الشيعة في المملكة العربية السعودية
 الجزء الأول

الهوية، التاريخ، السكان

إن تواجد الشيعة في المملكة العربية السعودية أصبح اليوم من الظواهر الشديدة الإثارة التي فرضت نفسها على الباحثين والدارسين، خاصة خلال الخمس عشرة سنة الاخيرة.
وبعد ان كان الشيعة في المملكة اقلية لا تثير إهتمام أحد، بل لم يكن يشعر بوجودها الاقربون فضلا عن الأبعدين، وبعد أن كان الاستغراب والدهشة يصدمان العديد من الناس حول أصل وجود هذه الاقلية في بلد تحكمه اقلية مذهبية أخرى، بدأ العالم ومنذ نوفمبر 1979، أي بعد انتفاضة الشيعة ضدّ الاضطهاد الموجّه اليهم، يتابع تحرّكهم ويدرس أحوالهم وظروفهم ـ وعلاقة ذلك بالاضطراب السياسي وتأثيراته المستقبلية على كيان المملكة بشكل عام.
وفي خضم هذا التوجّه والاهتمام المتزايد أُثيرت الكثير من المسائل المتعلقة بوجود الشيعة في أهم منطقة في المملكة، ليس حول معتقداتهم، وإنما حول اساس تواجدهم ومناطق سكناهم وتاريخهم وظروفهم وأحوالهم اليوم، وعلاقاتهم بالسلطات الحاكمة التي تعاقبت على حكم مناطقهم. إن الاجابة على مثل هذه التساؤلات يبدو أمراً ضروريا للغاية، وان تمّ بصورة سريعة، نظرا لان واقع أي شعب، مرتبط بتاريخه وتراثه الثقافي والفكري.
 

