آية الله جعفر السبحاني




كلمة المؤلف

بُني الإسلامُ على كلمتين هما دعامتاه الأساسيتان: كلمة التوحيد، و توحيد الكلمة. أمّا الأُولى، فقد كانت دعامة أساسيّة لجميع الشرائعِ السماوية و بخاصّة الإسلام، قال سبحانه: (وَ لَقَدْ بَعَثْنا في كلِّ اُمَّة رَسولا أنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ).(1) و أمّا الثانية، فهي الدعامة القوية التي يقوم عليها صرح الإسلام خاصّة، بل هي الركن الوثيق لنشر تعاليمه، و العامل القوي لبقاء كيانه. و قد قام رسول الإسلام العظيم محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بإرساء تينك الدعامتين، فاهتمّ في الفترة المكّية بمكافحة الكفر و الإلحاد و الشرك و الوثنية، و زرع بذور التوحيد في العقول، و غرس روح الوحدانية في النفوس. و افتتح الفترة المدنيّة بتطبيق الثانية (و هي توحيد الكلمة) حيث آخى بين المسلمين مهاجرين و أنصاراً، جُدُداً و قدامى، و ظلّ طوال حياته الشريفة يدعم بكل الوسائل هاتين الدعامتين حتى كوّنَ من المؤمنين برسالته و السائرين تحت رايته، أُمّةً واحدةً قوية جسَّدت ما قاله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «مثل المؤمنين في توادّهم و تعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد (الواحد) إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمّى».(1) و بفضل هاتين الدعامتين اللّتين كانتا منشأً للوحدة الفكرية و الوحدة الاجتماعية استطاع المسلمون أن يتغلّبوا على خصوم الرسالة الإسلامية و أعدائها، و يزيحوا جميع الموانع و العراقيل من طريقها، و يضمنوا انتشارها، بل و بقاءها، رغم كيد الكائدين، و مؤامرات المعارضين. و بقيت الأُمّة على وحدتها وتماسكها قروناً عديدة حتى أطلّ القرن السادس و تلاه السابع، كانت البلاد الإسلامية تعاني من هجومين شرسين مدمّرين عليها، على أيدي عبّاد الصنم (التتر) من ناحية الشرق، و أتباع الصليب (المسيحيين) من ناحية الغرب، ذينك الهجومين الّلذين دمّرا الكثير من أُسس الحضارة الإسلامية و مظاهرها و معالمها من جانب آخر.
 فيما كانت هذه هي حالة الأُمّة الإسلامية و حال بلادها طلع من «حرَّان» دمشق، رجل على الأُمّة الإسلامية بعقائد منحرفة و آراء شاذة بلبلت أذهان المسلمين، و مزّقت وحدتهم، و فرّقت جماعتهم و أوقدت نيران الفتنة في مجتمعهم، ذلك في الوقت الَّذي كانت الأُمّة الإسلامية أحوج ما تكون فيه إلى توحيد الكلمة، و رصّ الصفوف لمواجهة الخطرين اللّذين كانا يهدّدان كيانهم من الأساس. غير أنّ الغيارى و الواعين من العلماء من مختلف المذاهب و الطوائف الإسلامية، تصدّوا بحزم للرجل (و هو ابن تيمية الحراني الدمشقي) و شجبوا عقائدهُ الشاذة و آراءه التي خالف بها جميع المذاهب، فهدأت الضجّة، و خمدت نيران الفتنة، و وقى الله المسلمين ما كان أعظم.
 ولكن لم تَمرّ أربعة قرون إلاّ و ظهر رجلٌ آخر (هو محمد بن عبدالوهاب النجدي) من أرض الحجاز أحيا تلك العقائد و الآراء الميّتة و نادى بها من جديد، مع إضافات أشدّ شذوذاً وغرابة عمّا كان عليه المسلمون عقيدةً و عملا طيلة قرون منذ وفاة الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، مستغلا جهل طائفة من أعراب البادية الجفاة، و مستعيناً بزمرة من ذوي الأطماع في الملك و السلطان، فأوقد مرة أُخرى نيران الفتنة الخامدة من جديد، و مضت هذه الجماعة تُكفّر المسلمين و تفسّقهم، و ترميهم بالشرك، و عبادة غير الله تعالى و هم أهل الصلاة و القبلة.
و زاد الطين بلة أن أخذت حكومة آل سعود على عاتقها، و بما أُوتيت من ثروة عظيمة نفطية وغير نفطية، ترويج هذه العقائد التي خالف بها مؤسّسها و مروّجها إجماع المسلمين و لم يقل بها أحد قبلهما إلى القرن السابع، و بذلك أشغلت بال أبناء الأُمّة الإسلامية بأُمور تافهة، وصرفتهم عن التفكير في جوهر الدين، و العمل في مجال القضايا المصيرية.
فانّ الَّذي يلاحظ ما يسمّى اليوم بالمذهب الوهابي، و المتقمّص رداءَ السلفية لا يرى سوى فقاعات و قشور، و كأنَّ الإسلام العظيم ليس إلاّ إطالة اللحى و تقصير الثياب، و حرمة تقبيل أضرحة الأنبياء و الصالحين، و حرمة التوسل بعباد الله المقرّبين!! إنّ هؤلاء لا يهمّهم ـ و للأسف ـ وحدة المسلمين و تماسك كيانهم، و اجتماع كلمتهم، و لهذا نجدهم ينفقون أموالا طائلة على دعوة لم تجر على المسلمين سوى الفرقة، و التشتت، و التعادي والتخاصم.

