|
|
|
|
|
إنّ كلَّ من يتلو هذه الآية يفهم منها ـ بوضوح ـ أنّ الصلاة هناك إنّما وجبت بسبب مقام النبىّ إبراهيم، و أنّ مقام إبراهيم هو الّذي منح الفضيلة و الكرامة لذلك
المكان، و ترى ملايين المسلمين يتَّخذون من مقام إبراهيم مكاناً للصلاة و الدعاء.
فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة إلى مقام إبراهيم ـ عليه السلام ـ ألا ينبغي أن يكون كذلك بالنسبة إلى مثوى رجال اللّه وقادة الإسلام؟!
ألا تكون الصلاة عند مراقدهم أفضل من الأماكن الأُخرى؟!
صحيح أنّ الآية قد نزلت بشأن مقام إبراهيم الخليل، ولكن: ألا يمكن أن نستنتج منها حُكماً عامّاً؟!
لقد سأل المنصور العبّاسي «الدوانيقي» مالك بن أنس ـ إمام المالكية ـ و هما في مسجد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: يا أبا عبداللّه أستقبل القبلة و أَدعوا أم أستقبل رسول اللّه؟
فقال مالك: لِمَ تصرف وجهك عنه و هو وسيلتك و وسيلة أبيك آدم إلى اللّه يوم القيامة؟! بل استقبله و استشفِع به فيشفِّعك اللّه.(1)
يستفاد من هذا الحوار أنّ الدعاء عند قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان خالياً من أىّ إشكال، و كانت الغاية حسب السؤال عن الأرجحية و أنّ ايّة منها أرجح فأفتى مالك بن أنس بأنّ التوجّه إلى قبر الرسول كالتوجُّه إلى القبلة.
3ـ لو راجعنا أحاديث المعراج لانكشفت لنا هذه الحقيقة بصورة أكثر، حيث جاء فيها أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في رحلة المعراج نزل في «المدينة» و «طور سيناء» و «بيت لحم» و صلّى فيها، فقال له جبرئيل: يا رسول اللّه أتعلم أينَ صلَّيت؟ إنّك صلّيت في «طيبة» و إليها مُهاجرتك، و صلَّيت في «طور سيناء»
حيث كلَّم اللّه موسى تكليماً، و صلّيت في «بيت لحم» حيث وُلد عيسى.(1)
يستفاد من هذا الحديث أنّ الصلاة محبوبة في بقعة لامستْ جسد أحد الأنبياء، و أنّ تلك البقعة إنما اكتسبت القدسيّة و الشرف بسبب ذلك النبىّ.
4ـ لقد بلغت «هاجر» أُمّ إسماعيل بن الخليل مرتبة عالية عند اللّه تعالى بسبب صبرها و تحمّلها المتاعب في سبيله سبحانه، ممّا أدّى إلى أنْ جَعل اللّه موضع أقدامها محلاّ للعبادة و أوجب على حجّاج بيته الحرام أن يسعوا كما سعت هاجر بين جَبلَي الصفا و المروة. وهذا ما يعترف به ابن القيّم تلميذ ابن تيميّة.(2)
و نتساءل: إذا كان صبر «هاجر» على المكاره و تحمّلها المتاعب في سبيل اللّه تعالى قد مَنَحَ الكرامة لموضع أقدامها، و أوجب اللّه على المسلمين أن يعبدوه سبحانه في ذلك المكان بالسعي بين الصفاو المروة، فلماذا لا يكون قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مباركاً و مقدَّساً، في حين أنه تحمَّل أنواع المصاعب و المصائب و المكاره من أجل إصلاح المجتمع و إرشاده؟
5ـ إذا كانت الصلاة عند القبر محرَّمة في الشريعة الإسلامية، فلماذا قضت عائشة عُمرها وحياتها بالصلاة في البيت الخاصّ بها عند قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ؟!
إنّ معنى قول رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على فرض صحة الحديث: «لعن اللّه اليهود و النصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(3)
هو أنّهم كانوا يعبدون أنبياءهم
و يسجدون على قبورهم، أو يجعلون قبورهم قبلة لهم. و كلا الأمرين مخالفان للشريعة المقدَّسة.
