|
|
|
الفصل الثاني:
الوهّابيّون و بناء قبور الأولياء
|
|
تُعتبر مسألة بناء القبور و تشييد مراقد الأنبياء و أولياء الله الصالحين من المسائل الحسّاسة عند الوهّابيّين، و قد كان ابن تيميّة ـ و تلميذه ابن القيّم ـ أوّل من أفتى بحرمة بنائها و وجوب هدمها.
يقول ابن القيّم:
يجب هدم المشاهد الّتي بُنيتْ على القبور، و لا يجوز إبقاؤها ـ بعد القدرة على هدمها و إبطالها ـ يوماً واحداً.(1)
و في عام (1344 هـ ) بعد ما استولى آل سعود على مكّة المكرمة و المدينة المنوّرة و ضواحيهما، بدأوا يبحثون عن دليل يبرّر لهم هدم المراقد المقدَّسة في البقيع و محو آثار أهل البيت ـ عليهم السلام ـ و الصحابة، فلجأوا إلى الاستفتاء من علماء المدينة المنوّرة حول حرمة البناء على القبور، محاولة منهم لتبرير موقفهم أمام الرأي العامّ الإسلامي ـ و خاصَّة في الحجاز ـ لأنّهم كانوا يُدركون جيّداً أن المسلمين في الحجاز هم كالمسلمين في كلّ مكان، يعتقدون بكرامة أولياء الله وقدسيَّتهم و جواز البناء على قبورهم، فحاول الوهّابيّون أن يُلبسوا جريمتهم هذه بلباس الإسلام، دفعاً لنقمة المسلمين! سبحان الله!!
أرسلت السلطات السعودية قاضي القضاة في نجد ـ واسمه: سليمان بن بليهد ـ إلى المدينة المنوَّرة للاستفتاء من علمائها حول بناء مراقد أولياء الله، و لكن الجدير بالذكر هو أنّ الأسئلة التي طرحها ابن بليهد كانت تحمل في ثناياها الأجوبة المطابقة لآراء الوهّابييّن أنفسهم، و ما كان من العلماء إلاّ الإجابة بمثل ما هو مذكور في الاستفتاء نفسه، و كانوا يعرفون ـ مسبقاً ـ أنّ الإفتاء على خلاف آرائهم يُعرِّضهم للتهمة بالكفر والشرك، و من ثم يحكمون عليهم بالقتل إن رفضوا التوبة!!
و قد نشرت جريدة «أُمّ القرى» الصادرة في مكّة ـ في شوال 1344 هـ ـ تلك الأسئلة و الأجوبة، و قد أثارت ضجّة كبرى بين المسلمين ـ الشيعة و السنّة معاً ـ لأنّهم كانوا يعلمون أنّ وراء هذا الاستفتاء ـ الَّذي قد صدر تحت وطأة التهديد والترهيب ـ هو البدء بهدم القباب و البناء المشيَّد على قبور قادة الإسلام و عظماء المسلمين.
و هذا ما حصل بالفعل، فبعد ما صدرت تلك الفتوى من خمسة عشر عالماً من علماء المدينة، و انتشرت في الحجاز، بدأت السُّلطة الوهابية الحاقدة بهدم قبور آل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الثامن من شوال من ذلك العام، و قضت على آثار أهل البيت ـ عليهم السلام ـ و الصحابة، و نهبت كلّ ما كان في ذلك الحرم المقدّس من فُرش و هدايا ثمينة و غيرها، و حوَّلت تلك الزمرة الوحشيّة البقيع المقدّس إلى أرض قفراء موحشة.(1)
و فيما يلي نذكر جانباً من الاستفتاء، لتعرف كيف ضمَّن السائلُ الجوابَ في سؤاله، و أنّ الهدف لم يكن السؤال و الاستفتاء، بل كان للحصول على مستمسك لتضليل الرأي العام و تدمير آثار النبوَّة و الرسالة. و لو كان الهدف هو الاستفتاء الحقيقي و معرفة رأي الإسلام في ذلك، فما معنى إدخال الجواب في مضمون الاستفتاء؟!
