|
|
|
الفصل الرابع:
زيارة القبور
على ضوء الكتاب و السُّنَّة
|
|
لقد أفتى علماء الإسلام و فقهاء الشريعة بجواز زيارة القبور ـ و خاصّة قبور الأنبياء والصالحين ـ استناداً إلى مجموعة من الآيات الكريمة و الأحاديث الشريفة، و بالإضافة إلى الجواز فإنّهم أفتوا باستحبابها و فضيلتها.
أمّا الوهّابيّون فإنهم ـ كما يبدو ـ لا يحرّمون أصل الزيارة، بل يحرّمون السفر و شدَّ الرحال إلى زيارة قبور الصالحين. فالبحث هنا في مرحلتين:
1ـ الزيارة.
2ـ السفر للزيارة. |
|
زيارة القبور |
|
ممّا لا شكّ فيه أنّ زيارة القبور تنطوي على آثار أخلاقية و تربوية هامَّة، نشير إليها ـ مختصراً ـ فيمايلي:
إنّ مشاهدة هذا الوادي الهادئ الّذي يضمّ في أعماقه مجموعة كبيرة من
الذين عاشوا في هذه الحياة الدنياثم انتقلوا إلى الآخرة، و هم سواء... الغني و الفقير، القوي و الضعيف، و لم يصحبوا معهم سوى ثلاث قِطَع من القماش فقط.
إنّ مشاهدة هذا المنظر يهزّ الإنسان قلباً و روحاً، و يخفّف فيه روح الطمع و الحرص على الدنيا و زخارفها و شهواتها، و لو نظر الإنسان إليها بعين الاعتبار لغيَّر سلوكه في هذه الحياة، و اعتبر لآخرته، و راح يخاطب نفسه: إنّ هذه الحياة المؤقتة لابدّ أن تزول، و إنّ الفترة الّتي أعيشها لابدّ أن تنتهي و يكون مصيري إلى حفرة عميقة، تتراكم عليّ تلال من التراب و هناك الحساب، إمّا ثواب و إمّا عذاب، فلا تستحقّ هذه الحياة المؤقّتة أن يجهد الإنسان نفسه من أجل المال و الجاه و المنصب، فيظلم هذا و يؤذي ذاك، و يرتكب الجرائم و المنكرات.
إنّ نظرة تأمّل إلى هذا الوادي الساكن تُرقّق القلب مهما كان قاسياً، و تُسمع الإنسان مهما كان صُماً، و تُفتح العيون مهما كانت حالكة، و كثيراً ما تدفع بالإنسان إلى إعادة النظر في سلوكه وحياته، و الشعور بالمسؤوليات الكبيرة أمام اللّه تعالى و امام الناس.
يقول الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :
1ـ «زُورُوا الْقُبُورَ فَإنَّها تُذَكِّركُمُ الآخِرَة».(1)
بالرغم من أنّ مسألة زيارة القبور ليست بحاجة إلى إقامة الدليل و البرهان على صحتها وضرورتها، و لكننا نضطر إلى التحدّث عنها لأُولئك الذين يتوقّفون فيها. |
|
القرآن و زيارة القبور |
|
إنّ اللّه تعالى ينهى حبيبه محمّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن الصلاة على جنازة المنافق و القيام على قبره، فيقول سبحانه:
(وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى قَبْرِه إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ ماتُوا وَ هُمْ فاسِقُونَ).(1)
فالآية تسعى لهدم شخصية المنافق، و هزّ العصا في وجوه حزبه و نظائره، و النهي عن هذين الأمرين بالنسبة للمنافق معناه و مفهومه: فضيلة هذين بالنسبة لغير المنافق.
و الآن يجب أن ننظر في قوله تعالى: (و لا تَقُمْ على قَبرِهِ) ما معناه؟
هل المعنى هو القيام وقت الدفن فقط حيث لا يجوز ذلك للمنافق و يستحبّ للمؤمن؟ أم المعنى أعمّ من وقت الدفن و غيره؟
الجواب: بعض المفسّرين نظروا إلى الآية نظرة ضيّقة فقالوا بالقول الأوّل، و لكنّ بعضاً آخرين ـ كالبيضاوي و غيره ـ نظروا إليها نظرة واسعة فقالوا: إنّ النهي في (لا تَقُمْ على قَبرِه) هو عن الدفن و الزيارة.
