آية الله جعفر السبحاني




الاستدلال بحديثين آخرين

إتماماً للبحث نذكر حديثين آخرين تمسّك بهما الوهّابيّون في هذا المقام وهما: روى ابن ماجة في صحيحه ما يلي: 1ـ حَدَّثَنا مُحَمَّد بن يَحْيى، حَدَّثنا مُحَمَّد بن عَبْد اللّه الرِّقاشي، حَدَّثنا وَهَب، حَدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمن بن يَزيد بن جابِر، عَنِ القاسِمِ بن مُخَيْمَرة، عَنْ أبي سعيد: إنَّ النَّبىّ نَهى أنْ يُبْنى عَلَى القَبْر.(1)
 و يذكر أحمد بن حنبل حديثاً آخر بسَندين هما:
 2ـ حَدَّثنا حَسَن، حَدَّثنا ابن لَهيعَة، حَدَّثَنا بُريد بن أبي حبيب، عَنِ ناعِم مَوْلى أُمّ سَلَمة، عَنْ أُمّ سَلَمة قالَتْ: نَهى رَسُولُ اللّه أنْ يُبْنى عَلَى الْقَبْر أو يُجَصَّص.
 3ـ عَلىُّ بن إسْحاق، حدَّثَنا عَبْدُ اللّه بن لَهْيِعَة، حَدَّثني بريد بن أبي حَبيب، عَنْ ناعِم مَوْلى أُمَّ سَلَمة أنَّ النّبي نَهى أنْ يُجَصَّصَ قَبْرٌ أوْ يُبْنى عَلَيْهِ أوْ يُجْلَسَ.(2)
 بالنسبة إلى الحديث الأوّل فيكفي في ضعفه أنّ من رواته رجل اسمه «وهب» و ليس معلوماً حاله، لأنّ هناك 17 رجلا كلّ واحد منهم اسمه «وهب» من دون تمييز أو تشخيص، و فيهم الوضّاعون و الكذّابون(3) و ليس واضحاً أنّ وهب ـ في هذا الحديث ـ مَن هو؟! فالرواية ساقطة.
 و أمّا الحديث الثاني و الثالث فهما ساقطان أيضاً، لوجود عبداللّه بن لهيعة في سَنده.
و فيه يقول الذهبي: قال ابن معين: ضعيف لا يُحتَجّ به. قال الحميدي، عن يحيى بن سعيد: إنّه كان لا يراه شيئاً.(1)
نحن لا نناقش سَند هذين الحديثين، و نكتفي بالإشارة إلى نقطة هامّة و هي أنّ جميع المؤرّخين و المحدّثين و أهل السِّيَر ذكروا بأنّ جسد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد دفن في بيت عائشة، بموافقة الصحابة، و قد تمَّ انتخاب بيتها للدفن استناداً إلى ما روي عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأنّ كلّ نبي يُدفن في المكان الّذي يموت فيه.(2)
 و الآن... يأتي هذا السؤال: إذا كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد نهى عن البناء على القبر، فكيف دفنوا جسده الطيّب الطاهر في بيت مسقَّف، ثم أقاموا جداراً في وسط البيت، فصار للقبر الشريف بناء يقصده المؤمنون و يزوره المسلمون؟!
 و من المضحك ـ في هذا المجال ـ هو قول أحد الكتّاب الوهّابيّين: إنّ الحرام هو البناء على القبر لا الدفن تحت البناء، و قد دفنوا النبي تحت البناء و لم يبنوا على قبره شيئاً.(3)
إنّ هذا الكاتب اضطرّ إلى هذا القول، لكونه يرى قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مُشيداً بالبناء و القبَّة، ولولا ذلك لَحكم بحرمة الدفن في البيت أيضاً.
فانظر كيف يُفتي من تلقاء نفسه بغير ما أنزل اللّه، إرضاءً لهواه و تجاوباً مع اتّجاهه المنحرف!!!
 و نحن نسأل هذا الوهّابي: هل أنّ الحرام هو البناء على القبر فقط، لكن إبقاء البناء ليس حراماً؟!
 أم أنّ البناء ـ إيجاداً و إبقاءً ـ حرام؟!
 إذا كان الحرام هو البناء فقط فنحن نسأل: لماذا أقدمت الحكومة السعودية ـ ظلماً وزوراً ـ على هدم آثار النبوَّة و مراقد الأئمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ و قبور الصحابة و أبناء رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مع العلم أنّ الحرام ـ عندكم ـ هو إقامة البناء فقط لا الإبقاء على البناء؟!!
 و بالإضافة إلى ذلك... إنّ هذا الحكم هو خلاف ما أفتى به أسلافكم ـ كابن القيّم و ابن تيميّة ـ حيث يقول الأوّل: يجب هدم المشاهد الّتي بُنيت على القبور و لا يجوز إبقاؤها ـ بعد القدرة على هدمها و إبطالها ـ يوماً واحداً. فعلى هذا الأساس لا يستطيع هذا الوهّابيّ أن يقول بحرمة البناء فقط، كي لا يُخالف من سبقوه إلى النار، و لا مناصّ له من الحكم بحرمة البناء إيجاداً و إبقاءً.
 هنا يأتي هذا السؤال: لماذا دفن المسلمون جسد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تحت البناء؟ صحيح أنهم لم يقيموا على قبره البناء، إلاّ أنّ الدفن هناك أدّى إلى أن يكون للقبر بناءٌ و سقف .
و ترى هذا الوهّابي المعاند يحاول الفرار و التخلّص من هذا السؤال فيفتي من نفسه بغير ما أنزل اللّه ـ كما هو عادتهم ـ و يقول: ما معناه ـ إنّ الإبقاء الحرام هو للبناء الّذي بُني على القبر، أمّا إذا كان البناء سابقاً على الدفن فليس الإبقاء عليه حراماً.
 فانظر كيف يُفرّق في الحكم و يفتي من تلقاء نفسه، تبريراً لما قام به المسلمون يومذاك، ومحاولا التملّص من الحقّ الّذي يُلاحقه و يصدمه.

