آية الله جعفر السبحاني




كيف نَحسم الموقف؟

أيّها القارئ الكريم: يجب أن تعلم بأنّ إزالة الخلافات ـ الموجودة بين المسلمين و الوهّابيّين في كثير من المسائل ـ تتوقّف على تحليل مفهوم «العبادة». و مع عدم الوقوف على تعريف منطقي للعبادة و عدم التفاهم و الإنصاف بين الطَّرفين، لا فائدة في البحث و المناقشة. من هنا... فلابدَّ للإنسان المحقّق أن يقوم بجولة تحقيقية في عمق هذا الموضوع، و أن لا ينخدع بالتعريفات اللُّغويَّة المجملةـ الناقصة عن التحليل و التوضيح ـ و خيرُ مصدر يُرجع إليه هي الآيات القرآنية، فهي الدليل المرشد في هذا المجال ـ و كلّ مجال ـ .
 و من المؤسف أنّ كلّ الكُتّاب و المؤلّفين الوهّابيّين ـ و كذلك الذين كتبوا الردود على معتقداتهم ـ قد أطالوا البحث و التحقيق في نقاط أُخرى، و لم يُركّزوا على هذه النقطة المهمّة بالشرح و التحقيق. فالوهّابيّون يقولون: إنّ كثيراً من الأعمال الّتي تقومون بها ـ أيّها المسلمون ـ تجاه النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و الأئمة من أهل بيته ـ عليهم السلام ـ هي عبادة لهم، و ذلك يستلزم الشرك في عبادة اللّه تعالى.
 فيجب على المسلمين أن يُقدّموا توضيحاً و شرحاً دقيقاً للعبادة حتى يُجرّدوا الوهّابيّين من هذا السيف الموهوم. إنّ الوهّابيّة تَعتبر كثيراً ممّا يقوم به المسلمون تجاه الميّت عبادة له، مثلا:
 1ـ الاستشفاع بالنبىّ و الصالحين.
 2ـ الاستشفاء بأولياء اللّه.
3ـ طلب قضاء الحوائج من قادة الدين.
 4ـ تكريم صاحب القبر و تعظيمه.
 5ـ الاستعانة بالنبىّ الأكرم، و غيره. فهم يقولون: إنّ الشفاعة من أفعال اللّه، و كذلك الشفاء منه سبحانه، فطلب أحدهما من غيره يؤدّي إلى عبادته.

ما هي «أفعال اللّه تعالى»؟

 نحن ـ في نظرة سريعة ـ نُقدّم بحثاً موجزاً عن أفعال اللّه و معناها، كي يتّضح الموضوع... فنقول: إذا كان الّذي يقوم بالشفاعة و الشفاء يقوم بهما بقدرته الشخصيّة و بإرادته المستقلّة، من دون أن يكون قد اكتسب حقَّ الشفاعة من أحد، و من دون اعتماد على قدرة تتفوَّق عليه، فهذا من أفعال اللّه الخاصّة به سبحانه، و الاستشفاع بأحد بهذا ـ الاعتقاد ـ معناه الإيمان بربوبيّته وإلوهيَّته.
 أمّا لو كان الاستشفاع و الاستشفاء مجرداً و خالياً من هذا الاعتقاد، بأن يستشفع الإنسان بمن يعتقد بعبوديَّته للّه، و أنه يتصرَّف بالاستعانة بقدرة اللّه تعالى و إذن منه سبحانه، فهذا الاستشفاع و الاستشفاء لا يلازم الاعتقاد بالإلوهيَّة والربوبيَّة، و لا هو طلبُ فعل اللّه من غير اللّه. يقول القرآن الكريم عن لسان النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ : (...وَ أُبْرِئُ الأكمه و الاَْبْرَصَ وَ أُحيِى الْموْتى بِإِذْنِ اللّهِ...)(1).
  و نفس هذا التوضيح يأتي بالنسبة إلى طلب قضاء الحاجة من أحد أولياء اللّه أوالاستعانة به، فطلب قضاء الحاجة له صورتان:
 1ـ الطلب من العبد ـ مع الاعتقاد بقدرته المستقلَّة ـ فهذا عبادة.
 2ـ الطلب من العبد ـ مع الاعتقاد بعبوديَّته للّه و استمداده منه سبحانه ـ فهذا لا يرتبط بالعبادة أبداً. إنّ هذا التوضيح ليس فقط الحدّ الفاصل بين العبادة و غيرها، بالنسبة إلى هذه الأفعال، بل هو قاعدة عامّة تفصل بين التوحيد و الشرك في كلّ المؤثّرات و الأسباب.  إنّ الاعتقاد بتأثير «الاسپرين» ـ مثلا ـ في تسكين الآلام، إذا كان نابعاً من قدرته المستقلة في ذلك، و أنه لا يرتبط بقدرة أعلى ـ و هي اللّه تعالى ـ فهذا معناه الاعتقاد بإلوهيَّته، أمّا الاعتقاد بأنّ اللّه تعالى هو الّذي جعل هذا الأَثر في الاسپرين، و أنَّ هذا الدواء ليس إلاّ سبباً لتسكين الآلام، و أنه لا يُسكّن الألم إلاّ بإذن اللّه، فإنّ هذا الاعتقاد نابع من التوحيد ذاته، لأنّه «لا مؤثِّر في الوجود إلاّ هو».
  و لهذا قلنا: إنَّ حسْم الخلافات يتوقّف على تحديد معنى «العبادة» و فرز التوحيد من الشرك، و أفعالِ اللّه من غيرها، و الإلوهيَّة من العبوديّة. و قد سبقت الإشارة إلى أنّ عرب الجاهليّة كانوا يعتقدون ذلك الاعتقاد الخاطئ، بأنّ الأصنام هي الّتي تدير بعض شؤون الكون إدارة مستقلَّة و تملك الشفاعة و غيرها، و هذا هو الّذي صيَّرهم مشركين.  هذا... و لزيادة في التفصيل راجع الكتب التالية:
 1ـ معالم التوحيد في القرآن الكريم.
 2ـ التوحيد و الشرك في القرآن الكريم.
 3ـ بحوث قرآنية في التوحيد و الشرك. 4ـ في ظلِّ أُصول الإسلام .