بل إنّنا نظن أنّ الاستفتاء و الجواب كانا قد أُعدّا مسبقاً في ورقة خاصّة، ثم أُرسلتْ تلك الورقة إلى علماء المدينة للتوقيع عليها فقط، و إلاّ فليس من المعقول أن يُغيّر علماء المدينة وجهة نظرهم فجأة، و يُصدروا الفتوى بتحريم البناء على القبور و وجوب هدمها، مع العلم أنّهم كانوا و آباؤهم ـ طوال سنوات عديدة ـ من الدّاعين إلى حفظ الآثار النبويَّة، و كانوا يزورون تلك المشاهد المقدّسة.
يقول ابن بليهد في سؤاله:
«ما قول علماء المدينة المنوَّرة ـ زادهم اللّه فهماً و علماً ـ في البناء على القبور و اتّخاذها مساجد، هل هو جائز أم لا؟
و إذ كان غير جائز بل ممنوع منهيٌّ عنه نهياً شديداً، فهل يجب هدمها و منع الصلاة عندها أم لا؟
و إذا كان البناء في مَسبلة(1) كالبقيع و هو مانع من الانتفاع بالمقدار المبني عليه، فهل هو غصب يجب رفعه، لما فيه من ظلم المستحقين و منعهم استحقاقهم أم لا؟».
و تحت التهديد و التخويف، يجيب علماء المدينة على سؤال «الشيخ» بمايلي:
«أمّا البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً، لصحة الأحاديث الواردة في منعه، و لهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه، مستندين بحديث علي ـ رضي اللّه عنه ـ أنه قال لأبي الهيّاج: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه، أن لا تَدع تمثالا إلاّ طمَسته، و لا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيتَه».
و يقول الشيخ النجدي في مقال نشرتْه جريدة «أُمّ القرى» في عددها الصادر في شهر جمادى الثّانية سنة 1345 هـ :
«إنّ بناء القباب على مراقد الأولياء صار متداولا منذ القرن الخامس الهجري».
نعم، هذه نماذج من أقوال الوهّابيّين حول بناء القبور، و ترى أنّ عمدة استدلالهم ـ في كتبهم و مؤلّفاتهم ـ على الحرمة تعتمد على أمرين:
1ـ إجماع علماء الإسلام على التحريم.
2ـ حديث أبي الهيّاج عن الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ و ما شابه ذلك.
نحن الآن نتحدّث فقط عن مسألة البناء على القبور و إقامة الظلال و السُّقف و الأبنية عليها.
أما مسألة زيارة القبور فهو موضوع مستقلّ سوف نتحدّث عنه في فصل خاصّ إن شاء اللّه تعالى.
بالنسبة إلى المسألة الأُولى فالحديث عنها في ثلاث نقاط:
1ـ ما رأي القرآن الكريم تجاه البناء على القبور، و هل نجد في القرآن بياناً لهذه المسألة؟
2ـ هل صحيح أنّ الأُمّة الإسلامية متَّفقة على حرمة البناء على القبور؟ أم أنّ البناء كان متداولا في كلّ العهود الإسلامية ، بدءاً بزمن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و الصحابة؟
3ـ ماذا يعني حديث أبي الهيّاج و حديث جابر و أُمّ سلمة و ناعم ممّا يستغلّه الوهّابيّون للاستدلال على باطلهم؟ |
|
أـ رأي القرآن الكريم في البناء على القبور |
|
لَمْ يتطرَّق القرآن الكريم إلى حكم البناء على القبور بصورة خاصّة، إلاّ أنّه يمكن استنباط حكمه من خلال بعض الآيات الكريمة العامّة، و إليك التفصيل: |
|
1ـ البناء على قبور الأولياء تعظيمٌ للشعائر الإلهية |
|
إنّ القرآن الحكيم يعتبر تعظيم شعائر اللّه سبحانه دليلا على تقوى
القلوب، فيقول عزّوجل: (و مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللّهِ
فَإِنَّها مِنْ تَقْوى القُلُوب).(1)
و نتساءل: ما معنى تعظيم
شعائر اللّه؟
الجواب: إنّ «شعائر» كلمةُ جمع، و مفردها: «شعيرة» و
هي بمعنى الدليل والعلامة. و ليس المقصود من «شعائر» ـ في هذه
الآية ـ العلائم الّتي تُثبت وجود
اللّه تعالى، ذلك لأنّ الكون كلَّه دليل على وجوده سبحانه.