و التدقيق و إمعان النظر في الآية الكريمة يسوقنا إلى هذا المعنى الأعم، و ذلك لأنّ الآية تتشكّل من جُملتين:
الأُولى: (لا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أبَداً).
إنّ لفظة «أَحَد» بحكم ورودها في سياق النفي تفيد العموم و الاستغراق
لجميع الأفراد، و لفظة «أبَداً» تفيد الاستغراق الزمني، فيكون معناها: لا تُصلّ على أحد من المنافقين في أىّ وقت كان.
فمع الانتباه إلى هذين اللفظين نعرف ـ بوضوح ـ أنّ المراد من النهي عن الصلاة على الميّت المنافق ليس خصوص الصلاة على الميّت عند الدفن فقط لأنها ليست قابلة للتكرار في أزمنة متعدّدة، ولو أُريد ذلك لم تكن هناك حاجة إلى لفظة «أبَداً» بل المراد من الصلاة في الآية مطلق الدعاء و الترحّم سواء أكان عند الدفن أم بعده.
فإن قال قائل: إنّ لفظة «أبَداً» تأكيد للاستغراق الأفرادي لا الزماني.
فالجواب بوجهين :
1ـ إنّ لفظة «أحد» أفادت الاستغراق و الشمول لجميع المنافقين.
2ـ إنّ لفظة «أبَداً» تُستعمل في اللغة العربية للاستغراق الزماني، كما في قوله تعالى:
(... وَ لا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً...).(1)
فالنتيجة: أنّ المقصود هو النهي عن الترحُّم على المنافق و عن الاستغفار له، سواء كان بالصلاة عليه أو بغيرها سواء كان حين الدفن أم بعده .
الثانية: «لا تقُم على قَبرِه».
إنّ مفهوم هذه الجملة ـ مع الانتباه إلى أنّها معطوفة على الجملة السابقة ـ هو: لا تقم على قبر أحد منهم أبداً، لأنّ كلّ ما ثبت للمعطوف عليه من القيد ـ أعني: «أبداً» ـ يثبت للمعطوف أيضاً، ففي هذه الحالة لا يمكن القول بأنّ المقصود من
القيام على القبر هو وقت الدفن، فقط، لأنّ المفروض عدم إمكان تكرار القيام على القبر وقت الدفن، و لفظة «أبَداً» المقدَّرة في هذه الجملة الثانية تفيد إمكانية تكرار هذا العمل، فهذا يدلّ على أنّ القيام على القبر لا يختصّ بوقت الدفن. بل يعمّه وغيره فهو حرام في حق المنافق و جائز في حق المؤمن .
فيكون معنى الآية الكريمة: إنّ اللّه تعالى ينهى نبيَّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن مطلق الاستغفار و الترحُّم على المنافق، سواء كان بالصلاة أو مطلق الدعاء، و ينهى عن مطلق القيام على القبر، سواء كان عند الدفن أو بعده.
و مفهوم ذلك هو أنّ هذين الأمرين يجوزان للمؤمن.
و بهذا ثبت جواز زيارة قبر المؤمن و جواز الصلاة والدعاء على روحه، حتّى بعد مئات السنين.
هذا بالنسبة إلى المرحلة الأُولى و هي أصل الزيارة من وجهة نظر القرآن، و أمّا بالنسبة إليها من ناحية الأحاديث فإليك بيانها: |
|
الأحاديث الشريفة و زيارة القبور |
|
يستفاد من الأحاديث الشريفة ـ الّتي رواها أصحاب الصحاح و السُّنن ـ أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عن زيارة القبور نهياً مؤقَّتاً لأسباب خاصّة، ثم رَفع النهي و حبَّبَ إلى الزيارة.
و لعلَ علّة النهي المؤقّت هي أنّ الأموات كانوا مشركين و عَبَدة للأصنام، وقد قطع الإسلام كلّ العلاقات مع الشرك و أهله، فنهى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن زيارة الأموات.(1)
و يحتمل أن تكون العلّة شيئاً آخر، و هو أنّ المسلمين كانوا حديثي العهد بالإسلام، فكانوا ينوحون على قبور موتاهم نياحة باطلة تُخرجهم عن نطاق الشريعة، و لمّا تمركز الإسلام في قلوبهم و أنِسُوا بالشريعة و الأحكام، ألغى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأمر اللّه تعالى النهي عن زيارة القبور، لما فيها من الآثار الحسنة و النتائج الطيّبة، و لهذا روى أصحاب الصحاح و السُّنن أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال:
1 ـ «كُنْتُ نَهَيْتُكُم عَنْ زيارَة الْقُبُور، فَزُورُوها فَإنَّها تُزَهِّدُ في الدُّنْيا وَ تُذَكِّرُ الآخِرة».(1)
و على هذا الأساس كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يزور قبر أُمّه السيّدة آمنة بنت وهب ـ رضوان اللّه عليها ـ و كان يأمر الناس بزيارة القبور، لأنّ زيارتها تُذكّر الآخرة.
