آية الله جعفر السبحاني




نتيجة البحث

بصورة خاطفة نستنتح ممّا سبق من البحث مايلي :
 1ـ لقد أثبتنا ـ في الموضوع الأوّل ـ أنّ الموت ليس هو النهاية للحياة، و لا يعني فناء الإنسان، إنما هو معْبَر ينتقل الإنسان به إلى عالم آخر.
 2ـ كما أثبتنا ـ في الموضوع الثاني أنّ حقيقة الإنسان هي روحه، و أنّ الجسد ليس إلاّ رداء يُغطّي الروح، و بقاء الروح يعني بقاء المعنويّات و الكمالات و الشخصية الإنسانية ـ باستثناء القدرات المادّية الّتي تزول بزوال الجسد ـ .
و على هذا الأساس... لو كانت لنفس الإنسان و روحه القدرة على الدعاء أو إنجاز أعمال إعجازية ـ عند ما كان على قيد الحياة ـ فلروحه أيضاً القدرة على إنجاز كلّ تلك الأعمال بعد موته بإذن اللّه تعالى.
 3ـ و في الموضوع الثالث أثبتنا إمكان الاتّصال بالعالم الآخر، بل وقوعه و حدوثه و أنّ الأرواح قادرة على سماع كلامنا و خطابنا لها، و لا فرق بين أرواح الصالحين أو المجرمين، كما مرعليك ذلك في القصص القرآنية و التاريخية.
بعد الانتباه إلى هذه الأُمور الثلاثة، ثبت أنّ أولياء اللّه تعالى يسمعون كلامنا و خطابنا، و إذا أَذِنَ اللّه لهم فإنّهم يردّون علينا الجواب.
و السؤال الآن: هل يجوز لنا ـ شرعاً ـ مخاطبة أرواح أولياء اللّه و الاستعانة بها؟ الجواب يأتيك في الأمر الرابع إن شاء اللّه تعالى.