يقول الشاعر:
و في كلّ شيء له آيةٌ تَدلُّ على أنّه واحدُ
كما أنّه ليس هناك من يقول: إنّ تعظيم كلّ ما هو موجود في الكون دليل على التقوى، و إنّما المقصود هو تعظيم شعائر دين اللّه، و لهذا يقول المفسّرون ـ في هذه الآية ـ : إنّ كلمة «شعائر اللّه» معناها معالم دين اللّه.(1)
و إذا كان «الصفا و المروة» و كذلك البعير الّذي يُساق إلى منى للنحر من شعائر اللّه(2) فإنّما هو بسبب كونها من معالم الدين الحنيف، و إذا كانت «المزدلفة» تُسمّى بـ «المشعر» فإنّما هو بسبب كونها من علامات دين اللّه تعالى، و أنّ الوقوف في المشعر دليل على طاعة اللّه سبحانه.
و إذا كانت «مناسك الحج» تسمّى بالشعائر فإنّما هي لكونها علامات للتوحيد و الدين الحنيف.
و خلاصة القول: إنّ كلّ ما هو شعيرة لدين اللّه فإنّ تعظيمه ممّا يُقرّب إلى اللّه تعالى.
و ممّا لا شكّ فيه أنّ الأنبياء و أولياء اللّه تعالى هم من أكبر و أبرز علامات دين اللّه، إذ أنّهم كانوا خير وسيلة لإبلاغ رسالة اللّه و نشره بين الناس.
إنّ من الثابت لدى كلّ منصف أنّ وجود النبي و الأئمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ هو
من علامات الإسلام و شعائر هذا الدين المقدَّس، فتعظيمهم تعظيم للّه و علامة على تقوى القلوب.
و لا شكّ أنّ صيانة آثارهم و المحافظة على قبورهم من المحو و الزوال إنّما هي نوع من تعظيم شعائر دين اللّه سبحانه.
و بعبارة أُخرى: نستطيع أن نُدرك ضرورة تعظيم قبور أولياء اللّه من خلال هاتين النقطتين: الف: إنّ أولياء اللّه ـ و خاصّة أُولئك الذين ضحّوا من أجل الدين و نشره ـ هم من شعائر اللّه وعلائم دينه.
ب: إنّ بناء قبورهم ـ بالإضافة إلى تخليد ذكرياتهم و السير على نهجهم السديد ـ هو نوع من تعظيمهم و احترامهم.
و على هذا الأساس فإننا نرى كافّة الشعوب و الأُمم في العالَم تُخصّص مناطق خاصّة لمثوى شخصيّاتهم السياسية و الدينية، كي تبقى رمزاً خالداً لأتباعهم إلى الأبد، فكأنَّ حفظ مراقدهم من المحو و الاندراس يؤدّي إلى خلود ذكراهم و إحياء أفكارهم و مناهجهم.
و لكي نعرف هذه الحقيقة جيّداً، لابدّ من أن نتأمّل الآية السادسة و الثلاثين من سورة الحج:
(و البُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ).
إنّ بعض حجّاج بيت اللّه الحرام كانوا يسوقون معهم بعيراً من بلادهم (هَدْياً بالغَ الكعبة)كي يُنحر بجوار بيت اللّه، و كانوا يتركون على عنقه قلادة ـ أو غيرها ـ
كناية عن أنّه يُساق للنحر في مكّة، فهو للّه تعالى لا يُباع و لا يُشترى، فكان يتميَّز بهذه القلادة عن بقية الإبل.
لهذا السبب اعتبره اللّه تعالى «من شعائر اللّه» و لهذا حكم الإسلام باحترام هذا الهَدي، فلا يجوز ركوبه ـ مثلا ـ و يجب توفير المأكل و المشرب له حتى ساعة الذبح بجوار الكعبة.
