|
|
|
رأيُنا حول هذا الحديث |
|
1ـ لقد ورد في القرآن الكريم التعبير عن الأشخاص و الذوات بـ «الكلمات» بعكس ما هو متّبع لدينا، فَمثلا:
أ ـ قوله تعالى: (... أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بكلمة مِنَ اللّه...).(1)
ب ـ قوله سبحانه: (... يا مَرْيَمُ إنَّ اللّه يُبَشِّرُكِ بِكلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسيحُ عيسىَ ابنُ مَرْيَمَ...).(2)
ج ـ قوله عزّوجل: (... إنَّما الْمَسيحُ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَ كَلِمَتُهُ...).(3)
د ـ قوله جلّ جلاله: (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ...).(4)
هـ ـ قوله عزَّ من قائل: (... وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ.).(5)
فمع الانتباه إلى هذه الآيات يمكن القول بأنّ المقصود من «كلمات» في قوله تعالى: (فتلقّى آدم من ربِّه كلمات) هي الشخصيّات المقدَّسة الوجيهة الّتي توسَّل بهم آدم إلى اللّه تعالى.
و في الحديث ـ الّذي مرَّ عليك ـ ترى اسم محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقط مذكوراً، أمّا في أحاديث «الشيعة» ترى الحديث مرويّاً بصورة تتطابق مع الآية الكريمة.
و الحديث مروىٌّ بصورتين، فتارة فُسّرت كلمة «كلمات» بأسماء الخمسة
الطيّبة ـ عليهم السلام ـ و فُسّرت بأشباحهم النورانية تارة أُخرى، و إليك الحديث فيما يلي:
«إنَّ آدَمَ رأى مَكتوباً عَلَى العَرشِ أسماءً مُعَظَّمةً مُكَرَّمة، فسألَ عنها؟ فَقيل لَهُ: هذه أسماء أجَلِّ الخلقِ مَنزِلَة عِندَ اللّه تعالى، و الأسماء: مُحمّدُ وَ عَلىُّ و فاطَمَةُ و الحسنُ و الحسينُ، فَتوسَّل آدم ـ عليه السلام ـ إلى ربِّه بِهِم في قَبُولِ تَوبَتِهِ وَ رفع مَنزلَتِهِ».(1)
و تدلّ بعض الأحاديث على أنّ آدم رأى الأشباح النورانيّة للخمسة الطيّبة، فتوسّل بهم بعد ذلك.(2)
2ـ و عند مراجعة كتب التاريخ و الحديث يظهر لنا أنّ قضيّة توسّل النبىّ آدم بالنبىّ محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان معروفاً و مشهوراً بين الناس، و لهذا ترى مالك بن أنس ـ إمام المالكية ـ يقول للمنصور الدوانيقي ـ في مسجد رسول اللّه ـ :
«هو وسيلتك و وسيلة أبيك آدم».(3)
و قد أشار شعراء المسلمين إلى هذه الحقيقة في قصائدهم، فترى أحدهم يقول:
بِهِ قد أجاب اللّهُ آدمَ إذ دعا * و نُجيَ في بطن السفينةِ نُوحُ(4)
و يقول الآخر
قومٌ بهم غُفِرَتْ خَطيئةُ آدم * وَ هُمُ الوَسيلَةُ وَ النُّجومُ الطُلَّعُ(1)
|
|
الحديث الرابع: توسُّل النبيّ بحقّه و حقّ مَن سبقه من الأنبياء |
|
«لَما ماتَتْ فاطِمَةُ بِنْت أسَد، دَخَلَ عَلَيْها رَسُولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِها فَقال: رَحِمَكِ اللّه يا أُمّي بعد أُمّي ثُمَّ دَعا رَسولُ اللّه أُسامَةَ بن زَيْد و أبا أيُّوبَ الأنصاري وَ عُمَرَ بن الْخَطَابِ وَ غُلاماً أسْودَ يَحْفِرُونَ، فَحَفَرُوا قَبْرَها، فَلَمّا بَلَغُوا اللَّحْد حَفَرَهُ رَسُولُ اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ بِيَدِهِ وَ أَخْرَجَ تُرابَهُ، فَلَمّا فَرغَ دَخَلَ رَسُولُ اللّه فاضطَجَعَ فيهِ ثُمَّ قالَ: اللّهُ الَّذي يُحْيي وَ يُميتُ وَ هُوَ حَىٌّ لا يَمُوتُ، إِغْفِرْ لأُمّي فاطِمَةَ بِنْتِ أسَد، وَ وَسِّعْ عَلَيْها مَدْخَلَها، بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَ الأنبياء الَّذينَ مِنْ قَبْلي».