4ـ المسلمون و طلب الحاجة من الأرواح المقدّسة

 لقد تسرَّع ابن تيميّة ـ و أتباعه ـ في الحكم، فأنكروا أن يكون الصحابة و التابعون قد طلبوا حاجة من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فهم يقولون: «و لم يكن أحد من سَلف الأُمّة ـ في عصر الصحابة و لا التابعين و لا تابعي التابعين ـ يتخيَّرون الصلاة و الدعاء عند قبور الأنبياء و يسألونهم، و لا يستغيثون بهم لا في مغيبهم و لا عند قبورهم»(1).
 لعلّ الإنسان الجاهل بتاريخ الصحابة و التابعين ينخدع بهذا الكلام و يتصوَّر صدقَه وصحته، و لكن سرعان ما يَثبت له كذب هذا الادّعاء و بطلانه إذ نظر إلى التاريخ بنظرة خاطفة، و قرأ بعينه توسُّل الصحابة و غيرهم بالنبي، والاستغاثة به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .
 و إليك بعض النماذج من ذلك:
 1ـ أصاب الناس قحطٌ في عهد عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبىّ ـ صلّى اللّه عليه [ و آله ]و سلّم ـ فقال: يا رسول اللّه استسق اللّه لأُمَّتك فإنهم قد هلكوا. فأتاه رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [و آله ]و سلّم ـ في المنام فقال: ائتِ عمر، فاقرأُه السلام و أخبرِه إنهم مُسْقَوْن»(2).
 ثم يقول السمهودي ـ بعد ذِكر هذه القضية ـ : «وَ محلُّ الاستشهاد طلب الاستسقاء منه ـ عليه السلام ـ و هو في البرزخ، و دعاؤه لربّه في هذه الحالة غير ممتنع، و عِلمه بسؤال مَن يسأله ، فلا مانع من سؤال الاستسقاء و غيره منه، كما كان في الدنيا»(1).
 2ـ و يروي السمهودي أيضاً عن الحافظ أبي عبداللّه محمّد بن موسى بن النعمان، بِسَنَد ينتهي إلى الإمام علىّ أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ : «أنّ أعرابياً جاء إلى المدينة بعد ثلاثة أيام من دفن النبىّ ـ صلّى اللّه عليه [و آله ]و سلّم ـ فرمى بنفسه على قبر النبي وحثا من ترابه على رأسه و قال: «يا رسولَ اللّه قلتَ فسمعنا قولك، ووعيتَ عن اللّه سبحانه ما وَعينا عنك، و كان فيما أُنزل عليك: (...وَ لَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوكُ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَلَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً)(2) و قد ظلمتُ نفسي وجئتك تستغفرلي»(3).
 أيّها القارئ الكريم: إنّ السمهودي يذكر ـ في كتابه وفاء الوفا، الباب الثامن ـ قضايا و وقائع كثيرة و كلّها تدلّ على أنّ الاستغاثة برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت سيرة مستمرّة للمسلمين، حتى أنه يقول: إنّ الإمام محمّد بن نعمان كتب كتاباً حول هذا الموضوع بعنوان: مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام.
 3ـ يقول محمّد بن المنكدر: «أَودَع رجلٌ أبي ثمانين ديناراً، و خرج للجهاد و قال لأبي: إن احتجتَ أنفِقها إلى أن أعود، وأصاب الناس جُهدٌ من الغلاء، فأنفق أبي الدنانيرَ، فقدِم الرجل و طلب مالَه، فقال له أبي: عُد إلىَّ غداً.
 و بات في المسجد يلوذ بقبر النبىّ ـ صلّى اللّه عليه و آله ] و سلّم ـ مرَّة و بمنبره مرَّة، حتى كاد أن يُصبح، يستغيث بقبر النبي، فبينما هو كذلك و إذا بشخص ـ في الظلام ـ يقول: دونكها يا أبا محمّد، فمدَّ أبي يده فإذا هو بصُرَّة فيها ثمانون ديناراً، فلما أصبح جاء الرجل فدفعها إليه»(1).
 4ـ يقول أبوبكر المقري: «كنت أنا و الطبراني و أبو الشيخ في حرم رسول اللّه ـ ص ـ و كنّا على حالة و أثَّر فينا الجوع، و واصلنا ذلك اليوم، فلمّا كان وقت العشاء حضرتُ قبر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقلت: يا رسول اللّه: الجوع... فحضَر بالباب عَلويٌّ فدقَّ ففتحنا له، فإذا معه غلامان مع كلّ واحد زنبيل فيه شيء كثير، فجلسنا، و أكلنا، و ظننّا أنّ الباقي يأخذه الغلام، فولّى و ترك عندنا الباقي، فلمّا فرغنا من الطعام قال العَلوي: يا قوم أشكوتم إلى رسول اللّه؟ فإني رأيت رسول اللّه في المنام فأمرني أن أحمل بشيء إليكم»(2).