فإذا كان هذا البعير يكتسب هذا الاحترام و الإكرام، فقط لكونه صار من شعائر اللّه تعالى، فما تقول في الأنبياء و الأئمة الطاهرين؟!
ألا يُعتبر الأنبياء و الأئمة الطاهرون ـ عليهم السلام ـ و العلماء و الشهداء ـ الذين ألبسوا أنفسهم قلادة العبودية للّه منذ البداية و نذروا أنفسهم لخدمة دين اللّه و قاموا بدَور الوسيط بين اللّه و خلقه في هدايتهم و إرشادهم ـ ألا يُعتبرون من شعائر اللّه؟!
ألا يجب تعظيمهم و احترامهم، في حياتهم و بعد مماتهم، التعظيم اللائق بهم؟!
إذا كانت الكعبة و الصفا و المروة و منى و عرفات ـ و ما هي إلاّ جمادات مركّبة من التراب والحجر ـ تُعتبر من شعائر اللّه و تستحقّ الاحترام و التعظيم المناسب لها بسبب ارتباطها باللّه سبحانه، فلماذا لا يكون أولياء اللّه ـ الذين هم حُماة دين اللّه و ناشروا أحكامه ـ و ما يرتبط بهم، لماذا لا يكونوا جميعاً من شعائر اللّه؟!
إنّنا ندعو الوهّابيّين إلى تحكيم وجدانهم ـ في هذا المجال ـ و نطرح عليهم هذا السؤال: هل تشكّون و تتردّدون في أنّ الأنبياء و الرسل هم من شعائر اللّه؟!
ألا يحكم الوجدان بضرورة تعظيمهم و تخليدهم و التمسُّك بمناهجهم؟!
هل أنّ البناء على قبورهم و تنظيف الساحة الّتي تضمّ مراقدهم تعظيمٌ و احترامٌ لهم، أم هدْم قبورهم و إهمال الساحة المحتضنة لمراقدهم و تحويلها إلى خربة مهجورة موحشة يُعْتَبَر تعظيماً لهم؟! |
|
2ـ حبّ النبيّ والمودَّة في القربى |
|
إنّ صيانة القبور والآثار الباقية من بيت الوحي والعصمة ـ عليهم السلام ـ من مظاهر حب النبي«صلى الله عليه وآله وسلم» وتكريمه، وقد أُمر المسلمون في الكتاب والسنّة بحبه وتكريمه و تبجيله، قال سبحانه: (قُلْ إِنْ كانَ آباؤكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشيرتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَونَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَونَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولهِوَجِهاد في سَبيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِي اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لا يَهْدي الْقَومَ الْفاسِقينَ) .(1)
وقال سبحانه في وصف المؤمنين:(فَالَّذينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّروهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفلِحُونَ).(2)
فالآية الكريمة تأمر بأُمور أربعة:
1. الإيمان به.
2. تعزيره.
3. نصرته.
4. اتّباع كتابه وهو النور الذي أُنزل معه.
وليس المراد من تعزيره هو نصرته، لأنّه قد ذكره بقوله: «نصروه» وإنّما المراد توقيره، وتكريمه وتعظيمه بما انّه نبيُّ الرحمة والعظمة ، ولا يختص تعزيره وتوقيره بحال حياته ، كما أنّ الإيمان به والتبعية لكتابه لا يختصان بحال حياته الشريفة.
وعلى هذا فحب النبي«صلى الله عليه وآله وسلم» ومن يمت إليه بصلة أصل إسلامي يجب أن يهتم به المسلمون ويطبقونه في حياتهم.
ولأجل كرامة رسول اللّه«صلى الله عليه وآله وسلم» ومنزلته يدعو الذكر الحكيم إلى تعظيمه في المجالس وحفظ كرامته ويقول:
(يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصواتَكُمْ فَوْقَ صَوتِ النَّبىِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَولِ كَجَهْرِ بَعْضكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُون).(1)
وقال أيضاً: (إِنَّ الَّذينَ يَغُضُّونَ أَصواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ أُولئِكَ الَّذينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبُهُمْ لِلتَّقوى) .(2)
وقال: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِبَعْضِكُمْ بَعضاً).(3)
فأي إجلال أبلغ من هذا، وأي تقدير أروع من هذا التقدير.