قال مؤلّف: «خلاصة الكلام»:
«رواه الطبراني في الكبير و الأوسط، و ابن حبّان و الحاكم و صحَّحوه».(2)
و كَتب السيّد أحمد زيني دحلان ـ في كتاب الدرر السّنيَّة في الردّ على الوهّابيّة ـ :
«روى ابن أبي شيبة عن جابر مثلَ ذلك. و كذا روى مثلَهُ ابنُ عبدالبَرِّ عن ابن عَبّاس، و رواه أبو نعيم في حلية الأولياء عن أنس، ذكر ذلك كلَّه الحافظ جلال الدين السيوطي في الجامع الكبير».(3)
أمّا نحن فقد ذكرنا هذا الحديث ـ المذكور ـ عن مصدَرين يشتمل أحدهما
على الدعاء ـ الّذي هو موضوع البحث ـ و الآخر لا يشتمل عليه، و المصدران هما:
1ـ «حلية الأولياء» لأبي نعيم الاصفهاني ـ المجلّد الثالث ص 121.
2ـ «وفاء الوفا» للسمهودي ـ المجلّد الثالث ص 899. |
|
الحديث الخامس: التوسّل بالنبىّ نفسه
|
|
روى جمعٌ من المحدّثين أنّ أعرابياً دخل على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و قال:
«لقد أتَيناك و ما لَنا بعيرٌ يئطّ(1) و لا صبىٌّ يغطّ(2)».
ثم أنشأ يقول:
أتيناكَ و العذراءُ تُدمى لِبانُها * و قد شُغِلتْ أُمّ الصبىّ عن الطفلِ
و لا شيء ممّا يأكلُ الناسُ عِندنا * سوى الحنظل العامي و العِلهز الفَسْلِ
و ليس لنا إلاّ إليكَ فِرارُنا * و أين فرارُ الناس إلاّ إلى الرُّسْلِ
فَقامَ رَسُولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يَجُرُّ رِداءَه، حَتّى صَعَدَ الْمِنْبَر فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَ قالَ: اللّهُمَّ اسْقِنا غَيْثاً مُغيثاً... فَما رَدَّ النَّبىُّ يَدَيه حَتّى ألقَتِ السَّماء... ثُمَّ قالَ: للّهِ دَرُّ أبي طالِب لَوْ كانَ حَيّاً لَقَرَّتْ عَيْناهُ. مَنْ يُنْشِدُنا قَوْلَهُ؟
فَقامَ عَلىُّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ وَ قالَ: كَأَنَّكَ تُريدُ ـ يا رَسُولَ اللّه ـ قَوْلَهُ:
و أبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهِه * ثِمالُ اليَتامى عِصمةٌ للأرامل
ِ
يطوف به الهُلاّك مِن آلِ هاشم * فَهُم عِندَه في نِعمة و فواضل
فقال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : أجل.
فَأنْشَدَ عَلىٌّ ـ عليه السلام ـ أبْياتاً مِنَ الْقَصيدةِ، وَ الرَّسُولُ يَسْتَغْفِرُ لأبي طالب عَلَى المنبرِ، ثُمَّ قامَ رَجُلٌ مِنْ كَنانَة وَ أنْشَدَ يَقُولُ:
لَكَ الحمدُ و الحمد ممَّن شكر * سُقينا بوجه النبىّ المَطَر
أقول: إنّ المصادر الّتي تذكر هذه القضية كثيرة جداً، و نحن قد ذكرناها من المصادر التالية:
أ ـ عمدة القاري في شرح صحيح البخاري: المجلّد السابع ص 31 تأليف بدر الدين محمود بن أحمد العين (المتوفّى عام 855 هـ ) طبعة إدارة الطباعة المنيرية.
ب ـ شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحديد ج 14 ص 80.
ج ـ السيرة الحلبيّة: تأليف علي بن برهان الدين الحلبي، المجلّد الثالث ص 263.
د ـ الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: تأليف شمس الدين أبي علي فخار بن معد، (المتوفّى عام 630 هـ ) طبعة النجف مطبعة العلوي ص 79.
هـ ـ سيرة زيني دحلان: المطبوعة بهامش السيرة الحلبيّة، المجلّد الأوّل ص 81. |
|
الحديث السادس: التوسّل بالنبىّ أيضاً |
|
روي أنّ سواد بن قارب أنشدَ لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قصيدته الّتي يتوسّل فيها بالنبىّ.