 5ـ يقول ابن الجلاّد: «دخلتُ مدينة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و بي فاقة، فتقدَّمتُ إلى القبر و قلت: ضيفُك. فغَفَوْتُ فرأيت النبي فأعطاني رغيفاً، فأكلتُ نصفه، فانتبهتُ و بيدي النصف الآخر»(3).
 نحن الآن لسنا في مقام مناقشة هذه القضايا المذكورة، و بيان صحيحها من سقيمها، و إنّما الكلام هو أنّ هذه الوقائع ـ بمجموعها ـ تشهد بأنّ الاستغاثة برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت سُنَّة جارية بين المسلمين، و لو كانت بدعة و محرَّمة، أو شركاً و كفراً، لما ذكرها حتى وُضّاع الحديث، خوفاً من تشويه سمعتهم بين الناس.
 و الجدير بالذكر، أنّنا قد أفردنا كتاباً مستقلاّ بعنوان «أصالة الروح» و تحدَّثنا فيه ـ بالتفصيل ـ عن كلّ ما يرتبط بهذا الموضوع، و أوردنا أحاديث و روايات كثيرة فيه، و كلّها تدلّ على صحة طلب الدعاء و الحاجة من الأرواح المقدّسة و صحة طلب إنجاز عمل إعجازي خارق للطبيعة منهم. و في ختام هذا الفصل نجلب الانتباه إلى الأُمور التالية:
 1ـ إنّ طلب الحوائج من أولياء اللّه ليس عبادة لهم أبداً، و خاصّة بعد أن تحدّثنا ـ بالتفصيل ـ عن معنى العبادة و مواردها، و أنّ الاعتقاد بالإلوهيَّة و الربوبيَّة هو الّذي يصبغ العمل بصبغة العبادة، و من الواضح أنّ المتوسّل بأولياء اللّه لا يعتقد بإلوهيَّتهم و لا بربوبيَّتهم، و لا بتدبيرهم لشؤون الكون و لا بقيامهم بأفعال اللّه ـ بالاستقلال و الاختيار ـ بل يعتبرهم عباداً مكرمين، أطهاراً طيّبين، وُجَهاء عند اللّه، مطيعين له، غير مرتكبين لأدنى ذنب و معصية.
 2ـ إنّ الأُمور الأربعة المذكورة أثبتت ـ بالدليل و البرهان ـ أنّ أولياء اللّه يملكون القدرة على قضاء حاجة المتوسّل، نظراً لحياتهم عند اللّه، و أنّ كلّ ما يصدر منهم إنّما هو بإذن اللّه تعالى، فهم من مصاديق قوله تعالى: (و ما تشاءُون إلاّ أن يشاءَ اللّه).
 فمثلا: كما أنّ النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ كان في حياته المادّية في الدنيا يسأل اللّه تعالى الخير لمن يريد، أو يُبرئ الأكمه و الأبرص(1) بإذن اللّه كذلك يملك هذه القدرة بعد الانتقال إلى عالم الأرواح «البرزخ» لأنّ روحه ـ الّتي هي حقيقته ـ باقية.
 3ـ إنّ التواضع و الخضوع أمام قبور أولياء اللّه هو ـ في الحقيقة - تواضعٌ للّه و خضوعٌ له، و إن كان في ظاهره تواضعاً لذلك الولىّ الصالح، إلاّ أنّه لو كشفنا الستار عن قلب ذلك المتواضع لرأينا أنّه يتواضع للّه من خلال تواضعه لوليّه الصالح، و أنّه يطلب حاجته من اللّه بواسطة هذا الولىّ الصالح و بسببه، فالتوسُّل بالأسباب هو عين التوسُّل بمسبِّب الأسباب ـ و هو اللّه سبحانه ـ و هذا واضح لأهل البصيرة و المعرفة. و أنتَ لو سألتَ المتوسِّل بأولياء اللّه عن الّذي دعاه إلى التوسُّل به، لأجابك ـ فوراً ـ بأنّه «وسيلة» إلى اللّه سبحانه، كما قال تعالى: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ وَ جاهِدُوا في سَبيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(2).
 فكما أنّ الإنسان يتوسَّل إلى اللّه بالصلاة و الصوم و العبادات و الطاعات، كذلك يتوسَّل إليه سبحانه بأوليائه الصالحين المكرَّمين لديه.
 و الخلاصة:
 أنّ المؤمن يعتقد ـ في قرارة نفسه ـ بأنّ توسُّله بالنبيّ و غيره من المعصومين والصالحين يدفع المتوسَّل به إلى السؤال من اللّه تعالى لقضاء حاجة من توسَّل به، سواء كانت الحاجة غفران ذنب، أو أداء دَين، أو شفاء مريض، أو رفاهيَّة عيش، أو غير ذلك.

