آية الله جعفر السبحاني




الفصل الخامس عشر أدلّة الوهّابيّين على حرمة طلب الشفاعة

لقد ذكرنا في الفصل السابق أدلَّة جواز طلب الشفاعة ـ من آيات و أحاديث ـ و الآن جاء دور ذِكر أدلَّة الوهّابيّين على حرمة ذلك، و مناقشتها مناقشة موضوعية (ليُحقَّ اللّه الحقَّ بكلماته).
لقد استدلّ الوهّابيّون على حرمة طلب الشفاعة بأُمور نذكرها فيما يلي:

1ـ طلب الشفاعة شرك باللّه

إنّ ما تعنيه الوهّابيّة من الشرك هو الشرك في العبادة، حيث إنّها تزعم أنّ طلب الشفاعة من الشفيع هو عبادته. لقد تحدّثنا ـ في فصل سابق و بالتفصيل ـ عن العبادة و معناها، و ذكرنا بأنّ أىّ طلب من الإنسان ـ حتى طلب الشفاعة ـ إنّما يكون عبادة إذا كان مقروناً بالاعتقاد بأنه: «إلهٌ و رَبُّ» أو «مصدر لأفعال اللّه و مُدبِّر مستقلّ لشؤون الكون و قائم بما يرجع إليه سبحانه».
إنّ طالب الشفاعة من الشفعاء الصالحين ـ الذين أذِن اللّه لهم بالشفاعة ـ إنّما يعتبرهم عباداً للّه، مقرَّبين لديه، وُجَهاء و كُرماء عنده، و ليس هناك أىّ اعتقاد بإلوهيّتهم و رُبوبيّتهم أو كونهم مصدراً مستقلا لأفعال اللّه تعالى أو أنّ الشفاعة و المغفرة قد فُوِّضت إليهم تفويضاً مطلقاً لا يحتاج إلى إذن اللّه سبحانه.
 كلاّ، إنّ الشفعاء الصالحين إنّما يشفعون في إِطار «إذن اللّه سبحانه» لمن يستحقّ الشفاعة ويليق بها، بأن تكون علاقاتهم المعنوية متّصلة باللّه، غير مقطوعة مع الشفعاء. و من الواضح أنّ طلب الشفاعة من الميّت لو كان معناه عبادته، لكان الطلب من الشفيع الحي عبادة له أيضاً.
 و قد ذكرنا ـ في فصل سابق ـ أنّ القرآن يدعو المسلمين إلى الحضور عند رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و طلب الاستغفار لهم من اللّه سبحانه، و ليس هذا الطلب سوى طلب الشفاعة من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حياته، و لا يمكن أن يكون هذا العمل شركاً في زمان، و توحيداً في زمان آخر.
كما ذكرنا أيضاً ـ في فصل الاستعانة بأولياء اللّه ـ أنّ الاستشفاع بالولىّ الصالح إذا لم يكن باعتقاد إلوهيَّته و ربوبيَّته فلا يُعتبر شركاً أبداً، فمثلا يقول تعالى: (...وَ إِيّاكَ نَستَعينُ)(1).
 فيحصر الاستعانة بذاته المقدَّسة، ثم يقول سبحانه أيضاً: (وَ اسْتَعينُوا بالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ...)(2).
فهل يقول قائل: إنّ الاستعانة بالصبر شِركٌ باللّه؟! طبعاً... لا، لأنّ الاستعانة المحرَّمة هي المقرونة بالإيمان بربوبيّة غير اللّه سبحانه، و هذا ما لا يؤمن به أحد من المسلمين.