و فيها يقول:
و أشهد أنَّ اللّهَ لا ربَّ غيرُهُ * و أنّك مأمونٌ على كلِّ غائبِ
و أنّك أدنى المرسَلين وسيلة * إلى اللّه يابنَ الأكرمينَ الأطائب
فمُرنا بما يأتيكَ يا خيرَ مُرسَل * و إنْ كان فيما
فيهِ شَيبُ الذَّوائب
وَ كنْ لي شَفيعاً يَوم لا ذو شَفاعة * بِمُغْنِ فتيلا عن سواد بن قاربِ(1)
أيّها القارئ الكريم: لقد ذكرنا ـ حتّى الآن ـ مجموعة من الأحاديث المرويَّة في التوسّل، اعتماداً على كتب التاريخ و الحديث المعتبرة عند أهل السُّنَّة.
أمّا التوسّل بأولياء اللّه ـ فيما روي عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ في كتب الشيعة ـ فهو على حدٍّ من الوضوح و الثبوت بحيث جاءت الإشارة إليه في الأدعية أيضاً.
و لنا أن نتساءل: هل يجب أن نأخذ المعارف الإسلامية و الأحكام الشرعية من «ابن تيميّة» و«محمّد بن عبدالوهّاب» و نظرائهما أم من عترة رسول اللّه الّتي نصّ النبي ـ في حديث الثقَليْن ـ على أنّها الثقل الأصغر و عدل القرآن؟!!
إنّ كلّ مسلم ـ يملك ذرَّة من الوعي و الإنصاف ـ يحكم بضرورة الأخذ من العترة الطاهرة الّتي أذهب اللّه عنهم الرجس و طهَّرهم تطهيراً. |
|
نماذج من أدعية التوسُّل |
|
أمّا الأدعية الّتي ورد فيها التوسّل بأولياء اللّه تعالى فهي كثيرة و موزَّعة في الصحيفة العلويّة(1)و دعاء عرفة(2) و الصحيفة السجّادية(3) و غيرها من كتب الدعاء.
و فيما يلي نذكر نماذج من تلك الأدعية.
1ـ يقول الإمام علىّ أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ في دعاء له:
«... بِحَقِّ مُحَمَّد وَ آلِ مُحَمَّد عَلَيْكَ، وَ بِحَقِّكَ الْعَظيمِ عَلَيْهِمْ أنْ تُصَلِّىَ عَلَيْهِمْ كَما أنْتَ أهْلُهُ وَ أنْ تُعْطِيَني أفْضَل ما أعْطَيْتَ السّائلين مِنْ عِبادِكَ الْماضين مِنَ المؤْمنينَ، و أفْضَل ما تُعْطي الباقينَ مِنَ الْمُؤمِنينَ...»(4)
2ـ و يقول الإمام سيّد الشهداء الحسين ـ عليه السلام ـ في دعاء عرفة:
«... اللّهُمَّ إنّا نَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ ـ فِي هذِهِ الْعَشِيَّةِ الَّتي فَرضْتَها وَ عظَّمْتَها ـ بِمُحَمَّد نَبِيِّكَ وَ رَسُولِكَ وَ خِيرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ».
3ـ و يقول الإمام زين العابدين ـ عليه السلام ـ في دعائه بمناسبة حلول شهر رمضان:
«... اللّهُمَّ إنّي أسْألُكَ بِحَقِّ هذا الشْهِرِ وَ بِحَقِّ مَنْ تَعَبَّدَ فيهِ ـ من ابتدائِه إلى وقت فنائه ـ مِنْ مَلَك قَرَّبْتَهُ أو نبىٍّ أرسلتَهُ أو عبد صالح اختَصَصْتَهُ...».(5) |
|
سيرة المسلمين في التوسّل |
|
لقد جرت سيرة المسلمين ـ في حياة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و بعد وفاته ـ على التوسّل بأولياء اللّه والاستشفاع بمنزلتهم و جاههم عند اللّه تعالى.
و إليك نماذج من تلك السيرة.
1ـ كتب المؤرّخ الشهير: ابن الأثير (المتوفّى عام 630 هـ ):
«و اسْتسقى عُمَرُ بنُ الخَطّابِ بِالْعَبّاسِ، عامَ الرَّمادة، لَمّا اشْتَدَّ الْقَحطُ، فَسَقاهُمُ اللّهُ تَعالى بِهِ وَ أخْصَبَتِ الأرْضُ، فَقالَ عُمرُ: هذا ـ واللّه ـ الْوَسيلَةُ إلى اللّه و الْمكانُ مِنْهُ.