ابن تيميّة في منظار علماء عصره و غيرهم

ولكي يعرف القارئ مدى ما تركه ابن تيمية من أثر سىّء على وحدة الأُمّة الإسلامية، والاختلاف الَّذي أوجدته أفكاره يومها في صفوف المسلمين و لكي يعرّف القراء الكرام دعاة الفرقة وعوامل الفتنة ندرج هنا ـ في هذه المقدّمة ـ بعض ما قاله علماء المذاهب الأربعة في حقّه، تاركين التعريف بمجدّد هذه العقائد الشاذّة و محييها محمد بن عبدالوهاب إلى الفصل الأوّل من هذا الكتاب.
 1ـ الشيخ صفىّ الدين الهِندي الأرموي (المتوفّى 710 هـ ) و هو متكلّم أشعريٌّ مَدَحَه السبكي; باحَثَ ابن تيمية، و لمّا ناظره و وَجَدَه يخرج من شيء إلى شيء قال له: ما أراك يابن تيميّة إلاّ كالعُصفور حيث أردتُ أن أقبضه من مكان فَرّ إلى مكان آخر.(1)
 2ـ الحافظ شمس الدين الذهبىّ (المتوفّى 748 هـ ) كتب له رسالة ينصحه فيها بقسوة، فيها: إلى كم ترى القذاةَ في عين أخيك و تنسى الجذعَ في عينك؟ إلى كم تمدَح نفسك و شقاشِقك و عباراتكَ، و تذم العُلَماءَ و تتّبع عوراتِ الناس؟ فهل معظم أتباعِك إلاّ قعيدٌ مربوطٌ خفيفُ العَقل، أو عاميٌ كذابٌ بليدُ الذهن... أما آنَ لَكَ أن تَرعوي، أما حانَ لكَ أنْ تتوبَ و تنيب؟(1)
 3ـ الحافظ عليّ بن عبد الكافي السبكي (المتوفّى 756 هـ ) ردّ على ابن تيمية فيمن ردَّ عليه، و ألّفَ فيه كتاباً أسماه: «شفاء السقام في زيارة خير الأنام». و قد كتب في مقدّمة كتاب له اسمه: «الدرة المضيئة في الردّ على ابن تيمية» ما هذا لفظُه: أمّا بعد، لمّا أحْدَث ابن تيمية ما أحْدَث في أصولِ العَقائد، و نَقَضَ دعائم الإسلام بعد أن كان مُستتِراً بتبعيّة الكتابِ و السنّة مُظهِراً أنّه داع إلى الحق هاد إلى الجنة، فَخَرَجَ عَن الاتّباع إلى الابتداع، و شذَّ عن جماعة المسلمين بمخالفةِ الإجماع، و قال بما يقتضي الجِسمية و التركيب في الذات المقدّسة... .(2)
 4ـ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 هـ ) قال في كتابه: «الدُّرر الكامِنة في أعيان المائة الثامنة»: قام عليه جماعة من الفُقَهاء بِسَبَبِ الفتوى الحمويّة و بَحَثوا مَعَه، و مُنِعَ مِن الكلام. ثم ذكر سجونَه، و ما أصدَرَه العُلماء عليه من أحكام.(3)
 5ـ شهاب الدين ابن حجر الهيتمي (المتوفّى 973 هـ ) قال في ترجمة ابن تيمية: ابن تيمية عبدٌ خَذَله اللّهُ، و أضلَّه و أعماه و أصمّه و أذلّه. و بذلك صرّح الأئمةُ الذين بيّنوا فسادَ أحوالِه و كذبَ أقواله... والحاصل أنّه لا يُقامُ لكلامه بل يرمي في كل و عروحَزْن، و يُعتَقَد فيه أنه مبتدع ضالٌّ مضلٌّ غالٌ عامَلَه الله بَعدلِهِ، و أجارَنا من مِثل طريقته، و عقيدتِهِ، و فعله(1) .
 و له كتاب حول زيارة القبر النبوي، ردَّ فيه على ابن تيمية. 6ـ النبهاني (المتوفّى 1350 هـ ) قالَ في كتابه «شواهد الحق»: قد ثبت وتحقّق و ظَهَر ظهورَ الشمس في رائعة النهار أنّ عُلماء المذاهب الأربعة قد اتّفقوا على ردّ بدع ابنِ تيمية، و منهم مَن طَعَنوا بصحّة نَقله، كما طَعَنوا بكمالِ عقلِهِ.(2) هذه طائفة من كَلِمات العلماءِ في ابن تيمية و أحوالِهِ و أقوالِهِ تكفي على قلّتِها لإلقاءِ الضوءِ على شخصيّته و طبيعة أفكاره.
و المشكلة هي أنّ ابن تيمية بما كان له من طلاقة في لِسانِهِ، و سيولِة في قلِمِه، و أُسلوبُه في نسبة ما يقول إلى الكتاب و السنَّة و السَّلَف بقاطعيّة و جزم، كذباً و اْفتراء كان يَستحوِذ على عقول العوام و البسطاءِ ممّا كان سبباً في نصرته مِن قِبَلِهمْ دونَ العلماء الواعين.