الفصل الرابع عشر طلب الشفاعة من أولياء اللّه تعالى

إنّ «الشفاعة» كلمة معروفة بيننا جميعاً، و هي تتردّد على ألسنتنا في وقتها المناسب، فمثلا: إذا دار الحديث عن انسان ارتكب جريمة و حكمت عليه المحكمة بالاعدام أو السجن أو غيرهما، ثم تدخَّل إنسان آخر و توسَّط له و أنقذه ممّا حُكم عليه عندها نقول: إن فلاناً «تشفَّع» لفلان.

معنى الشفاعة

«الشفاعة» مشتقّة من مادة «الشفْع ـ بمعنى الزوج ـ و يُقابله: الوتر ـ بمعنى الفرد ـ و السبب في إطلاق «الشفاعة» على الوساطة و «الشفيع» على الوسيط هو أنّ جهود الوسيط و مساعيه تَزْدَوِج مع عوامل الإنقاذ و الجهود و المساعي الأُخرى الموجودة في المشفوع له، فتنقذ المذنب أو المتَّهم من ورطته.
 إنّ شفاعة أولياء اللّه للمذنبين تأتي بسبب قُرب هؤلاء من اللّه تعالى، و مكانتهم وجاههم عنده سبحانه، فهم يشفعون ـ بإذن اللّه و ضمن شروط خاصّة ـ للمذنبين و المجرمين كي يغفر اللّه لهم أو يقضي حوائجهم.
بعبارة أُخرى: إنّ الشفاعة إعانةٌ من أولياء اللّه ـ بإذن اللّه ـ لأشخاص لم يقطعوا روابطهم المعنوية مع اللّه و أوليائه، بالرغم من أنّهم مذنبون، هذا تعريف دقيق يجب الانتباه إليه دائماً. و بتعبير ثالث: إنّ الشفاعة هي إعانة موجود عال لموجود دان، بشرط أن تكون في الداني القابلية و الاستعداد لشمول الشفاعة له، من حيث صلاحيّته للتكامل و الرقي إلى مرتبة عالية ودرجة سامية، و تُحوّله إلى إنسان صالح نزيه. بعد هذه التعاريف المتعدّدة نقول: إنّ التاريخ الإسلامي يُثبت أنّ المسلمين منذ عهد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و ما بعده كانوا يطلبون الشفاعة من أولياء اللّه الصالحين، سواء في حياتهم أو بعد وفاتهم، و لم يَعتبر أحدٌ من علماء الإسلام بأن هذه الشفاعة مُعارضة للمبادئ و الأُصول الاسلامية .
 حتّى جاء ابن تيميّة ـ في القرن الثامن الهجري ـ بأفكار شاذّة و آراء سقيمة، فاستنكر كثيراً من سُنن المسلمين.
 و بعده بثلاثة قرون جاء محمّد بن عبدالوهّاب النجدي، فرفع راية الخلاف مع المسلمين وأحدث الفتنة و الشقاق بينهم، و أحيا مبتدعات ابن تيميّة بأشدّ ممّا كان عليه.
 إنّ الوهّابيّة تعتقد بالشفاعة ـ من حيث المبدأ ـ ولكن نقطة الخلاف بينها و بين المسلمين هي أنّها تُحرِّم الاستشفاع بأولياء اللّه في الدنيا، و قد عبَّر الوهّابيّون عن عقيدتهم هذه بعبارات قاسية متضمِّنة للإهانة و الاستخفاف بالأنبياء و الأولياء، و نحن نتورَّع حتى عن ذِكر تلك العبارات. و ممّا يقولون في الشفاعة: إنّ نبىّ الاسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و سائر الأنبياء و الأولياء و الملائكة، لهم حقّ الشفاعة في الآخرة فقط، لكن طلب الشفاعة يجب أن يكون من اللّه لا منهم، بأن يُقال: «اللّهُمَّ شَفِّعْ نَبِيِّنا مُحَمَّداً فينا يَوْمَ الْقِيامَة. أو: اللّهُمَّ شَفِّعْ فينا عِبادَكَ الصالِحينَ. أو مَلائِكَتِكَ أو نحو ذلك ممّا يُطْلَبُ مِنَ اللّه لا مِنْهُمْ، فَلا يُقالُ: يا رَسُولَ اللّه ـ أو ـ يا وَلىَّ اللّه أسْأَلُكَ الْشفاعَةَ أو غيرها ممّا لا يَقدر عليه إلاّ اللّه، فاذا طلبتَ ذلك في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك»(1).
و هكذا ترى الوهّابيّين يرمون المسلمين بالشرك، لأنّهم يسألون الشفاعة من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأولياء اللّه الصالحين في الدنيا و الآخرة. نحن قبل أن نتطرَّق إلى مناقشة أدلّة الوهّابيّين نبدأ أوّلا بدارسة المسألة على ضوء القرآن الكريم و السُّنَّة الشريفة و سيرة المسلمين، ثم نتناول أدلّة الوهّابيّين بالبحث و المناقشة.