و قال حسّان:
سأل الإمامُ و قد تتابعَ جَدْبُنا * فسقى الغمام بغُرّة العَبّاسِ
عَمِّ النبىّ و صنوِ والدِهِ الذي * وَرثَ النبىَّ بذاك دون الناسِ
أحيا الإلهُ به البلادَ فأصبحتْ * مُخضرَّةَ الأجنابِ بعد الياسِ
وَ لمّا سُقي النّاسُ طَفِقُوا يَتَمسَّحُونَ بِالْعَباسِ وَ يَقُولُونَ: هَنيئاً لَكَ ساقي الْحَرَمَيْنِ».(1)
إنّ التأمّل في هذه القضية التاريخية ـ و الّتي ذكر بعضاً منها البخاري في صحيحه ـ يؤكّد على أنّ من مصاديق «الوسيلة» هو التوسّل بأصحاب الجاه و المنزلة عند الله، حيث ينتج منه التقرّب إلى اللّه وتكريم الداعي و المتوسِّل.
و أىّ تعبير أوضح من قوله:
«هذا ـ وَ اللّه ـ الْوَسيلَةُ إلىَ اللّه وَ الْمكانُ مِنْهُ»؟!
2ـ يقول القسطلاني(1) (المتوفّى عام 923 هـ ):
«إنَّ عُمَرَ ـ لَمّا اسْتَسْقى بِالْعَبّاسِ ـ قالَ: «أَيُّهَا النّاسُ إنَّ رَسُولَ اللّه كانَ يرى لِلْعَبّاسِ ما يَرى الْوَلَدُ لِلْوالِد، فَاقْتَدُوا بِهِ في عَمِّهِ وَ اتَّخِذُوهُ وَسيلَةً إلَى اللّه تَعالى».
ففيهِ التصريح بالتوسّل، و بهذا يبطل قول من مَنع التوسّل، مطلقاً، بالأحياء و الأموات، و قولُ من منع ذلك بغير النبي».
3ـ سبق أن ذكرنا بأنّ المنصور العبّاسي «الدوانيقي» سأل مالك بن أنس ـ إمام المالكية ـ عن كيفية زيارة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و التوسّل به... فقال لمالك:
«يا أبَا عَبْدِاللّه أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَ أَدْعُوا، أم أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللّه؟ فَقالَ مالِك في جوابه: لِمَ تَصْرِفْ وَجْهَكَ عَنْهُ وَ هُوَ وَسيلَتُكَ وَ وَسيلَةُ أبيكَ آدَمُ إلى اللّه يَوْمَ الْقِيامَة؟! بَلِ اسْتَقْبِلْهُ وَ اسْتَشْفِعْ بِهِ فَيَشْفِّعُكُ اللّه، قالَ اللّه تَعالى: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ...).(2)
4ـ ذكر ابن حجر الهيتمي هذين البيتين من الشِّعر للشافعي ـ إمام الشافعية ـ:
آل النبي ذريعتي * وهمُ إليه وسيلتي
أرجوبهم اُعطى غداً * بيدي اليمين صحيفتي(3)
بعد كلّ ما سَبق من الأدلّة و البراهين و الشواهد، يمكن القول بأنّ الأنبياء و الشخصيات الدينية السامية هم من الوسائل الّتي عناها اللّه تعالى بقوله:
(يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ ابْتَغُوا إلَيْهِ الْوَسيلَةَ...).(1)
و قد أمر تعالى باتخاذهم وسيلة إليه سبحانه.
و لا شكّ أنّ الوسيلة غير منحصرة في أداء الفرائض و اجتناب المحرَّمات فقط، بل تشمل المستحبّات ـ الّتي من ضمنها التوسّل بالأولياء ـ أيضاً.
فهل يمكن القول بأنّ العلماء و المحقّقين قد أخطأوا في فهم معنى «الوسيلة»؟!
مع العلم أنّهم مصادرٌ للحكم و حفّاظٌ للحديث و من علماء الإسلام الذين يُشار إليهم بالبنان؟!
إنّ الذين يُعرضون صفحاً عن هذه التصريحات و الأدلّة، و يبحثون هنا و هناك عن توجيهو تاويل لكلّ حديث و دليل، هم أشبه بالقاضي الّذي يتسرَّع في إصدار الحكم من دون الاعتماد على القرائن و الشهود.