و قد روى مسلم في صحيحه:
2 ـ «زارَ النَّبِىُّ قَبْرَ أُمَّةِ، فَبَكى وَ أَبْكى مَنْ حَوْلَهُ... وَ قالَ: اسْتَأذنْتُ رَبِّي في أنْ أزُورَ قَبْرَها، فأَذِنَ لي، فَزُوروا الْقُبُورَ فَإنَّها تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَ».(2)
و قالت عائشة:
3 ـ «إنَّ رسول اللّه رَخَّصَ في زِيارَةِ الْقُبُورِ».(1)
و قالت: إنّ النبي قال:
4 ـ «فأَمَرَني رَبِّي أنْ آتي الْبَقيعَ فَأسْتَغْفِرْ لَهُمْ
قلت: كيْفَ أقُولُ يا رَسُولَ اللّه؟
قالَ: قُولي: السَّلامُ عَلى أهْلِ الدِّيارِ مِنَ الْمُؤمِنينَ وَ الْمُسْلِمينَ، يَرْحَمُ اللّه الْمُسْتَقْدِمينَ مِنّا وَالْمُسْتأخِرينَ، وَ إنّا إنْ شاء اللّه بِكُمْ لاحِقُونَ».(2)
و جاء في أحاديث أُخرى نصّ الكلمات الّتي كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقولها عند زيارة القبور، وهي:
5 ـ «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دارَ قَوْم مُؤْمِنينَ، وَ إنّا وَ إيّاكُمْ مُتَواعِدُونَ غَداً وَ مُواكِلُونَ، وَ إنّا إن شاء اللّه بِكُمْ لاحِقُونَ اللّهُمَّ اغْفِر لأَهْلِ بَقيعِ الْغَرقَد».(3)
و جاء في حديث آخر نَصّ الكلمات بمايلي:
«السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلِ الدِّيارِ مِنَ الْمُؤمِنينَ وَ الْمُسْلِمينَ وَ إنّا إن شاء اللّه بِكُمْ
لاحِقُونَ، أنْتُمْ لَنا فَرطٌ وَ نَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ، أسْأَلُ اللّه الْعافِيَةَ لَنا وَ لَكُمْ».(1)
و في حديث ثالث:
«السَّلامُ عَلَيْكُمْ دارَ قَوْم مُؤمِنينَ، وَ إنّا إنْ شاء اللّه بِكُمْ لاحِقُونَ».(2)
و يستفاد من حديث عائشة أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يخرج إلى البقيع في آخر الليل من كلّ ليلة، ويقول:
«السَّلامُ عَلَيْكُمْ دارَ قَوْم مُؤمِنينَ، وَ أتاكُمْ ما تُوعَدونَ غَداً مؤجَّلُونَ، وَ إنّا إنْ شاء اللّه بِكُمْ لاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِر لأهلِ بَقيع الْغَرْقَدِ».(3)
و يستفاد من حديث آخر أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يزور المقابر مع جماعة من أصحابه، و يُعلّمهم كيفية الزيارة:
«كانَ رَسُولُ اللّه يُعَلِّمُهُم ـ إذا خَرَجُوا إلى الْمَقابِرِ ـ فَكان قائِلُهُمْ يَقُولُ: السَّلامُ عَلى أهْلِ الدِّيارِ ـ أو ـ السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الدَّيارِ مِنَ المؤمنينَ وَ الْمُسْلِمينَ، وَ إنّا إنْ شاء اللّه للاحِقُونَ، أسْألُ اللّه لَنا وَ لَكُمُ الْعافيَة».(4) |
|
النساء و زيارة القبور |
|
المسألة الأخيرة الّتي ينبغي التحدّث عنها هي: زيارة النساء للقبور، و قد روي في بعض الأحاديث أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عن زيارة النساء للقبور:
«لَعَنَ رَسُولُ اللّه زَوّارت الْقُبُور».(1)
ولكن يجب الانتباه إلى أنّ تحريم النساء من زيارة القبور ـ استدلالا بهذا الحديث ـ غير صحيح، و ذلك لعدّة أُمور:
أوّل: إنّ كثيراً من العلماء يعتبرون هذا النهي نهي تنزيه و كراهة، و قد جاءت الكراهة لأسباب خاصّة بذلك الزمان، يشير إليها صاحب كتاب «مفتاح الحاجة في شرح صحيح ابن ماجة» فيقول:
«اختلفوا في الكراهة هل هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ ذهب الأكثر إلى الجواز إذا أمِنَت الفتنة».(2)
ثانياً: لقد مرَّ عليك ـ في حديث عائشة ـ أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رخصَّ في زيارة القبور.(3)
فلو كان الترخيص خاصّاً بالرجال لكان اللازم أن تذكر عائشة ذلك، خاصّة وأنّها من النساء، و من الطبيعي أنّ النساء كنَّ يتواجدن في مسجد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكان كلّ مخاطَب يعتبر نفسه مشمولا للحكم إلاّ إذا صرَّح بالاستثناء.