إنّ المسلمين اليوم بأمسّ الحاجة ـ و هم يتعرّضون للغزو الصليبي و الصهيوني و العلماني الغربي ـ إلى الوحدة الفكرية و الاجتماعية و السياسية و إلى رصّ الصفوف، و نبذ الخلافات وحلّ الفوارق الاجتهادية من خلال البحث العلمي و المناقشة الموضوعية بعيداً عن التراشق بسهام الاتّهام و العدوان.
 وما هذا الكتاب ـ كما قلنا ـ إلاّ لفضح مفرّقي الصفوف و دعاة الفتنة قديماً و حديثاً و مواقفهم المفرّقة و أفكارهم الشاذة بغية أن يتجنّبها المسلمون و يتصدّى لهم و لها المفكّرون الذين يهمّهم أمر هذه الأُمّة المرحومة، و تؤلمهم محنتها القاسية، و الله من وراء القصد.
 استعرضنا في هذا الكتاب عقائد الوهابيين الموروثة عن ابن تيمية على ضوء الكتاب والسنّة. وإذا ما قرأه القارئ مجرّداً عن أي تحيّز، لعرف أن هذا المذهب لا يُبتنى على أسس رصينة، وأن ما يتبناه المذهب، ليس سوى مغالطات أو انعكاسات سوء فهم للكتاب والسنة ويتبين كل ذلك في ضمن فصول .

قم المشرفة مؤسسة الإمام الصّادق ـ عليه السلام ـ
جعفر السبحاني
 شعبان المعظم ـ 1415 هـ

 الفصل الأوّل:لَمحات عن حياة مؤسّس الوهّابيّة

تُنسب الطريقة الوهّابيّة الى الشيخ محمّد بن عبدالوهّاب النجدي، و تُسمّى طريقته باسم أبيه «عبدالوهّاب» . أمّا السبب في عدم تسميتها بـ «المحمّدية» نسبة الى مؤسّسها محمّد، فهو ـ كما يقول البعض ـ للحذر من وقوع التشابه بينها و بين المسلمين أتباع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و الحيلولة دون استغلاله. (1)
 وُلد الشيخ محمّد عام 1115 هـ في قرية «عُيينة» إحدى القرى التابعة لـ «نجد» و كان والده قاضياً فيها. كان محمّد بن عبدالوهّاب ـ منذ طفولته ـ ذا علاقة شديدة بمطالعة كتب التفسير و الحديث والعقائد، و قد درس الفقه الحنبلي عند أبيه الَّذي كان من علماء الحنابلة.
و كان ـ منذ شبابه ـ يستقبح كثيراً من الشعائر الدينية التي كان يمارسها أهالي نجد. و لم يقتصر ذلك على «نجد» بل تعدّا إلى المدينة المنوَّرة بعد ما انصرف من مناسك الحج، فقد كان يستنكر على الذين يتوسّلون برسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عند مرقده المقدّس.
ثم عاد إلى نجد و بعدها ارتحل إلى البصرة ـ و هو في طريقه إلى الشام ـ و هناك في البصرة طفق يستنكر على الناس شعائرهم الدينية و ينهاهم عنها، فثار عليه أبناء البصرة الغيارى وأخرجوه مدحوراً من ديارهم، فتوجَّه إلى مدينة الزبير.
و في الطريق ـ بين البصرة و الزبير ـ تعب من المشيو نال منه الحرُّ و العطش نيلا شديداً بحيث كاد أن يهلك فأدركه رجل من الزبير فعطف عليه عندمارآه مرتدياً زىَّ رجال الدين، و سقاه الماء و أركبه و أوصله إلى المدينة.
 كان محمّد بن عبدالوهّاب عازماً على السفر إلى الشام، لكنّه لم يكن يملك ما يكفيه من المال و الزاد، فسافر إلى الأحساء و منها إلى حريملة التابعة لـ «نجد». في تلك السنة ـ و كانت سنة 1139 هـ ـ انتقل والده عبدالوهّاب من عُيينة الى حريملة فلازَم الولد والده و تتلمذ على يده، و واصل حملاته المسعورة ضدّ الشعائر الدينية في نجد، ممّا أدّى إلى نشوب النزاع و الخلاف بينه و بين أبيه من جهة، و بينه و بين أهالي نجد من جهة أُخرى، و استمرّت الحالة على هذه حتى عام 1153هـ حيث توفّي والده.(1)
عند ذلك خلا الجوّ لمحمّد بن عبدالوهّاب، فراح يُعلن عن عقائده الشاذّة، و يستنكر على الناس ما يمارسونه من الشعائر الدينية، و يدعوهم إلى الانخراط في حزبه و تحت لوائه، فانخدع بعضٌ ورَفض آخرون، و اشتهر أمره في المدينة. عندها قَفل راجعاً إلى «عُيينة» و كان يحكم عليها عثمان بن حمد، فاستقبله و أكرمه، و وقع القرار بينهما على أن يُدافع كلٌّ عن صاحبه، باعتبار أنّ لأحدهما السلطة التشريعية و للآخر السلطة التنفيذية، فحاكم عيينة يمدّه بالقوّة و محمّد بن عبدالوهّاب يدعو الناس إلى طاعة الحاكم و اتّباعه.