التناقض بين الوهّابية و سيرة المسلمين

هذه النقطة ـ الّتي سبق الحديث عنها ـ ليست هي النقطة الوحيدة الّتي يتجلّى فيها التناقض بين الوهّابيّة و سيرة المسلمين طوال أربعة عشر قرناً. بل أنّ التناقض في موارد أُخرى كثير جداً، فمثلا: يعتبر الوهّابيّون التبرّك بآثار النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حراماً، و ينهون عنه بشدّة و يقولون ـ دائماً ـ إنّ الحجر و الطين لا ينفعان شيئاً، و لكنّك ترى المسلمين يتزاحمون على الحجر الأسود لتقبيله و لمسه والتبرّك به، و يتهافتون على كسوة الكعبة للتمسّح بها و بالكعبة و تقبيلهما و وضع الخدّ عليهما، فالمسلمون يقبّلون الحجر و الطين و يخالفون الوهّابيّة الّتي تقول بأنّ الحجر و الطين لا ينفعان.
و كذلك يحرّم الوهّابيّون بناء المساجد بجوار مراقد الأولياء، في حين أنّه توجد في كلّ البلاد الإسلامية مساجد مشيَّدة بجوار المشاهد، حتّى في أرض «أُحُد» كان مسجد بجوار قبر سيّدنا حمزة ـ رضوان اللّه عليه ـ و لمّا احتلّ الوهّابيّون تلك البقاع المقدّسة عمدوا إلى هدم المسجد و طمس آثاره!!!
 و الآن ترى المرقد الطاهر لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واقعاً في وسط المسجد، والمسلمون يقيمون الصلاة للّه من أطرافه و جوانبه الأربعة.
 و كم لهذه القضايا من نظير و مثيل، فانظر إلى البون الشاسع بين الوهّابيّة و سيرة المسلمين، ممّا يدلّ على انفصال الوهّابيّة عن الإسلام، و انفصال الوهّابيّين عن المسلمين.

اختلاق الأدلّة الواهية تبريراً لجريمة هدم مراقد الأئمة عليهم السلام

لقد لجأ الوهّابيّون إلى اختلاق الأدلّة الواهية الّتي تبرّر لهم هدم المراقد الطاهرة و القباب الشريفة للأئمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ في البقيع، و ممّا قالوا ـ في هذا المجال ـ : إنّ البقيع أرض موقوفة، و يجب أن يُستفاد منها لنفس الغرض الّذي وقفها صاحبها، و يجب القضاء على كلّ ما يوجب الحدّ من الاستفادة عن الغرض المقصود، و البناء و نصب الأعمدة و الجدران في هذه الأرض يوجب الحدّ من الاستفادة من جزء منها، فأرض البقيع موقوفة لدفن الموتى، و من الواضح أنّ نصب الأعمدة و الجدران ـ للبناء ـ يحتلّ جزءاً من الأرض، إذ لا يمكن الدفن تحت الأعمدة و الجدران، و هذا يؤدّي إلى الحدّ من الاستفادة للغرض المقصود، و لهذا تجب إزالة ما على هذه الأرض من بناء كي يمكن الدفن في كلّ بقعة فيها.