كلامٌ للعلاّمة القضاعىّ المصرىّ

ثمّ إنّي لمّا حرّرت ذلك و بيّنت حدود العبادة، وقفت على كلام لأحد المحقّقين من علماء الأزهر الشريف، أعني به: الأُستاذ الشيخ سلامة القضاعىّ العزامىّ الشافعىّ مؤلّف «فرقان القرآن بين صفات الخالق و صفات الأكوان»(1) قال أنار اللّه برهانه: «فلننتقل بك إلى معنى العبادة شرعاً، وأرجو أن تعطي هذا المقام فضل تنبّه فإنّ الغلط فيه هو المزلقة الكبرى والمزلّة العظمى، الّتي استحلّت بها دماء لا تحصى، وانتهكت بها أعراض لا تعدّ، وتقاطعت فيها أرحام أمر الله بها أن توصل، عياذاً بالله من المزالق والفتن، ولا سيّما فتن الشبهات».
فاعلم أنّهم فسّروا العبادة بالإتيان بأقصى غاية الخضوع، وأرادوا بذلك المعنى اللغوي، أمّا معناها الشرعي فهو أخصّ من هذا كما يظهر للمحقّق الصبّار على البحث من استقراء مواردها في الشرع فإنّه الإتيان بأقصى غاية الخضوع قلباً باعتقاد ربوبية المخضوع له، أو قالباً (1) مع ذلك الاعتقاد ـ و «أو» فيه للتقسيم ـ فإن انتفى ذلك الاعتقاد لم يكن ما أتى به من الخضوع الظاهري من العبادة شرعاً في كثير ولا قليل مهما كان المأتيّ به ولو سجوداً. ومثل اعتقاد الربوبية اعتقاد خصيصة من خصائصها كالاستقلال بالنفع والضرّ، وكنفوذ المشيئة لا محالة ولو بطريق الشفاعة لعابده عند الربّ الّذي هو أكبر من هذا المعبود. وإنّما كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم ودعائهم إيّاهم وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، وهو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له، أو خاصّة من خواصّها كما سيأتيك تفصيله. ولا يصحّ أن يكون السجود لغير الله فضلاً عمّا دونه من أنواع الخضوع بدون هذا الاعتقاد عبادة شرعاً، فانّه حينئذ يكون كفراً، وما هو كفر فلا يختلف باختلاف الشرائع، ولا يأمر الله عزّوجلّ به (... قُلْ إنَّ اللهَ لا يَأمُرُ بِالْفَحْشاءِ...)(2) (... وَلا يَرْضَى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ...)(3) وذلك ظاهر إن شاء الله. وها أنت ذا تسمع الله تعالى قد قال للملائكة: (... أُسْجُدُوا لاِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبليسَ أَبى وَ اسْتَكبَرَ...)(4) وقال: (... أَنَا خَيرٌ مِنْهُ...)(5).
 وقال: (... أَأَسْجُدُ لِمَن خَلَقتَ طيناً...)(6).
والقول بأنّ آدم كان قبلة قول لا يرضاه التحقيق ويرفضه التدقيق في فهم الآيات كما ينبغي أن تفهم. فإن قصر فهمك عن هذا فهذا نبىّ اللّه يعقوب و امرأته و أولاده الأحد عشر قال اللّه فيهم: (...وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً...)(7) أي ليوسف ـ عليه السلام ـ . قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: «أي سجد له أبواه و إخوته الباقون و كانوا أحد عشر رجلا، و قد كان هذا سائغاً في شرائعهم إذا سلّموا على الكبير يسجدون له، و لم يزل هذا جائزاً من لدن آدم إلى شريعة عيسى ـ عليه السلام ـ ، فحرّم هذا في هذه الملّة، و جعل السجود مختصّاً بجناب الربّ تعالى. هذا مضمون قول قتادة و غيره. و في الحديث «أنّ معاذاً قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم فلمّا رجع سجد لرسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ و آله ] و سلّم ـ، فقال: ما هذا يا معاذ؟ فقال: إنّي رأيتهم يسجدون لأساقفتهم و أنت أحقّ أن يسجد لك، قال: لو كنت آمراً أحداً أنّ يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقّه عليها». و في حديث آخر: «أنّ سلمان لقي النبي صلّى اللّه عليه [وآله] و سلّم في بعض طرق المدينة ـ و كان سلمان حديث عهد بالإسلام ـ فسجد للنبىّ صلّى اللّه عليه [و آله ]و سلّم فقال: لا تسجد لي يا سلمان و اسجد للحيِّ الّذي لا يموت» و الغرض أنّ هذا كان جائزاً في شريعتهم» انتهى. و قال الإمام أبو جعفر في تفسيرها نحواً من هذا. و قد علمت أنّ ما هو كفر لا يختلف باختلاف الشرائع و لا يأمر اللّه به في حين من الأحيان، فلم يكن سجود الملائكة لآدم و لا السجود ليوسف ـ عليهما الصلاة و السلام ـ مع خلوّ الساجدين من اعتقاد خصيصة من خصائص الربوبيّة، بمن سجدوا له، كفراً بل هو من الملائكة عبادة للّه الّذي أمرهم سبحانه، و ممّن سجد ليوسف تحية جائزة، و نسخ الجواز في شريعتنا، و إنّما حكم العلماء بالكفر على من سجد لشمس أو قمر أو وثن من أجل أنه أمارة على الكفر الّذي هو إنكار ما علم من الدين بالضرورة، كما حكموا بالإيمان ـ و هو معنى قلبي كما علمت ـ لمن نطق بالشهادتين من أجل أنّه دليل عليه، لا لأنّ الأوّل بمجرده كفر و الثاني بمجرده إيمان. فإن تعسّر عليك فهم هذا و هو ليس بعسير إن شاء اللّه تعالى، فانظر إلى نفسك فإنه قد يقضي عليك أدبك مع أبيك و احترامك له أن لا تسمح بالجلوس أو الاضطجاع بين يديه، فتقف أو تقعد ساعة أو فوقها، و لا يكون ذلك منك عبادة له، لماذا؟ لأنّه لم يقارن هذا الفعل منك اعتقاد شيء من خصائص الربوبية فيه. و تقف في الصلاة قدر الفاتحة و تجلس فيها قدر التشهد و هو قدر دقيقة أو دقيقتين فيكون ذلك منك عبادة لمن صلّيت له، و سرّ ذلك هو أنّ هذا الخضوع الممثّل في قيامك و قعودك يقارنه اعتقادك الربوبية لمن خضعت له عزّوجلّ. و تدعو رئيسك في عمل من الأعمال أو أميرك أن ينصرك على باغ عليك، أو يغيثك من أزمة نزلت بك و أنت معتقد فيه أنه لا يستقلّ بجلب نفع أو دفع ضرّ، ولكن اللّه جعله سبباً في مجرى العادة يقضي على يديه من ذلك ما يشاء فضلا منه سبحانه، فلا يكون ذلك منك عبادة لهذا المدعو و أنت على ما وصفنا. فإن دعوته و أنت تعتقد فيه أنه مستقلّ بالنفع أو الضرّ أو نافذ المشيئة مع اللّه، لا محالة كنت له بذلك الدعاء عابداً، و بهذه العبادة أشركته مع اللّه عزّوجل، لأنّك قد اعتقدت فيه خصيصة من خصائص الربوبية، فإنّ الاستقلال بالجلب أو الدفع و نفوذ المشيئة لا محالة هو من خصائص الربوبية، و المشركون إنّما كفروا بسجودهم لأصنامهم و نحوه لاعتقادهم فيها الاستقلال بالنفع أو الضرّ و نفوذ مشيئتهم لا محالة مع اللّه تعالى، و لو على سبيل الشفاعة عنده، فإنّهم يعتبرونه الربّ الأكبر و لمعبوداتهم ربوبية دون ربوبيّته، و بمقتضى ما لهم من الربوبية وجب لهم نفوذ المشيئة معه لا محالة.