5ـ يروي البخاري في صحيحه:
«إنَّ عُمَرَ بن الخَطّاب كانَ إذا قُحِطُوا اسْتَسقى بِالْعَبّاسِ بن عَبْدِالْمُطَلِبِ ـ رضي اللّه عنه ـ وَ قالَ: اللّهُمَّ كُنّا نَتَوَسَّلُ إلَيكَ بِنَبِيِّنا فَتُسْقينا، وَ إنّا نَتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنا فاسِقنا.
قالَ: فَيُسْقَونَ».(2)
لا كلام في صحة هذا الحديث، حتى أنّ الرفاعي ـ الكاتب الوهّابي الّذي يردّ أحاديث التوسّل المتواترة مهما أمكنه ـ قد اعترف بصحة هذا الحديث و قال:
«إنّ هذا الحديث صحيح(1) فإن صحَّ هذا الجواز شرعاً فنحن من أسبق الناس إلى الأخذ به والعمل بمقتضاه».
فمع الانتباه إلى ما ذكروه عن عمر بن الخطّاب بشأن التوسّل بالعبّاس، و أنّه أقسمَ باللّه بأنّ «هذا و اللّه الْوَسيلَة إلىَ اللّه وَ الْمَكانُ مِنْهُ» يتّضح بأنّ حقيقة التوسّل ـ في هذا المجال ـ هي التوسّل بذات العبّاس و نفسِه، أو بشخصيّته و وجاهته عند اللّه تعالى، لا بدعاء العبّاس.
هذا... و قد روى محمّد بن النعمان المالكي ـ المتوفّى سنة 683 هـ ـ في كتابه «مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام» كيفيّة توسّل عُمر بالعبّاس و أنّه قال:
«اللّهُمَّ إنّا نَسْتَقيكَ بِعَمِّ نَبِيِّكَ وَ نَسْتَشْفِعُ إلَيْكَ بِشَيْبَتِهِ، فَسُقُوا» وَ في ذلِكَ يَقُولُ الْعَبّاسُ ابْن عُتْبَة بن أبي لَهَب:
بعمِّي سقى اللّه الحجاز و أهلَه * عَشِيَّة يَستَسقي بشِيْبَتِهِ عُمَرُ(2)
و كذلك أنشد حسّان قوله
«فَسَقَى الغَمامُ بُغرَّة العبّاس».
و قال ابن حجر العسقلاني(1) :
«إنَّ العَبّاسَ دَعا إلَى اللّه تَعالى بقوله:... وَ قَدْ تَوَجَّه الْقَوْمُ بي إلَيْكَ لِمَكاني مِنْ نَبِيِّكَ».
أيّها القارئ الكريم: لقد ظهر لك ـ بكلّ وضوح ـ أنّ التوسّل إنما كان بشخصية العبّاس وجاهه، و قد قال علماء البلاغة و الأدب:
«تعليقُ الحُكم بالوصفِ مُشعِرٌ بالعِلِّيَة».
يعني ترتُّب الحُكم على الوصف يدلّ على أنّ العلّة في ذلك الحُكم هو الوصف، فمثلا يقول القرآن الحكيم:
(وَ عَلى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ).
يعني: أنّ المرأة الّتي أنجبت مولوداً للزوج، فعلى الزوج أن يتكفّل نفقتها، فالحُكم هو وجوب الإنفاق، و الوصف هو المولود الّذي أنجبته المرأة.
و إليك مثالا آخر:
لو قال الوالد لولده «إحترِم العالِم» فإنما هو لعلَّة العلم و الفضيلة الّتي فيه.
بناءً على هذا... فإنّ قول عمر: «إنّا نَتَوسَّلُ إلَيْكَ بِعَمّ نَبِيِّكَ» فيه بيان علّة التوسّل بالعبّاس دون غيره من الناس، و أنها لكونه عمّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و قد ذكر العبّاسُ نفسُه ذلك فقال: «لمكاني مِنْ نَبِيِّكَ».
و الخلاصة: بعد كلّ ما سبق... يمكن القول ـ بالقطع و اليقين ـ إنّ المسلمين في صدر الإسلام كانوا يتوسَّلون بالأشخاص الصالحين الأزكياء.