الأدلَّة على جواز طلب الشفاعة في الدنيا

ّإنّ دليلنا على جواز طلب الشفاعة في الدنيا يتركَّب من أمرين، و مع ثبوتهما يتَّضح الموضوع بالكامل، أمّا الأمران فهما:
 1ـ إنّ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء بالضبط.
 2ـ إنّ طلب الدعاء من الصالحين أمرٌ مستحبٌّ في الاسلام. و إليك البحث عن هذين الأمرين:

1ـ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء بالضبط

إنّ شفاعة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و سائر الشفعاء الصالحين ليست سوى الدعاء إلى اللّه تعالى، إذ أنّهم ـ لمنزلتهم الوجيهة عند اللّه و كرامتهم عليه ـ يبتهلون إليه سبحانه بالدعاء و طلب المغفرة للمذنبين، و اللّه تعالى يستجيب دعاءهم فيشمل عباده العاصين برحمته و مغفرته و يغسل ذنوبهم و يكفّر سيّئاتهم. إنّ طلب الدعاء من الأخ المؤمن هو أمرٌ مُسْتَحسن و لم يتردَّد في حُسنه أحدٌ من علماء الإسلام و المذاهب المتعدّدة ـ حتّى الوهّابيّة ـ فكيف بدعاء النبىّ و الأولياء الصالحين؟! طبعاً...لا يمكن القول بأن حقيقة الشفاعة لاتتجاوز الدعاء في مواقف يوم القيامة، و لكن يمكن القول بأنّ من المعاني الواضحة للشفاعة هو الدعاء، و أنّ مَن يُخاطب أحد أولياء اللّه و يقول: «يا وَجيهَاً عِنْدَ اللّه إشْفَع لَنا عِنْدَ اللّه» لا يقصُد إلاّ هذا المعنى. يروي نظام الدين النيشابوري في تفسير قوله تعالى: (...مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها)(1).
 يروي عن مقاتل أنّه قال: «الشَّفاعَةُ إلَى اللّهِ إنَّما هىَ الدَّعْوَةُ لِمُسْلِم».
و قد روي عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّ دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلّما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكّل به آمين ولك بمثل.(2)
إنّ ابن تيميّة هومن الذين يعتبرون طلب الدعاء من الإنسان الحىّ صحيحاً، و على هذا الأساس فانّ طلب الشفاعة لا يختصّ بالنبىّ و أولياء اللّه، بل يجوز ذلك من كلّ مؤمن يحظى بالوجاهة و المنزلة عنده سبحانه.
و الفخر الرازي هو أحد الذين يُفسّرون «الشفاعة» بالدعاء و التوسُّل إلى اللّه تعالى، فقد قال ـ في تفسير قوله سبحانه:
(وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيء رَحْمَةً...)(1).
قال: هذه الآية تدلّ على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين(2)... و إذا ثبتت هذه في حقّ الملائكة فكذلك في حقّ الأنبياء، لانعقاد الإجماع على أنّه لا فرقَ.
 و قال أيضاً: و أيضاً قال تعالى لمحمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤمِنينَ وَ الْمُؤْمِناتِ)فأمَر محمّداً أن يذكر ـ أوّلا ـ الاستغفار لنفسه، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره، و حكى عن نوح ـ عليه السلام ـ أنّه قال: (رَبِّ اغْفِرْلي وَ لِوالِدَىَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤمِناً وَ لِلْمُؤمِنينَ وَ الْمُؤمِناتِ)(3).
إنّ هذا التوضيح من الفخر الرازي شاهدٌ على أنّه يرى معنى الشفاعة هو دعاء الشفيع للمذنب، و طلب الشفاعة هو طلب الدعاء منه. و قد ورد في الأحاديث الشريفة أنّ دعاء المسلم لأخيه المسلم هو شفاعة له، فعن ابن عبّاس عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال:«ما مِنْ رَجُل مُسْلِم يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلى جَنازَتِهِ أرْبَعُونَ رَجُلا لا يُشْرِكُونَ بِاللّهِ شَيْئاً إلاّ شَفَّعَهُمُ اللّهُ فيهِ»(1).
 لقد جاء في هذا الحديث ـ تعبير «شفَّعهم اللّه فيه» للذين يدعون لأخيهم المسلم. و انطلاقاً من هذا الحديث فلو أنّ رجلا أوصى في حياته ـ إلى أربعين رجلا من أصدقائه الأوفياء بأن يقوموا على جنازته بعد وفاته و يدعوا له، فهو بذلك قد طلب الشفاعة منهم، و هيّأ أسباب شفاعة عباد اللّه لنفسه.
 و قد أفرد البخاري ـ في صحيحه ـ باباً بعنوان «إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم، لم يردَّهم» و أفرد أيضاً باباً آخر بعنوان «إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط»(2).
 و تدلّ الأحاديث الّتي ذكرها في هذين البابين أنّ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء بذاته، و لا يجوز تفسير ذلك بمعنى آخر. إلى هنا ننتهي من الاستدلال الأوّل، و قد ثبت أنّ طلب الشفاعة ليس إلاّ طلب الدعاء لا غير.
و الآن نبدأ البحث عن الموضوع الثاني و هو أنّ طلب الدعاء من المؤمن مستحب، فكيف من الأنبياء و أولياء اللّه تعالى؟!