 و يدلّ على ما قلنا آيات كثيرة كقوله تعالى: (أَمَّنْ هذَا الَّذي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُم مِن دُونِ الرَّحَمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إلاّ في غُرور)(1). و قوله (أمْ لَهُم آلِهَةٌ تَمنَعُهُم مِن دُونِنا لا يَستَطيعُونَ نَصرَ أَنْفُسِهِمْ وَ لا هُمْ مِنّا يُصحَبُونَ)(2).
 و الاستفهام في الآيتين إنكاري على سبيل التوبيخ لهم على ما اعتقدوه. وحكى اللّه عن قوم هود قولهم له ـ عليه السلام ـ (إن نَقُولُ إلاّ اعتَراكَ بَعضُ آلِهَتِنا بِسُوء...)(3) و قوله لهم(...فَكِيدُوني جَميعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونَ * إنّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبّي وَ ربِّكُمْ...) الآية(4).
و كقوله تعالى موبّخاً لهم يوم القيامة ما اعتقدوه لها من الاستقلال بالنفع و وجوب نفوذ مشيئتها: (...أَينَ ما كُنتُمْ تَعبُدُونَ * مِن دُونِ اللّهِ هَل يَنصُرُونَكُمْ أو يَنتَصِرُونَ)(5).
و قولهم و هم في النار يختصمون يخاطبون من اعتقدوا فيهم الربوبية و خصائصها: (تَاللّهِ إِنْ كُنّا لَفي ضَلال مُبين * إذ نُسَوّيكُم بِرَبِّ العَالَمينَ)(6).
 فانظر إلى هذه التّسوية الّتي اعترفوا بها حيث يصدق الكذوب، و يندم المجرم حين لا ينفعه ندم. فإنّ التسوية المذكورة إن كانت في إثبات شيء من صفات الربوبية فهو المطلوب.
 و من هذه الحيثية شركهم و كفرهم، لأنّ صفاته تعالى تجب لها الوحدانية بمعنى عدم وجود نظير لها في سواه عزّوجلّ، كما مرّ مفصّلا في المقصد. و إن كانت التسوية في استحقاقها للعبادة فهو يستلزم اعتقاد الاشتراك فيما به الاستحقاق، و هو صفات الإلوهية أو بعضها، و إن كانت في العبادة نفسها فهي لا تكون من العاقل إلاّ لمن يعتقد استحقاقه لها كربّ العالمين، تعالى اللّه عمّا يشركون. و كيف يُنفى عنهم اعتقاد الربوبية بآلهتهم و قد اتّخذوها أنداداً و أحبّوها كحبّ اللّه كما قال تعالى فيهم: (وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَنداداً يُحِبُّونَهُم كَحُبِّ اللّهِ...)(1).
 و الأنداد جمع ندٍّ و هوعلى ما قاله أهل التفسير و اللغة المثل المناوي، فهذا ينادى عليهم أنّهم اعتقدوا فيها ضرباً من المقاومة للحقّ، تعالى عمّا يقولون. أمّا قوله تعالى فيهم: (وَ لَئن سَأَلتَهُمْ مَن خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ اللّهُ...)(2) و نحوه، فليس معناه أنهم لا يثبتون لآلهتهم ربوبية و لا خاصّة من خواصّها، بل معناه أنّهم إذا نوقشوا اعترفوا بالحقّ الّذي فطر اللّه عليه النفوس، و دلّت عليه الكائنات، ثم ما أسرع ما يرجعون إلى اعتقاد الربوبية الباطلة في آلهتهم، فينتكسون و يرتكسون كما قال عنهم في آية أُخرى: (يَعرِفُونَ نِعمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَها وَ أَكثرُهُمُ الكافِرُونَ)(3) وكقوله تعالى في طائفة منهم: (...كُلَّ ما رُدُّوا إلَى الْفِتنَةِ أُركِسُوا فيها...)(4) و ليس ذلك بعجيب ممّن اتخذ إلهه هواه، و إنك لتشاهد بين أهل الأهواء من تناقشه في بدعته و يصغي إليك فيقتنع بالحجّة وقت المناقشة و يعترف بمخالفته للحقّ و تظهر فيه مخايل الإنصاف، فإذا انقضى المجلس عاد إلى ما ألِف من الهوى، و ارتكس في بدعته كأن لم يكن بينك و بينه نقاش ـ إلاّ من رحم اللّه ـ و قد رأينا ذلك كثيراً في كثير ممّن لقينا من أهل الأهواء ـ نسأل اللّه العافية بفضله ـ .
على أنّه لو سلّم أنّهم لم يعتقدوا لآلهتهم خلقاً و لا رزقاً و لا تدبيراً للأمر، فهم يعتقدون فيها غير ذلك من خصائص الإلوهية و هو وجوب نفوذ مشيئتها، فإنّهم يرون أنّ شفاعتها مقبولة لا تردّ و ليست متوقّفة على إذنه، تعالى عمّا يقول الجاهلون به علوّاً كبيراً. و لذلك قال اللّه تعالى في القرآن ردّاً على هذا الزعم: (...مَنْ ذَا الَّذي يَشفَعُ عِندَهُ إلاّ بِإذْنِهِ...)(1) .
قال القاضي ناصر الدين البيضاوي في تفسيرها: «بيان لكبرياء شأنه، و لأنّه لا أحد يساويه أو يدانيه يستقلّ بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة فضلا أن يعارضه عناداً و مناصبة»، فانظر إلى قوله «يستقلّ بأن يدفع ما يريده شفاعة» تجده صريحاً في اعتقاد وجوب مشيئتها معه عزّوجلّ، و وجوب نفوذ المشيئة من خصائص الربوبية كما لا يخفى. و هذا النوع من الشفاعة هو الشفاعة الشركية و هي الّتي أبطلها القرآن، فإنّ اعتقادها كفر، كما قال تعالى: (أَمِ اتَّخَذوا مِن دُونِ اللّهِ شُفَعاءَ...)الآيتين.(2)فانظر إلى قوله «من دون اللّه» و كما قال اللّه تعالى (قُلْ مَنْ ذَا الَّذي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللّهِ إِنْ أرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً...)(3).
 أمّا الشفاعة الّتي يعتقدها أهل التوحيد و جاء بها الكتاب و السنّة فهي بعيدة من هذا بُعد الإيمان عن الكفر و النور عن الظلمة، و هي دعاء الشافع للمشفوع فيه فيستجيب بفضله لمن شاء، وهو معنى الاستثناء في قوله تعالى (إلاّ بإذنه) والمراد هنا بالإذن الرضا كما قال في الآية الأُخرى (...وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى...)(1)وكقوله: (وَ كَمْ مِنْ مَلَك في السَّمواتِ لا تُغني شَفاعَتُهُمْ شَيئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأذَنَ اللّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَرْضى)(2).
 و بهذا يتبيّن لك الفرق بين ما أثبته القرآن من الشفاعة و بين ما نفاه منها، و هو ما كان بغير إذنه و رضاه. جلّ أن يكون في ملكه إلاّ ما يشاء أمّا الشفاعة بإذنه و رضاه من عباده المصطفين الأخيار لعصاة الموحّدين فهي جائزة بل واقعة لثبوتها بالتواتر و ليس فيها محذور، و اعتقادها من الدين، فإنّها من باب الدعاء و هو تعالى يستجيب للذين آمنوا و عملوا الصالحات و يزيدهم من فضله. و عسى أن يكون قد وضح لك إن شاء اللّه ما هو معنى العبادة شرعاً، و حينئذ تعلم أنّه ليس من عبادة غير اللّه في شيء أن يبتغي المسلم إلى اللّه الوسيلة(3).
 هذا نصّ ما أفاده العلاّمة القضاعي، أتينا به لما فيه من فوائد جمّة، و قد أوضحنا حالها في كلامنا المتقدّم فلاحظ أيّها القارئ المنصف.