وليس الذكر الحكيم وحده هوالداعي والآمر بحب الرسول(صلى الله عليه وآله)، بل السنّة النبوية تضافرت على لزوم حبّه.
قال رسول اللّه: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين».(1)
وقد تواتر مضمون هذه الرواية عن النبي(صلى الله عليه وآله)، فمن أراد فليرجع إلى الكتب المعدّة لهذا الغرض.(2) |
|
مظاهر الحب |
|
إنّ لهذا الحب مظاهر ومجالي، إذ ليس الحب شيئاً يستقر في صقع النفس من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الإنسان وتصرفاته، بل من خصائصه أن يظهر أثره على سلوك الإنسان وملامحه.
1. حب اللّه ورسوله لا ينفك عن اتّباع دينه والاستنان بسنّته والانتهاء عن نواهيه، ولا يعقل أبداً أن يكون المرء محباً لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، ومع ذلك يخالفه فيما يبغضه ولا يرضيه .
و الاتّباع أحد مظاهر الحبّ قال سبحانه: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)(3).
فمن ادّعى الحب في النفس وخالف في العمل، فقد جمع بين شيئين متخالفين متضادين.
وقد نسب إلى الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ انّه أنشد البيتين التاليين:
تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته * انّ المحب لمن يحب مطيع(1)
2. ومن مظاهر هذا الحب، صيانة آثارهم وحفظ معالمهم والعناية بكلّ ما يتصل بهم حتى الاحتفاظ بما صلوا فيه من ألبسة أوشربوا منه الماء من أوان أو استخدموه من أشياء، وتشييد مراقدهم، وتعمير قبورهم ... كلّ ذلك انعكاس طبيعي لهذا الحب الكامن في النفوس والود المتمكن في القلوب.
وليس هذا أمراً مختصاً بالمسلمين، بل الأُمم المتحضّرة المعتزّة بماضيها وتاريخها، تسعى إلى صيانة كلّ أثر تاريخي باق من الماضي وصيانة مراقد شخصياتهم العلمية .
إنّ القرآن الكريم يأمرنا ـ بكلّ صراحة ـ بالحبّ و المعاملة الحسنة مع النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأقربائه فيقول:
(قُل لا أسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى).(2)
و من الواضح لدى كلّ من يُخاطبه اللّه بهذه الآية أنّ البناء على مراقد أهل بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو نوع من أنواع إظهار الحبّ و المودَّة لهم.
و هذه العادة مُتَّبعة عند كافّة الشعوب و الأُمم في العالَم، و الجميع يعتبرون ذلك نوعاً من المودَّة لصاحب ذلك القبر، و لذلك تراهم يدفنون كبار الشخصيات السياسية و العلمية في كنائس ومقابر مشهورة، و يزرعون أنواع الأزهار و الأشجار حولها. |
|
3ـ البناء على القبور في الأُمم السابقة |
|
يستفاد من بعض الآيات الكريمة ـ في القرآن ـ أنّ تعظيم قبور
المؤمنين كان أمراً شائعاً بين الأُمم الّتي سبقت ظهور الإسلام،
فبالنسبة إلى أصحاب الكهف ـ بعد ما انتشر خبرهم بين الناس و هرعوا
إلى الكهف لمشاهدتهم ـ وقع الخلاف و النزاع حول مدفنهم و انقسموا
قسمين، فقال أحدهما: (ابنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً).
و قال الآخر:
(لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).
هنا نلاحظ أنّ القرآن
الكريم يذكر لنا هذين الرأيين، من دون أن ينتقدهما، و على هذا يمكن
القول بأنّه لو كان الرأيان باطلين لانتقدهما، أو قصَّ، قصّتهما
باسلوب رافض مستنكر. و يقول المفسّرون: إنّ النزاع ـ حول مدفن
أصحاب الكهف ـ إنما وقع بين المؤمنين و الكافرين، أمّا الكافرون
فقالوا: (ابنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً).
و المؤمنون قالوا:
(لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).(1)
و كانت الغلبة مع
المؤمنين حيث قال سبحانه: (قالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ
لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).
