الشيعة في المملكة العربية السعودية
 الجزء الأول

العهد التركي 1871 ـ 1913
الجزء الأول مؤسسة البقيع الاحياء التراث الطبعة الأولى 1413 ـ 1993م
حمزة الحسن  

بسم الله الرحمن الرحيم
 (لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) النساء ـ 148

تقديم

لا يقصد من هذا البحث المطول لأحوال الشيعة في المملكة العربية السعودية ولمدة تزيد على 120 عاماً، خلال عهدين متلاحقين ((العثماني والسعودي))، لا يقصد منه المقارنة بين هذين العهدين، رغم ما ورد في ذلك من الاشارات الكثيرة. ولا يناقش الكتاب قضايا فكرية ـ عقائدية، وإن جاء ذلك في مواضع قليلة محددة وبصورة سريعة للغاية.
ولا يهدف الكتاب إثارة قضايا طائفية أكل الدهر عليها وشرب، تزيد في الفرقة، وتضع المزيد من الحواجز بين أتباع الدين الواحد والوطن الواحد.
والكتاب إنما خًصص للدفاع عن المواطنين الشيعة في المملكة، فلأنهم الفئة الأكثر حرماناً واضطهاداً في المجتمع السعودي.. حيث أدى الحرمان والإضطهاد إلى خلق تواترات أمنية مزمنة، أن لها أن تنتهي، وأن لطلاب الإصلاح من أبناء الوطن الاهتمام بجذرها ومعالجته إذا كانوا يعملون فعلاً من أجل بناء وطن يشعر فيه كل أبنائه بالأمن والطمأنينة والاحترام.
إن قضية التمييز الطائفي في البلاد، كان يجب أن تكون محط اهتمام كل المخلصين والعاملين من أجل رفعة الوطن، وكان من المفترض أن يدافع هؤلاء عن أبناء وطنهم وجلدتهم، من أجل مصلحة الجميع.. إلا أن هذا لم يحدث مع بالغ الأسف، إلا في حدود ضيقة للغاية، بل انخرط بعض المثقفين في مشروع السلطة الطائفي، وتجاهل البعض الآخر الموضوع، حتى لا يورط نفسه في مشاكل سياسية مع النظام، ولكن كانت هناك مجموعة من أبناء الوطن رفضوا التمييز الطائفي وحاربوه جهد امكانهم، بل ودفع بعضهم ثمن موقفه ذاك. بديهي إن الانتماء إلى طائفة لا يجعل المرء طائفياً، فالطائفية ليست مجرد انتماء، وإلا أصبح كل إنسان في المملكة ـ بل وفي كل مكان من العالم ـ طائفياً.
كما أن دفاع المرء عن طائفته التي إنتمى إليها بحكم الوراثة أو بحكم التبني والاقتناع بفكرها، ليس أمراً معيباً، خاصة إذا كانت تلك الطائفة تتعرض لشتى اصناف القهر والإذلال.. الا إذا كان القصد من ذلك الدفاع، هضم حقوق المواطنين الآخرين، مادياً ومعنوياً.. وهذا الكتاب لا يتبنّى هذا النوع من الدفاع. بل يدعو إلى معاملة المواطنين على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، بغض النظر اليها المواطن، هو الذي يجعل من الإنسان طائفياً.
وقد حرص الكتاب على ايضاح معالم سياسة التمييز الطائفي التي ينتهجها الحكم السعودي ضد المواطنين الشيعة، ودعا إلى إلغاء تلك السياسة التي أحدثت توترات داخلية شديدة، وأثرت على الاوضاع الامنية في أهم منطقة من مناطق المملكة.
إن دفاع المواطن عن طائفته التي تتعرض للأذى، هو دفاع عن النفس، باعتباره احد افراد تلك الطائفة، وهذا امر طبيعي جداً لان (المواطنة) في المملكة أخضعت منذ وصول العائلة السعودية إلى الحكم لمعيار مذهبي.. فالمواطن الصالح بنظر تلك العائلة، هو ذلك المواطن الذي يتخلى عن هويته المذهبية لصالح هويتها هي، أما من يتمسك بهويته فلا يوثق به، ولا يحق له حتى مجرد المطالبة بحقوق المواطنة. من خلال هذه الرؤية، جرى التعامل مع العديد من ابناء الوطن، فنزعت حقوقهم الدينية والوطنية، خاصة الشيعة، الذين اعتبروا رغم اغلبيتهم في مناطق النفط ذوي قيمة كميّة ضئيلة.