 و وصل الخبر إلى حاكم الأحساء بأنّ محمّد بن عبدالوهّاب يدعو إلى آرائه و مبتدعاته، و يعضده حاكم عُيينة فأرسل حاكم الأحساء رسالة تحذيرية الى حاكم عُيينة، فاستدعى الحاكم محمّد بن عبدالوهّاب و اعتذر من تأييده، فقال له ابن عبدالوهّاب: لو ساعدتني في هذه الدعوة لملكت نجد كلَّها، فرفضه الحاكم و أمره بمغادرة عُيينة مذموماً مدحوراً. كان ذلك في عام 1160 هـ عند ما خرج ابن عبدالوهّاب من عيينة و توجَّه إلى الدرعية التي كانت من أشهر المدن التابعة لنجد، و كان حاكمها ـ يومذاك ـ محمّد بن سعود ـ الجدّ الأعلى لآل سعود ـ فزاره الحاكم و أكرمه و وعده بالخير.
 و بالمقابل بشَّره ابن عبدالوهّاب بالهيمنة على بلاد نجد كلّها، و هكذا وقع الاتّفاق المشؤوم.(1) و الجدير بالذكر: أنّ أهالي الدرعية كانوا يعانون من فقر مُدقع و حرمان فظيع، حتى وصول ابن عبدالوهّاب و عقد الاتفاقية بينه و بين محمّد بن سعود. يقول ابن بشر النجدي ـ فيما يرويه عنه الآلوسي ـ :
 ... و كان أهل الدرعيّة ـ يومئذ ـ في غاية الضيق و الحاجة، و كانوا يحترفون لأجل معاشهم...
ولقد شاهدتُ ضيقهم في أول الأمر، ثم رأيتُ الدرعيّة بعد ذلك ـ في زمن سعود ـ و ما عند أهلها من الأموال الكثيرة و الأسلحة المحلاّة بالذهب و الفضَّة و الخيل الجياد و النجائب العُمانيات والملابس الفاخرة، و غير ذلك من أسباب الثروة التامَّة، بحيث يعجز عن عدّه اللسان و يكلُّ عن تفصيله البيان.
 و نظرتُ إلى موسمها يوماً ـ في الموضع المعروف بالباطن ـ فرأيتُ موسم الرجال في جانب، و موسم النساء في جانب آخر، فرأيت من الذهب و الفضّة والأسلحة و الإبل و الغنم و الخيل والألبسة الفاخرة و سائر المآكل ما لا يمكن وصفه، و الموسم ممتدٌّ مَدَّ البصَر، و كنت أسمع أصوات البائعين و المشترين و قولهم: بعت و اشتريت كدوىِّ النحل... .(1)
 ولكن من أين كلّ هذه الثروات الهائلة؟! إنّ «ابن بشر النجدي» لم يتعرّض لذكر مصدر هذه الثروات الهائلة، لكن المستفاد من التاريخ هو أنّ ابن عبدالوهّاب كان يحصل عليها من خلال الهجمات التي كان يشنّها ـ مع أتباعه ـ على القبائل و المدن التي ترفض الانجراف إليه، و كان يسلب أموالها و ينهب ثرواتها و يوزّعها على أهل الدرعيَّة.
 و كان محمّد بن عبدالوهّاب ينتهج اُسلوباً خاصّاً في تقسيم الغنائم ـ المسلوبة من المسلمين الرافضين للانحراف ـ فقد كان يتصرّف فيها حسب رغبته الشخصيَّة، فمرَّة كان يُقسّمها ـ رغم كثرتها ـ بين اثنين أو ثلاثة من أتباعه، و كان أمير نجد يأخذ نصيبه من الغنائم، بموافقة ابن عبدالوهّاب نفسه.
 و من أهمّ نقاط الانحراف في ابن عبدالوهّاب هو هذه المعاملة السيّئة مع المسلمين الذين ما كانوا يخضعون لأهوائه و آرائه، فقد كان يُعاملهم معاملة الكافر المحارب، يُبيح أموالهم وأعراضهم. و خلاصة القول: إنّ محمّد بن عبدالوهّاب كان يدعو إلى التوحيد، ولكن لتوحيد خاطئ من صُنع نفسه، لا التوحيد الَّذي يُنادي به القرآن الكريم، فَمن خضع له و لـ «توحيده» سلمتْ نفسه وأمواله، و من أبى فهو كافر حربي، و دمه و ماله هَدَر!! و على هذا الأساس كان الوهّابيّون يشنَّون المعارك في نجد و خارجها ـ كاليمن و الحجاز ونواحي سوريا و العراق ـ و كانوا يبيحون التصرّف بالمُدن ـ التي يسيطرون عليها ـ كيفما يشاءُون، فإن أمكنهم ضَمّ تلك الأراضي إلى ممتلكاتهم و عقاراتهم فعلوا ذلك، و إلاّ اكتفوا بنهب الغنائم منها.(1)
 و كان قد أمر كلّ من ينخدع بدعوته أن يتقدَّم إليه بالبيعة، و مَن رفض البيعة وجب قتله وتوزيع أمواله!! و لهذا عند ما رفض أهالي قرية الفصول ـ من ضواحي الأحساء ـ بيعةَ هذا الرجل الشاذ هَجم عليهم و قتل ثلاثمائة رجل و نَهب أموالهم و ثرواتهم!(2)
 و أخيراً... مات محمّد بن عبدالوهّاب عام 1206 هـ ،(3) ولكنّ أتباعه واصلوا طريقه و أحيوا بدعه و ضلاله. ففي عام 1216 هـ أعدَّ الأمير سعود ـ الوهّابي ـ جيشاً ضخماً يتألّف من عشرين ألفاً و شنّوا هجوماً عنيفاً على مدينة كربلاء المقدّسة بالعراق.