الجواب و الردّ

لا شكّ أنّ هذا النوع من الاستدلال ليس إلاّ تسرّعاً في الحكم و ابتعاداً عن الحق، يريد به القاضي الوهّابي القضاء على آثار أهل البيت ـ عليهم السلام ـ بأىّ وجه كان، و حتّى لو أفلَس من الأدلّة فإنّه يأمرُ بالهدم بحكم القوة و العنف و الزور، و ما هذا الدليل إلاّ للتمويه على عوام المسلمين و بسطائهم بأنّه يفتي بما أنزل اللّه، و لهذا تراه يعتبر البقيع أرضاً موقوفة للدفن.
و لكن هذا الدليل ـ كسائر أدلّتهم ـ باطل من عدّة وجوه: الأوّل: لم يَرد في أىّ كتاب ـ من كتب التاريخ و الحديث ـ ما يشير إلى أنّ أرض البقيع موقوفة، و لم يصرّح به أحد من المؤرّخين و المحدّثين. هذه كُتب التاريخ بين يديك، لا ترى فيها أثراً لهذا القول، بل أنه يُحتمل قويّاً أنّ البقيع كانت أرضاً مواتاً متروكةً كسائر الأراضي الموات، و كان أهل المدينة يدفنون موتاهم فيها، و على هذا فأرض البقيع كانت من «المباحات الأوَّلية» الّتي يجوزالتصرّف فيها مطلقاً، بأىّ شكل كان.
 لقد كان الناس ـ في العهود السابقة ـ غير حريصين على تملّك الأراضي البائرة الموات، إذ لم تكن الإمكانيّات متوفّره لديهم للقيام بالبناء و العمران إلاّ قليلا، كما لم تبدأ ـ يومذاك ـ هجرة أهل القرى إلى المُدن، و لم تكن هناك مشكلة باسم مشكلة «الأرض» و أفراد باسم «محتكري الأرض» ومؤسّسات عقاريّة باسم «بورصة الأراضي» و لهذا فإنّ أراضي واسعة كانت متروكة بلا مالك، وهي ما يُعبَّر عنها في الشريعة الإسلامية بـ «المباحات» و «الأراضي الموات ».
 و قد جرت العادة ـ في المدن و القرى ـ بأن يُخصِّص الناس قطعة من الأرض لدفن الموتى فيها، أو كان واحد منهم يَدفن فقيده في أرض، و يتبعه الآخرون في ذلك، من دون التفات إلى الوقف أصلا.
 و أرض البقيع ليست مستثناة من هذه القاعدة، فلم تكن الأرض ـ في الحجاز و المدينة ـ ذات قيمة، و مع وجود هذه الأراضي الموات المحيطة بالمدينة لم يكن يُقدم إنسان على وقف أرض زراعية ـ مثلا ـ لدفن الموتى، لأنّ الأراضي الزراعية كانت قليلة، بعكس الأراضي الموات فإنها كانت كثيرة و من المباحات الأوّلية.
و الجدير بالذكر أنّ التاريخ أيضاً يؤكّد هذه الحقيقة. يقول السمهودي في كتاب «وفاء الوفا»: «أوّل من دَفن رسول اللّه بالبقيع: عثمان بن مظعون... و لمّا توفّي إبراهيم بن رسول اللّه أمر أن يُدفن عند عثمان بن مظعون، فرغب الناس في البقيع و قطعوا الشجر، فاختارت كلّ قبيلة ناحية، فمن هنالك عَرفت كلُّ قبيلة مقابرها... كان البقيع غرقداً(1) فلمّا هلك عثمان بن مظعون و دُفن في البقيع قُطع الغرقد عنه».(2)
 لقد ظهر من كلام السمهودي ـ أنّ أرض البقيع كانت مواتاً، و تمَّ تقسيمها إلى عدَّة قِطع بعد ما دُفن أحد الصحابة فيها، و خُصّصت كلّ قطعة منها لقبيلة من القبائل و بيت من البيوتات، أمّا أن تكون موقوفة فلاترى لها أثراً في التاريخ، بل يُستفاد من التاريخ أنّ البقعة الّتي تحتضن أجساد الأئمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ في البقيع كانت داراً لعقيل بن أبي طالب، و أنّ تلك الأجساد الطاهرة إنّما دُفنت في دار تعود إلى بني هاشم. يقول السمهودي: دُفن العباس بن عبدالمطّلب عند قبر فاطمة بنت أسد ابن هاشم في أوّل مقابر بني هاشم الّتي في دار عقيل.
 و يقول أيضاً:
عن سعيد بن محمّد بن جبير أنّه رأى قبر إبراهيم ابن رسول اللّه عند الزوراء... و هي الدار الّتي صارت لمحمّد بن زيد بن علي... و أنّ سعد بن معاذ دفنه رسول اللّه في طرف الزقاق الّذي يلزق دار المقداد بن الأسود... و هي الدار الّتي يقال لها: دار ابن أفلح، في أقصى البقيع، عليها جُنبذة(1).(2) هذه العبارات بمجموعها تؤكّد على أنّ أرض البقيع لم تكن وقفاً، و أنّ أجساد الأئمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ إنما دُفنت في بيوتهم المملوكة.
 بعد كلّ ما سَبق، هل يصحّ هدم آثار آل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و تسويتها مع الأرض بحجّة أنها لا تنسجم مع الوقف؟! و لو فرضت ـ جَدَلا ـ أنّ أرض البقيع موقوفة، فهل هناك ما يُثبت كيفية وقفها؟!
 و لعلّ مالك الأرض قد سمح بإقامة البناء و القباب على قبور الشخصيّات المرموقة الّتي تُدفن فيها؟!
 نحن لا نعلم تفصيل الموضوع، والشيء الّذي نعلمه هو أنّ المسلمين أقاموا البناء و القباب على تلك القبور، و يجب حمل فعل المسلم على الصحة و الابتعاد عن اتّهامه و نسبة المعصية إليه.
 و على هذا الأساس فإنّ هدم تلك القباب المقدّسة و الأبنية المحترمة يُعتبر حراماً بيِّناً ومخالفةً قطعيّة للأحكام الشرعيّة.
و كان القاضي ابن بليهد و أتباعه يعلمون جيّداً أنّ فكرة وقفيّة البقيع ليست إلاّ استدلالا مصطنعاً، و حتّى لو لم يرسم لهم الشيطان هذا الدليل الواهي، لكانوا يهدمون آثار آل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بلا تردّد، ذلك لأنّ هذه المرَّة ليست هي المرَّة الأُولى الّتي تقوم فيها الوهّابيّة بهدم آثار الرسالة و الإسلام، بل إنّ المرة الأُولى كانت في سنة 1221 هـ عند ما سيطروا ـ لأوّل مرة ـ على المدينة المنوَّرة وهدموا تلك الأبنية و الآثار، ثم أُعيد بناؤها بعد دحر الوهّابيّين و طردهم من المدينة على يد القوات العثمانية.