2ـ المشركون و التشفّع بالأصنام

بعد إبطال الدليل الأوّل للوهّابيّة على حرمة طلب الشفاعة من الأولياء، يأتي دور إبطال الدليل الثاني و هو: أنّ اللّه تعالى إنما اعتبر عَبَدة الأصنام مشركين، لأنّهم كانوا يطلبون الشفاعة من أصنامهم، و كانوا يبكون أمامها و يطلبون الوساطة منها، كما قال تعالى: (وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاءُونا عِنْدَ اللّهِ...)(1).
و على هذا الأساس فإنّ مطلق طلب الشفاعة من غير اللّه يُعتبر شركاً باللّه و عبادة للشفيع.
الجواب:
 أوّلا: ليست في هذه الآية أيَّة دلالة على ما ترتئيه الوهّابيّة أبداً، لأنّ القرآن عند ما يَعتبر أُولئك مشركين فليس لأجل طلبهم الشفاعة من الأصنام، بل بسبب عبادتهم لها، عبادة تؤدّي بهم إلى الاستشفاع بها أيضاً.
 و لو كان مُجرَّد طلب الشفاعة من الأصنام عبادة لها و موجباً للشرك، لما كانت هناك حاجة إلى قوله تعالى: (وَ يَقُولُونَ هؤلاء شُفعَاؤُنا) بل كان قوله سبحانه: (وَ يَعْبُدُونَ)كافياً لنسبة الشرك إليهم، فعطف الجملة الثانية على الأُولى دليل على أنّهما شيئان مُستقلاّن، و أنّ موضوع عبادة الأصنام يفترق عن موضوع طلب الشفاعة منهم. فعبادتهم الأصنام دليل على كونهم مشركين باللّه تعالى، واستشفاعهم بالحجَر و الخشَب دليل على جهلهم وحمقهم وعدم معرفتهم .
 والحاصل انّ المشركين كانوا يقومون بعملين مستقلّين:
 1ـ يعبدون ما لايضرهم ولا ينفعهم.
 2ـ يطلبون الشفاعة منهم عند الله وليس في الآية دلالة على أنّ طلب الشفاعة من الأصنام كان عبادة لها، فكيف يمكن اعتبار الاستشفاع بأولياء اللّه دليلا على عبادتهم؟!! فالآية لا ترتبط بالبحث إطلاقاً.
 ثانياً: لنفرض ـ جَدَلا ـ أنّ علَّة الشرك في أُولئك هو استشفاعهم بالأصنام، ولكن بين استشفاع المشركين بالأصنام و استشفاع المسلمين بأولياء اللّه فرقٌ كبير و بُعدٌ واسع كما بين السماء و الأرض، لأنّ المشركين كانوا يعتبرون الأصنام مالكة للشفاعة و المغفرة، و مشيئتهم نافذة بلا ريب، فمن الواضح أنّ هذا النوع من الاستشفاع يعدّ عبادة للأصنام، لأنّه مقرون مع الاعتقاد بربُوبيّتها و إلوهيَّتها و مَصْدَريَّتها لأفعال اللّه و شؤون الكون.
 هذا... في حين أنّ الإنسان المسلم يطلب الشفاعة و الدعاء من الشفيع باعتباره عبداً مقرَّباً إلى اللّه، و عبداً وجيهاً، مأذوناً من عند اللّه في الشفاعة إذا رضي وإذن.
باللّه عليك أيّها القارئ: أَلا يكون القول بعدم الفرق بين هذين مُخالفاً للعقل و مُنافياً للمنطق وبعيداً عن الإنصاف؟!! أَلا تُدرك الفرق جيّداً بينهما كما تدرك الفرق بين ظلام الليل و نور النهار؟!!