 و كانت كربلاء ـ و لا زالت ـ مدينة مقدّسة، تتمتّع بشهرة بالغة و محبَّة في قلوب المؤمنين و يقصدها الزوّارـ بمختلف جنسيّاتهم من إيرانيين وأتراك و عرب و غيرهم ـ فحاصر الجيش الوهّابي هذه المدينة المقدّسة ثم اقتحمها و دخلها و أكثر فيها القتل و النهب و الخراب و الفساد.
 و قد ارتكب الوهّابيّون - في مدينة كربلاء المقدّسة ـ جرائم و فجائع لا يمكن و صفها، فقد قتلوا خمسة آلاف مسلم أو أكثر.
 و عند ما انتهى الأمير سعود من العمليات الحربية هناك، عَمد إلى خزانة حرم الإمام الحسين بن علي ـ عليهما السلام ـ و التي كانت مليئة بالذخائر النفيسة و الهدايا القيّمة التي أهداها الملوك و الأُمراء وغيرهم إلى الروضة المقدّسة فابتزَّها نهباً. و بعد هذه الفاجعة الأليمة اتّخذت مدينة كربلاء لنفسها طابع الحزن و الكآبة، حتى نظم الشعراء قصائد في رثائها.(1)
 و كان الوهّابيّون يشنّون بين فترة و أُخرى ـ و خلال مدّة تتراوح بين اثني عشر عاماً ـ هجماتهم و غاراتهم الحاقدة على كربلاء المقدّسة و ضواحيها، و على مدينة النجف الأشرف، ويعودون ناهبين سارقين، و كانت البداية هي الهجوم على مدينة كربلاء عام 1216 هـ ، كما سبقت الإشارة إليه.
و قد اتفقت كلمات المؤلّفين من الشيعة على أن ذلك الهجوم كان في يوم عيد الغدير المجيد، ذكرى تعيين النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الإمامَ علي بن أبي طالب خليفة له من بعده.(2)
يقول العلاّمة المرحوم السيد محمّد جواد العاملي(1): «و قد منَّ الله سبحانه بفضله و إحسانه و ببركة محمّد و آله ـ صلَّى اللّهُ عليهم أجمعين ـ لإتمام هذا الجزء من كتاب «مفتاح الكرامة»، بعد انتصاف الليل من الليلة التاسعة من شهر رمضان المبارك سنة 1225 هـ على يد مصنّفه...و كان مع تشويش البال و اختلال الحال و قد أحاطت الأعراب ـ من عُنيزة القائلين بمقالة الوهّابيّ الخارجي ـ بالنجف الأشرف و مشهد الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ و قد قطعوا الطّرق و نَهبوا زوّار الحسين ـ عليه السلام ـ بعد منصرفهم من زيارة نصف شعبان، و قتلوا منهم جماعة غفيرة، و أكثر القتلى من العجم، و ربّما قيل بأنهم مائة و خمسون، و قيل أقل...».
 نعم، إنّ التوحيد الَّذي كان يدعو إليه محمّد بن عبدالوهّاب و جماعته ـ و كانوا يبيحون دماء وأموال مَن يرفض دعوتهم ـ هو القول بأنّ الله على العرش، يقول في الرسالة الحموية: إنّ الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء، وعلى كل شيء، وإنّه فوق السماء . ثم يستدل على أنّه فوق السماء بقصة معراج الرسول إلى ربه ونزول الملائكة من عند الله وصعودهم إليه، إلى غير ذلك من الروايات.
 ويستشهد بشعر عبد الله بن رواحة الّذي أنشده للنبي ـ حسب زعمه ـ:
                                شهدت بأنّ وعد الله حق * وانّ النار مثوى الكافرينا
                              وانّ العرش فوق الماء طاف * وفوق العرش رب العالمينا
إلى أمثال هذه الروايات الّتي استنتج منها أنّه سبحانه على العرش وله جهة.(1) ونحن نقتصر على ذلك فمن حاول أن يقف على التوحيد الّذي دعا إليه فليرجع إلى كتاب «بحوث في الملل والنحل» الجزء الرابع، ولكن نقتصر في المقام بما ذكره ابن بطوطة في رحلته، يقول: حضرت يوم الجمعة بدمشق المسجد الّذي يخطب فيه على منبر الجامع أحمد بن تيمية، فكان من جملة كلامه: انّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه، وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً .(2)
 و يظهر من كتاب «الردّ على الأخنائي» لابن تيمية أنّه كان يعتبر الأحاديث المرويَّة في فضل زيارة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، أحاديث موضوعة، و يصرّح بأنّ من يعتقد بحياة رسول الله بعد وفاته، كحياته زمن حياته فقد ارتكب خطأً كبيراً. و هذا ما يعتقده محمّد بن عبدالوهّاب و أتباعه، و قد زادوا على ابن تيمية في الانحراف والباطل.
 لقد أدَّت معتقدات الوهّابيّين الباطلة إلى أن يعتبر بعض الباحثين حول الإسلام ـ ممّن نظروا في كُتبهم و تعرَّفوا على الإسلام من مطبوعاتهم ـ أَنْ يعتبروا الإسلام ديناً جامداً محدوداً لا يُنتفع به في كلّ العصُور و الأزمان.
