثقل تدفع ضريبة وتضحية في سبيل البلاد. وبناء على ذلك النقطتين وعلى الاوضاع التي عاشها الشيعة خلال السنوات الفائتة تنبثق عدة مطالب ضرورية تتدرج جميعها في السعي إلى رفع الحيف والظلم واحقاق الحق، وتأخذ تطبيق مشروع نظام المقاطعات وسيلة لذلك، ومن أبرز تلك الأمور: ـ
 1ـ ان تكون أكثرية الأعضاء في الإدارات المحلية للمقاطعات ذات الأكثرية الشيعية ومنها المنطقة الشرقية، من أبناء الشيعة فليس من المعقول ان تلجأ الحكومة مرة أخرى إلى تهميش دور الشيعة وتجاهل واقعهم، خاصة وان الأمل ان يتم ذلك من خلال الانتخابات لا التعيين. وهو المطلب المرفوع من قبل جميع المواطنين، كما ويتماشى مع التطبيقات العربية والعالمية لمثل هذا النظام. ان محاولة مفضوحة للإلتفاف على الشيعة وتهميش أدوارهم تحت حجج شتى كونهم أقلية ستلقى ردودا سلبية من الأكثرية الشيعية في بعض المناطق، كنجران والقطيف والاحساء، والتي حافظت على تركيبتها السكانية رغم محاولات التغيير السكاني التي اتبعت في السنوات السابقة بهدف شق الجسم الشيعي وتمزيقه في أماكن تواجده.
 2ـ ان يتولى الشيعة مع باقي اخوانهم السنة من أهالي المنطقة الشرقية مسؤولية إدارة المنطقة، مع ملاحظة مبدأ الأكثرية السكانية، فليس من المعقول ان يتم جلب وتعيين أمراء ومحافظين ووكلاء لتلك المناطق من خارج المنطقة وكان أهالي المنطقة قد أصيبوا بالعقم والجهل والقصور المطبق حتى باتوا ليسوا قادرين على انجاب الكفاءات.. ولا يخفى ان ذلك هو الواقع المفروض في هذه الفترة ونظرة واحدة إلى مستوى التمثيل الشيعي في إمارات تواجدهم كالدمام، القطيف، صفوى، وسيهات، والهفوف..الخ تكفي لإثبات ذلك !!
 3ـ وبعكس ما هو قائم عليه القضاء اليوم في المناطق الشيعية في الجنوب والشرق من البلاد، من تهميش للقضاء الشيعي وحصره في عقود النكاح والمواريث فقط في منطقة ذات أكثرية شيعية، فان المطلوب من ضمن النظام الإداري الجديد ان تكون رئاسة القضاء في تلك المناطق في جميع المحاكم وفق مذهب الشيعة، وهو ما يستدعي القيام بالكثير من الاصلاحات في الجهاز القضائي، وتغيير جميع المحاكم العاملة ورئاستها، فليس من العدل ولا الانصاف ان يجبر الشيعة على الاحتكام إلى محاكم ليست من مذهبهم بل وتطعن في عقيدتهم مراعاة للجو السائد في البلاد !! ولقد أثبت الشيعة في المنطقة انهم كانوا أكثر من مارس العدل والانصاف في هذا المجال، حيث كان علماؤهم يقضون للشيعة والسنّة كل على حسب مذهبه ولدينا في تاريخنا الكثير من الأمثلة من أمثال الشيخ علي أبو عبد الكريم الخنيزي والشيخ علي الجشي وغيرهم.
 ويتبع المطلب السابق ايجاد فرع لجميع الإدارات الدينية، كوزارة الأوقاف ,وهيئات الأمر بالمعروف.. الخ يكون جميع القائمين عليها في المناطق ذات الأكثرية الشيعية منهم.
 4ـ انصاف المواطنين الشيعة في حقوقهم الإعلامية والثقافية، وذلك بفك الحصار الإعلامي المفروض على أبناء الشيعة، من خلال اعطاء الاجازات باستصدار الصحف والمجلات الثقافية والسياسية والاجتماعية والدينية وفتح المجال أمام علماء الشيعة لممارسة دورهم في التوجيه من خلال أجهزة الإعلام في المقاطعة الشرقية كإذاعة وتلفزيون الدمام الذي يفترض ان تكون أكثرية البرامج الدينية فيها بيد الشيعة ووفق مذهبهم.فليس من المعقول ان يتم محو كيان ما لا يقل عن 25% من السكان وتجاهل هويتهم الثقافية في الاستفادة من منابر التوجيه الإعلامي لخشية الحكومة من بعض المتطرفين في جهازها الديني، فلقد عاش السنة والشيعة في المنطقة بتجانس ووئام طوال سنوات عديدة خلت لولا تدخل تلك الأجهزة ودأبها على افساد ذات البين.
