|
|
|
لشيعة ومجلس الشورى في البلاد |
|
أعاد الملك فهد في خطابه الذي ألقاه بمناسبة عيد الفطر المبارك التذكير بعزم الحكومة على انشاء مجلس شورى، مؤكدا على الأمر أوكل لوزارة الداخلية الارساء الاجراءات الأخيرة وثم ما لبث ان أعاد تلك التصريحات للصحفيين بصورة مقتضبة.
لقد كان تصريح الملك تطمينا للحالة الشعبية التي لا زال موضوع الإصلاحات السياسية التي أعلنها الملك أبان حرب الخليج، حاضراً في حياتها اليومية، رغم محاولة الحكومة تناسي تلك التصريحات وعدم ايلاؤها الحضور الإعلامي المناسب فيها، فجميع فئات الشعب تتفق اليوم على ضرورة ممارسة التغيير والإصلاح للنظام السياسي للبلاد وهو وعد سبق ان أكده الملك في تصريحات صحفية عديدة حيث أعلن ان النظام السياسي للبلاد بحاجة إلى اصلاح من ألفه إلى يائه.
ان الخوف كل الخوف من حدوث تناقض بين الأهداف التي تتوخاها الحكومة والتي سيتم بموجبها اطار وامكانات المجلس، وبين الأهداف والآمال التي يتوخاها عامة الشعب منه، حيث تجمع آراء القوى السياسية والاجتماعية في البلاد على ان المجلس يجب ان لا يكون حلّة ظاهرية تتماشى مع المتغيرات الإقليمية والدولية السائرة باتجاه الحقوق والحريات، فالساحة الاجتماعية مهيأة اليوم في ان يتسم أي إجراء في هذا السياق بالمصداقية والجدية والإلتزام حتى يكون فاتحة خير تفسح للشعب إطاراً أوسع من المشاركة السياسية.
لقد أثبتت أحداث العقد الأخير فشل حالة الوصاية التي استخدمتها الكثير من الانظمة السياسية، لتبرير حرمانها الشعوب من حق المشاركة السياسية والتعبير عن آرائها، ومعتقداتها بحجة الخوف من تبعات الممارسة الديمقراطية وما قد تحدثه من آثار سلبية جانبية، لتؤكد من جديد ان تبعات الحرمان السياسي وابعاد الشعوب عن الممارسة السياسية هو أخطر وأعظم من التبعات الناشئة عن الممارسة الديمقراطية.والتي هي كما أثبتت تغييرات النظام الدولي طريق لا بد منه لكل الشعوب، وان التماشي معه وتلبية متطلباته خير من الوقوف في وجهه ودفعه للمواجهة والاصطدام.
ان الطائفة الشيعية في البلاد، وهي التي كانت على الدوام الأكثر تأثراً من سلبيات الممارسات السياسية السابقة، ليحدوها الأمل في ان يخرج مجلس الشورى إلى النور بصورة تمكنه من ممارسة دوره الطبيعي الذي يمكن البلاد من تجاوز سلبيات الوضع القائم واحقاق العدل والانصاف على جميع فئات الشعب وصولاً إلى دمج جميع الفئات الإجتماعية في النظام السياسي القائم، مما يوفر للبلاد تجاوز الكثير من المحن والعقبات خاصة في هذا الظرف الحرج التي خرجت فيه البلاد للتو من حرب لم تتجاوز بعد آثارها السلبية.
من هنا فان بناء تلك التجربة على أعلى الأسس عبر الاستفادة من تجارب الغير، ومن الصيغ والأطروحات التي مرت بها البلاد سابقاً، تمثل إحدى ثوابت البناء الديمقراطي أو الشورى الجاد، الساعي إلى ارساء دعائم شورى قابلة للتطوير.فعلى الصعيد الداخلي كانت هناك محاولة جيدة انبثق منها مشروع دستور للبلاد في عهد الملك سعود حددت بعض الأطر المناسبة لما أطلقت عليه حينذاك (المجلس الوطني)وبالعودة إلى ذلك الدستور سنجد انه قد نص على :
مادة (65): يتألف المجلس الوطني من تسعين عضواً على الأقل ومئة وعشرين على الأكثر، ويكون الثلثان منهم بالانتخابات والثلث الآخر بالتعيين.