ولكنّ الوهّابيّين يستدلّون بهذا الحديث على حرمة الصلاة عند قبور أولياء اللّه سبحانه، وقد عرفت أنّ السيد عائشة ـ راوية هذا الحديث ـ قضت ما يقرب من خمسين عاماًمن عمرها بالصلاة و العبادة في البيت الّذي دُفن فيه الرسول؟!
6ـ لو لم تكن لقبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ القدسيَّة و الشرف، فلماذا أصرَّ أبوبكر و من بعده عُمر على أن يُدفنا بجوار قبره الشريف؟!
و لماذا أوصى الإمام الحسن بن علي ـ عليه السلام ـ بأن يُدفن عند قبر جدّه المصطفى فإن حال الأعداء دون ذلك فليدفن في البقيع؟!
و أيَّة علاقة بين هذا الحديث و سيرة المسلمين القائمة على الصلاة للّه باتجاه القبلة بجوار قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لدرْك المزيد من الثواب و الفضيلة؟!
7ـ إنّ السيّدة فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ الّتي رُوي عن النبي في أحاديث صحيحة أنَّ رضاها هو رضى اللّه و رسوله و أنَّ غضبها هو غضب اللّه و رسوله(1) ـ كانت تزور قبر عمّها حمزة في كلّ جمعة ـ أو في الاسبوع مرَّتين ـ و كانت تبكي و تصلّي عند قبره. يقول البيهقي:
«كانَتْ فاطِمَة ـ رضي اللّه عنها ـ تَزُور قَبْرَ عَمِّها حَمْزَة كُلَّ جُمْعَة، فَتُصَلّي وَ تَبْكي عِنْدَهُ».(2)
أيّها القارئ الكريم: إنّ هذه الأدلّة ـ بمجموعها و بالإضافة إلى سيرة المسلمين الجارية على الصلاة و الدعاء في الأماكن الّتي دُفن فيها أولياء اللّه و أحبّاؤه ـ تؤكّد أنّ الصلاة و الدعاء عند هذه المراقد تمتاز بفضيلة أكثر و ثواب أكبر، و أنّ الهدف إنما هو التبرُّك بذلك المكان المبارك و أداء الفريضة فيها لرجاء القبول من اللّه سبحانه.
و لو فرضْنا عدم وجود دليل ـ من القرآن و الأحاديث ـ على شرافة هذه الأمكنة و فضيلة الصلاة و الدعاء فيها، فلماذا تكون الصلاة محرَّمة فيها؟!
و لماذا لا تدخل هذه الأماكن ضمن إطار القانون الإسلامي العام الّذي يعتبر الأرض كلّها محلاّ لعبادة اللّه، حيث يقول رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :
«جُعلت لي الأرض مسجداً و طهورا»؟(1). |
|
الإضاءة عند القبور |
|
إنّ مسألة الإضاءة عند قبور أولياء اللّه ـ و الّتي يدّعي الوهّابيّون حرمتها ـ ليست ذات أهميّة كبرى، لأنّ الدليل الوحيد الّذي يستدلّون به هو ما ذكره النسائي عن ابن عبّاس أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لعن زائرات القبور و المتّخذين عليها المساجد والسُّرُج(2).
و هذا الحديث ـ و أمثاله ـ يختصّ بما إذا كانت الإضاءة تضييعاً و تبذيراً للمال أو تشبُّهاً ببعض الأُمم و الشعوب و الأديان الباطلة، كما أشار إليه العلاّمة السندي في شرحه على هذا الحديث ـ حيث قال:
«و النهيُ عنه لأنّه تضييعُ مال بلا نفع».(1)
و أمّا إذا كان الهدف من الإضاءة و الإنارة هو تلاوة القرآن و الدعاء و التضرُّع إلى اللّه و إقامة الصلاة و غيرها من المستحبّات و الواجبات و المنافع المشروعة فهذا ممّا لا إشكال فيه قطعاً، بل أنّ الإضاءة في هذه الأماكن و لهذه الأهداف مصداق لقوله تعالى:
(... وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى...)(2).
فكيف تكون حراماً؟!