 5ـ وإذا ما كون الجهاز الإداري حسب التركيبة السكانية ذات الأكثرية الشيعية في المنطقة، فان بإمكان ذلك ان يساعد على حلحلة قضايا كثيرة من قبيل جهاز التعليم الديني، وايلاء المزيد من الاهتمام بالمنطقة على صعيد الخدمات والعمران وايجاد مكانة لائقة بالمنطقة لما تتمتع به من خصوصية. 6ـ المباشرة بإعادة المجالس البلدية، وإعطاء المزيد من الاهتمام بالمناطق الشيعية ووضع حد لسياسة التغيير السكاني وخلخلة التركيبة الاجتماعية في المنطقة، وممارسة العدل والانصاف في ممارسة خدمات وموارد البلديات..والأمثلة من الواقع الحالي الدالة على ذلك أكثر من ان تحصى، ونظرة واحدة للمخططات السكنية التي تقوم بها البلديات في المناطق ذات الأكثرية الشيعية وأسلوب توزيعها للأراضي مثلاً (القطيف، صفوى، سيهات، أوجام..الخ) تكفي للدلالة على ذلك.
حيث التعمد في حرمان الشيعة وجلب السكان من خارج المنطقة!!! 7ـ إعطاء أبناء المنطقة المزيد من المشاركة في إدارة المنشآت الحكومية والصناعية في المنطقة، والتي قامت على أكتافهم ووضع حد لسياسة التمييز المتبعة في ذلك المجال، والتي أقصي الكثير من أبناء الشيعة بموجبها عن أعمالهم كما صدرت أوامر المنع أو الاحالة إلى التقاعد بحق آخرين. فليس من العدل ان لا يمثل الشيعة في الإدارة العليا للصناعة النفطية بالشكل المناسب في الوقت الذي يفترض ان تكون إدارة تلك المنشآت بأيديهم حيث لا زالوا يشكلون نسبة لا تقل عن 60% من مستخدمي الشركة !! أخيراً إذا كانت المادة الثانية من مشروع نظام المقاطعات القديم قد نصت على اعتبار (المقاطعات في ممارسة صلاحيتها المحلية أشخاصا معنوية..)فان الاُمل يحدو المواطنين الشيعة ان تتاح لهم الفرصة في المساهمة والتطوير وإثبات هويتهم الدينية والثقافية في مناطق أكثريتهم كالمنطقة الشرقية ونجران وان تصان حقوقهم في مناطق أقليتهم كالمدينة المنورة.

 الانصاف والمواطنة ركيزتا التغيير

إلى متى يظل الشيعة الفئة الأكثر ظلامة في هذا العصر؟ ولماذا يطلب منهم دائما أكثر مما يطلب من الآخرين ؟ وهل عامل الاعتقاد الديني مبرراً كافياً لمثل هذا التعامل اللا منصف في زمن يرفع فيه العالم شعار حقوق الانسان وحرياته ؟.. هذه الأمثلة وعشرات غيرها تدور اليوم في خلد الانسان الشيعي وهو يرى ويسمع عن كيفيه التعامل الغربي مع القضايا الشيعية، القائمة في الأساس على تهميش الدور الشيعي درئاً لخطر وهمي استخدام شعار خطر إعادة النموذج الإيراني كغطاء لاسدال الستار على تلك التصرفات الغير عادلة بحق الشيعة.
 لقد غالت وبالغت حكومات المنطقة في تصوير الخطر الشيعي، لكنها لم تكلف نفسها وهي تقوم بتجريد الانسان الشيعي من حق المواطنة، ان تسأل وتبحث عن الأسباب التي أدت ببعض أبناء الشيعة إلى استخدام هذا التصرف أو ذاك كوسيلة للتعبير عن آهاته وآلامه التي تجمعت جراء التصرفات اللامسؤولة من قبل بعض حكومات المنطقة.وجاءت جملة من الأحداث الإقليمية لتجعل من الشيعة الضحية الوحيدة التي توجهت حكومات المنطقة لصب جام غضبها عليها في الوقت الذي ظهرت فيه عاجزة عن معالجة ومواجهة تلك التصورات.