يقول «لو تروب ستو دارد» الأمر يكي: «... و قام على أثر ذلك عدد من النَّقَدة، اتّخذوا الوهّابية دليلا لكلامهم و قالوا: إنّ الإسلام ـ بجوهره و طبائعه ـ غير قابل للتكيّف على حسَب مقتضيات العصور و مُماشاة أحوال الترقّي و التبدّل، و ليس إلفاً لتطوّرات الأزمنة و تغيّرات الأيام...».(1)
 و من الجدير بالذكر أنّ علماء المذهب الحنبلي ثاروا ضدّ محمّد بن عبدالوهّاب و حكموا بانحرافه و بطلان عقائده منذ البداية.
و أوّل من تصدّى له و أعلن الحرب عليه هو أبوه الشيخ عبدالوهّاب، ثم أخوه الشيخ سليمان و كلاهما من علماء الحنابلة.
 و قد كتب الشيخ سليمان كتاباً بعنوان: «الصواعق الإلهية في الردّ على الوهّابيّة» ردَّ فيه على أباطيل أخيه و خزعبلاته.
 يقول زيني دحلان ـ ما معناه ـ : «...و كان عبدالوهّاب ـ والد الشيخ محمّد ـ رجلا صالحاً من أهل العلم، و كان الشيخ سليمان ـ أخو محمّد ـ من أهل العلم أيضاً، و بما أنّ الشيخ عبدالوهّاب و الشيخ سليمان كانا من بداية الأمر ـ أي من يوم كان محمّد يواصل دراسته في المدينة المنوّرة ـ على علم بأفكار محمّد الشاذّة، لذلك كانا يلومانه على أقواله و يُحذّران الناس منه...»(2).
و يقول عبّاس محمود العقّاد المصري: «... و أكبر مَن خالف الشيخ في ذلك أخوه الشيخ سليمان ـ صاحب كتاب الصواعق الإلهية ـ و هو لا يُسلّم لأخيه بمنزلة الاجتهاد و الاستقلال بفهم الكتاب و السنّة...»(1).
 و يرى الشيخ سليمان أنّ البدَع التي يمرّ بها الأئمة ـ جيلا بعد جيل ـ و لا يُكفّرون أصحابها، لا يكون الكفر فيها من اللزوم الَّذي يوجب القطع به و يُستباح من أجله القتال، و يقول الشيخ سليمان في ذلك: إنّ هذه الأُمور حدثت من قبل زمن الإمام أحمد بن حنبل في زمان أئمة الإسلام و أنكرها من أنكرها منهم، و لا زالت حتى ملأت بلاد الإسلام كلّها، و فُعلتْ هذه الأفاعيل كلّها التي تُكفِّرون بها، ولم يُروَ عن أحد من أئمة المسلمين أنّهم كفَّروا بذلك، و لا قالوا هؤلاء مرتدُّون، و لا أمروا بجهادهم، ولا سمُّوا بلاد المسلمين بلاد شرك و حرب كما قلتم أنتم، بل كفَّرتم من لم يُكفّر بهذه الأفاعيل و إن لم يفعلها...».(2)
 هذا...و قد سبق أنّ محمّد بن عبدالوهّاب ليس أوّل مبتدع في آرائه و أفكاره، بل سبقه إلى ذلك ـ بقرون عديدة ـ ابن تيميّة الحرّاني و تلميذه ابن القيّم الجوزيّة و أمثالهما، إلاّ أنّ أفكارهم لم تتّخذ لنفسها طابع المذهب كما أحدث ذلك ابن عبدالوهّاب.

 الردود على قائد الوهابيين

و نظراً لمّا كان لابن تيمّية ـ باذر بذور النفاق ـ من آراء سقيمة وأفكار باطلة فقد تصدى علماء عصره. لنقد آرائه و الحكم بانحرافه و خاصّة بعد ما كتب عقائده الباطلة و نشَرها بين الناس.
 و قد تلخّصت الحرب الدينية ضدّ ابن تيميّة في نقطتين: الأُولى: تأليف الكتب و كتابة الردود على أفكاره الباطلة، و تزييفها على ضوء القرآن و السنَّة الشريفة.
 و كنموذج من ذلك نُشير إلى بعض ما صدر ضدّه من الكتب:
 1ـ شفاء السقام في زيارة قبر الإمام: بقلم تقىّ الدين السبكي.
 2ـ الدرّة المضيئة في الردّ على ابن تيميّة: بقلم المؤلّف السابق.
 3ـ المقالة المرضيّة: تأليف قاضي قضاة المالكيّة تقىّ الدين أبي عبدالله الأخنائي. 4ـ نجم المهتدي و رجم المقتدي: بقلم فخر بن محمّد القرشي.
 5ـ دفع الشبهة: بقلم تقىّ الدين الحصني.
 6ـ التحفة المختارة في الردّ على منكر الزيارة: بقلم تاج الدين. هذه بعض الردود التي كُتبت ضدّ عقائد ابن تيميّة و آرائه السقيمة، و كشفتْ عن سفاهتها وقشريَّتها.
 الثانية: هجوم العلماء و الفقهاء عليه، و إصدار الحكم و الفتوى بفسقه تارةً و بكفره تارةً أُخرى، و التحذير من البدَع التي أحدثها في الدين الحنيف. و منهم قاضي القضاة في مصر «البدر بن جماعة» فقد كتبوا إليه رأي ابن تيميّة في زيارة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فكتب قاضي القضاة: «إنّ زيارة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سُنَّة مستحبة، و قد اتّفق العلماء على ذلك، و كلّ من يرى حرمة زيارته فيجب على العلماء زجره و نهيه عن مثل هذه الآراء، فإن لم يردعه ذلك لزم حبسُه و فضحه بين الناس حتى لا يقتدوا به».