الفصل الثاني عشر الاستعانة بأولياء اللّه تعالى في حياتهم

إنَّ طلب شيء ما ـ من أولياء اللّه تعالى ـ يقع بأشكال مختلفة، نشير إليها فيمايلي:
 1ـ أن نطلب من الإنسان الحىّ بأن يُعيننا في بناء دار أوسقي ماء.
 2ـ أن نطلب من الإنسان الحي بأن يدعو اللّه و يستغفره لنا. هاتان الصورتان تشتركان معاً في كون المطلوب أمراً طبيعياً، و المطلوب منه قادراً على إنجازه، و يفترقان في أنّ الطلب الأوّل يرتبط بالدنيا و الثاني بالآخرة.
 3ـ أن نطلب من الإنسان الحي في الدنيا إنجاز عمل، بدون الاستعانة بالأسباب المادّية له، بأن نطلب منه ـ مثلا ـ شفاء المريض بدون دواء، أو استرداد الشيء المفقود بدون البحث عنه، أو أداء الدّين بدون العمل على تحصيل المال.
و بعبارة أُخرى: نطلب منه إنجاز العمل عن طريق المعجزة أو الكرامة(1) من دون أن يستعين بالأسباب المادّية و الطبيعية. 4ـ أن نطلب من الإنسان الميّت أن يدعو اللّه لنا، و يكون الطلب منه نابعاً من الاعتقاد بأنّه حىٌّ يُرزَق في عالَم البرزخ.
 5ـ أن نطلب من الإنسان بأن يستعين بقدرة اللّه ـ الّتي مَنحَها إيّاه ـ على شفاء مريضنا أو إعادة مفقودنا، أو غير ذلك. و هاتان الصورتان هما كالصورة الثانية و الثالثة، لكن الفرق بينهما هو أنّ الطلب هناك كان من الإنسان الحي في عالَم المادَّة و الطبيعة، و هنا من الإنسان الميّت في الظاهر، و الحىّ في الواقع.
 و على هذا فلا يمكن أن نطلب من الميّت بأن يُعيننا ـ في الشؤون الماديّة ـ بواسطة الأسباب والعوامل الماديّة، و ذلك لأنّ المفروض انقطاع الميّت عن عالَم المادّة بارتحاله من هذه الدنيا.
 أيّها القارئ الكريم: هذه خمسة أقسام من الاستعانة، ثلاثة منها تختصّ بالإنسان الحي في عالَم المادّة، و إثنان تختصّ بالإنسان الحي في العالَم الآخَر. نحن الآن نتحدّث عن الصور الثلاث الأُولى، و نؤجّل الحديث عن الاستعانة بأولياء اللّه ـ الأحياء في عالَم الآخرة ـ إلى الفصل القادم إن شاء اللّه.
 و إليك البحث عن الأقسام الثلاثة:

ثلاث صور للاستعانة بأولياء الله تعالى

الصورة الأُولى:
 إنّ الاستعانة بالأحياء للشؤون العاديَّة ـ الّتي لها أسباب طبيعيّة ـ تُشكِّل الحَجَر الأساس للحضارة البشريّة، حيث إنّ حياة البشر ـ في الكرة الأرضية كلّها ـ تقوم على أساس التعاون، و أنّ العقلاء في العالَم يتعاونون لأُمورهم الحيويِّة. إنّ حكم هذه الصورة واضحٌ جداً، لدرجة أنّه لم يستنكره أحد، و لم يعترض عليه إنسان و بما أنّ بحثنا قائم على ضوء القرآن و الأحاديث، فإنّنا ندرس هذه المسألة وان كانت واضحة الحكم من الزاوية القرآنية أيضاً، و نكتفي بآية واحدة. عند ما أراد «ذوالقَرنين» أن يبني سَدّاً يحول دون هجوم «يأجوج» و «مأجوج» التفت إلى سُكّان المنطقة و قال: (فَأَعينُوني بِقُوَّة أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ رَدْماً)(1)
الصورة الثانية:
 إنّ الاستعانة بالإنسان الحي ـ في هذا العالَم المادّي ـ للدعاء إلى اللّه تعالى بالخير و الاستغفار منه، هي من الضرورات الواضحة الّتي لا يختلف فيها اثنان، و القرآن الكريم يؤكّد على ذلك في موارد متعدّدة، و القيام بجولة خاطفة في رحاب الآيات الكريمة يُثبت لنا أنّ الأنبياء كانت عادتهم الدعاء لأُممهم بالخير و الهداية و الرشاد، أو أنّ الأُمم نفسها كانت تطلب من أنبيائها الدعاء لها بالمغفرة و الخير.
 و الآيات كثيرة، و هي على أقسام، نذكرها على الأرقام التالية:
 1ـ تارة يأمر اللّه تعالى نبيَّه المصطفى ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يستغفر لأُمَّته، فيقول:
(فَاْعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْلَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ في الاَْمْرِ)(1).
 (...فَبايِعْهُنَّ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُنَّ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ)(2).
 (خُذ مِنْ أمْوالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَ اللّهُ سَميعٌ عَليمٌ)(3).
 و في هذه الآية الأخيرة يأمر اللّه تعالى نبيَّه محمّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالدعاء لهم، و أنّ دعاءه يبعث السكينة و الطمأنينة في قلوبهم.
 2ـ وأخرى كان الأنبياء يَعِدون المذنبين و العاصين بالاستغفار لهم في الفرصة المناسبة، فمثلا يقول تعالى: (...إلاّ قَوْلَ إبْراهيمَ لأَبيهِ لاََسْتَغْفِرَنَّ لَكَ...)(4).
 (...سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبّي إِنَّهُ كانَ بي حَفِيّاً)(5).
(وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهيمَ لأَبيهِ إلاّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَها إيّاهُ...)(6).
 إنّ هذه الآيات الكريمة تدلّ على أنّ الأنبياء كانوا يبشّرون المذنبين بالاستغفار، حتى أنّ النبىّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ وَعَدَ «آزر» بالاستغفار له، و لكنه لمّا رأى آزر مُصرّاً على عبادة الأصنام تركه ولم يستغفر له ، لأنّ من شروط استجابة الدعاء أن يكون المدعوّ له مؤمناً باللّه تعالى.
3ـ و ثالثة يامر سبحانه المؤمنين المذنبين بالحضور عند رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى يستغفر لهم الرسول، لأنّ اللّه يغفر لهم ببركة استغفار النبىّ لهم، يقول سبحانه:
(... وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُم جاءُوكَ فاسْتَغْفروا اللهَ و استغفرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رحيماً)(1) فأيَّةُ آية أوضح من هذه الآية الّتي يأمر اللّه المذنبين ـ من هذه الأُمَّة ـ بالحضور عند رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و طلب الاستغفار منه لهم؟! إنّ المجيء إلى رسول اللّه و طلب الاستغفار منه له فائدتان: الأُولى: إنّه يبعث في الإنسان روح الطاعة و الانقياد لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و ذلك بالانتباه و التوجّه إلى عظمة النبيّ و وجاهته عند اللّه، بحيث إنّ استغفاره له يوجب مغفرة اللّه له. و بصورة عامّة... الحضور عند النبىّ و طلب الاستغفار منه يوجب الخضوع له، و يُهيّئ الإنسان نفسيّاً لامتثال قوله تعالى: (... أطيعوا اللّهَ وَ أطيعُوا الرَّسُولَ...)(2).
 الثانية: إنّ هذا يجسّد منزلة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لدى الأُمَّة، و يبيّن لهم أنّ الإفاضة المادّية كما أنّها متوقّفة على أسباب و عوامل طبيعية كذلك الإفاضة المعنوية ـ الّتي هي مغفرة اللّه لعباده ـ تأتي عبْر أسباب خاصّة، مثل دعاء النبي و أولياء اللّه للإنسان.
 إذا كانت الشمس منبعاً للإضاءة و الطاقة و الحرارة، و كانت هذه الخيرات تنزل على عباد اللّه بسببها، فإنّ الفيوضات الإلهيّة و الخيرات الربّانيَّة تنزل على عباد اللّه بسبب شمس النبوّة الساطعة و تشملهم بالخير و الرحمة.
 إنّ عالَم الوجود هو عالَم الأسباب و المسبّبات، و إنّ الخيرات المادّية و المعنوية تأتي عبر الأسباب المناسبة لها.
4ـ و يستفاد من بعض الآيات الكريمة أنّ المسلمين كانوا يحضرون عند رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ دوماً و يسألونه الدعاء و الاستغفار لهم، و لمّا اقترح المسلمون على المنافقين بالحضور عند النبىّ الكريم و طلب الدعاء و الاستغفار منه، رفضوا ذلك كما يقول سبحانه: (وَ إذا قيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْلَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)(1).