 الفصل الثالث: بناء المسجد بجوار المراقد المشرَّفة

هل بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها جائز أو لا؟

و إذا كان جائزاً فما معنى ما روي «أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لَعن اليهود و النصارى اتخذوا قبور انبيائهم مسجداً» ألا يُعتبر بناء المسجد بجوار قبور الأولياء ملازماً لما قد ورد في هذا الحديث؟!
 الجواب: إنّ بناء المساجد بجوار قبور الصالحين لا مانع فيه أبداً، لأنّه يندرج تحت الأُصول الإسلامية العامّة المجوّزة ذلك، لأنّ الهدف من بناء المسجد هناك إنّما هو عبادة اللّه تعالى بجوار مثوى أحد أحبّائه و أوليائه الصالحين الّذي منَح البركة و الشرف لتلك الأرض الّتي دُفن فيها.
 و بعبارة أُخرى: إنّ الهدف من تشييد المساجد هناك هو التشجيع على أداء الفرائض الشرعية و العبادات، قبل زيارة ذلك القبر أو بعده.
 و على أساس أنّ زيارة القبور ليست محرَّمة ـ حتّى عند الوهّابيّين ـ و كذلك إقامة الصلاة قبل الزيارة أو بعدها، فلا معنى للقول بحرمة بناء المسجد ـ بجوار قبور الصالحين ـ لعبادة اللّه و أداء فرائضه الشرعية. إنّ التأمّل في قصة أصحاب الكهف يكشف لنا عن أنّ بناء المسجد بجوار القبر كان سُنَّة متَّبَعة عند الأُمم والشرائع السابقة، و القرآن الكريم يشير إلى تلك السنَّة من دون أي ردّ أو نقد. و قد سبقت الإشارة إلى أنّ أصحاب الكهف عند ما انكشف خبرهم ـ بعد ثلاثمائة و تسع سنين ـ اختلف الناس في نوعيّة احترامهم و تكريمهم و انقسموا إلى قسمين:
 1ـ قسم قالوا: (ابْنُوا عَلَيهِمْ بُنياناً). و ذلك لكي يكون تخليداً لذكراهم.
 2ـ و القسم الثاني ـ الّذي كسب الموقف في النهاية ـ دعا إلى بناء المسجد على الكهف كي يكون مركزاً لعبادة اللّه تعالى، بجوار قبور أُولئك الذين رفضوا عبادة غير اللّه و خرجوا من ديارهم هاربين من الكفر، ولاجئين إلى توحيد اللّه و طاعته. و قد أجمع المفسّرون على أنّ الاقتراح الأوّل كان من المشركين، بينما الاقتراح الثاني كان من المؤمنين الموحّدين(1) و لهذا يقول القرآن الكريم: (... قالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً)(2) و جاء في التاريخ أنّ العثور على أصحاب الكهف و انكشاف أمرهم كان في عصر انتصار التوحيد على الشرك، و كان قادة المشركين ـ الداعين إلى عبادة الأصنام ـ مندحرين مغلوبين، فاقتراح بناء المسجد جاء من المؤمنين باللّه الموحّدين له سبحانه. فإذا كان بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها علامة على الشرك، فلماذا صَدر هذا الاقتراح من المؤمنين؟!
 و لماذا ذَكر القرآن اقتراحهم من دون أيّ نقد أو ردّ؟! أليس ذلك دليلا على الجواز؟ و ليس صحيحاً ـ قطعاً ـ أن يذكر اللّه تعالى كلاماً للمشركين و يمرّ عليه بدون نقد إجمالي أو تفصيلي أو يذكر اقتراحا للمؤمنين فيه رائحة الشرك من دون ايعاز إلى ردّه .
 إنّ هذا «تقرير» من القرآن على صحة اقتراح أُولئك المؤمنين، و هذا يدلّ على أنّ سيرة المؤمنين الموحّدين في العالم كلّه كانت جارية على هذا الأمر، و كان يُعتبر عندهم نوعاً من الاحترام لصاحب القبر و تبرّكاً به. لقد كان الأوْلى للوهّابيّين أن يعرضوا المسألة على القرآن أوّلا، ثمّ يبحثوا هنا و هناك عن حديث من الأحاديث الشريفة. و فيما يلي نذكر ما تمسّكوا به في هذا المجال، لتقف على ضَعفه و بطلانه:

أدلّة الوهّابيّين على حرمة بناء المساجد بجوار قبور الصالحين

لقد تمسّك الوهّابيّون بمجموعة من الأحاديث على حرمة بناء المسجد عند قبور الصالحين، و فيما يلي نذكر تلك الأحاديث مع المناقشة و التحقيق:
ذكر البخاري في صحيحه ـ باب كراهة اتخاذ المساجد على القبور ـ هذين الحديثين:
 1ـ لَمّا ماتَ الْحَسن بن الْحَسن بن عَلىّ، ضَربَتْ امْرأتُه القُبَّةَ عَلى قَبْره سَنَة، ثُمَّ رَفَعَتْ، فَسْمِعُوا صائحاً يَقُول: ألا هَلْ وَجَدُوا ما فَقَدوا؟ فَأجابَهُ الآخَر: بَلْ يئسُوا فَانْقَلَبُوا.
 2ـ لَعَنَ اللّهُ اليَهُودَ وَ النَّصارى اتَّخذوا قُبور أنبيائِهِمْ مَسْجِداً. قالَتْ: عائِشَة: وَلَوْلا ذلِكَ لأَبْرزُوا قَبْرَه، غَيْرَ أنّي أخْشى أنْ يُتَّخَذ مَسْجِداً.(1)
 و قد ذكر مسلم في صحيحه هذا الحديث الثاني مع اختلاف يسير، و ذكر أيضاً:
 3ـ... ألا وَ إنَّ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ كانُوا يَتَّخِذُونَ قُبورَ أَنْبِيائِهِمْ وَ صالحِيهِمْ مَساجِدَ، ألا فَلا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَساجِدَ، إنّي أنهاكُمْ عَنْ ذلِكَ.(2)
 4ـ إنَّ أُمَّ حَبيبَةَ وَ أُمَّ سَلَمَة ذَكَرَتا كَنيسَةً رَأَيْنَها في الحَبَشَة، فيها تَصاوير، لِرَسُولِ اللّه. فَقالَ رَسُولُ اللّه: إنَّ أُولئِكَ إذا كانَ فيهمُ الرَّجُل الصّالحَ فَماتَ، بَنُوا عَلى قَبْرِهِ مَسْجداً وَ صَوَّرُوا فيهِ تِلْكَ الصُّورَ، أُولئِكَ شِرارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللّه يَوْمَ الْقِيامَة.(3)
 و يروي النسائي ـ في سُننه باب التغليظ في اتخاذ السُّرج على القبور ـ عن ابن عبّاس:
5ـ لَعَنَ رَسُولُ اللّه ـ صلّى اللّه عليه و سلم ـ زائراتِ القُبُورِ وَ المُتَّخِذينَ عَلَيْها الْمَساجِدَ والسُّرج.(1)
 وترى ابن تيميّة ـ الّذي يعتبر المؤسّس لهذه العقائد الباطلة، و تلميذه محمّد بن عبدالوهّاب ـ يستند إلى هذه الأحاديث في حرمة بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها، فيقول: «قال علماؤنا: لا يجوز بناء المسجد على القبور».(2)