مادة (66): بالنسبة إلى الأعضاء المنتخبين في المجلس الوطني تتولى عملية فحص الترشيحات واعتمادها قبل الانتخاب، هيئة من عشرة أعضاء يعينهم الملك بمرسوم، وتبين بنظام خاص اجراءات الترشيحات وأحكام الانتخاب.
مادة (67): بالنسبة إلى الأعضاء المعينين في المجلس الوطني تتولى الهيئة المنصوص عليها في المادة السابقة تعيينهم من بين أفراد الأسرة المالكة وأعضاء مجلس الوزراء، ورجال الدين، ورؤساء العشائر والملاك، والمشتغلين بالأعمال المالية والصناعية والتجارية والمهن الحرة، والنقابات ومختلف الكفايات والمصالح.
المادة (68): يعلن بمرسوم تأليف المجلس الوطني وفقاً للأحكام المبينة في الموارد السابقة.
المادة (69): الوزراء الذين ليسوا أعضاء بالمجلس الوطني، يحق لهم حضور جلساته والاشتراك في مناقشاته دون ان يكون لهم حق التصويت.
من هنا، وبالنظر أيضاً إلى التجارب المحيطة كالتجربة الكويتية والأردنية، والمجالس التي في طريقها للتكوين كما هو الحال في اليمن، لا يجوز ان نتحدث عن شورى تعينها الحكومة في الوقت الذي كان مرسوم ملكي قد قرر قبل ثلاثين عاماً تكوين المجلس الوطني بالانتخاب، كما ان وضع هكذا مجلس يتم تكوينه بالتعيين لن يتمكن من الصمود أمام التحديات التي تطرحها النماذج المنتخبة في محيطنا الإقليمي.
لذا فان الاستفادة من التجارب الديمقراطية لبلدان الجوار الإقليمي تعد دعامة أساسية لا يمكن تجاهلها في ظل الانفتاح والتأثيرات المتبادلة بين جميع شعوب المنطقة.وهو ما يفرض على الحكومة النظر بجدية إلى خلق مستوى إصلاح ديمقراطي وبرلماني يواكب المحيط العربي، ويتلافى أي شعور بالغبن لهذا المشروع الوطني.
لقد كان من المفترض ان تخرج الحكومة هذا المشروع من النواحي الأمنية البحتة والذي تم عبر تفويض أمره إلى وزارة الداخلية، إلى واقع الرغبة الكاملة في احترام آراء الشعب وإشراكه في الاعداد لهذا المشروع عبر أعضاء يتم انتخابهم من قبل الشعب، أو اشراك أصحاب الكفاءة والرأي، استعداداً لمرحلة أكبر يطرح فيها كامل تلك المشاريع الدستورية على الشعب، لا ان تولد وهي تحمل على أكتافها نعشها.
ان الاقدام على هذه التجربة من الشورى يستدعي اول ما يستدعي الخروج من منطق الاستفراد، إلى منطق المشاركة والانفتاح، وهو ما يعني مراعاة الأعراف والقوانين الدستورية القائمة في العالم اليوم، والتي تقصر مثلاً جانب التعيين على مجلس الأعيان فقط في حين يتم انتخاب كامل مجلس الشورى عبر تقسيم البلاد إلى دوائر انتخابية، تحدد بعدها الحكومة الأسلوب الانتخابي الذي يتلائم مع مقتضيات الواقع السياسي والاجتماعي للبلاد، إذ يتم حينها الاختيار بين طريقة الانتخاب الفردي وهو الذي يتم عبر تقسيم البلاد إلى دوائر انتخابية صغيرة تنتخب كل دائرة نائباً واحداً، أو عبر الانتخابات القائمة وهو الذي يتم فيه تقسيم البلاد إلى دوائر انتخابية كبيرة تنتخب كلاً منها عدد معيناً من النواب لا يقل في العادة عن ثلاثة.