ثالثاً: و قد مرَّ عليك أيضاً أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ علَّم عائشة ما ينبغي قوله عند زيارة القبور فلو كانت الزيارة محرمة عليها فما معنى هذا التعليم؟!(4)
كانت عائشة تزور القبور بعد رسول اللّه. يروي الترمذي أنه لمّا مات عبدالرحمان بن أبي بكر ـ شقيق عائشة ـ في «الجُنْتى» حملوا جثمانه إلى مكّة و دفنوه فيها، و لمّا جاءت عائشة إلى
مكّة ـ من المدينة ـ خرجت لزيارة قبر أخيها و أنشدت بيتين من الشعرِ في رثائه.(1)
يقول شارح صحيح الترمذي ـ الحافظ ابن العربي المولود سنة 435 هـ و المتوفّى سنة 543 هـ ـ :
«الصحيح أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سمح للرجال و النساء بزيارة القبور، و الّذي يقول بالكراهة فإنّما هو بسبب جزعهنّ عند القبر و قلَّة صَبْرهنّ، أو لعدم رعايتهنّ للحجاب».
رابعاً: يروي البخاري عن أنس أنّه قال:
«مرَّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: إتّقي اللّه و اصبري.
قالت: إليك عنّي فإنّك لم تُصبْ بمصيبتي، و لم تعرفه.
فقيل لها: إنّه النبي! فأتت باب النبي... فقالت: لم أعرفك!
فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إنّما الصبر عند الصدمة الأُولى».(2)
فإذا كانت زيارة القبور محرَّمة لنهاها النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن الزيارة، و لكنّك ترى أنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أوصاها بالتقوى و الصبر عند المصيبة، و لم ينهاها عن زيارة المقابر.
خامساً: إنّ السيّدة فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت تخرج إلى زيارة قبر عمّها حمزة ـ في كلّ جمعة أو أقلّ من ذلك ـ و كانت تصلّي عند قبره وتبكي.(3)
سادساً: يقول القرطبي:
«لم يلعن النبىّ ـ صلّى اللّه عليه (و آله) و سلّم ـ كلّ امرأة تزور القبور، بل لَعن المرأة الّتي تزور القبور دوماً و الدليل على ذلك قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «زوّارت القبور» و كلمة «زوّار» هي صيغة المبالغة، و تدلّ على الكرَّة و التكرار».(1)
و لعلّ العلَّة في لعن «زوّارات القبور» هي أنّ الإكثار منها يؤدّي إلى ضياع حقّ الزوج و يجرُّها إلى التبرّج المنهيِّ عنه، و يكون مصحوباً بالبكاء بصوت عال، ولكن لوكانت الزيارة خالية عن كلّ محذور فلا إشكال فيها أبداً، لأنّ تذكّر الموت و الآخرة ممّا يحتاج إليه الرجل و المرأة على السواء.
سابعاً: إنّ زيارة القبور ـ في الوقت الّذي تؤدّي إلى الزهد في الدنيا و زخارفها ـ تعود بالنفع على الميّت الراقد تحت أكوام التراب، إذ أنّ الزيارة ـ عادة ـ تكون مقرونة بتلاوة سورة الفاتحة و إهدائها إلى روح ذلك الميّت، و هذه الهديّة هي أفضل ما يقدّمه الإنسان الحىّ إلى روح فقيده الغالي.