بل لا شكّ أنّ الإضاءة عندئذ مستحبّة شرعاً و محبوبة عقلا. |
|
الفصل السابع
:التوسُّل بأولياء اللّه
|
|
يُعتبر التوسّل بأولياء اللّه و أحبّائه من المسائل المعروفة بين المسلمين في كافة أنحاء العالم، و قد وَرَدَت أحاديث كثيرة في جوازه و استحبابه، فهو ليس ظاهرة غريبة، بل هو أمرٌ ديني تَعارَفَ عليه المسلمون منذ فجر الإسلام حتّى هذا اليوم، و لا تجد مسلماً ينكره.
ولم ينكره أحد طوال أربعة عشر قرناً سوى ابن تيميّة و تلميذه ـ ابن القيم ـ في القرن الثامن الهجري، وجاء بعده محمّد بن عبدالوهّاب فاعتبر التوسل بأولياء اللّه بدعة ـ تارةً ـ و عبادة للأولياء ـ تارةً أُخرى ـ.
لا شكّ أنّ عبادة غير اللّه شركٌ و حرام، و ليس البحث الآن عن العبادة و معناها و حقيقتها، لأنّه بحثٌ هامّ و حسّاس، و سوف نتحدّث عنه بالتفصيل في فصل خاصّ، إنّما البحث في التوسّل بأولياء الله فنقول:
إعلم أنّ التوسّل بأولياء اللّه تعالى على صورتين:
1ـ التوسّل بالأولياء أنفسِهم، كأن نقول:
«اللّهُمَّ إنّي أتَوَسَّلُ إلَيْكَ بنبيّك مُحَمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنْ تَقْضِىَ حاجَتي».
2ـ التوسّل بمنزلة الأولياء و جاهِهم عند اللّه تعالى، كأن نقول:
«الّلهُمَّ إنّي أتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِجاهِ مُحَمّد وَ حُرْمَتِهِ وَ حَقِّهِ أنْ تَقْضِىَ حاجَتي».
أمّا الوهّابيّون فإنهم يُحرّمون الصورتين معاً، في حين أنّ الأحاديث الشريفة و سيرة المسلمين تشهدان بخلاف ما يدّعيه الوهّابيّون، و تؤكّدان جواز الصورتين معاً.
و الآن... نذكر بعض تلك الروايات، واحدة تلو الأُخرى ثم نتناول الحديث عن سيرة المسلمين، و عند ذلك تتضح قيمة قول القائل بحرمة التوسّل و أنّه بدعة . |
|
الأحاديث الشريفة الدالّة على جوازه |
|
إنّ الأحاديث الّتي تدلّ على جواز التوسّل بأولياء اللّه كثيرة جداً، و هي متواجدة في كتب التاريخ و الحديث، و فيما يلي نذكر نموذجاً منها:
الحديث الأوّل:
عن عثمان بن حنيف أنّه قال:
«إنَّ رَجُلا ضَريراً أَتى إلى النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فَقالَ: ادْعُ اللّه أنْ يُعافيَني.
فَقالَ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إنْ شِئْتَ دَعوتُ، وَ إنْ شِئْتَ صَبَرتَ وَ هُوَ خَيْرٌ؟
قالَ: فَادْعُهُ، فَأمَرهُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنْ يَتَوضَّأ فَيُحْسِنَ وُضُوءهُ وَ يُصَلّيَ ركْعَتيْنِ وَ يَدْعُو بِهذا الدُعاء: «الّلهُمَّ إنّي أسْألُكَ وَ أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ نَبِىِّ الرَّحْمَة، يا مُحَمّد إنّي أتَوجَّهُ
بِكَ إلى رَبّي في حاجَتي لِتُقْضى. الّلهُمَّ شَفِّعْهُ فِىَّ».
قال ابن حنيف:
«فَوَ اللّه ما تَفَرَّقْنا وَ طالَ بِنَا الحديث حَتّى دَخَلَ عَلَيْنا كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُر». |
|
كلمةٌ حول سَند الحديث |
|
لا كلام في صحة سَنَد هذا الحديث، حتّى أنّ إمام الوهّابيّين ـ ابن تيميّة ـ اعتبر هذا الحديث صحيحاً و قال بأنّ المقصود من ـ «أبي جعفر» الموجود في سَند الحديث هو أبو جعفر الخطمي و هو ثقة.(1)
يقول الرفاعي ـ الكاتب الوهّابىّ المعاصر الّذي يسعى دوماً إلى تضعيف الأحاديث الخاصّة بالتوسّل ـ حول هذا الحديث:
«لا شكّ أنّ هذا الحديث صحيح و مشهور، و قد ثبت فيه ـ بلا شكّ و لا ريب ـ ارتداد بَصر الأعمى بدعاء رسول اللّه»(2) .