و بُني المسجد و صارت قبور أصحاب الكهف مركزاً للتعظيم و الاحترام.
و هكذا يظهر لنا أنّ الهدف من البناء على قبور أصحاب الكهف إنّما كان نوعاً من التعظيم لأولياء اللّه الصالحين.
أيّها القارئ الكريم: بعد ما مرَّ عليك من الآيات الكريمة الثلاث، لا يمكن القول بحرمة البناء على قبور أولياء اللّه و لا بكراهته بأىّ وجه، بل يمكن اعتباره نوعاً من تعظيم شعائر اللّه و مظهراً من مظاهر المودَّة للقربى. |
|
4ـ الإذن في ترفيع بيوت خاصّة |
|
لقد أذن اللّه تعالى في ترفيع البيوت الّتي يُذكر فيها اسمه
عزّوجلّ، فقال عزَّ من قائل: (في بُيُوت أذِنَ اللّهُ اَنْ
تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها
بِالْغُدُوِّ وَ الآصالِ* رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا
بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ...)(1).
و الاستدلال بهذه الآية ـ على
جواز البناء على القبور ـ يتمّ ببيان أمرين: الأوّل: ما هو المقصود
من البيوت؟ الثاني: ما هو المقصود من الرفع؟ بالنسبة إلى الأمر
الأوّل: ليس المراد من البيوت هو المساجد فقط، بل المراد منها ما
هو الأعمّ من المساجد و الأماكن الّتي يُذكر فيها اسم اللّه تعالى،
سواء كانت مساجد أو غير مساجد، كبيوت الأنبياء و الأئمة ـ عليهم
السلام ـ و الصالحين الذين لا تُلهيهم تجارة و لا بيع عن ذِكر
اللّه، فهذه البيوت تُعتبر من المصاديق البارزة للآية الكريمة.
بل يمكن أن يقال: إنّ المراد من البيوت هو غير المساجد، لأنّ البيت هو البناء الّذي يتشكَّل من جدران أربعة و عليها سقف قائم، و إذا كانت الكعبة يُقال لها: بيت اللّه فإنّما هو بسبب كونها مُسقَّفة، و القرآن الحكيم يعتبر البيت هو المكان المسقَّف فيقول سبحانه:
(وَلَوْلا أنْ يُكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّة...).(1)
إنّ المستفاد من هذه الآية الكريمة هو أنّ البيت لا ينفكّ عن السقف، مع العلم أنّه يستحبّ شرعاً أن تكون المساجد غير مُسقَّفة. هذا هو المسجد الحرام تراه مكشوفاً تحت السماء من دون سقف يُظلّله.
و على كل تقدير... فالمقصود من البيوت إمّا هو الأعم من المساجد، أو غير المساجد...
هذا بالنسبة إلى الأمر الأوّل.
و أمّا الأمر الثاني ـ و هو معنى الرفع ـ فيحتمل أمرين:
أن يكون المراد منه هو الرفع المادّي الظاهري، الّذي يتحقّق بإرساء القواعد و إقامة الجدار والبناء، كما قال سبحانه:
(وَ إِذْ يَرْفَعُ إبراهيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعيلُ...)(2).
أو يكون المراد منه هو الرفع المعنوي، كما قال: عزَّوجلّ:
(وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيَّاً).(1)
أي: منحناه مكانةً عالية.
فإن كان المراد هو المعنى الأوّل، فهو يدلّ ـ بكلّ وضوح ـ على جواز تشييد بيوت الأنبياء والأولياء و تعميرها، في حياتهم و بعد وفاتهم، و من المعلوم أنّ مدفن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و مدفن عدّة من الأئمة الطاهرين و الأولياء الصالحين إنّما هو في بيوتهم، فتشييد هذه البيوت و صيانتها من الخراب و الاندثار عملٌ جائز بنصّ الآية الكريمة، بل هو محبوب و مرغوب فيه.
و إن كان المراد منه هو الرفع المعنوي و العظمة المعنوية، كانت النتيجة من الإذن برفعها هو الإذن بتكريمها و تبجيلها و صيانتها و تطهيرها ممّا لا يليق بشأنها.