تحقيق في معنى الأحاديث

و الآن يجب التحقيق و التأمّل في نصوص هذه الأحاديث، لنقف على مدلولها الصحيح. قبل كُلّ شيء، يجب أن نعلم ـ كأصل عام ـ أنّه كما تكون آية قرآنية مفسِّرة لآية أُخرى، كذلك الأحاديث يكون أحدها مفسِّراً للآخر و موضّحاً و كاشفاً عن غموضه.
لقد تمسّك الوهّابيّون بظاهر حديث واحد، واستنتجوا منه حرمة بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها، في حين أنّهم لو كانوا يصهرون الأحاديث كلَّها في بوتقة واحدة، لكانوا يفهمون ما عناه الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ . هؤلاء أغلقوا على أنفسهم باب الاجتهاد، ممّا أدّى بهم إلى تفسير كثير من الأحاديث تفسيراً خاطئاً.
أقول: إنّ ما تمسّك الوهّابيّون به ـ على حرمة بناء المسجد عند القبر ـ من أحاديث إنّما يكون مقبولا إذا كانت أسناده صحيحة و رواتها ثقاتاً، و إلاّ فلا تصلح تلك الأحاديث للاستدلال أبداً. و بما أنّ التحدّث عن أسناد كلّ هذه الأحاديث يؤدّي إلى إطالة الكلام، لهذا نختصر الحديث عمّا تضمّنته تلك الأحاديث فنقول: أمّا الحديث الأوّل و هو: «لمّا مات الحسن بن الحسن ضَربتْ امرأته القبَّة على قبره...» إلى آخره، فهو نقيضٌ لمذهب الوهّابيّين، إذ أنّه دليل على جواز نصب المظلَّة و القبَّة على القبر، والوهّابيّون يُحرّمون مطلق الظِّلال، سواء كان مظلّة أو قُبَّة و بناء. فهذا الحديث يدلّ على جواز نصب المظلَّة و إقامة القبَّة على القبر، ولو كان ذلك حراماً لما صدر من امرأة الحسن بن الحسن، لأنه كان بمرأى و مسمع من التابعين و فقهاء المدينة. و لعلَّها نَصَبت تلك القبَّة لأجل زيارة القبر وتلاوة القرآن عنده، وقاية من الحرّ و البرد و غيرهما.
 و أمّا قول الراوي: «فسمعوا صائحاً يقول...» فهو أشبه بقول صائح غير صالح، لأنّه نوع من الشماتة ـ و الشماتة ليست من أخلاق الصالحين ـ و مثله في ذلك ما أجابه الصائح المزعوم الآخر. إنّ إقامة تلك المرأة على قبر زوجها الفقيد لم يكن على أمل عودته إلى الحياة، حتّى يقال: إنّها يئست، بل كان لتلاوة القرآن و غيره.
 و الخلاصة: إنّ قول ذلك الصائح المزعوم و جواب الآخر ليس حجّة شرعية، إذ ليس من كتاب اللّه ولا من السنَّة الشريفة و لا هو كلامُ معصوم. و أمّا بالنسبة إلى الأحاديث الّتي تلعن اليهود و النصارى و تُحذّر المسلمين من التشبّه بهم، فنقول: إنّ التعرّف على مغزى هذه الأحاديث يتوقّف على معرفة ما كان يقوم به اليهود و النصارى عند قبور أنبيائهم، ذلك لأنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إنّما نهى عن القيام بما كان يقوم به اليهود و النصارى، فاذا عرفنا عمَلهم، عرفنا ـ بالتَّبع ـ الحرام المنهيّ عنه.
اقول إن هنا قرائن شاهدة على أنّ اليهود و النصارى كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم قبلةً لهم تَصْرفهم عن التوجّه إلى القبلة الواجبة، و أكثر من ذلك... كانوا يعبدون أنبياءهم بجوار قبورهم بدَل أن يعبدوا اللّه الواحد القهار، أو كانوا يجعلون أنبياءهم شركاء مع اللّه سبحانه في العبادة. فإذا كان المعنى ـ في تلك الأحاديث ـ أن لا تتخذوا قبور الصالحين قبلة لكم، أو: لا تجعلوهم شركاء مع اللّه تعالى في العبادة، فلا يمكن الاستدلال ـ بأىّ وجه ـ على حرمة البناء على قبورهم أو عندها، لأنّ الزائرين لا يتّخذون تلك القبور قبلة لهم و لا يعبدونهم ولا يجعلونهم شركاء في العبادة، بل كلّهم مؤمنون باللّه موحّدون له، و يتوجّهون ـ في صلواتهم ـ إلى الكعبة المقدَّسة، و الهدف من بناء المسجد عند تلك القبور هو التبرّك بالأرض الّتي احتضنت أجسادهم الطاهرة. فالمهم هو أن يثبت لنا أنّ هدف هذه الأحاديث من عدم اتخاذ القبور مساجد هو ما ذكرناه، وإليك القرائن الدالَّة على ذلك: 1ـ الحديث المذكور في صحيح مسلم ـ و هو الحديث رقم 4 ـ يُوضّح الأحاديث الأُخرى، فحينما قالت أُمّ حبيبة و أُمّ سلمة ـ زوجتا النبىَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأنّهما رأتا تصاوير النبي في إحدى كنائس الحبشة، قال النبي: «إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنُوا على قبره مسجداً وصوَّروا فيه تلك التصاوير...».
فالهدف من وضع صوَر الصالحين بجوار قبورهم إنّما كان لأجل السجود عليها و على القبر، بحيث يكون القبر و الصورة قبلة لهم، أو كانتا كالصنم المنصوب يُعبدان و يُسجدان لهما. إنّ هذا الاحتمال ـ اللائح من هذا الحديث ـ ينطبق مع ما عليه المسيحيّون من عبادة المسيح ووضْع التصاوير و التماثيل المجسّمة له و للسيّدة مريم ـ عليهما السلام ـ .
و مع هذا المعنى فلا يمكن الاستدلال بهذهِ الأحاديث على حرمة بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها من دون أن يكون في ذلك أىّ شيء يوحي بالعبودية، كما عليه المسيحيّون. 2ـ يروي أحمد بن حنبل في مسنده و مالك بن أنس في «الموطّأ» تتمّة لهذا الحديث، و هو أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال ـ بعد النهي عن اتخاذ القبور مساجد ـ : «اللَّهُمَ لا تَجْعَلْ قَبْري و ثَناً يُعْبَد».(1)