و يقول:
«لقد أورد هذا الحديث النسائي و البيهقي و الطبراني و الترمذي و الحاكم في مستدركه، ولكن الترمذي و الحاكم ذكرا جملة «اللّهمّ شفّعه فيه» بَدل جملة « شفّعه فىَّ».(3)
يقول زيني دحلان ـ مفتي مكّة ـ :
«ذكر هذا الحديث ـ مع أسانيد صحيحة ـ البخاري و ابن ماجة و الحاكم في مستدركه، و جلال الدين السيوطي في جامعه».
و نحن نذكر هذا الحديث من المصادر التالية:
1ـ سنن ابن ماجة، المجلّد الأوّل ص 441 رقم الحديث 1385، تحقيق محمّد فؤاد عبدالباقي، نشر دار إحياء الكتب العربية.
و قد ذكر ابن ماجة عن أبي إسحاق أنّه قال:
«هذا حديثٌ صحيح».
ثم قال: «و قد رواه الترمذي في كتاب أبواب الأدعية و قال: هذا حديثٌ حقٌّ صحيحٌ غريب».
2ـ مسند أحمد بن حنبل، المجلّد الرابع ص 138، عن مسند عثمان بن حنيف، طبْع المكتب الإسلامي، مؤسّسة دار صادر / بيروت.
و قد روى هذا الحديث عن ثلاثة طُرق.
3ـ مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري، المجلّد الأول ص 313 طبعة حيدر آباد / الهند. قال بعد ذكر الحديث:
«هذا حديثٌ صحيح على شرط الشيخين، و لم يخرجاه».
4 ـ الجامع الصغير للسيوطي، ص 59، عن الترمذي و الحاكم.
5 ـ تلخيص المستدرك للذهبي (المتوفّى 748 هـ )، المطبوع بهامش المستدرك.
6ـ التاج الجامع، المجلّد الأوّل ص 286، و هو كتاب جمع أحاديث الصحاح الخمسة باستثناء صحيح ابن ماجة.
بعد هذا كلّه... لا مجال للمناقشة في سَند الحديث أو الطعن فيه.
و أمّا دلالته، فلو قدَّمتَ هذا الحديث إلى من يُحسن اللُّغة العربية جيّداً و يتمتّع بصفاء فكر، بعيد عن مجادلات الوهّابيّين و شُبهاتهم حول مسألة التوسّل، ثم سألته: بماذا أمر النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ذلك الأعمى عند ما علّمه ذلك الدعاء؟
فسيكون جوابه ـ فوراً ـ : لقد علَّمه النبي أن يتوسَّل إلى اللّه بنبيّه نبيِّ الرحمة، و يُشفِّعه فيه.
و هذا المعنى هو بالضبط ما يُفهم من كلمات الحديث المذكور، و فيما يلي نُقسِّم الحديث إلى جُمل لمزيد التوضيح:
أ: «اللّهُمَّ إنّي أسْألُكَ وَ أتَوَجَّهُ إلَيْكَ بِنَبِيِّكَ».
إنّ كلمة «نبيِّك» تتعلَّق بما قبلها، أي «أسألُك» و «أتوجَّه إليك»، و بعبارة أوضح: إنّه يسأل اللّه تعالى بواسطة النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ كما أنه يتوجَّه إلى اللّه بجاه النبي و وسيلته أيضاً، و المقصود من «النبي» نفسه المقدّسة لا دعاؤه.
أمّا من يقدِّر كلمة «دعاء» ، في قوله: «أسألك بنبيِّك» اي بدعاء نبيّك .فهو يتحكّم بلا دليل و يدَّعي خلاف الظاهر، و السبب في هذا الادّعاء هو أنّه لا يعتقد بالتوسّل بنفس النبي، فيلجأ إلى تقدير «دعاء» ليقول: إنّ التوسّل بدعاء النبي لا إشكال فيه، و بهذا يُبرِّر باطلَه.