 و ليس هذا القاضي الشافعي في مصر وحيداً في فتواه هذه، بل أصدر قضاة المالكية والحنبلية فتاوى مماثلة في تفسيق ابن تيميّة والحكم بضلاله وانحرافه.(1)
 وبالإضافة إلى ذلك كلّه، فقد كتب الذهبي الَّذي يُعتبر من علماء القرن الثامن الهجري، و له تأليفات قيّمة في الحديث و الرجال ـ و كان مُعاصراً لابن تيميّة ـ كتب رسالة ودّية إليه ينهاه فيها عن منكراته، و شبَّهه فيها بالحجّاج الثقفي في ضلاله و فساده.(2)
 إلى أن أهْلك الله ابنَ تيميّة في عام 728 هـ في سجن الشام، فحاول تلميذه ابن القيّم أن يواصل نهج أُستاذه، لكنّه لم يفلح في ذلك، فماتت أفكار ابن تيميّة بموته، و فنيتْ بفنائه، و زالت بزواله، واستراح المؤمنون من بدعه و ضلالاته. إلى أن ألقى الشيطان حبائله من جديد، فجاء محمّد بن عبدالوهّاب حاملا أفكار ابن تيميّة البائدة و اتفق مع آل سعود ليقوم كلّ منهما بتأييد الآخر، هذا في الحكم و ذاك في التشريع، فعاد الضلال يَنشر خيوطه في «نجد» و انتشرت الوهّابيّة في بلاد نجد انتشار السرطان الأثيم في الجسم، فانخدع جمعٌ من الناس، و تحزَّبوا ـ و مع كلّ أسف ـ باسم التوحيد للقضاء على أهل التوحيد، و أراقوا دماء المسلمين باسم الجهاد مع المشركين، و راح الأُلوف من الناس ـ رجالا ونساءً و صغاراً و كباراً ـ ضحيَّة لهذه البِدَع و الأباطيل، و توسَّعت شُقّة الخلاف بين المسلمين، و أُضيف على مذاهبهم المتعدّدة، مذهب جديد.
و قد بلغت المصيبةُ ذروتَها عند ما سقط الحَرَمان الشريفان ـ مكّة و المدينة ـ في قبضة هذه الزمرة المنحرفة، و عَمد النجديّون الوهّابيّون ـ و بالتعاون مع بريطانيا الحاقدة التي كانت تهدف تقسيم الدولة الإسلامية إلى دويلات صغيرة تحدُّها الحدود الجغرافية ـ عمدوا إلى محو الآثار الإسلامية في مكّة و المدينة، و هدْم قبور أولياء الله و هتك حرمة آل رسول الله، و غير ذلك من الجرائم و المنكرات التي يهتزّ لها ضمير المسلم. يقول بعض المؤرّخين: «بادر الوهّابيّون ـ لمّا استولوا على مكّة ـ بالمساحي فهدموا ـ أوّلا ـ ما في «المعلّى» مقابر قريش ـ من الِقباب، و هي كثيرة، منها قُبَّة سيّدنا عبدالمطّلب جدّ النّبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و قُبَّة سيّدنا أبي طالب ـ رضوان الله عليه ـ و قبَّة السيدة خديجة ـ رضوان الله عليها ـ كما هدموا قبَّة مولد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و مولد أبي بكر، و مولد الإمام علي ـ عليه السلام ـ و هدموا قبَّة زمزم و القباب التي حول الكعبة، و تتبّعوا جميع المواضع التي فيها آثار الصالحين فهدموها، و كانوا ـ عند الهدم ـ يرتجزون و يضربون بالطبول ويُغنُّون ويُبالغُون في شتم القبور... حتى قيل إنّ بعضهم بال على قبر السيّد المحجوب!!...»(1)
 قال العلاّمة السيد صدر الدين الصدر ـ المغفور له ـ :
لعمري إنّ فاجِعةَ البقيع * يُشيبُ لهولها فؤود الرضيع
                     و سوف تكون فاتحة الرزايا * إذا لم يُصحَ من هذا الهجوع
                      أما مِن مسلم للّه يرعي * حقوق نبيِّه الهادي الشفيع
 و قال آخر:
                     تبّاً لأحفاد اليهود بما جَنَوا * لم يكسبوا من ذاك إلاّ العارا
                     هتكوا حريم محمّد في آلِه * ياويلهم قد خالفوا الجبّارا
                    هَدموا قبور الصالحين بحقدهم * بُعداً لهم قد أغضبوا المختارا
و انطلاقاً من قول النّبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : «إذا ظهرت البِدَع فعلى العالِم أن يُظهر عِلمه، و إلاّ فعليه لعنة الله».
 فقد تصدّى علماء الشيعة ـ و علماء السنّة أيضاً كما ذكرنا ـ لهذا الغزو الوهّابي الحاقد، وكتبوا الكتب و نشروا المنشورات، في فضح هذا الرجل ـ الَّذي جاء يُحقق أهداف بريطانيا في ثوب جديد ـ و كشف القناع عن حقيقته و الردّ على آرائه الشاذّة.
 و أوّل كتاب صدر في الردّ على ابن عبدالوهّاب هو كتاب «الصواعق الإلهية في الردّ على الوهّابيّة» بقلم أخيه الشيخ سليمان.