إنّ هذا يدلّ على أنّ أولئك كانوا يتّخذون القبر و الصورة الّتي عليها قبلة يتوجّهون إليها، بل صنماً يعبدونه من دون اللّه سبحانه.
3ـ إنّ التأمّل في حديث عائشة ـ الحديث الثاني ـ يزيد في توضيح هذه الحقيقة، حيث إنّها بعد الرواية عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تقول: «لو لا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يُتَّخذ مَسجَداً».
و نتساءل: إقامة الجدار حول القبر يمنع عن أىّ شيء؟ من الثابت أنّ الجدار يمنع من الصلاة على القبر نفسه و أن يتّخذ وَثناً يُعبد، و على الأقل لا يكون قبلة يُتوجَّه إليها.
 أمّا الصلاة بجوار القبر ـ من دون عبادة القبر أو جعْله قبلة للعبادة ـ فلا يمنع منها، سواء أكان هناك حاجز يحجز القبر عن الرؤية أم لا، و سواء أكان القبر بارزاً أم لا، و ذلك لأنّ المسلمين ـ منذ أربعة عشر قرناً ـ يُصلّون بجوار قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حين أنّهم يتوجّهون إلى الكعبة و يعبدون اللّه تعالى، فوجود الحاجز لم يمنع من هذا كلّه.
 و الخلاصة: أنّ تتمّة الحديث الثاني ـ الّتي هي من كلام عائشة ـ تُوضّح معنى الحديث، لأنّها تذكر السبب الّذي منع من إبراز قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأنّه للحيلولة دون اتّخاذه مسجداً، و لهذا أُقيم الجدار الحاجز حول القبر الشريف. فالحاجز يمنع من شيئين:
 1ـ من أن يتحوَّل القبر إلى وثن يقف الناس بين يديه يعبدونه، فمع وجود الحاجز لا يمكن رؤية القبر فلا يمكن اتّخاذه وثناً للعبادة.
 2ـ من أن يُتَّخذ قبلة، ذلك لأنّ اتّخاذه قبلة فرع رؤيته.
 فإن قال قائل: إنّ الكعبة قبلة للمسلمين في حين أنّ أكثر المسلمين لا يرونها وقت العبادة.
فالجواب: لا تصحّ المقارنة و المقايسة بين الكعبة و القبر، لأنّ الكعبة قبلة عامّة و عالمية لجميع المسلمين في كافّة أرجاء الكرة الأرضية، و ليست قبلة للعبادة فقط، بل للعبادة وغيرها كالذبيحة و الدفن و ما شابه، فهي قبلة في جميع الأحوال، و لا علاقة للرؤية فيها بأىّ وجه.
 أمّا اتّخاذ قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبلة، فإنّما يمكن للذين يتواجدون في مسجده و يقيمون الصلاة عنده، فإبراز القبر الشريف يمهّد لهذا الاحتمال ـ على رأي عائشة طبعاً ـ بينما يكون الستر مانعا عن ذلك .
 4ـ و من القرائن الدالّة على أنّ نهي النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إنما هو عن عبادة القبور، هو أنّ الكثير من شارحي صحيح البخاري و مسلم فسَّروا الحديث بمثل ما فسّرناه، و فهموا منه مثل ما فهمناه... فمثلا: يقول القسطلاني ـ في كتاب إرشاد الساري ـ : إنما صوَّر أوائلُهم الصُّورَ ليستأنسوا بها و يتذكّروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم و يعبدو اللّه عند قبورهم، ثم خَلَفهم قوم جهلوا مرادهم، و وسوس لهم الشيطان أنّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصوَر و يُعظّمونها، فحذَّر النبي عن مثل ذلك.
 إلى أن يقول: قال البيضاوي: لمّا كانت اليهود و النصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجّهون في الصلاة نحوها و اتّخذوها أوثاناً، مُنع المسلمون في مثل ذلك، فأمّا من اتّخذَ مسجداً في جوار صالح و قَصَد التبرُّك بالقرب منه ـ لا للتعظيم و لا للتوجّه إليه ـ فلا يدخل في الوعيد المذكور.(1) و ليس القسطلاني منفرداً في هذا الشرح، بل يقول به السندي ـ شارح السُّنن للنسائي ـ حيث يقول: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» أي: قبلة للصلاة و يُصلّون إليها، أو بنَوا مساجد عليها يُصلّون فيها.
و لعلّ وجه الكراهة أنّه قد يُفضي إلى عبادة نفس القبر.(2)
 و يقول أيضاً: يُحذّر (النبي) أُمَّته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود و النصارى بقبور أنبيائهم من اتخاذهم تلك القبور مساجد، إمّا بالسجود إليها تعظيماً لها، أو بجعلها قبلة يتوجّهون في الصلاة إليها.(3)
 و يقول النَووي ـ في شرح صحيح مسلم ـ : قال العلماء: إنّما نهى النبي عن اتّخاذ قبره و قبر غيره مسجداً، خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربّما أدّى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأُمم الخالية، و لمّا احتاجت الصحابة والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حين كثر المسلمون و امتدَّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أُمّهات المؤمنين فيه، و منها حجرة عائشة، مدفن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و صاحبيه بَنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله، لئلاّ يظهر في المسجد فيصلّي إليه العوام... و لهذا قالت «عائشة» في الحديث: و لو لا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّه خُشي أن يُتَّخذ مسجداً.(1)
 و يقول شارح آخر: إنّ حديث عائشة يرتبط بالمسجد النبوي قبل الزيادة فيه، أمّا بعد الزيادة و إدخال حجرتها فيه، فقد بَنوا الحجرة بشكل مثلَّث كي لا يتمكن أحد من الصلاة على القبر... إنّ اليهود و النصارى كانوا يعبدون أنبياءهم بجوار قبورهم أو يجعلونهم شركاء في العبادة. أقول: مع هذه القرائن و مع ما فهمه شُرّاح الحديث لابدّ من القول به، و لا يمكن استنتاج غير ذلك أو الفتوى بغيره.