ب: «مُحَمّد نبىّ الرحمة».
لكي يتّضح أنّ المقصود هو سؤال اللّه بواسطة النبي و شخصيّته و حرمته فقد جاءت بعد كلمة «نبيّك» جملة «محمّد نبي الرحمة» لكي يتّضح الهدف أكثر.
ج: إنّ جملة: «يا محمّد إنّى أتوجَّه بك إلى ربي» تدلّ على أنّ الرجل اتّخذ النبيَّ نفسَه وسيلة لدعائه، لا دعاءه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أي: أنّه توسّل بذات النبي لا بدعائه.
د: إنّ قوله: «و شفِّعه فىَّ» معناه: يا ربّ اجعل النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ شفيعي وتقبَّل شفاعته في حقّي.
أيّها القارىء الكريم: لقد اتّضح لك أنّ النقطة المركزيَّة في الدعاء كلّه هو شخص رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ و شخصيّته الكريمة، و لا ذِكر لدعائه أصلا.
و كلّ من يزعم أنّ ذلك الرجل الضرير قد توسّل بدعاء النبيّ لا بشخصه و شخصيّته، فإنّما تغافل عن نصوص الرواية و تجاهَلها.
و أنت لو تأمَّلتَ قوله: «اللَّهُمَّ إنِّى أسألك و أتوجَّه إليك بنبيّك نبىّ الرحمة» و قوله «يا محمّد إنّى أتوجّه بك إلى ربي» لظَهر لك ـ بكلّ وضوح ـ أنّ التركيز إنّما هو على شخص رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ و لو كان الهدف هو دعاء النبي لكان الصحيح أن يقول: أسألك بدعاء النبي.
وعلى ما ذكرنا لا يبقى أىّ مجال للإشكالات الخمسة الّتي أوردها الكاتب الوهّابي في كتاب «التوصّل إلى حقيقة التوسّل»، و قد ذكرنا ـ بالتفصيل ـ تلك الإشكالات مع أجوبتها وردودها في كتابنا «التوسّل» من صحفة 147 إلى 153 فراجع. |
|
الحديث الثاني: التوسّل بحقّ السائلين |
|
روى عطّية العوفي عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه
وآله وسلم ـ قال: «مَنْ خَرَجَ مَنْ بَيْتِهِ اِلى الصَّلاةِ
فَقالَ: اللَّهُمَّ إنّي أسْألُكَ بِحَقِّ السّائِلينَ عَلَيْكَ، و
َ أَسْأَلُكَ بِحَقَّ مَمْشاىَ هذا فَإنَّي لَمْ أخْرُجْ أشراً وَ
لا بَطَراً وَ لا رياءً وَ لا سُمْعَةً، وَ خَرَجْتُ اتّقاء
سَخَطِكَ وَ ابْتِغاء مَرْضاتِكَ، فَاَسْأَلُكَ أنْ تُعيذَني مِنَ
النّارِ وَ أنْ تَغْفِرلي ذُنوبي، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
إلاّ أنْتَ، أقَبلَ اللّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، وَ اسْتَغْفَرَ
لَهُ سَبْعُونَ ألْف مَلَك».(1)
إنّ هذا الحديث واضح جداً في
معناه، و يدلّ على أنّ للإنسان أن يتوسَّل إلى اللّه بحرمة أوليائه
الصالحين و منزلتهم و وجاهتهم عنده سبحانه، فيجعل أُولئك وُسَطاء و
شفعاء لقضاء حاجته واستجابة دعائه، و دلالة الحديث على الموضوع
الّذي نتحدّث عنه واضحة. |
|
الحديث الثالث: التوسّل بحقّ النبيّ الكريم |
|
إنّ النّبي آدم ـ عليه السلام ـ عندما صَدر منه ما كان الأَوْلى عدم صدوره، و تاب إلى اللّه تعالى ممّا صدر منه(2) تلقّى من ربّه كلمات، كما أشار القرآن الكريم:
(فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمات فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحيم )(1) .