2ـ القرآن و طلب الدعاء من الصالحين

إنّ الآيات القرآنية تشهد بأنّ طلب النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المغفرة من اللّه لبعض عباده مُفيدٌ و نافعٌ جدّاً... يقول تعالى: 1ـ (...وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤمِنينَ...)(1).
 2ـ (...وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ).(2)
 فما دام دعاء النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يترك هذا الأثر الكبير و النتيجة الحسَنة لمن دعا له، فما المانع من أنّ يطلب الإنسان من أن يدعو له، مع العلم أنّ طلب الدعاء ليس إلاّ طلب الشفاعة منه، قال تعالى:
 3ـ (... وَ لَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً)(3).
 إنّ معنى قوله تعالى: «جاءُوكَ» أي: جاءُوا إلى النبي و طلبوا منه الدعاء و الاستغفار لهم، ولولا هذا لكان مجيئهم لغواً و باطلا. إنّ تشرُّفهم بالحضور عند النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و طلبهم الدعاء و الاستغفار منه دليلٌ على حدوث ردِّ فعل في نفوسهم، و حصول تغيير يُمهِّدْ الأرضية المناسبة لاستجابة الدعاء.
4ـ يروي القرآن الكريم عن أولاد يعقوب ـ عليه السلام ـ أنّهم طلبوا من أبيهم أن يستغفر اللّه لهم، فلبّى النبىّ يعقوب طلبهم، و وفى بوعده، قال تعالى: (قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْلَنا ذُنوبَنا إنّا كُنّا خاطِئينَ * قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي...)(1).
إنّ كلّ هذه الآيات تدلّ على أنّ طلب الدعاء من الأنبياء و الصالحين ـ الّذي هو طلب الشفاعة أيضاً ـ لا يتنافى مع الأحكام الشرعية و القواعد و الموازين الإسلامية.
 أيّها القارئ الكريم: هناك أحاديث كثيرة بشأن طلب الدعاء من الأولياء الصالحين، و قد صَرفنا النظر عن ذكرها مراعاةً للاختصار.

3ـ الأحاديث النبوية و سيرة الصحابة

روى الترمذي ـ في صحيحه ـ عن أَنس أنه قال: «سَأَلْتُ النَّبيَّ أنْ يَشْفَعَ لي يَوْمَ الْقيامَةَ فَقالَ: أَنا فاعِلٌ، قُلْتُ: فَأَينَ أطْلُبُكَ؟ قالَ: عَلى الصِّراط»(2).
 و يأتي سواد بن قارب إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يطلب منه الشفاعة في أبيات أنشَدَهن... و منها: فكن لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعة بمُغن فتيلا عن سواد بن قارِبِ(3) و جاء في التاريخ: أنّ رجلا اسمه «تُبَّع» كان قبل النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأكثر من ألف سنة، و كان قد بلغه أنّ نبىّ آخر الزمان سوف يظهر من مكّة، فكَتب كتاباً و دفعه إلى بعض أقربائه، كي يُسلّموه إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و ذكر فيه إسلامه و إيمانه و أنّه من أُمّة رسول اللّه، و جاء فيه: «فَاِنْ لَمْ أُدْرِكْكَ فَاشْفَعْ لي يَوْمَ القِيامَة وَ لا تَنْسني».
و مات الرجل و كان الكتاب ينتقل من واحد لآخر حتى بُعث النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فلما وصَل الكتاب بيده قال ـ ثلاث مرّات ـ : «مَرْحَباً بِالأَخِ الصّالِحِ»(1).
 فإذا كان طلب الشفاعة شركاً باللّه، لما عبَّر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن تُبَّع بــ «الأخ الصالح» و لما قال ثلاثاً: «مرحباً». هذه بعض الأحاديث الّتي تثبت جواز طلب الدعاء و الشفاعة من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حياته الكريمة.