وبالنظر إلى واقع الاجحاف المخيم اليوم على الساحة الشيعية، تعود المخاوف من جديد لدى الطائفة في ان يستثمر هذا الاطار كأحد وسائل التمهيش لهذه الفئة الاجتماعية، من خلال اللجوء إلى محاولة تهميش دورها وفاعليتها في المجلس المقترح عبر وسائل شتى.
ومن هنا فان اولى الخطوات المهمة على طريقة الاصلاح وتكافؤ الفرص والحقوق لكافة المواطنين يستدعي من الحكومة التأكيد على جملة من الميادين المهمة من جملتها:
1ـ التأكيد على مبدأ المساواة في التمثيل النيابي الجديد، وهو ما يعني انصاف المواطنين الشيعة في تمثيلهم، ويتطلب من الدولة تجاوز الكثير من المسلمات والقناعات التي وجدت من خلال عمليات المواجهة ضد الطائفة، وأهمها لجوء الحكومة إلى تهميش الدور الشيعي من خلال تقليل تعدادهم السكاني والرقعة الجغرافية المتواجدين عليها، وهو ما جرّ الحكومة سابقاً إلى اللجوء إلى خلخلة الساحة الشيعية من الداخل عبر اتباع برنامج تغيير سكاني يستهدف التغطية على عامل الأكثرية الشيعية في بعض المناطق واضعاف حالة التجانس السكاني التي يتجمعون بها.
ان إعادة تقييم التعداد السكاني أو وضع التقييمات المناسبة تعد خطوة أساسية في رسم حجم مشاركة جميع الفئات الإجتماعية في المجلس وغيره وفي تقديرنا ان الشيعة في المملكة الذين يتمركزون بصورة أكثرية سكانية في المنطقتين الشرقية والجنوبية مع أقليات متناثرة في باقي المناطق، يمثلون اليوم نسبة سكانية لا تقل في حدها الأدنى عن 25% من سكان البلاد، وهو ما لم ينعكس حتى الان ولو بنسبة 1%على الحياة السياسية في البلاد ! إذ لا وجود سياسي لهم في الدولة، فضلا عن الاجحاف الذي لحق بأوضاعهم الاقتصادية والمدنية في الدولة من خلال ابعادهم عن المراكز الإدارية والاقتصادية العليا في البلاد.
2ـ الخروج بالمجلس من حالة الوصاية الأمنية لوزارة الداخلية وليكوّن سلطة ثالثة في الجهاز السياسي للدولة لها من الحصانة السياسية ما يمكنها من القيام بدورها دون الخضوع لأي ضغط، وهو ما سيعطي المجلس الفرصة التي تمكنه من مناقشة جميع الأمور في البلاد، ووضع الحلول والمشاريع المناسبة لها، مما يعني السماح للقوى الاجتماعية الشيعية ان تدخل وتطرح مشاكل الطائفة ووجهات نظرها دون ان تقابل بالتجاهل أو الضغوط من قبل أجهزة الدولة السياسية والإعلامية والأمنية.
فما لا شك فيه ان لكل منطقة خصوصيتها، الاجتماعية، التي يكون أهلها بطبيعة الحال أدرى وأقدر على تفهمها، غير ان تنكر الحكومة وإعلامها الرسمي قد أخفى وجهة النظر الشيعية بل وحتى وجود الشيعة الاجتماعي في البلاد، خضوعاً تحت تأثيرات سياسة الدولة وحساسيتها من البعد المذهبي.
3ـ افساح الفرص لجميع القوى والتيارات الإجتماعية والدينية لدخول المجلس، دونهما محاباتها أو خضوع لأي فئة من تلك الفئات، خاصة إذا ما أصرت الحكومة على تحدي الإدارة الشعبية والإقدام على سلسلة من التعيينات، فهناك من الفئات الدينية مثلاً من لا يرى في غيره من الفئات الإجتماعية والدينية أهلية للقيام بهذا الدور أو الجلوس معه في موقع واحد كما هو الحال للتيار الديني القشري الذي دأب على محاربة الشيعة وإبعادهم عن الساحة الاجتماعية والسياسية في البلاد.