يروي ابن ماجة عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال:
«إقْرأوا «يس» عَلى مَوْتاكُمْ».(2)
فما هو الفرق بين الرجل و المرأة ـ من هذه الجهة ـ حتّى تكون زيارة أحدهما جائزة و الأُخرى محرَّمة، لو لا المحذورات الخاصّة المذكورة؟!
و الآن... و بعد أن ثبت جواز زيارة القبور، جاء دور التحدّث عن الآثار الحسنة و النتائج الإيجابية لزيارة مراقد أولياء اللّه الصالحين، و ذلك في الفصل القادم. |
|
الفصل الخامس
النتائج البنّاءة
لزيارة قبور الشخصيّات الدينيّة
|
|
إنّ القبور الّتي تحظى باهتمام و احترام المؤمنين باللّه في العالم ـ و خاصّة المسلمين ـ هي في الغالب قبور حَمَلة الرسالات الإصلاحية الذين أدّوا مهمَّتهم على الوجه المطلوب.
و هؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
1ـ الأنبياء و القادة الدينيّون الذين حملوا على عاتقهم رسالة السماء و ضحّوا ـ من أجلها ـ بالنفس و المال و الأحباب، و تحمّلوا أنواع المتاعب و المصاعب من أجل هداية الناس.
2ـ العلماء و المفكّرون الذين كانوا كالشمعة تُحرق نفسها لتُضيء للآخرين، وقد عاش هؤلاء حياةَ الزهد و الحرمان، و قدَّموا للعالم البحوث القيّمة و التحقيقات الرائعة في مجالات العلم و الفكر والطبيعة و علوم الكون والمخلوقات و غير ذلك.
3ـ المجاهدون الثائرون الذين ضاقوا ذرعاً ممّا يعيشه المجتمع من الظلم
وسحْق الحقوق والتمييز العنصري أو القومي، فثاروا ضدّ الظلم و الطغيان و طالبوا بحفظ كرامة الإنسان و أداء حقوقه، و أقاموا صرح العدالة بدمائهم الغالية.
إنّ أيَّة ثورة أو تغيير اجتماعي لا يقدَّر له النجاح إلاّ بدفع الثمن، و إنّ ثمن الثورة الّتي تستهدف تدمير قصور الظالمين و خنْق أنفاسهم هو الدماء الزكيّة الّتي يُضحّي بها المقاتلون الأبطال لإعادة الحقّ و الحرية إلى الوطن الإسلامي.
إنّ الناس يزورون قبور هؤلاء و يذرفون عندها الدموع، و يتذكّرون بطولاتهم وتضحياتهم، و يُسعدون أرواحهم بتلاوة آيات من القرآن الحكيم هدية إليهم، و يُنشدون قصائد في مدحهم وثنائهم وتقدير مواقفهم المشرِّفة.
إنّ زيارة مراقد هذه الشخصيّات هي نوع من الشكر والتقدير على تضحياتهم، و إعلام للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الذين يسلكون طريق الحقّ و الهدى و الفضيلة و الدفاع عن المبدأ والعقيدة.
إنّ جزاءهم هو خلود الذكر، الذكر الحسن و الثناء الجميل، بالرغم من مرور الزمان على رحيلهم.
من هنا نعرف ضرورة إحياء ذكريات الشخصيّات الدينية، و على هذا الأساس ينبغي العمل على إبقاء ذكرياتهم حيَّة ساخنة، و المحافظة على آثارهم، و إقامة المهرجانات في ذكرى مواليدهم و الحداد و الحفلات التأبينية في ذكرى وفاتهم، و عقد المجالس و الاجتماعات الكبرى، و إلقاء الخطب المفيدة، و تعريف الناس على تلك الشخصيات الراقية و على معتقداتهم الّتي ضحّوا من أجلها، و احترام مراقدهم و تجنُّب كلَّ ما يمسّ بكرامتها، لأنّ احترام قبورهم احترامٌ لرسالاتهم وعقائدهم، كما أنّ أىّ نوع من الإهانة و التحقير تجاه مراقدهم هو في الحقيقة إهانة لرسالاتهم وتحقير لشخصيَّتهم.