كما أنّ أوّل كتاب صدر ضدَّه من علماء الشيعة هو كتاب «منهج الرشاد» للشيخ الكبير المرحوم الشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّى سنة 1228 هـ ) و قد كتب كتابه هذا جواباً على رسالة بعثها إليه الأمير عبدالعزيز بن سعود ـ أحد الأُمراء السعوديّين في وقته ـ و قد زيَّف في كتابه أفكار محمّد بن عبدالوهّاب و أثبت بطلانها على ضوء القرآن و السنّة.
 و قد طبع الكتاب في عام 1343 هـ في النجف الأشرف في العراق. ثم تتابَع الردّ و النقد في ظروف مختلفة، و صدرت الكُتب تترى واحدة تلو الأُخرى، حتى زماننا هذا. و في عصرنا الحاضر صعَّد الوهّابيّون حَملاتهم المسعورة ضدّ مخالفيهم من المسلمين، بفضل الثروة الطائلة التي يجنيها آل سعود من أرباح البترول العائدة إليهم فقط. لقد خصّصت السلطة السعودية جزءاً كبيراً من أرباح البترول لترويج هذا المذهب المفرِّق و نشره بين المسلمين، ولولا هذه الأموال الطائلة لما عاش هذا المذهب الواهي إلى هذا الوقت. لقد وَجد الاستعمار ضالَّته في هذا المذهب، و اتّخذه خير وسيلة لإلقاء التفرقة بين المسلمين وتشتيت صفوفهم، و ضرْب بعضهم البعض.
و قد حقّق هذا المذهب أهداف الاستعمار الغاشم الأثيم، فتراه قد أوجد الفتنة بين المسلمين، هذا يُفسّق ذاك و ذاك يُكفّر هذا... و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلىّ العظيم. أيّها القارئ الكريم: لقد قرَّرنا ـ فى هذا الكتاب ـ أن نطرح عقائد الوهّابيّين على بساط البحث والتحقيق، و نرفع الستار عن حقيقتها، حتى يثبت لك أنّ عقائد المسلمين مستندة إلى القرآن و السُّنّة المطهّرة، و أنّ عقائد الوهّابيّين مخالفة للقرآن و سُنَّة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، و قد انتهجنا اُسلوب الإيجاز و الاختصار.

الهوامش:

. النحل: آية 36 .
1. مسند الإمام أحمد: 4/270 .
1. طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: 9/162 .
1. تكملة السيف الصقيل تأليف الشيخ محمد الكوثري وكيل الأزهر ص 190، نقله من خط ابن قاضي شهبة .
2. الدرّة المضيئة: 6 .
3. الدرر الكامنة: 1/154.
1. الفتاوى الحديثية: 86.
2. شواهد الحق ص 791 . ألّفه عام 1323 هـ ، و قد أدّى حق الكلام فيه في الرّد على بدع ابن تيمية.
1. دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي: 10/871 ، نقلا عن مجلة المقتطف: 27/893 .
1. اقتطفناه من تاريخ نجد للآلوسي: 111 ـ 113.
1. لقد ذكر أحد المؤلّفين العثمانيين ـ في كتابه تاريخ بغداد ص 152 ـ بداية العلاقة بين محمّد بن عبدالوهّاب و آل سعود بصورة أُخرى، و لكن الظاهر صحة القول الَّذي ذكرناه في المتن .
1. تاريخ نجد: 117ـ118 .
1. جزيرة العرب في القرن العشرين: 341.
2. تاريخ المملكة العربية السعودية: 1/51.
3. الأقوال متعدّدة في سنة ولادة محمّد بن عبدالوهّاب و مماته.
1. تاريخ كربلاء للدكتور عبدالجواد الكليدار.
2. لمزيد من المعلومات عن عيد الغدير المجيد راجع الجزء الأوّل من الغدير للشيخ الأميني.
1. في كتابه الفقهي القيّم مفتاح الكرامة: 7/653.
1. الرسالة الحموية الكبرى: الرسالة 11 من مجموع الرسائل الكبرى لابن تيمية: 429 ـ 432 .
2. ابن بطوطة، الرحلة: 95 ـ 96، طبع دار صادر .
1. حاضِر العالَم الإسلامي: 1/264.
2. الفتوحات الإسلامية: 2/357.
1. هذه الجملة تستدعي التوقّف و التأمّل، فمحمّد بن عبدالوهّاب كان يدّعي بلوغه درجة الاجتهاد و الاستقلال بفهم الكتاب و السنّة، و لكن أخاهُ الشيخ سليمان كان يردّ عليه هذا الادّعاء و يعتبره دون منزلة الاجتهاد و الاستقلال بالرأي - و أهل البيت أدرى بما فيه ـ إذن: آراء محمّد بن عبدالوهّاب و أفكاره كلّها باطلة و خاطئة ـ بشهادة أخيه الشيخ ـ لأنّها نابعة من علم ناقص و فكر هابط.
 2. الإسلام في القرن العشرين حاضره ومستقبله: 72 ـ 73، ط نهضة مصر .
1. للتفصيل راجع كتاب «دفع الشبهة» تأليف تقي الدين الحصني.
2. و قد نُشرت هذه الرسالة في كتاب تكملة السيف الصقيل ص 190، كما نَشر نَصّها الشيخ الأميني في كتاب الغدير: 5/87 ـ 89 فراجع.
1. كشف الارتياب: 22 نقلا عن تاريخ الجبرتي.


التالي

السابق