و على كلّ حال، فالإذن في الرفع ـ سواء أكان ماديّاً أم معنوياً ـ إنّما جاء بسبب وجود الرجال الصالحين الذين يذكرون اللّه سبحانه فيه بالغدوّ و الآصال.
بعد هذه الآية و آيات أُخرى مما ثلة كيف يجوز للوهّابيّين أن يهدموا بيوت آل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الّتي كانت مهبطاً لملائكة اللّه و مركزاً لذكر اللّه و نشر دينه و أحكامه؟!!
كيف يجوز لهم أن يهدموا هذه المراقد المقدّسة الّتي هي مهوى أفئدة ملايين المؤمنين، وكانوا يزورونها ـ رجالا و نساءً، صباحاً و مساءً ـ و يذكرون اللّه فيها بالصلاة و الدعاء و التسبيح؟!
لماذا أقدم الوهّابيّون على تحقير هذه البيوت المقدّسة و إذلالها و إهمالها،
وحوَّلوها إلى قفار موحشة مهجورة، يُرثى لها و يحنّ قلب كلّ مؤمن لوضعها المأساوي؟!
لماذا؟
و لماذا؟
و قد روى الحافظ السيوطي عن أنس بن مالك و بريدة: أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قرأ قوله تعالى: (في بيوت أذن اللّه أن تُرفع...) فقام إليه رجل و قال: أىّ بيوت هذه يا رسول اللّه؟
فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : بيوت الأنبياء.
فقام إليه أبوبكر و قال: يا رسول اللّه و هذا البيت منها؟ ـ و أشار إلى بيت علىّ و فاطمة ـ عليهما السلام ـ ـ فقال النبي: نعم، مِن أفاضِلها.(1)
إلى هنا تم بيان ما هو رأي القرآن الحكيم في البناء على القبور واليك دراسة رأي الامة الإسلامية حوله . |
|
ب ـ الأُمَّة الإسلامية و البناء على القبور |
|
عند ما انتشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية، و عمَّ نوره منطقة
واسعة من الشرق الأوسط، كانت لقبور الأنبياء ـ الّتي كانت معروفة
يومذاك ـ بناء و سقف وظلال، و كانت لبعضها قباب مشيَّدة و ضرائح
منضَّدة، لا زال البعض منها موجوداً حتّى الآن.
و في مكّة نفسها
ترى قبر النبىّ إسماعيل و أُمّه هاجر ـ عليهما السلام ـ يستقرّان
في الحِجر
المعروف بِحجر إسماعيل، كما أنّ قبر النبىّ دانيال يقع في مدينة شوش في ايران، و قبور الأنبياء هود و صالح و يونس و ذي الكفل ـ عليهم السلام ـ في العراق، و كذلك قبر النبىّ إبراهيم و أولاده إسحاق و يعقوب و يوسف تقع في القدس المحتلَّة، بعد أن كانت في مصر، فنقل النبىّ موسى ـ بأمر اللّه تعالى ـ أجسادهم الطاهرة إلى القدس، و لا زالت موجودة حتى الآن و لكلٍّ منها معالم و أبنية مشيَّدة. كما أنّ قبور لفيف من الأنبياء في الأردن وعليها بناء مشيدّ .
و قبر أمّ البشر السيدة حوّاء يقع في مدينة «جدّة» بالحجاز ـ على ما هو المشهور ـ و قد سُمّيت المدينة بـ «جدَّة» نظراً إلى مثوى السيّدة حواء فيها، و قد كان لقبرها آثارٌ مشهودة، و لمّا احتلّ الوهّابيّون الحجاز عمدوا إلى محو آثاره و طمس معالمه!