في هذه الأيام عندما يدخل الإنسان مقبرة البقيع لزيارة قبور آل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقبور قادة الإسلام و حماة الدين و الصحابة، يرى تلك القبور في حالة يُرثى لها من الإهانة و التصغير، ممّا يهتزّ له الضمير و تأخذه الدهشة من قساوة قلوب الزمرة الوهّابيّة الّتي تدَّعي حماية الإسلام وصيانته، حيث إنّهم ـ من جانب ـ يذكرون الصحابة بالخير و التمجيد و يثنون عليهم على المنابر، ومن جانب آخر يتركون قبورهم عارية عن كلّ احترام و تكريم.
و في حالة فظيعة من الإهانة والإهمال، و لا يُبالون حتّى لو أفسدت الحيوانات أطراف قبورهم!!!
أمّا لفظة «الشِّرك» و «المشرك» فهي الهديَّة الوحيدة الّتي يُقدّمها الوهّابيّون إلى الحجاج والزائرين، يرمونهم بهذه الكلمات، لأنّ المسلمين يُعظّمون قادة الدين و يُمجدّون أولياء اللّه الصالحين، فكأنّ الوهّابيّين يُضمِرون الحقد و البغضاء لأولياء اللّه و قادة دينه.
و الآن جاء دور التحدّث عن زيارة مرقد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على ضوء الأدلَّة الإسلامية: |
|
الهوامش |
|
1. سنن ابن ماجة: 1/113، باب ما جاء في زيارة القبور.
1. التوبة: 84.
1. الأحزاب: 53.
1. و يؤيّد هذا الاحتمال ما كان يقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عند زيارته لأهل القبور: «دار قوم مؤمنين» كما سيأتي تفصيله.
1. السُّنن لابن ماجة: 1/114، طبعة الهند باب ما جاء في زيارة القُبور ; سنن، الترمذي: 3 / 274، أبواب الجنائز المطبوع مع شرح ابن العربي المالكي.
يقول الترمذي ـ بعد نقل هذا الحديث عن بريدة ـ: «حديث بريدة صحيح و العمل على هذا عند أهل العلم، و لا يرون بزيارة القبور بأساً، و هو قول ابن المبارك و الشافعي و إسحاق».
و في هذا المجال يحسن مراجعة المصادر الآتية:
1ـ صحيح مسلم: 3/65 باب استئذان النبي ربَّه عزّوجل في زيارة قبر أُمّه .
2ـ سنن أبي داود: 2/195 كتاب الجنائز باب زيارة القبور.
3ـ صحيح مسلم: 4/73 كتاب الجنائز باب زيارة القبور.
2. سُنن أبي داود: 2/195 كتاب الجنائز طبعة مصر; صحيح مسلم: 3 / 65، باب استئذان النبي ربَّه عزّوجل في زيارة قبر أُمّه; سنن ابن ماجة: 1 / 114.
أقول: إنّ السبب الّذي يذكرونه لاستئذان النبىّ ـ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ـ زيارة قبر أُمّه هو ـ كما يزعمون ـ لأنّ أُمّه كانت مشركة، ولكن الثابت الذي لا ريب فيه هو أنّ أُمّ النبىّ ـ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ـ كانت كآبائه و أجداده من أهل الإيمان و التوحيد، من هنا فانّ هذا التوجيه و التفسير مخالف لأُصول العقيدة الإسلامية و يمكن أن يكون له تفسير آخر.
1. سنن ابن ماجة: 1/114.
2. صحيح مسلم: 3/64، باب ما يقال عند دخول القبور; السنن للنسائي: 3/76.
3. السنن للنسائي: 4/76ـ77.
1. نفس المصدر السابق.
2. السنن لأبي داود:2/196.
3. صحيح مسلم: 3/63، باب ما يقال عند دخول القبر.
4. صحيح مسلم: 3/65، باب ما يقال عند دخول القبر.
1. سنن ابن ماجة: 1/478، كتاب الجنائز الطبعة الأُولى بمصر.
2. حواشي سنن ابن ماجة: 1/114، طبعة الهند.
3. راجع الحديث رقم 3.
4. راجع الحديث رقم 4.
1. سنن الترمذي: 4/275 كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة القبور
2. صحيح البخاري: 2/79، كتاب الجنائز باب زيارة القبور.
3. مستدرك الصحيحين: 1/377، وفاء الوفا: 2/112.
1. جاء في سنن أبي داود: «زائرات» بَدل «زوّارات».
2. سنن ابن ماجة: حديث 1448.
|