 5ـ و تشهد بعض الآيات الكريمة أنّ الناس كانوا يدركون ـ بفطرتهم النزيهة ـ بأنّ لدعاء النبي لهم تأثيراً خاصّاً ، و أنّ اللّه تعالى يستجيب دعاءهم بلا تردّد، و لهذا كانوا يسألونه الدعاء والاستغفار لهم من اللّه سبحانه. إنّ الناس كانوا يُستلهمون من فطرتهم السليمة أنّ الفيض الإلهي و الرحمة الربّانيَّة تُدَرّ عبْر دعاء الأنبياء، كما أنّ هداية الناس و إرشادهم يتمّ عبرهم، و لهذا كانوا يقصدونهم و يسألون منهم الاستغفار، كما جاء في القرآن الكريم ـ في قصّة إخوة يوسف بعد أن وقفوا على خطئهم و سوء تصرّفهم بالنسبة إلى أخيهم يوسف ـ قوله تعالى: (قالُوا يا أبانَا اسْتَغْفِرْلَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئينَ* قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُلَكُمْ رَبّي إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ)(2).
 6ـ هناك آيات كريمة يُحذّر فيها اللّه تعالى نبيَّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من الدعاء و الاستغفار للمنافقين الذين لا زالوا على عبادة الأصنام، و ذلك لأنّ عبادتهم لغير اللّه تمنع من مغفرة اللّه لهم، حتى لو استغفر لهم النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ممّا يدلّ على أنّ استغفار النبي نافذ و مؤثّر إلاّ لمن يعكف على عبادة الأصنام، لأنّ عبادة الأصنام مانعة من الاستجابة، فَمثَل استغفار النبىّ لهم كمَثَل الماء الزلال الّذي يهطل على الأرض الصلبة المانعة من نفوذ الماء فيها، يقول تعالى: (... إنْ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللـهُ لَهُمْ)(1).
 (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ...)(2).
 (وَ لَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَني إسْرائيلَ)(3).
 إنّ المذنبين سألوا النبىّ موسى ـ عليه السلام ـ الدعاء لهم، و تدلُّ جملة (بما عَهِدَ عندَك)على أنّهم كانوا يعلمون بأنّ للّه تعالى عهداً مع موسى.
 أمّا قوله تعالى: (ادعُ لنا ربَّك) ففيه احتمالان: الأوّل: أن يكون الدعاء لكشف العذاب عنهم عن طريق المعجزة، و ذلك بإيمانهم بقدرة النبىّ موسى على ذلك ـ بالاستعانة بقدرة اللّه سبحانه ـ.
 فلو صحّ هذا الاحتمال فالآية تدخل في البحث عن الصورة الثالثة ـ و هي الاستعانة بالإنسان الحي للقيام بعمل إعجازىّ خارق للأسباب المادّية ـ و سوف يأتي البحث عنها إن شاء اللّه تعالى.
 الاحتمال الثاني: أن يكون طلب مجرَّد الدعاء لكشْف العذاب، لا المعجزة و خَرق العادة.
و الظاهر هو الاحتمال الثاني: لأنّ المفهوم من جملة (ادعُ لنا ربَّك) هو مجرَّد الدعاء لكشف العذاب. نعم... ليس في الآية إشارة إلى أنّ اللّه تعالى لا يستجيب دعاء موسى في حقّ المشركين وعَبَدة العجل، و إنّما الإشارة سبقت في آيات أُخرى.
 7ـ يُستفاد من بعض الآيات القرآنية بأنّ بعض المؤمنين كان يستغفر للبعض الآخر، كما في قوله تعالى: (وَ الَّذينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْلَنا وَ لإخْوانِنَا الَّذينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ...)(1).
 8ـ و بالإضافة إلى أُولئك المؤمنين المستغفرين فإنّ حَمَلة العرش يستغفرون للمؤمنين أيضاً، كما في قوله تعالى: (الَّذينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعتَ كُلَّ شَيء رَحْمةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحيمِ)(2).
 بناءً على هذا فما أحسنَ أن نتّبع هؤلاء في هذه السيرة المرضيَّة للّه تعالى، و نستغفر اللّه للمذنبين. إلى هنا تمَّ البحث عن الصورة الأُولى و الثانية... و إليك البحث عن الصورة الثالثة.
الصورة الثالثة:
و هي الاستعانة بالإنسان الحىّ ـ القادر على المعجزة و خَرق العادة ـ من أجل تنفيذ عمل ما، عن طريق الإعجاز، و دون اللجوء إلى الأسباب المادّية، كشفاء المريض و تفجير الماء من عين يابسة، و ما شابه ذلك. إنّ بعض السادة الأعاظم يعتبرون هذه الصورة ـ من الاستعانة ـ داخلة في الصورة الثانية ويقولون: إنّ المقصود من المعجزة هو أن يسأل الإنسان ربَّه بأن يشفي مريضه أو يُسدِّد دُيونه وغير ذلك، لأنّ هذه الأفعال خاصّة باللّه تعالى، و ما دعاء النبىّ و الإمام إلاّ وسيلة إلى اللّه تعالى، و لهذا فإنّ نسبة هذه الأفعال إلى النبىّ و الإمام هي من باب المجاز لا الحقيقة.(1) إلاّ أنّ في القرآن آيات تدلّ ـ بوضوح على أنّ طلب هذه الحوائج من الأنبياء و الأولياء أمرٌ حقيقي و ليس مَجازاً، فإنّنا إذ نطلب من المعصوم نفسه ـ القادر على المعجزة ـ بأن يشفي المريض ـ الّذي صعب علاجه ـ فإنّ ذلك يتحقّق بحول اللّه و قوَّته. صحيح أنّ القرآن الكريم يعتبر الشفاء من اختصاص اللّه تعالى فيقول: (وَ إِذامَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفينِ)(2).
 إلاّ أنّه في الوقت نفسه ينسب الشفاء إلى القرآن و العسل أيضاً فيقول: (وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ...)(3).