ان جعل المجلس ساحة لتلاقي جميع الآراء، ومنبراً يعكس رؤى كافة تيارات المجتمع وفئاته، هو الضمانة الأٍساسية لنجاح ذلك المجلس، وايجاد مناخ سياسي واجتماعي يساهم في تطوير البلاد، وتجاوز الآثار السلبية لحرب الخليج.
|
|
تمذهب الدولة وحقوق المواطنة للشيعة في البلاد
|
|
ان الحديث عن أوضاع الطائفة الشيعية في البلاد، وما آلت إليه أمورها يستدعي استحضار العوامل الأساسية التي حكمت علاقة الحكومة بالشيعة على مرّ العقود الماضية، حيث تأثرت تلك العلاقة بعدة عوامل، كان أهمها عاملين رئيسيين، ممّثلا ركيزة لأسباب المعاناة التي يعيشها الشيعة في المملكة حتى اليوم.
وقد مثل العامل المذهبي للحكومة وعدم إنسجامه مع الفكر الشيعي العامل الأول، لسلسلة المضايقات التي انهالت على الشيعة، بالرغم من ان الواقع السياسي للحكومة كان يفرض عليها الترفع عن العوامل المذهبية، والانتقال عوضا عن ذلك إلى ممارسة دور الراعي لمصالح وحقوق جميع الشرائع الاجتماعية.
وهنا قد يكون صحيحا ان الحكومة كانت مدفوعة في ممارستها لتلك، بعامل تغلغل الفئات الدينية المتزمتة في أجهزة الدولة، والتحالف الحكومي معها، غير ان ذلك لا يبرئ ساحة الحكومة وسكوتها المتعمد على ذلك الواقع. فقد كان بامكانها تجاوز ذلك، رغم تلك الضغوطات، كما فعلت لكثير من القضايا التي جابهت الحكومة في تحديثها للدولة، وكانت محل معارضة وضغط الأجهزة الدينية المتزمتة، كما هو الحال لمعارضة تلك الفئات للتلفزيون، والتليفون، والتلكس.. أو حتى اعتراضهم على تدريس بعض القضايا العلمية التي يرون بطلانها وينكرون حقيقتها كالقول بدوران الأرض وكرويتها !!
ان جملة من الحوداث التاريخية تأكد بما لا يدع مجالا للشك، انحياز المؤسسة الحكومية وممارستها لذات الأٍسلوب المتأثر بالعامل المذهبي في علاقتها بالشيعة، والا..فما الذي يفسر رضا الحكومة ومباشرتها هدم مساجد الشيعة ؟ (كما فعلت بمسجد في أبو رشيد في الدمام عام 1403هـ ) ـ وما الذي يعلل تبنّي الحكومة لطبع مئات الكتب التي تطعن في مذهب الشيعة وتبذل قصارى جهدها في تسويقها، بل وتوزعها في كثير من الأحيان ضمن دوائرها الرسمية، كما هو الحال لكتاب (نصيحتي لكل شيعي) الذي وزعته عدداً من الدوائر الرسمية على الشيعة، وفي مقدمتها إمارة القطيف !!
ولكي لا يبقى مكاناً للبس نشير إلى أسلوب الطعن والتشكيك الذي كان يقابل علماء ووجهاء الشيعة سابقاً في زياراتهم للمسؤولين طالبين قضاء حوائجهم ,ومن أمثلة ذلك ما جرى قبل سنوات عديدة حيث أوقفت الحكومة بأمر ملكي بناء مسجد للشيعة في الدمام يسمى مسجد (الشعيبية)، فتحّرك بعض الوجهاء والشخصيات في الأحساء، وطلبوا من اخوانهم في القطيف المساعدة، مما أسفر عن تشكيل وفد مشترك للرياض، اشترك فيه كل من (سماحة الشيخ باقر بوخمسين، والسيد جواد السيد سلمان الهاجري، وابن بشر، والسيد حسن العوامي، والملا رضي الزايد، ومحمد تقي السيف).