3ـ دعاء غير الله عبادة له

بعد إبطال الدليل الثاني للوهّابيّة على حرمة الاستشفاع من أولياء اللّه تعالى، يأتي الدليل الثالث و هو انّ دعوة الغير و طلب الحاجة منه، عبادة له بنَصّ القرآن الكريم، قال تعالى: (...فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أحَدَاً)(1).
وليس للنهي وجه سوى كون دعاء الغير عبادة له. و الدليل على أنّ دعاء غير اللّه عبادة للمدعوّ، هو قوله تعالى: (...ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرينَ)(2).
فلو تأمَّلنا في الآية لرأينا أنّها بُدئتْ بلفظ «الدعوة» و خُتمتْ بلفظ «العبادة» و هذا دليل على أنّ مفهوم الكلمتين واحد، و قد روي عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «الدُّعاء مُخُّ العِبادَة»(3).
الجواب:
 أوّلا: ليس المقصود من النهي عن دعوة غير اللّه ـ في قوله سبحانه: (فلا تدعوا)الدعوة المطلقة، بل المقصود هو الدعاء الخاص الذي يعادل العبادة، إذ من المعلوم أنّ مطلق دعاء الغير ليس عبادة له، فقولك: يا زيد اسقني، ليس عبادة للساقي، و الدليل على هذا هو بداية الآية حيث قال تعالى: (وَ أَنَّ الْمَساجِدَ للّهِ فَلا تَدْعوا...). فالآية ـ بمجموعها ـ تدلّ على أنّ الدعوة المحرَّمة هي الدعوة النابعة عن الاعتقاد بإلوهيّة ذلك المدعوّ و ربوبيّته و تَصرُّفه في شؤون الخلق و الكون(1) و أين هذا من طلب الشفاعة من النبي النابع من الاعتقاد بأنّه عبد صالح عزيز عندالله؟! ثانياً: إنّ ما تُحرّمه الآية و تنهى عنه أن ندعو مع اللّه أحداً، و نجعله مساوياً في الدعاء كما تدلّ على هذا جملة «مع اللّه» فإذا طلب إنسان من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يبتهل إلى اللّه بالدعاء و التوسّل لقضاء حاجته و غفران ذنوبه، فليس معناه أنّه دعا مع اللّه أحداً، بل إنّ هذا الدعاء ـ في الحقيقة ـ ليس إلاّ دعاء اللّه سبحانه.
 و إذا كانت بعض الآيات تَعتبر طلب الحاجة من الأصنام شركاً فإنّما هو بسبب أنّهم كانوا يعتبرون الأصنام آلهة صغاراً تملك الاختيار الكامل لأفعال اللّه تعالى، كلّها أو بعضها، و لهذا ترى القرآن الكريم ينتقد هذه الأفكار الباطلة فيقول: (وَ الَّذينَ تَدعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطيعُونَ نَصْرَكُمْ وَ لا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ)(2).
و يقول أيضاً: (إنَّ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ...)(1).
 و خلاصة القول:
 إنّ المشركين كانوا يعتبرون أصنامهم آلهة صغاراً، و أنّ أفعال اللّه تعالى مفوَّضة إليها بشكل مطلق، لكنّ طلب الشفاعة و الدعاء من إنسان منَحه اللّه الكرامة و المنزلة فاقد لهذه الخصائص و الشروط. فأين اعتقاد المشركين في حق أصنامهم من اعتقاد المسلمين في حق أوليائهم؟!! قليلا من الإنصاف و الموضوعيّة! «أفلا تعقلون»؟!
 ثالثاً: إنّ كلمة «الدعوة» لها معنىً واسع، حتى أنّها تُستعمل ـ أحياناً و من باب المجاز ـ في العبادة أيضاً، كما استدلّوا به في الآية (2) و الحديث (3) مع العلم أنّ هذه الاستعمالات الجزئية المجازية لا تكفي، دليلا على أن نُفسّر «الدعوة» في جميع الموارد بمعنى العبادة دائماً، و أن نَعتبر طلب الحاجة والدعاء من أحد شركاً.