4ـ طلب الشفاعة بعد الموت

و يُستفاد من مجموعة من الروايات أنّ الصحابة كانوا يطلبون الشفاعة من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد وفاته، و إليك بعض النماذج:
1ـ قال ابن عبّاس: لمّا فرغ أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ من تغسيل النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «بأبي أنْتَ وَ أُمّي... طِبْتَ حَيّاً وَ طِبْتَ مَيّتاً... وَ اذْكُرْنا عِنْدَ رَبِّك»(1).
 2ـ و يُروى أنّه لمّا توفّي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كشَفَ أبوبكر عن وجهه ثم أقبل عليه فقبَّلَه ثم قال: «بِأبي أنْتَ وَ أُمّي أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد دُقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً»(2).
إنّ هاتين الروايتين ـ و أمثالهما ـ تدلّ على أنّه لا فرق بين طلب الشفاعة من الشفيع في حياته و بعد وفاته، و قد كان الصحابة يطلبون الدعاء من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد وفاته، فلو كان طلب الدعاء منه صحيحاً بعد وفاته فأنّ طلب الشفاعة ـ الّذي هو نوع من طلب الدعاء ـ سيكون صحيحاً أيضاً.(3)
و الخلاصة:
 بالاستناد إلى ما سبق من الآيات و الروايات و سيرة المسلمين ـ على مرِّ العصور و القرون ـ يُعتبر جواز طلب الشفاعة أمراً بديهيّاً لا يترك أىَّ مجال للشكّ فيه أبداً.

الهوامش

1. رسالة الهدية السَّنيّة: 162 طبعة المنار في مصر.
2 . وفاء الوفا: 4 / 1371.
1 . وفاء الوفا: 4 / 1371.
2. النساء: 64.
3. وفاء الوفا: 4 / 1361 و قد سَبق ذِكر هذا الحديث في فصل سابق.
1. و فاء الوفا: 4 / 1380.
2. المصدر السابق.
3. وفاء الوفا: 4 / 1381.
1. الأكمه: الّذي وُلد أعمى. البرص ـ : مَرض جلدي يكون بظهور بُقَع بيضاء في الجسم.
2. المائدة: 35.
1. الهديّة السنيّة ـ الرسالة الثانية ـ : 42.
1. النساء: 85.
2. صحيح مسلم : 8 / 86 دار الفكر بيروت ؛ سنن ابن ماجه 2 / 967 .
1. غافر: 7.
2. لأنّ في نهاية الآية قوله تعالى: (وَقِهِمْ عَذابَ الجَحيم).
3. تفسير الفخر الرازي: 7/33 ـ 34. أقول: لقد ثبت بالأدلَّة القطعية أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و غيره من الأنبياء معصومون عن كلّ خطأ و ذنب، مُطهَّرون من كلّ معصية، و لهذا فالمقصود من قوله تعالى: (لذنبك)ليس هو المعصية و المصطلحة، والتفصيل يطلب من مَحلِّه.
1. صحيح مسلم: 3 / 54.
2. صحيح البخاري: 2 / 37 ، باب الاستسقاء.
1. محمّد: 19.
2. التوبة: 103.
3. النساء: 64.
1. يوسف: 97 ـ 98.
2. سنن الترمذي: 4 / 42، باب ما جاء في شأن الصراط.
3. الدرر السَّنيّة لزيني دحلان: 29.
1. المناقب لابن شهرآشوب: 1 / 16; بحارالأنوار: 15 / 224.
1. نهج البلاغة: رقم الخطبة 230. 2. السيرة النبوية: 2/655 ـ 656 .
3. لقد أفردنا كتاباً حول الشفاعة و ذكرنا فيه مائة حديث، أربعة و أربعين منها مِن كُتب أهل السنّة و الباقي منها مِن كُتب الشيعة، فراجِع لمزيد الاطّلاع.


التالي

السابق