والتقى الوفد في الرياض بالملك فيصل، وتقدم السيد جواد إلى الملك، وسلمه مذكرة حول الموضوع، وتحدث معه بكلمات رزينة.. قرأ الملك فيصل الأوراق التي تتضمن حديثاً عن المذهب الشيعي وحرية الشعائر، والاتفاق القديم مع والده الملك عبد العزيز حيث دخوله الاحساء، كما تضمنت أموراً عن قضية المسجد، وحينما فرغ فيصل من القراءة إلتفت إلى أعضاء الوفد وقال باستهجان (من فين جبتوا هالدين الخامس ؟!!) فأجاب الوجهاء: طال عمرك انه ليس ديناً خامساً وانما هو مذهب كسائر المذاهب الإسلامية، فردّ عليهم: ما عندنا إلا مذهب واحد، والمساجد كلها تحت أمر محمد بن إبراهيم، وطرد الوفد بعد ان أكال لهم الشتائم مهدداً بحرق بيوت الشيعة في منتصف الليل !!
تلك بعض الشواهد، ذكرناها لتبيان ذلك الموضوع، هادفين إلى إماطة اللثام عن بعض الخيوط الرفيعة المتشابكة، لعل ذلك يساعد في ايجاد ما يطلبه الشيعة من فصل بين الأجهزة الدينية الرسمية واعتقاد المسؤولين بها، وبين تعاملهم مع بقية المواطنين وعلى رأسهم الشيعة.
حيث يفترض ان يتجاوز ذلك التعمل تلك الحالة، إلى الحالة الأبوية التي ترعى مصالح جميع المواطنين، وتسعى لانصافهم ومساواتهم بغضّ النظر عن عقائدهم الدينية ومدى تطابقها مع الجهاز الديني في الحكومة أو حتى قناعات المسؤولين الدينية.
أما العامل الثاني والذي تحدثنا في جانب منه في العدد السابق، فهو ان الحكومة عكست صراعاتها السياسية مع الخارج وبالتحديد مع إيران، على العقائد والأوضاع الشيعية في البلاد، فأصبح التهجم على العقيدة الدينية للشيعة أحد مفردات الصراع السياسي والإعلامي، كما استثمرت الفئات الدينية التعصبية هذا المناخ، في تصعيد حملتها على الشيعة والتشيع في الداخل والخارج.
لقد خاضت المؤسسة الدينية في المملكة حملة شعواء على الشيعة وصلت إلى حد وصمهم بالكفر، في الوقت الذي كان العالم الإسلامي بحاجة إلى توحيد الكلمة وجمع الشمل، فأي مصلحة للإسلام خدمت تلك الحملة ؟ وهل إخراج ثلاثمائة مليون شخص ـ 300 مليون ـ وهو عدد الشيعة في العالم ـ من حظيرة الإسلام وإتهامهم بالكفر يخدم المصلحة الإسلامية؟ وهل خلت ساحات العالم من الحاجة إلى التبليغ والدعوة إلى الإسلام حتى تخصص تلك الأجهزة جلّ نشاطها واهتمامها لمحاربة الشيعة والتشيّع معتبرة إيّاه الخطر الأهم ؟؟!!
وإذا كان قصر النظر، وبساطة الفهم للإسلام، قد يقدم تبريراً لتلك الفئات المتعصبة، فكيف تبرر الحكومة موقفها وهي المتصدية لخدمة الحرمين الشريفين، وعلى أرضها يعيش ما لا يقلّ عن 25% من سكانها هم من معتنقي ذلك المذهب ؟
ان منطق العقل والحكمة، كما هو منطق الدين وقيم التحضّر، يجعلان من الترفع عن الخوض في مثل تلك الصراعات وتغذيتها أمرا من صميم الإدارة والسياسة الراشدة، التي تجعل تداعي عوامل الفرقة والخلاف مبرراً من مبررات خلق إطارات ووسائل الوحدة والإنسجام، وان إدراك خطر ذلك الوضع يستدعي اول ما يستدعي، إقدام الحكومة على خطوة جريئة ترتفع بها عن الخلافات الاجتماعية والمذهبية، ملغية أسباب التناحر بدل استثمارها في الصراعات السياسية.