 (...يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ...)(4).
(...قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ...)(1).
و السؤال الآن: ما هو وجه الجمع و التوافق بين هذه الآيات؟ الجواب: إنّ النظر الصائب في الجمع بين هاتين المجموعتين من الآيات ـ الّتي تجعل الشفاء من اختصاص اللّه تعالى، و تثبته للعسل و القرآن و المواعظ الإلهية ـ هو أنّ اللّه سبحانه مُؤثِّرٌ في الأشياء بالاستقلال، و معتمدٌ على ذاته المقدَّسة في الأُمور كلّها، بينما العسل و القرآن و المواعظ الإلهية تترك تأثيرها في الأشياء بإذن اللّه و إرادته سبحانه. إنّ النظرة الإسلامية ـ إلى الكون و الحياة ـ تَعتبر جميع العوامل و المؤثّرات تابعة لإرادة اللّه و قادرة على التأثير بإذنه سبحانه، و أنّ العلل و الأسباب لا تملك أدنى استقلال لها أبداً من دون فرق بين الأسباب الطبيعية و الروحية.
و على هذا الأساس فلا مانع ـ على ضوء القرآن و العقل ـ أن يمنح اللّه ـ الّذي جعل الشفاء في العسل و الأدوية النباتية و الكيمياوية ـ أن يمنح نفس تلك القدرة للأنبياء و الأئمة ـ عليهم السلام ـ . انظر إلى المرتاضين(2) كيف يتمكَّنون من بعض التصرّفات الغريبة، فما المانع من أن يتفضَّل اللّه على الأنبياء و الأئمة ـ عليهم السلام ـ بقدرة الإشفاء، و يجعلهم قادرين على القيام بأعمال محيِّرة للعقول و خارقة للأسباب المادّية و الطبيعية؟!
إنّ قدرة الأنبياء و الأئمة ـ عليهم السلام ـ على شفاء المريض و القيام بأعمال استثنائية لا تُنافي أن يكون اللّه هو السبب الحقيقي و العلَّة الأساسية لها، و ذلك بأن مَنَحهم القدرة على التصرُّف في الكون ـ بإذنه تعالى ـ عند الحاجة والمصلحة. و الجدير بالذكر أنّ في القرآن الحكيم آيات تصرّح بأنّ الناس كانوا يراجعون الأنبياء ـ و غير الأنبياء أيضاً ـ كي يقوموا بأعمال استثنائية خارقة للعادة الطبيعيّة. و إليك بعض تلك الآيات: (...وَ أَوْحَيْنا اِلى مُوسى إِذِ اسْتَسقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ...)(1).
 يدلّ ظاهر هذه الآية على أنّ بني إسرائيل طلبوا من النبىّ موسى ـ عليه السلام ـ في وقت الجفاف وعدم توفّر الماء أن يهيّئ لهم الماء بالطُّرق الغيبية و المعجزة، لا بالأسباب المادّية الطبيعية. و ترى واضحاً ـ في الآية ـ أنّ بني إسرائيل لم يطلبوا من النبىّ موسى أن يدعو اللّه و يسأله توفير الماء بل طلبوا منه أن يوفّر لهم الماء فجأةً و من دون سبب مادّي، و لهذا أمره اللّه بأن يضرب بعصاه الحَجر كي ينفجر منه الماء، بطريقة إعجازيَّة، قال سبحانه: (...فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً...)(2).
و أوضح من هذه الآية هي الآية الّتي تحكي قصّة النبىّ سليمان ـ عليه السلام ـ عند ما طلب من الحاضرين عنده بإحضار عرش بلقيس، على الرغم من الحواجز والموانع الّتي كانت في طريقه(1) يقول تعالى ـ حاكياً قول سليمان لمن حولَه ـ : (...أيُّكُمْ يَأْتيني بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأتُوني مُسْلِمين)(2).
لقد كان هدف سليمان ـ عليه السلام ـ إحضار عرش بلقيس بطريقة غير عادية، و لقد تحقّق ذلك فعلا بطريق خرق الطبيعة، كما قال سبحانه: (قالَ الَّذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ...)(3).
 إنّ روح الموضوع و بيت القصيد هو تصوّر البعض بأنّ الأعمال العادية هي من صلاحيات الإنسان، و أنّ الأعمال الاستثنائية ـ الّتي يعجز الناس عنها عادة ـ خاصّة باللّه سبحانه، و هذا هو الخطأ، لأنّ المقياس في تمييز أفعال اللّه عن غيره هو الاستقلال و عدم الاستقلال فيها. إنّ الأعمال الإلهية هي الّتي ينفّذها الفاعل ـ و هو اللّه ـ دون تدخّل الغير فيها ودون الاستعانة بقدرة الآخرين.
 و بعبارة أُخرى: إنّ الأعمال الإلهية هي الّتي يكون الفاعل مستقلاّ تماماً في تنفيذها، و لا يحتاج إلى الغير في إنجازها أبداً. أمّا الأعمال غير الإلهية ـ سواء كانت بسيطة و عادية أو صعبة و غير عادية ـ فهي الّتي لا يكون الفاعل مستقلاّ في تنفيذها، بل يتمّ التنفيذ تحت ظلّ قدرة مستقلَّة و بالاستمداد منها، و هي قدرة اللّه تعالى.
بناءً على هذا فليس هناك أىُّ مانع من أن يتفضَّل اللّه على أوليائه بالقدرة على إنجاز الأعمال الخارقة للعادة و الطبيعة، و الّتي يعجز البشر عادة عن القيام بها. يقول اللّه تعالى للنبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ : (...تُبْرِئُ الاَْكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ بِإِذْني وَ إذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْني...)(1).
فما أصرح من هذه الآية في الدلالة على الموضوع؟! إنّ هذه المجموعة من الآيات تدلّ على أنّ أولياء اللّه كانوا يملكون هذه القدرة، و أنّ طلب الناس منهم القيام بالأعمال الاستثنائية و الإعجازية كان أمراً مُتداولا معروفاً.
 أيّها القارئ الكريم: لقد تحدَّثنا ـ حتّى الآن ـ عن الصور الثلاث للاستعانة بأولياء اللّه في حياتهم، على ضوء القرآن الكريم، و قد عرفتَ بأنّ القرآن يُصرّح بصحة تلك الصوَر و يؤكّد عليها في آيات متعدّدة. أمّا التحدُّث عن الصورتين الأخيرتين اللَّتين تتعلَّقان بالاستعانة بالأرواح المقدَّسة فسيأتيك في الفصل القادم إن شاء اللّه تعالى.