 و مع غضّ النظر عن هذه القرائن، فإننا نعالج المسألة بما يلي:
 1 ـ إنّ مورد الحديث هو ما إذا كان المسجد مبنيّاً فوق القبر، فلا علاقة له بالمشاهد المشرَّفة، لأنّ المسجد ـ في كلّ المشاهد ما عدا مسجد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ـ إنّما هو بجوارها لا عليها، بشكل ينفصل أحدهما عن الآخر.
و بعبارة أُخرى: هناك حرم و هناك مسجد، فالحرم خاصٌّ للزيارة و التوسّل إلى اللّه تعالى بذلك الولىّ الصالح، و المسجد ـ بجواره ـ للصلاة و العبادة، فالمشاهد المشرَّفة ـ في هذه الحالة ـ خارجة عن مفاد الحديث و معناه ـ على فرض أن يكون مفاده ما يدَّعيه الوهّابيّون ـ .
و بعد هذا كلّه... كيف يمكن القول بحرمة بناء المسجد بجوار القبر أو كراهته في حين أننا نرى بأعيننا أنّ مسجد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقع بجوار قبره الشريف؟!
 إذا كانت الصحابة كالنجوم و يجب الاقتداء بهم، فلماذا لا يُقتدى بهم في هذا المجال؟! إنّ أُولئك زادوا في المسجد زيادات كثيرة بحيث استقرَّ قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في وسط المسجد، بعد أن كان المسجد في الجانب الشرقي من القبر الشريف و بسبب الزيادات الكثيرة دخل الجانب الغربي من القبر أيضاً في المسجد. فاذا كان بناء المسجد بجوار قبور الصالحين حراماً فلماذا أحدث المسلمون هذه الزيادات فيه من جميع أطرافه؟! فهل معنى الاقتداء بـ «السَّلف» و «السَّلفية» ـ الّتي ينادي بها الوهّابيّون ـ هو الاقتداء بهم في موضوع واحد و ترك الموارد الأُخرى؟! و من هنا نعرف أنّ ما قاله ابن القيّم من «أنّ القبر و المسجد لا يجتمعان معاً» مخالف لسيرة المسلمين السَّلَف و لا أساس لكلامه من الصحة أبداً.
 2 - وفي خاتمة المطاف نذكر أمرين:
الأوّل: إنّ كلّ ما يستفاد من هذه الأحاديث ـ على فرض صحَّتها ـ هو أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عن بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها، ولكن لا يوجد دليل قطعي يثبت أنّ هذا النهي هو نهيٌ تحريمي، بل يحتمل أن يكون نهياً تنزيهيّاً ـ و بالاصطلاح ـ كراهيّاً، و هذا بالضبط ما استنبطه البخاري في صحيحه حيث ذكر هذه الأحاديث تحت عنوان: «باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور».(1) و يشهد لذلك أيضاً أنّ النهي مقرون بلعن «زائرات القبور».(2)
و من الثابت أنّ زيارة القبر للمرأة مكروه ـ بسبب بعض الأُمور ـ لاحرام. كيف وقد كانت فاطمة سيدة نساء العالمين تزور قبر عمّها حمزة فى كل اسبوع.(1) وقد زارت السيدة عائشة قبر أخيها عندما وردت مكة المكرمة(2) إلى غير ذلك من الدلائل القاطعة على أنّه تجوز للمرأه زيارة القبور. فإذا كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يلعن زائرات القبور، فلا يدلّ اللعن على الحرمة، لأنّ كثيراً من المكروهات ورَد اللعن على مرتكبها ـ في الأحاديث ـ و الهدف من اللعن هو شدّة الكراهية و البُعد عن رحمة اللّه تعالى، فمثلا جاء في الحديث: «لَعن اللّه ثلاثة: آكل زاده وحده، و النائم في بيت وحده، و راكب الفلاة وحده».(3)
 مع العلم أنّ هذه الثلاثة ليست محرَّمة. و في ختام هذا الفصل نؤكّد على أنّ بناء المساجد على قبور الصالحين كانت سُنَّة مشهورة في صدر الإسلام. يقول السمهودي في حديث ذكر فيه وفاة السيّدة فاطمة بنت أسد أُمّ الإمام أميرالمؤمنين علي ـ عليه السلام ـ : «فلمّا توفيتْ خرج رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فأمر بقبرها فحُفر في موضع المسجد الّذي يُقال له اليوم: قبر فاطمة». (4)
و يقصد السمهودي أنّ موضع قبر فاطمة بنت أسد تحوَّل بعد ذلك إلى مسجد. و يقول أيضاً:
«إنّ مصعب بن عمير و عبداللّه بن جحش دُفنا تحت المسجد الّذي بُني على قبر حمزة».(1)
 و قد كان ذلك المسجد موجوداً حتّى احتلال الوهّابيّين لهذه البقاع المقدّسة، حيث عمدوا إلى هذا المسجد ـ و مساجد و آثار كثيرة ـ فهدموها بمعاول الاستعمار البريطاني الأثيم.
 الثاني: ان تاريخ اليهود لا يتفق مع مضامين تلك الروايات، لأنّ سيرتهم قد قامت على قتل الأنبياء وتشريدهم وإيذائهم إلى غير ذلك من أنواع البلايا التي كانوا يصبّونها على أنبيائهم. ويكفي في ذلك قوله سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَولَ الَّذينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ فَقيرٌ وَنَحْنُ أَغْنياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَريق).(2)
 وقوله سبحانه: (قُلْ قَدْجاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلي بِالْبَيِّناتِ وَبِالّذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ) .(3)
وقال سبحانه: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقّ...).(4)
 أفتزعم انّ أُمّة قتلت أنبياءها في مواطن مختلفة تتحول إلى أُمّة تشيد المساجد على قبور أنبيائها تكريماً وتبجيلاً لهم.