كلّ هذه المراقد و القبور كانت بمرأى من المسلمين يوم فتحوا تلك البلاد، و مع ذلك لم يصدر منهم أىّ ردّ فعل سلبي تجاهها، و لم يأمروا بهدمها و تخريبها، فلو كان البناء على القبور و دفن الموتى في مقابر مسقَّفة عملا محرَّماً في الإسلام، لكان المفروض على أُولئك المسلمين أن يقوموا ـ قبل كلّ شيء ـ بهدم تلك القبور الّتي لا زالت متواجدة، في مناطق متعدّدة من القدس و الأردن و العراق، و لكانوا يمنعون من تجديد بنائها أو إعادته على مرّ العصور و الأزمان، و لكنّنا نرى أنّهم لم يأمروا بهدمها فحسب، بل دأبوا على تعميرها و صيانتها طوال أربعة عشر قرناً.
لقد كانوا يدركون ـ بوحي من العقل ـ أنّ حماية آثار الأنبياء و صيانتها إنّما هي نوع من الاحترام لهم، و أنّ ذلك (تكريمهم ـ لا عبادتهم ـ) يُقرّبهم إلى اللّه عزّوجلّ و يُنيلهم الأجر و الثواب.
يقول ابن تيميّة ـ في كتابه الصراط المستقيم ـ :
«عندما تَمَّ فتح القدس كانت لقبور الأنبياء هناك أبنية ولكن أبوابها كانت مغلقة حتى القرن الرابع الهجري»(1).
فلوكان البناء على القبور حراماً لكان هدمه واجباً، و لم يكن هناك مبرّر لتركها على حالها مغلّقة الأبواب، بل كان الإسراع إلى هدمها واجباً ، على فرض صحة قول ابن تيميّة من إغلاق أبوابها إلى القرن الرابع .
و خلاصة القول: إنّ بقاء تلك الأبنية و القباب على القبور طوال هذه الفترة، وبمرأى علماء الإسلام و فقهائه دليل واضح على جوازها في الدين الإسلامي المقدَّس. |
|
الهوامش |
|
.1. زاد المعاد في هدي خير العباد: 661.
1. يقول المؤرّخ الجليل الشيخ آغا بزرگ الطهراني في كتاب الذريعة: 8/261 ـ: لقد سيطر الوهّابيّون على الحجاز في سنة 1343 هـ ، و في الثامن من شهر شوال من نفس العام هدموا قبور الائمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ و الصحابة في البقيع. انتهى كلامه.
أقول: إنّ جريدة «أُمّ القرى» نشرت نصّ الاستفتاء و جوابه في تاريخ 17 شوال سنة 1344 هـ و حدّدتْ تاريخ صدور الفتوى من علماء المدينة بـ 25 رمضان، لهذا ينبغي القول انّ احتلال المدينة و هدم قبور أولياء الله حَدثا معاً في سنة 1344 هـ و يعتقد المرحوم السيد محسن الأمين أنّ الاحتلال الكامل و الهدم قد وقعا في عام 1344 هـ .
راجع كتاب كشف الارتياب: 56ـ60.
1. مَسْبلة: موقوفة في سبيل اللّه تعالى.
1. الحج: 32.
1. تفسير مجمع البيان: 4/83 ، طبعة صيدا، و غيره.
2. ألف/ قوله تعالى: (إنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ)البقرة: 158.
ـ
ب/ قوله تعالى:(و البُدْنَ جعلناها لكم من شعائر اللّه) الحج: 36.
1. التوبة: 24.
2. الأعراف: 157.
1. الحجرات: 2 .
2. الحجرات: 3.
3. النور: 63.
1. صحيح البخاري:1/8 ، باب حب الرسول من الإيمان من كتاب الإيمان.
2. كنز العمال:2/126.
3. آل عمران: 31.
1. صحيح البخاري:1/8 ، باب حب الرسول من الإيمان من كتاب الإيمان.
2. كنز العمال:2/126.
3. آل عمران: 31.
1. سفينة البحار، مادة حب.
2. الشورى: 23.
1. الكهف: 21.
1. النور: 36ـ37.
1. الزخرف: 33.
2. البقرة: 127.
1. مريم: 57.
1. تفسير الدرّ المنثور: 5/50. و في سؤال أبي بكر عن بيت علىّ و فاطمة ـ عليهما السّلام ـ و جواب النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مجال للتأمّل والتعليق، لما كان يعلمه النبىّ بما سيتعرض له هذا البيت المقدّس بعد وفاته صلّى اللّه عليه و آله و سلم. |