الفصل الثالث عشر الاستعانة باولياء اللّه بعد رحيلهم

إنّ مسألة الاستعانة بأولياء اللّه ـ بعد وفاتهم و غيابهم عن هذه الحياة المادّية ـ هي أهمّ مسألة في بحث الاستعانة بأولياء اللّه، و لا فرق بين أن تكون الاستعانة بصورة الدعاء أو طلب المعجزة. أمّا السبب في أهميّة هذه المسألة ـ عن الّتي سبقَتها ـ فهو لأنّ المسلمين اليوم ليسوا في مَحضر نبىّ أو إمام كي يستعينوا به بصورة مباشرة(1) و لهذا فهم يستعينون بأرواحهم المقدَّسة.
من هنا كان هذا البحث أكثر أهميَّة من الّذي سَبَقه.
 أيّها القارئ الكريم: إنّ البحث في هذا الموضوع يتوقَّف على التحدّث عن أربعة أُمور، ومن خلال التحدّث عنها و الاطّلاع عليها تعرف جيّداً صحة الاستعانة و الاستغاثة بالأرواح المقدّسة، والأُمور الأربعة هي :
 1ـ بقاء الروح بعد الموت.
 2ـ حقيقة الإنسان هي روحه.
 3ـ الاتّصال بعالَم الأرواح ممكن.
 4ـ الأحاديث الصحيحة الّتي رواها المحدِّثُون، و هي تنادي بصحة الاستعانة بأولياء اللّه، بعد رحيلهم وأنّ سيرة المسلمين كانت جارية على ذلك. و إليك الآن تفصيل هذه الأُمور الأربعة:

الهوامش

1. آل عمران: 49.
1. من أنفس الكتب الكلامية المؤلّفة في العصور الأخيرة، و المؤلّف و زميله الأُستاذ المحدّث المحقّق محمد زاهد الكوثرىّ المصري من الذين قاموا في وجه البدع اليهودية من القول بالتشبيه و التجسيم و الجهة و المكان في حقِّ اللّه سبحانه. فقد أخذت هذه البدع تنتعش من أوائل القرن الثامن بيد شيخ البدع و الضلال: أحمد بن عبدالحليم بن تيميّة الحرّاني، و بعده بيد تلميذه ابن القيم، و بعدهما بيد: الشيخ محمّد بن عبدالوهّاب. فقام القضاعىّ بتأليف كتابه «فرقان القرآن» فردّ فيه على هذه البدع و غيرها، من منع التوسّل و الاستغاثة و طلب الشفاعة عمّن جعله اللّه وسيلة و مغيثاً بإذنه و شافعاً بأمره. كما قام الكوثري بنشر كتاب «الأسماء و الصفات» للحافظ أبي بكر البيهقي مع تحقيقه و التعليق عليه و تقديم مقدّمة نافعة عليه، و طبع الكتابان في مصر عام 1358 هـ في مجلّد واحد. شكر اللّه سعيهما و سعي ناشري كتب الحقّ و رافعي ألوية الهدى ـ آمين ـ.
1. أي ظاهراً .
2. الأعراف: 28 .
3. الزمر: 7 .
4. البقرة: 34.
5. الأعراف: 12 .
6. الإسراء: 61 .
7. يوسف: 100.
1. الملك: 20.
2. الأنبياء: 43.
3. هود: 54.
4. هود: 55 ـ 56.
5. الشعراء: 92 ـ 93.
6. الشعراء: 97 ـ 98.
1. البقرة: 165.
2. الزخرف: 87.
3. النحل: 83.
4. النساء: 91.
1. البقرة: 255.
2. الزمر: 43 .
3. الأحزاب: 17.
1. الأنبياء: 28.
2. النجم: 26.
3. فرقان القرآن: 111 ـ 115. و لا حظ بقية كلامه فإنّها نافعة.
1. «المعجزة» تُطلق على ما يصدر من المعصوم ـ كالنبىّ و الإمام ـ من خوارق العادة، لإثبات نبوّته أو إمامته.
و «الكرامة» تُطلق على ما يصدر من غيرهم من سائر أولياء اللّه الصالحين مثل ما ورد في حقّ السيّدة مريم ـ عليها السلام ـ في القرآن الكريم.
1. الكهف: 95.
1. آل عمران: 159.
2. الممتحنة: 12.
3. التوبة: 103.
4. الممتحنة: 4.
5. مريم: 47.
6. التوبة: 114.
1. النساء: 64.
2. النساء: 59.
1. المنافقون: 5.
2. يوسف: 97 ـ 98.
1. التوبة: 80.
2. المنافقون: 6.
3. الأعراف: 134.
1. الحشر: 10.
2. المؤمن: 7.
1. كشف الارتياب: 274.
2. الشعراء: 80.
3. الإسراء: 82.
4. النحل: 69.
1. يونس: 57.
2. المرتاض: هو الّذي يقوم بالرياضة الروحيَّة و التمارين الشاقَّة، ليمنح روحه شفّافيَّة خارقة، تمكِّنه من بعض التصرّفات الغريبة، طبعاً تلك الشفّافيَّة شيطانيّة و ليست رحمانيّة، و لهذا فهي تزول مع ترك تلك التمارين.
1. الأعراف: 160.
2. البقرة: 60.
1. كان النبىّ سليمان في الأردن و كان عرش بلقيس في اليَمن، و بينهما مئات الفراسخ و الكيلومترات.
2. النمل: 38.
3. النمل: 40.
1. المائدة: 110.
1. إنّما عبَّرنا بــ «مَحضر» و لم نعبّر بــ «عصر» نظراً لأنّ الزمان لا يخلو من حجّة للّه تعالى، و نحن الآن في عصر الامام الثاني عشر المهدي المنتظر ـ عليه السّلام ـ و لكنه غائب عن الأبصار، و لهذا فلسنا في محضره الشريف، نسأل اللّه تعالى أن يعجّل في ظهوره ليملأ الأرض قسطاً و عدلا.


التالي

السابق