6ـ شِعر صفيَّة في رثاء النبي
أنشدت صفيَّة بنت عبدالمطَّلِب ـ عمَّة النبىّ ـ قصيدة بعد وفاة النبي في رثائه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و منها:
ألا يا رسولَ اللّه أنت رجاؤنا * و كنتَ بِنا بَرَّاً و لمْ تَكُ جافيا
و كُنتَ بنا بَرّاً رؤوفاً نَبيّنا * لِيَبْكِ عليكَ اليوم مَن كانَ باكيا(1)
إنّنا نستنتج من هذه المقطوعة الشعرية ـ الّتي أُنشدت على مسمع من الصحابة و سجَّلها المؤرّخون و أصحاب السِّيَر ـ أمرين:
الأول: إنّ مخاطبة الأرواح ـ و بالخصوص مخاطبة رسول اللّه بعد وفاته ـ كان أمراً جائزاً وجارياً، و قولها: «ألا يا رسولَ اللّه» لم يكن لغواً و لا شركاً كما تدّعي الوهّابيّة الضالَّة.
الثاني: إنّ قولها: «أنت رجاؤنا» يدلّ على أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو أمل المجتمع الاسلامي في كلّ العصور و الأحوال، و لم تنقطع الروابط و العلاقات معه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حتى بعد وفاته. |
|
الهوامش |
|
1. آل عمران: 39.
2. آل عمران: 45.
3. النساء: 171.
4. الكهف: 109.
5. لقمان: 27.
1. مجمع البيان: 1 / 89 طبعة لبنان; تفسير البرهان: 1 / 86ـ88 حديث رقم 2 و 5 و 11 و 12 و 14 و 27.
2. للتفصيل راجع تفسير البرهان: 1 / 87 حديث رقم 13 و 15 و 16.
3. ذكر أحمد زيني دحلان ـ في كتابه الدُرَر السنيَّة: ج 10 ـ أن القاضي عياض ذكر هذا الحوار بَسند صحيح. و كذلك ذكره السبكي في شفاء السقام، و السمهودي في وفاء الوفا، و القسطلاني في المواهب اللّدنيّة. قال ابن حجر ـ في الجوهر المنظّم ـ : قد روي هذا بسند صحيح. و قال العلاّمة الزرقاني ـ في شرح المواهب ـ : إنّ ابن فهد ذكر هذا بَسند حَسن، و ذكره القاضي عياض بسند صحيح.
4. كشف الارتياب: 307 نقله عن المواهب، و الشعر لابن جابر.
1. المصدر نفسه: 308 و الشعر للواسطي.
2. كشف الارتياب: 312 نقلا عن خلاصة الكلام.
3. الدرر السَّنيّة: 8.
1. يئط ـ مشتقّ من الأطيط ـ : و هو صوت البعير. لسان العرب: 7/256 مادة، «أطط».
2. يغط ـ مشتقّ من الغطيط ـ : و هو صوت النائم. لسان العرب: 7/362 مادة، «غطط».
1. الدُرر السَّنيّة: 27، التوصّل إلى حقيقة التوسّل: 300.
1. و هي المجموعة التي تضمّ بعض أدعية الإمام عليّ أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ جَمَعها الشيخ عبداللّه السماهيجي.
2. و هو دعاء الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ في عرفات يوم عرفة.
3. و هو بعض أدعية الإمام زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ.
4. الصحيفة العلوية: 51.
5. الصحيفة السجّادية: دعاء رقم 44.
1. أسد الغابة في معرفة الصحابة: 3 / 111، طبعة مصر.
1. في كتاب المواهب اللدنيّة: طبعة مصر.
2. وفاء الوفا: 2 / 1376.
3. الصواعق المحرقه لابن حجر: 178، و الكتاب مليء بالانحراف و الافتراء، و قد ردَّ عليه جمع من العلماء و المحقّقين، منهم: الشهيد السعيد القاضي نور اللّه التستري في كتابه: الصوارم المهرقة.
1. المائدة: 35.
2. 2 / 32 صحيح البخاري: باب صلاة الاستسقاء.
1. كان الصحيح أن يقول: «إنّ هذا التاريخ صحيح» لأنّ الحديث ـ في الاصطلاح ـ هو كلام النبي ـ صلّى اللّه عليه و آله وسلّم ـ و كلامنا الآن عن الأحداث التاريخية، و قد سبق ذكر الأحاديث الشريفة.
2. وفاء الوفا: 3 / 375، نقلا عن مصباح الظلام.
1. فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 2 / 413.
1. ذخائر العقبى للحافظ محبّ الدين الطبري: 252; مجمع الزوائد: 9 / 36 ونشير إلى أنّ جملة «أنت رجاؤنا» في الشطر الأول جاءت في هذا المصدر هكذا: «كنت رجاءنا».
|