4ـ الشفاعة حقٌّ خاصٌّ باللّه سبحانه فقط

ّأيّها القارئ الكريم: بعد إبطال الدليل الثالث للوهّابيّة نذكر الدليل الرابع و هو قوله تعالى: (أم اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَ لا يَعقِلُونَ * قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَميعاً...)(1).
 و وجه الاستدلال بهذه الآية هو تصريحها باختصاص الشفاعة باللّه سبحانه. إذن: ماذا يعني طلب الشفاعة من غير اللّه؟ الجواب: ليس معنى قوله تعالى: (للّه الشفاعة جميعاً) أنّ الشفاعة خاصّة باللّه و لا يحقّ لغيره أن يشفع، لأنّه لا شكّ أنّ اللّه لا يشفع لأحد عند آخر، بل يعني أنّه تعالى مالكُ أصل الشفاعة لا الأصنام، و ذلك لأنّ الشفيع يجب أن يكون ذا عقل و شعور أوّلا و مالكاً للشفاعة ثانياً، في حين أنّ الأصنام تفقد هذين الوصفين، و لهذا قال سبحانه: «قُلْ:
 1 أوَلَو كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيئاً.
 2ـ وَ لا يَعْقِلُونَ». إذن: تركيز الآية إنّما هو على أنّ الله تعالى هو مالك الشفاعة لا الأصنام، و أنّ اللّه يمنح هذه الصلاحية لمن تتوفَّر فيه اللياقة و الأهليَّة ليستشفع لعباده، لالمثل الاصنام والاوثان فلا علاقة لهذه الآية مع الموضوع الّذي نتحدّث عنه، لأنّ المسلمين يعتبرون اللّه وحده «مالك الشفاعة» و لا أولياؤه، و يعتقدون أنّ مَن أذِن اللّه له في الشفاعة قادرٌ على الاستشفاع دون غيره.
كما أنّ المسلمين يعتقدون ـ بالاستناد الى الآيات و الأحاديث ـ بأنّ اللّه تعالى قد أذِن للنبي و آله الأطهار ـ عليهم السلام ـ بالشفاعة، و لذلك فنحن نستشفع بهم.
و هكذا ظهر لك ـ أيّها القارئ ـ عدم العلاقة بين تلك الآية و هذا البحث، و عدم العلاقة أيضاً بين الحديث الذي ذكروه و هذا البحث.