إنّ المفسّرين و المحدّثين أعربوا عن آرائهم و وجهات نظرهم تجاه هذه الآية و معناها، و ذلك استناداً إلى بعض الأحاديث، و فيما يلي نذكر تلك الأحاديث لنرى النتيجة الّتي نحصل عليها بعد ذلك:
أخرج الطبراني في المعجم الصغير، و الحاكم في مستدركه، و أبو نعيم الاصفهاني في حلية الأولياء، و البيهقي في دلائل النبوّة، و ابن عساكر الدمشقي في تاريخه، و السيوطي في تفسير الدرّ المنثور، و الآلوسي في تفسير روح المعاني، عن عمر بن الخطاب، عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال:
«لَمّا أذْنَبَ آدمُ الذنب الَّذي أذْنَبهُ، رَفَعَ رَأسَهُ إلى السَّماء فَقالَ: أسْأَلُكَ بِحَقّ مُحَمَّد إلاّ غَفَرْتَ لي.
فَأوحى اللّه إلَيْهِ: وَ مَنْ مُحَمَّدٌ؟ فَقالَ: تَبارَكَ اسْمُكَ، لَمّا خُلقْتُ رَفَعْتُ رَأَسي إلى عَرْشِكَ فَإِذا فيهِ مَكْتُوبٌ: لا إله إلاّ اللّه و مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّه، فَقُلْتُ: إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أعْظَمُ عِنْدَكَ قَدْراً مِمَّن جَعَلْتَ اسْمَهُ مَعَ اسْمِكَ، فَأوْحى إليه إنَّهُ آخِرُ النبِيّينَ مِنْ ذُرّيَّتِكَ، وَلَوْلا محمّد لَما خَلَقْتُكَ».(2) |
|
الهوامش |
|
1. وفاء الوفا: 4 / 1376.
1. الخصائص الكبرى لعبد الرحمن السيوطي: 1/154.
2. كتاب جلاء الأفهام في الصلاة و السلام على خير الأنام: 228.
3. السُّنن للنسائي: 4 / 96، طبع بيروت.
1. لاحظ صحيح البخاري: 5/21، باب مناقب قرابة رسول اللّه .
2. سُّنن البيهقي: 4 / 78، مستدرك الصحيحين للحاكم: 1 / 377.
1. صحيح البخارى: 1 / 91، مسند أحمد بن حنبل: 2 / 222 و غيرهما.
2. السُّنن للنسائي: 3 / 77.
1. السُّنن للنسائي: 3 / 77، طبعة مصر، و 4 / 95 طبعة بيروت; شرح الجامع الصغير: 2 / 198.
2. المائدة: 2.
1. جاء في مسند أحمد: «أبو جعفر الخطمي» أمّا في سنن ابن ماجة ففيه «أبو جعفر» فقط.
2. التوصّل إلى حقيقة التوسّل: 158.
3. المصدر السابق.
1. سنن ابن ماجة: 1 / 256 حديث رقم 778.
2. لقد ثبت أنّ النهي الوارد في قوله تعالى: (لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَة) إنما هو نهىٌ إرشادي و تنزيهي، و ليس نهياً تحريمياً مَولويّاً، و النهي الإرشادي هو بمثابة النصيحة و الموعظة، و مخالفةُ هذا النهي لاتوجب عقاباً و لا مؤاخذة، و لا تنافي العصمة بأي وجه، و إنّما توجب تأثير العمل ذاته، فمثلا: لو نهى الطبيبُ المريضَ المصاب بالزكام عن تناول الحمضيّات، فخالفه المريض، فإنّ المخالفة تعكس الأثر الطبيعي لها ـ و هو اشتداد الزكام والمرض ـ و في القرآن الكريم آيات تدلّ على أنّ نهي آدم عن اقتراب الشجرة كان نهياً إرشادياً، و لا أثر لمخالفة هذا النهي سوى الخروج من الجنّة، كنتيجة طبيعيّة لتلك المخالفة. يُرجى مراجعة الآية 118ـ119 من سورة طه.
1. البقرة: 37.
2. مستدرك الصحيحين: 2 / 615; روح المعاني: 1 / 217; الدرّ المنثور: 1 / 59 نقلا عن الطبراني و أبي نعيم و البيهقي. و المتن موافقٌ لما في الدّر المنثور. |