والغريب ان العديد من اركان النظام الطائفي في المملكة يعتبرون دفاع الشيعة عن انفسهم ودعوتهم لإلغاء سياسة التمييز المنتهجة ضدهم عملا طائفياً، فاصبح ضحايا التمييز الطائفي، والذين يمارسون الطائفية بالقول والفعل ومن مركز القرار، وهم في موقع المسؤولية الوطنية.. اولئك الذين يعتبرون انفسهم جنودا في الحرب الطائفية التي اشعلوها، خدمة لمصالح فئة أو عائلة.. اولئك الذين يملكون وسائل الاعلام، واسلحة القتل، وأموال النفط، ويحتكرون الفتيا والتحدث باسم الدين.. أولئك وحدهم هم الوطنيون الوحدويون!!. لقد أعدّ هذا الكتاب من أجل تحقيق غرضين اساسيين:
الأول، التعريف بالمواطنين الشيعة في المملكة، تاريخا وثقافة وهوية.. لأنهم رغم كثرتهم أُريد لهم ان يكونوا مجهولين داخل وطنهم وخارجه، لا يكاد يحسّ بهم أو يعرفهم أحد، وكأنهم غير موجودين أصلاً في هذه البلاد، وكان المطلوب منهم تسيير الصناعات النفطية في مناطقهم بصمت، حتى لا يصيب الحرج حكومة العائلة المالكة حين يقال بأن عدداً كبيراً من رعاياها هم من الشيعة.
والهدف الثاني: تسليط الأضواء على معاناة الشيعة في ظل الحكم الحالي القائم على تصورات طائفية.. والدعوة إلى مساواة المواطنين، واحترام خصوصية كل فئة ومذهب في أقاليم المملكة المختلفة في التاريخ والثقافة والعادات والطباع والاقتصاد بل وفي المناخ أيضاً. وفي ختام هذا التقديم أود التنبيه إلى حقيقة انه رغم وجود خاصية لكل إقليم من اقاليم المملكة، والتي توحدت رسمياً قبل ستين عاماً تقريبا..
فان النزعة الانفصالية ضعيفة ولكنها موجودة، يساعد على ذلك السياسات الحكومية نفسها، فالمضطهد لكونه من الحجاز أو لأنه ينتمي إلى مذهب التشيع في الشرق، قد لا يشعر باحترام للكيان السياسي القائم، الذي لا يحترم خصوصيته، أو الذي يريد أن يلغي تلك الخصوصية بالقوة والجبر.. ومن حق المواطن أن يخشى على وحدة البلاد، يخشى أن يكون السيف الذي وحدها هو نفسه الذي ينفخ فيها الروح الانفصالية، ويجري كل ذلك تحت السطح، فاذا ما ارتفع سلطان القهر الذي يعتبر عامل التوحيد الأول والأخير، قد يكون مالنا مثل مآل الامبراطورية الروسية أو الدولة اليوغسلافية.
كلنا نعي حقيقة ان الوحدة افضل من الانفصال.. ولكن الوحدة التي تعرض حقوق شريحة واسعة من السكان إلى الخطر والضياع، لا ينظر اليها باهتمام، وتتفشى في المضطهدين الروح الانفصالية.. وهذا بالقطع موجود في مناطق الشيعة والحجاز، وربما في مناطق اخرى من المملكة..
وليس هناك من حلول للقضاء على مثل هذه الروح الآخذة بالانتشار إلا بالقضاء على عوامل التذمّر وأن يكون توحيد المصالح والنفوس أهم من توحيد الأراضي بالقوة.. ومن هنا ينبع خطر ما تجره سياسة التمييز الطائفي والمناطقي الحكومية.. إنها تجرنا إلى التشرذم وتؤجج في نفوس مواطنينا الروح الجاهلية الانفصالية، رغم ان العائلة المالكة لا تزال تفاخر بأنها حققت الوحدة بالسيف، ولكن ألم يأن لهذا السيف أن يوضع في غمده، قبل ان يتحول ضدّ السيّاف نفسه؟ لقد أن لبلدنا أن تعيش روح التسامح، وأن لها أن تعزّز وحدتها وفق تلك الروح، حتى نصل بالوحدة إلى أرقى مستوياتها فيشعر كل مواطن بأنه محترم، فيحرص على حفظ الكيان كله، بعد أن يرى أن مصالحه مرتبطة بمصالح الآخرين.
حمزة جعفر الحسن 12 / اكتوبر / 1991

                                          التالي