5ـ لَغْويَّة الاستشفاع بالميّت

إنّ آخر دليل ذكره الوهّابيّون ـ على حرمة الاستشفاع بالأولياء ـ هو أنّ طلب الشفاعة من أولياء اللّه في هذه الحياة هو طلب الحاجة من الميّت الفاقد للسمع، و قد استدلّوا على ذلك بآيتين :
 1 (فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْموْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرينَ)(1).
 و وجه الاستدلال بها: أنّ القرآن الكريم شبَّه المشركين بالأموات، و هي تُخاطب النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأنّك لا تستطيع أن تُفهم هؤلاء، لأنّهم كالموتى لا يسمعون، فلو كان الموتى قادرين على التكلّم والسماع لما صحَّ تشبيه المشركين بالموتى.
 2ـ (...إِنَّ اللّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَ ما أنْتَ بِمُسْمِع مَنْ في القُبُور)(2).
و الاستدلال بهذه الآية كالاستدلال بالآية السابقة، في عدم قدرة الموتى على السماع و التكلّم، و على هذا فطلب الشفاعة منهم كطلب الشفاعة من الجمادات.
الجواب: إنّ الشرذمة الوهّابيّة تلجأ دوماً إلى مسألة الشرك في ردّ الفِرق و المذاهب الإسلامية، و تتّهم المسلمين بالكفر تحت ستار الدفاع عن التوحيد و اختصاص العبادة به. و لكنّها ـ في هذا الاستدلال ـ غيَّرتْ اسلوبها و تشبَّثتْ بالقول: إنّ الاستشفاع بالأولياء لغوٌ و لا فائدة فيه، لكونهم موتى. ولكن هذه الشرذمة ـ الغريبة عن القرآن ـ تجاهلت و تغافلت عن الأدلّة العقلية و الشرعية الّتي تُثبت حياة الأولياء بعد الموت. لقد أثبت فلاسفة الإسلام أنّ الروح ـ بعد ما تتجرَّد عن هذا الجسم المادّي و تستغني عنه ـ تَظلّ باقية إلى ما لا نهاية، و تتمتع بحياة و إدراك خاصّ، و قد ذكر الفلاسفة الإلهيّون عشرة أدلَّة عقلية على هذا الموضوع، ممّا لم يترك مجالا للشكّ و التردّد فيه، لأهل الإنصاف والوجدان.
و بالإضافة إلى الأدلّة العقلية... فهذا كتاب اللّه يُنادي ـ بأعلى صوته ـ بالحياة بعد الموت(1)وكذلك عشرات الأحاديث الشريفة المرويَّة في هذا المجال.
 فما هذا الدليل العليل أيّها الوهّابيّون؟! و تسأل: فما معنى تلك الآيتين؟
الجواب:
أوّلاً: المراد ـ بملاحظة الآيات السابقة الدالّة على سماع الموتى بعد رحيلهم ـ هو نفي الاسماع المفيد، فإنّ سماع الموتى أو من في القبور لا يجدي نفعاً بعدما ماتوا كافرين، هكذا المشركون لا يفيد إسماعهم، فوجه الشبه في تشبيه أسماع المشكرين بأسماع الموتى هو عدم فائدة الإسماع لا عدم تحقّقه وإلاّ فهذا هو النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ، يقول: «الميت يسمع قرع النعال» في حديث أخرجه البخاري عن أنس بن مالك عن رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: إنّ العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه حتى أنّه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيُقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمّد«صلى الله عليه وآله وسلم» فيقول: أشهد انّه عبد اللّه ورسوله إلى آخر ما نقل.(1)
 وقد مرّ انّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يزور القبور، و يخرج آخر الليل إلى البقيع، فيقول: السّلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون وانّا إن شاء اللّه بكم لاحقون، اللّهمّ اغفر لأهل بقيع الغرقد.(2)
اتّفق المسلمون على تعذيب الميت في القبر، أخرج البخاري عن ابنة خالد بن سعيد بن العاص انّها سمعت النبي«صلى الله عليه وآله وسلم» وهو يتعوّذ من عذاب القبر، وأخرج عن أبي هريرة كان رسول اللّه«صلى الله عليه وآله وسلم» يدعو: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر و من عذاب النار.(3)
كلّ ذلك يدلّ على أنّ المراد من نفي الإسماع هو الإسماع المفيد تحقيقاً لقوله سبحانه:(حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوتُ قالَ رَبِّ ارجِعُونِ * لَعَلّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَومِ يُبْعَثُون)(1) حيث إنّ الآية صريحة في ردّ دعوة الكفّار حيث طلبوا من اللّه سبحانه أن يُرجعهم إلى الدنيا حتى يعملوا صالحاً، فيأتيهم النداء«بكلا» فيكون تمنّيهم بلا جدوى ولا فائدة كما أنّ سماع الموتى كذلك، لا انّهم لا يسمعون أبداً، إذ هو مخالف لما مرّ من صريح الآيات والروايات.
إنّ الأجساد الراقدة تحت التراب غير قادرة على الفهم و الإدراك، و هذا طبيعي، إذ أنّ الجسد عند ما يتجرَّد عن الروح يبقى جماداً لا فهم له و لا إدراك. ولكن النقطة المهمّة ـ هنا ـ هو أنّ الذين نُخاطبهم و نستشفع منهم ـ و كما يؤكّد القرآن الكريم ـ ليس هو الجسد المدفون تحت التراب، و إنّما هي الروح الطاهرة و الحيَّة التي تعيش في الجسد البرزخي في عالَم البرزخ.
 فلو لم تتمكّن الأجساد المدفونة في الأرض من الإدراك و الفهم، فهذا لا يدلّ على أنّ أرواحها الطاهرة و نفوسها الطيّبة ـ التي هي حيَّة تُرزَق في العالَم الآخر ـ غير قادرة على الإدراك و الفهم.
 و أنّ السلام و التحيّة و الزيارة هي لتلك الأرواح النورانيَّة الخالدة، و طلب الشفاعة منها أيضاً.
و هكذا ظَهَرَ لك ـ أيّها القارئ الكريم ـ أنَّ الأدلَّة الّتي يستدلّ بها الوهّابيّون على حرمة الاستشفاع من أولياء اللّه أدلّة واهية ضعيفة، و أنّ الحقّ هو ما يقوم به المسلمون تَبعاً للقرآن و الأحاديث الشريفة.