الهوامش

1. صحيح ابن ماجة: 1/474. 2. مسند أحمد: 6/299. 3. ميزان الاعتدال: 3/350ـ355.
1. ميزان الاعتدال: 2/476 تحت عنوان: عبداللّه بن لهيعة; تهذيب التهذيب: 1/444.
2. مسند أحمد: 1/7; صحيح الترمذي: 2/139; طبقات ابن سعد: 2/71 و غيرها.
3. كتاب رياض الجنة: بقلم مقبل بن الهادي الوادي، طبعة الكويت.
1. الغرقد: شجر مخصوص و هو يتواجد كثيراً في صحاري المدينة المنوَّرة و أطرافها.
2. وفاء الوفا: 2/84.
1. الجنبذة: القبّة.
2. وفاء الوفا: 2/96.
1. راجع تفسير الكشاف: للزمخشري، و غرائب القرآن: للنيشابوري و غيرهما.
2. الكهف: 21.
1. صحيح البخاري: 2/111; كتاب الجنائز السُّننْ للنسائي: 2/871، كتاب الجنائز.
2. صحيح مسلم: 2/68.
3. صحيح مسلم: 2/66 كتاب المساجد .
1. السُّنن للنسائي: 4/77، طبعة مصطفى الحلبي.
2. زيارة القبور: 106.
1. مسند أحمد: 3/248.
1. إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري. و قد مال إلى هذا المعنى ابن حجر ـ في فتح الباري: 3 / 208 حيث قال: إنّ النهي إنما هو عمّا يؤدّي بالقبر إلى ما عليه أهل الكتاب، أمّا غير ذلك فلا إشكال فيه.
2. السُنن للنسائي: 2/21 مطبعة الأزهر.
3. نفس المصدر السابق.
1. شرح صحيح مسلم للنووىّ: 5/13 ـ 14 .
1. صحيح البخاري: 2/111.
2. السُّنن للنسائي: 3/77، طبعة مصر.
1. سيوا فيك مصدره.
2. سيوا فيك مصدر.
3. من لا يحضره الفقيه: 4 / 364; كنز العمال: 16/402; مسند أحمد: 2 / 287 . 4. وفاء الوفا: 3/897، تحقيق محمّد محيي الدين.
1. وفاء الوفا: 3 / 923 و 936.
2. آل عمران:181.
3. آل عمران:183.
4. النساء:155.


التالي

السابق