 لقد أبرزت أحداث الحرب الأخيرة جوهر الأصالة والانتماء الوطني لأبناء الشيعة، ومن حقهم ان يطالبوا حكومات المنطقة والعالم بانصافهم وإعادة الاعتبار لمواطنيهم عبر اعطائهم حقوقهم وإزالة حالة العداء والشك المسيطرة على كيفية التعاطي الحكومي معهم. وإذا ما أوردنا فتح التاريخ القديم فاننا سنجد تعاظم حجم المسؤولية التي تتحملها دول المنطقة جراء وصدها أبوابها أمام المواطنين الشيعة والبحث في قضاياهم بدل توجيه سبل الافتراءات والتهم لهم.
 لقد فكرت الحكومة في التحصن من الخطر الإيراني المزعوم فانعكست الآثار السلبية لذلك الأمر على أبناء الطائفة الشيعية في البلاد معتقدة بان ذلك كفيل بالتأثير على التطلعات الشيعية نحو التغيير ومع الأسف لم تتخذ في الجانب الاخر أي خطوة تحتضن فيها التطلعات الشيعية، وتزيل شعور الظلام المخيم على أوضاعهم، بل فضلت الإستفادة من التناقضات المذهبية كجزء من اجراءات التضييق على الشيعة، مشجعة سيل الخطب والكتب الطائفية الطاعنة في مذهب الشيعة وعقائدهم، وكان المطلوب هو تركيز حالة الضعة والإهانة في نفوس الشيعة، تمهيدا لسحقهم. ان حصر الحكومة للمشكلة في التعاطي الشيعي مع إيران، كان تبسيطا لواقع المأساة التي عاشتها الشيعة قبل الثورة الإسلامية في إيران، وتضاعف بعدها، وقد جاء ذلك الحصر بمثابة تبرير تطرحه الحكومة لتقصيرها اتجاه الأهالي متصورة انها بذلك تلقى الكرة في المرمى الشيعي، مصرة على تجاهل جميع الافرازات الإجتماعية التي يولدها ذلك التصعيد، وخطره على الوضع الاجتماعي والسياسي للبلاد.
 ان حصر الخلل والسبب في الوضع الراهن في الطائفة الشيعية، هو أمر مرفوض، تدحضه تجارب أخرى للشيعة حتى في المحيط المجاور، حيث احترمت بعض الدول التطلعات الشيعية عبر دمجها في النظام السياسي والاجتماعي القائم واحترام خصوصيتها العقائدية، مما ساعد على تبعيد تلك البلاد للتوترات الطائفية، ففي دولة عمان التي تتشابه مع بلادنا في النظام السياسي يحتل الشيعة الكثير من المراكز السياسية العليا في الدولة، هذا عدا عن بقية الوجود الشيعي في أجهزة الدولة العسكرية والأمنية!! وهو أمر لا زال الشيعة في بلادنا محرومون منه!!.
 لقد ان الأوان بعد ان انتهت أزمة الخليج، وبدأت الحكومة في التأكيد على نيتها الاصلاحية، وبعد ان عادت العلاقات السعودية الإيرانية والانفتاح الإيراني التعاطي مع الساحة الإقليمية والدولية، ان تعيد الحكومة السعودية النظر في تعاملها مع الشيعة وتشخص أسباب الواقع الاجتماعي الشيعي ومتطلباته من جديد، فليس من المعقول ان تطلب الحكومة من الشيعة الانسجام والدخول في النسق الحكومة وهي تؤصد الأبواب في وجوههم، فبوابة الإصلاح في الخلل القائم اليوم بين الدولة والشيعة في نظرنا هو في تخلي الحكومة عن حالة الشك والريبة كأساس ومنطلق في تعاملها مع أبناء الطائفة الشيعية في البلاد، والأخذ بأسلوب المواطنة كدعامة أساسية لصيانة حقوق جميع المواطنين وصولاً لادخال الشيعة في النظام السياسي والاجتماعي ورفع ظلامتهم.


التالي

السابق