الفصل السادس عشر الاعتقاد بالقدرة الغيبيّة لأولياء اللّه تعالى

هل الاعتقاد بالقدرة الغيبية لأولياء اللّه شِركٌ باللّه؟ ممّا لا شكّ فيه أنّ الإنسان لا يطلب حاجته من أحد إلاّ إذا تأكَّد من قدرته على قضاء حاجته و تلبية طَلبه. و هذه القدرة على قسمين:
 1 القدرة المادّية الظاهرية، بأن تطلب الماء من إنسان، فيملأ لك الإناء ماءً ويُناولك.
 2ـ القدرة الغيبية المستقلَّة عن المادّة، و الخارجة عن المجاري الطبيعية، كأن يعتقد الإنسان ـ مثلا ـ بأنّ الإمام علىّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ قادر على قلع باب خيبر ـ الّذي يعجز الإنسان عن قلعه عادة ـ بقوّة غيبية تفوق قدرة البشر.
أو يعتقد بأنّ النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ قادر على شفاء المريض الذي يصعب علاجه، باذن الله سبحانه من دون استعمال دواء أو إجراء عملية جراحية.
 إذا عرفت هذا... فاعلم أنّ الاعتقاد بهذه القدرة الغيبية ـ إذا كان مُستنداً إلى قدرة اللّه و إذنه و إرادته ـ هو كالاعتقاد بالقدرة المادّية الطبيعية، و ليس شركاً باللّه سبحانه، لأنّ اللّه الّذي وهَب القدرة المادّية لشخص قادر على أن يهب القدرة الغيبية لشخص آخر، دون الاعتقاد بكون المخلوق خالقاً أو مُستغنياً عن اللّه تعالى.

الرأي الوهّابي

يعتقد الوهّابيّون بأنّه لو طلب إنسان حاجة من أحد أولياء اللّه ـ حيّاً كان أم ميّتاً ـ كأن يشفي مريضه أو يُعيد عليه مفقوده أو يقضي ديونه أو غير ذلك، فقد آمن بوجود قدرة غيبية عند مَن دعاه و سأله، بحيث يستطيع أن يخرق بها القوانين الطبيعية الحاكمة في هذا الكون، والاعتقاد بهذه القدرة لغير اللّه اعتقاد بإلوهيَّة ذلك الغير، و طلب الحاجة منه مع هذا الاعتقاد شركٌ باللّه سبحانه.
 مثال ذلك: لو طلب الإنسان ـ العطشان في الصحراء ـ ماءً من خادمه، فإنّ طلبه هذا ليس طَلباً لخرق القوانين الطبيعية، فهو جائز و ليس شركاً.
أمّا لو طلب نفس هذا الطلب من نبىٍّ أو إمام يرقد تحت التراب، أو يعيش في بلدة أُخرى و مكان آخر، أو كان غائباً عن الأبصار، فقد أشرك باللّه تعالى، لأنّه يعتقد بأنّ ذلك النبىّ أو الإمام يستطيع أن يُهيّئ الماء، خارج نطاق القوانين و الأسباب الطبيعية، أي: بالقدرة الغيبية، و هذا اعتقاد بإلوهيّة ذلك المدعو: النبىّ أو الإمام.
 و قد صرِّح بهذا الرأي الكاتب الوهابي «أبو الأعلى المودودي» حيث قال: «إنّ التصوّر الّذي لأجله يدعو الإنسانُ الإله و يستغيثه و يتضرَّع إليه هو ـ لا جَرَم ـ تصوُّر كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة»(1).

رأينا حول هذا الكلام

إنّ الخطأ الّذي ارتكبه المودودي ـ و نظراؤه ـ تصوَّر، بأنّ الاعتقاد بالسلطة الغيبيّة لغير اللّه شرك به سبحانه مطلقاً، و لم يُفرِّق ـ أو لم يرد أن يُفرِّق ـ بين الاعتقاد بالقدرةِ الغيبية المستمدّة من اللّه و المعتَمد عليه، و بين القدرة المستقلَّة عنه سبحانه، حيث إنّ الشرك هو الاعتقاد الثاني لا الأوّل.
 إنّ القرآن الكريم يذكر ـ بصراحة تامّة ـ أسماء أشخاص كانت لهم القدرة الغيبية، و كانت إرادتهم تتحكّم على قوانين الطبيعة و تُغيِّر مجراها.
 و إليك أسماء بعض من أشار إليهم القرآن:

1ـ القدرة الغيبية للنبىّ يوسف ـ عليه السلام ـ

قال يوسف ـ عليه السلام ـ لإخوته : (إذْهَبُوا بِقَميصي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجهِ أَبي يَأْتِ بَصيراً...). (...فَلَمّا أنْ جاءَ الْبَشيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصيراً).(1)
 إنّ ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّ النبىّ يعقوب ـ عليه السلام ـ استعاد بَصَره الكامل بالقدرة الغيبية الّتي استخدمها يوسف ـ عليه السلام ـ من أجل ذلك، و من الواضح أنّ استعادة يعقوب بَصَره لم يكن من اللّه بصورة مباشرة، بل تحقّقت بإذنه سبحانه، بواسطة النبىّ يوسف ـ عليه السلام ـ .
 إنّ النبىّ يوسف كان السبب في عودة بَصَر أبيه كاملة، ولولا ذلك لما أَمر إخوانه بأن يذهبوا بقميصه و يلقوه على وجه أبيه، بل كان يكفي أن يدعو اللّه تعالى لذلك فقط. إنّ هذا تصرُّفٌ غيبىّ صدَر من أحد أولياء اللّه ـ يوسف ـ و غيَّر المجرى الطبيعي بإذنه سبحانه، و لا يقدر على هذا التصرُّف إلاّ مَن مَنحَه اللّه السلطة الغيبية.

2ـ السلطة الغيبية للنبىّ موسى ـ عليه السلام ـ

منح اللّه سبحانه القدرة الغيبية للنبىّ موسى ـ عليه السلام ـ فضَرب بعصاه الحجَر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، بعدد قبائل بني إسرائيل، كما قال سبحانه: (...قُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً)(1).
و استخدم موسى ـ عليه السلام ـ قدرته الغيبية مرَّة أُخرى عندما ضرَب بعصاه البحر ليفتح ـ في عُمق البحر و على أرضه ـ اثني عشر طريقاً يابساً لبني إسرائيل، كي يمرّوا فيه و يعبروا البحر، فتراكمت المياه كالجبال على أطراف هذه الطُرق من دون أن تتدحْرج أوتسيل قطرةٌ منها في الطريق! قال تعالى: (فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْق كالطَّوْدِ الْعَظيمِ)(2).
 في هذين الموقفين لا يمكن أن نتجاهل دور النبىّ موسى ـ عليه السلام ـ في تفجير العيون وفتح الطرق على أرض البحر، و أنه استفاد من قدرته الغيبية، فتحقّق كلّ ذلك بإذن اللّه و إرادته سبحانه.

الهوامش

1. الفاتحة: 5.
2. البقرة: 45.
1. يونس: 18.
1. الجن: 18.
2. غافر: 60.
3. سفينة البحار: مادة «الدعاء».
1. فقوله تعالى: (فَلا تدعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً) معناه فلا تعبدوا مع اللّه أحداً، كما يقول سبحانه في آية أُخرى: (وَ الَّذينَ لا يَدْعونَ مَعَ اللّهِ إلهاً آخر )سورة الفرقان: آية 68 : أي لا يعبدون مع اللّه إلهاً آخر.
2. الأعراف: 197.
1. الاعراف: 194.
2. و هي (ادعوني أستجب لكم).
3. و هو: الدعاء مُخّ العبادة.
1. الزُمر: 43 ـ 44.
1. الروم: 52.
2. فاطر: 22.
1. راجع آية 169 ـ 170 من سورة آل عمران، و آية 41 من سورة النساء، و آية 45 من سورة الأحزاب، و آية 100 من سورة المؤمنون، و آية 46 من سورة غافر، كلّها تدلّ على الحياة بعد الموت، و قد تحدَّثنا عن هذا الموضوع في فصل سابق.
1. البخاري:الصحيح: 2/90، باب الميت يسمع خفق النعال.
2. صحيح مسلم:3/63، باب ما يقال عند دخول القبور من كتاب الجنائز.
3. البخاري:الصحيح: 2/99، باب التعوذ من عذاب القبر من كتاب الصلاة.
1. المؤمنون/99ـ 100.
1. المصطلحات الأربعة: 18.
1. يوسف: 93 و 96.
1. البقرة: 60.
2. الشعراء: 63.


التالي

السابق