ومما يثير العجب والاستغراب في هذا الاتجاه، صدور الجزء الثاني من كتاب (وجاء دور المجوس)، الذي تتبناه المؤسسة الدينية الحكومية، تحت عنوان (حول السنّة في إيران) في الوقت الذي تشهد فيه الساحة السياسية عودة العلاقات السعودية الإيرانية!! فهل يا ترى يخدم هذا الكتاب المصلحة السياسية والاجتماعية للبلاد ؟ ولماذا الإصرار على تغذية هذه الاتجاهات السلبية؟ وإذا كان حديث الإيرانيين فيما مضى عن أحوال الشيعة في البلاد لا يجوز، فهل الحديث بهذا التضليل المتعمد المثير للفتنة عن سنًة إيران أمر جائز !!
أخيراً ان الشيعة في البلاد ينتظرون من الحكومة خطوات جريئة تضع الأمور في نصابها، وتشعرهم بهويتهم الدينية والثقافية، كما تعيد لهم حقوق مواطنتهم.... وان من أهم الخطوات في ذلك الإتجاه هو ان تنظر الحكومة من جديد إلى هذين العاملين.
|
|
محاولات التهميش السياسي والاطار الطائفي المفقود
|
|
(لا شيعية بعد اليوم) تحت هذا الشعار بدأ صدّام معركة الإبادة ضد الشيعة في العراق، وبذلك الشعار غضت الولايات المتحدة والعالم الغربي الطرف عن مجازر صدام، موجهة الانظار تجاه القضية الكردية مع العلم ان ما لقيه الشيعة من إبادة على يد النظام العراقي تجاوزت آثارها هتك الأعراض وتدنيس المقدسات إلى قتل أكثر من مئة ألف شخص وتهجير مئات الألوف الأخرى.
ان المتتبع لأخبار الساحة الدولية، وتعاملها مع قضية الشيعة في العراق، ليلمس حجم المؤامرة التي تحاك عالمياً، حول المستقبل الشيعي في المنطقة، والتي ترمي بين ما ترمي إليه الحيلولة دون حصول الشيعة على حقوقهم المشروعة وتهميش دورهم السياسي في كل المنطقة.
ان أمثلة وشواهد عدة عن حجم المأساة التي يعيشها الشعب العراقي والتي يقشعرّ جسم الإنسان من فظاعتها، تكشف عن مدى التناقض الحاد في المنهج والشعار الذي تعيشه الحكومات الغربة، وان ما تنادي به من حقوق الانسان وحرياته، ما هي إلا شعار يستخدم بما ينسجم مع الحفاظ على المطامع والمصالح الغربية وروافدها الإقليمية.
لقد بات واضحا الآن ان ذلك العمل الجاري اليوم على القضية العراقية، يتعداها إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، فالتهميش السياسي الحاصل اليوم للشيعة في العراق، وحملات القتل والإذلال التي يتعرضون لها، ما هي إلا إرهاصات لمرحلة مقبلة، ستلقي بظلالها على مجمل القضايا الشيعية الأخرى في المنطقة، وبالتالي فإن التصدي لهذا المخطط هو من أولى واجبات جميع الشيعة في الخليج.
فالنقطة الغائبة عن الجميع في هذه المرحلة الحساسة للأسف هي عدم إدراك المجتمع الشيعي حجم المخطط الذي يحاك وينفذ اليوم ضد وجوده ومستقبله، واكتفائه باتخاذ الموقف السلبي في عدم السعي لمعالجة الأرضية التي تنطلق منها جميع تلك المؤامرات. ان تصحيح الموقف الشيعي، والانطلاق به إلى مستوى التعاطي الإيجابي مع هذا الموضوع الحساس, وفتح باب الحوار الداخلي الساعي إلى توحيد الجهد الشيعي هو الضمانة الوحيدة للنأي بمواقع ومستقبل الطائفة من ان يكونا الضحية الأولى للترتيبات الأمنية والسياسية الجارية اليوم في منطقة الخليج.
القوة الشيعية والإطار المفقود
لقد ظلّ التعاطي العالمي مع قضايا الشيعة في المنطقة ينطلق من منطلق الخوف والحذر من الإمكانات الهائلة للمجتمع الشيعي، وتكرار حالة الصراع مع الغرب وفق النموذج والتجربة الإيرانية، فالموقع الاستراتيجي الحساس بما يوفره من ثروات هائلة مع الخصائص البنيوية للمجتمع الشيعي كوّنا على الدوام جملة من الثوابت في كيفية التعاطي الغربي أو المحلي مع القضايا الشيعية.من هنا فان الحركة الشيعية المضادة الهادفة إلى تبديل تلك المعادلة مدعوة بشكل أو بآخر للإستفادة من إمكاناتها في التعاطي الجديد مع الساحة المحلية والعالمية.
فالموقع الشيعي بما يمتلكه من ثروات وإمكانات هائلة يمثل عنق الزجاجة في منطقة الشرق الأوسط.. وهو بهذه الكيفية عظيم الأهمية والفائدة للمصالح الأمريكية والغربية التي يمثل نفط المنطقة شرياناً حيوياً لها.
فالتقديرات الإقتصادية تشير إلى ان الشرق الأوسط يختزن تحت أراضيه ما يزيد على 400مليار برميل من النفط الخام، منها 173مليار في السعودية، و94، 5 مليار في الكويت، و48، 8 مليار في إيران، و100مليار في العراق، وهو ما يعادل ثلثي الإحتياط العالمي الذي يصل إلى 650مليار برميل تقريباً.
وهذا يظهر بوضوح ان الشرق الأوسط يمثل واحداً من أهم المفاصل المهمة في العالم نظراً لأنه سيؤمن ثلثي إحتياجات العالم من الوقود لسنوات طويلة، أما الشيعة فإنهم يمثلون ـ على الصعيد الاستراتيجي ـ واحداً من أهم المفاصل في العالم، لان إحتياطي البترول العالمي يقدر تحت الأراضي التي يعيشون عليها، فإيران والعراق حيث الشيعة في الأولى 90%والثانية 855%يختزنان 148، 8 مليار برميل، والسعودية حيث يوجد البترول في المناطق ذات الأكثرية الشيعية دون غيرها، وعلى ذلك فإن الأراضي التي يسكنها الشيعة تنطوي على 278 مليار برميل تقريباً، هذا إضافة إلى الكويت التي تبلغ نسبة الشيعة فيها 40%من إجمالي عدد السكان.
وهذا يعني ببساطة ان الشيعة يعيشون في إحدى أهم المناطق في العالم ويملكون واحداً من أهم المفاصل في العالم، ومع ذلك فهم مهتضمون كامل حقوقهم، حتى البحرين والعراق التي يمثل الشيعة في كل منهما 85%، وحتى لبنان التي يمثل الشيعة أكبر طائفة فيها.
والسؤال الآن ما هي العناصر التي تشكّل أهمية الوجود الشيعي، وما هي العقبات التي حالت حتى الآن دون ظهور هذه الأهمية ؟
ان الجواب على ذلك يتلخّص في عدم وجود الكيان والإطار الذي يجمع هذا الشتات الكبير، فالشيعة الذين يتجاوزون الثلاثمائة مليون نسمة عدداً في العالم، لم يقدر لهم ان يؤسسوا حتى الآن إطاراً يجمعهم أو يمثلهم أو يتكلم باسمهم، على الرغم من أنهم مهيئين أكثر من سواهم لذلك.
ان ما يجب السعي من أجله الآن في مواجهة هذه المشاكل والمخاطر المحدقة بالكيان، هو تشكيل إطاراً أو رابطة تكون محوراً ومركزاً للنشاط الشيعي الهادف إلى بلورة الطاقات أو تجميع الامكانات، والتعبير عن الإرادات، وان لدينا في العالم عدد هائل من الناس أوشكوا على الذوبان والخروج ضمناً أو فعلاً من دائرة التشيع، ولدينا الملايين من الشيعة يتعرضون للمذابح والاضطهاد، ولدينا عشرات وعشرات من القضايا الشيعية التي تحتاج إلى من يطلقها من اسر الصمت، وهذه كلها تحتاج إلى من يعبر عنها، وتحتاج إلى كيان أو إطار تخرج من خلاله من محدودية الإقليم أو الفئة إلى رحاب العالم.
ترى من كان سيجرؤ على اهتضام الحق الشيعي لو كنّا نستطيع تحريك العالم ضد المعتدي؟ هل كنا سنتعرض للمذابح والإهانة في عقائدنا وتهميش أدوارنا في مناطقنا كما هو حادث اليوم ؟!
ان التحرك الشيعي المنسق ضمن أطر معينة هو السبيل الوحيد القادر على التعاطي مع القضايا الشيعية بإيجابية ومع نسق القوة الدولية، وهو بحاجة بصورة أساسية إلى مبادرة أركان الطائفة وعقلائها، وممن يملكون الإمكانات بها، لاستيعاب الطاقات الشيعية المتناثرة، وصبّها في المجرى الذي يخدم الطائفة، لما فيه مصلحة الأمة الإسلامية.
وإذا كان عالم اليوم بما فيه حكومات المنطقة، لم يعرفوا من التشيّع إلا وجه الصدام والتناقض من خلال تجربتهم مع الثورة الإسلامية في إيران خلال عقد كامل من الزمن، فان الأمر يصبح أكثر إلحاحاً على القوى الشيعية في ان تفتح حوارات سياسية وفكرية مع مختلف الأطراف على الساحة الدولية، هدفها التعريف بواقع وآمال وحقوق الشيعة، ومن ثم إزالة الإلتباس الناشئ عن الفهم والتصنيف الخاطئ للواقع الشيعي.
ان ما يجب ان تدركه حكومات الخليج، ومن ورائها الحكومات الغربية ذات النفوذ والمصالح في المنطقة، هو ان أي ترتيب جديد للوضع الأمني والسياسي غير قائم على إصاف الشيعة لن يكون ضمانة كافية لضمان استقرار المنطقة وأوضاعها على المدى المتوسط والبعيد، وبالتالي إذا ما أريد لهذه الترتيبات النجاح لابّد لها من وضع واقع ومصالح جميع القوى والفئات الإجتماعية في الاعتبار.
|
|
مطالبنا
|
|
1ـ ان تعلن الحكومة السعودية احترامها للمذهب الشيعي كأحد المذاهب الإسلامية وتعترف بحق المواطنين الشيعة ببمارسة أمور دينهم.
2ـ حرية وحرمة الأماكن العبادية بالسماح للشيعة ببناء المساجد والحسينيات وتعمير مراقد أئمة البقيع وسائر الأولياء.
3ـ نظام التعليم الحكومي في جانبه الديني في مناطق تواجد الأكثرية الشيعية يكون وفق المذهب الشيعي.
4ـ حرية الفكر والثقافة بالسماح بطبع ودخول الكتب الشيعية ومنح امتيازات لإصدار مجلات وصحف من قبل الشيعة في إطار القانون.
5ـ وقف حملات التشهير بالشيعة والطعن في مذهبهم وإعطائهم حق الدفاع عن مذهبهم.
6ـ اعطاء الصلاحيات الكاملة للقضاء والمحاكم الشيعية كسائر المحاكم في البلاد.
7ـ حرية ممارسة الشعائر المذهبية.
8ـ تكافؤ الفرص بإلغاء التمييز الطائفي في الجامعات والمؤسسات التعليمية والوظائف الحكومية السياسية والعسكرية والأمنية.
10ـ الإهتمام العمراني بالمناطق الشيعية ووضع حد لما تعانيه من إهمال وحرمان.
|