تاريخ التشيّع في المنطقة

التشيع كمذهب ليس جديداً فيما يعرف اليوم بالمنطقة الشرقية في المملكة ((الاحساء والقطيف))، باتفاق جميع من ارّخ لها من الماضين والمعاصرين، ولكنهم اختلفوا في تحديد المدّة التي دخلها التشيّع، هل في عهد الرسول صلى الله عليه وآله أم في عهد الإمام علي بن أبي طالب، حيث يرى الشيعة ان التشيّع كان معروفا في عهد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وأن العديد من الصحابة عرفوا بموالاتهم للإمام علي، ويعتقدون أن أوّل من بذر بذور التشيّع فيما عرف قديما بمنطقة البحرين، والتي كان تشمل (أوال والخط وهجر، والمعروفة اليوم بإسم البحرين والقطيف والأحساء على التوالي).. هو الصحابي الجليل أبان بن سعيد بن العاص الأموي، الذي ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله البحرين مسئولا عن بيت المال، وكان بأن من الموالين للإمام علي، فغرس بذور التشيّع في المنطقة، وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله لم يبايع أبان أبا بكر بالخلافة حتى بايع الإمام علي نفسه، وتشير بعض الروايات التاريخية إلى ان سبب عزل أبان عن منصبه بعد وفاة الرسول مباشرة يعود، إلى موقفه هذا. بيد أن المؤرخين الآخرين يقولون بأن التشيّع لم يكن معروفاً حتى خلافة علي ابن ابي طالب، وان منطقة البحرين ((القديمة)) إعتنقت التشيع في عهده، وانها شاركت الامام في حروبه كلها (الجمل وصفين والنهروان).
وأياً كان الامر، فان التشيع ليس جديدا على هذه المنطقة، وانما عمره يزيد على اربعة عشر قرنا، ويثبت المؤرخون لهذه المنطقة ان رجالها من الصحابة والتابعين والشعراء كانوا من الشيعة، وهم اكثر من ان يذكروا. منهم على سبيل المثال: الصحابي الجليل حُكيم بن جبلة العبدي، وقد تولّى امارة السند في عهد الخليفة عثمان بن عفان، وكان مشهورا بالشجاعة والولاء، واستشهد في معركة الجمل (الاصغر) هو وابنه، واتباعهما بعد ان رفضوا نزع البيعة من الامام، وقد ذكره الامام علي في تبرير قتاله للخارجين عليه بقوله: ((.. قتلوا شيعتي، وقتلوا أخا ربيعة العبدي، رحمة الله عليه في عصابة من المسلمين، قالوا لا ننكث كما نكثتم، ولا نغدر كما غدرتم، فوثبوا عليهم فقتلوهم ـ إلى أن قال ـ فقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي، ودماء قريب من ألف رجل من شيعتي، فقتلتهم بهم. ومن رجال الشيعة الذين نبغوا من هذه المنطقة، زيد بن صوحان العبدي، وقد قُتل يوم الجمل، وكان أحد سادات الشيعة في المنطقة، وسبق أن قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ((زيد ما زيد؟! تسبقه يده إلى الجنّة ثم يتبعها جسده)).. فكان كما قال صلى الله عليه وآله.. وقد وقف الإمام علي عليه عند مقتله وفيه رمق، فقال: رحمك الله يا زيد، فلقد كنت خفيف المؤونة، كثير المعونة. فرفع زيد رأسه وقال: وأنت رحمك الله يا أمير المؤمنين، ما علمتك إلا بالله عليما، وفي أم الكتاب عليّاً حكيماً، وأن الله في صدرك لعظيم، والله ما قاتلت معك على جهالة، ولكني سمعت أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله)، فكرهت أن أخذلك فيخذلني الله تعالى. ومن الصحابة، صعصعة بن صوحان العبدي، أسلم على عهد رسول الله، وكان من سادات عبد القيس وخطبائهم المفوهين، قاتل مع الامام علي في معاركه، واستشهد اخواه سيحان وزيد في الجمل، توفي في عهد معاوية وقيل ان الاخير قتله غيلة. ومنهم التابعي صحار بن العياش العبدي، شهد مع الامام علي جملة مواقعه.. وكذلك حويرثة بن سميّ العبدي، وقدامة بن مسروق العبدي الذي استشهد مع الامام علي في صفين.. ومنهم الصحابي الجليل عمرو بن المرجوم العبدي، كان ابوه احد رؤساء عبد القيس في الجاهلية، قاتل مع الامام في الجمل وصفين، وكان من أوائل المجيبين لدعوة الامام لقتال معاوية، كانت له وقفة مشهودة قال فيها مخاطبا الإمام علي ((وفق الله أمير المؤمنين، وجمع له أمر المسلمين، ولعن المحلّين القاسطين، الذين لا يقرأون القرآن، نحن والله عليهم حنقون، ولهم في الله مفارقون، فمتى أردتنا صحبك خيلنا ورجلنا)). ومنهم الحارث بن منصور العبدي الذي شهد صفين مع الامام علي، والحارث بن مرّة العبدي، الذي كان قائد الميسرة في صفين، وهو الذي غزا الهند سنة 39هـ بعد ان استأذن الإمام في ذلك. ويذكر المؤرخون أن قبائل الشيعة في البحرين (الاحساء والقطيف والبحرين الحالية)، وهي قبائل ربيعة (عبد القيس وبكر بن وائل)، كانت من أشد الانصار لعلي، ولذلك كان يعتمد عليها في حروبه اكثر من أي قبيلة أخرى.. وذكروا ان الامام علي كان لا يعدل بها أحداً من الناس، كما كان كثير الثناء عليها، ومن جملة مديحه لها في صفين قوله لرؤسائها: أنتم درعي ورمحي.. أنتم انصاري ومجيبو دعوتي، ومن أوثق حيّ في العرب في نفسي.. ووصف الإمام علي رايات ربيعة (عبد القيس وبكر بن وائل تحديداً) بأنها رايات الله.. وكان الإمام قد رأى رأيات خفاقة فقال: لمن هذه الرايات؟ فقالوا: هذه رايات ربيعة. فقال: بل هي رايات الله، عصم الله أهلها وصبّرهم وثبّت اقدامهم.. وفي صفين أُعجب الإمام بزحف حامل راية ربيعة الحمراء (الحضين بن منذر) فقال:

إذا قيل قدّمها حضين تقدّما
 حمام المنايا تقطر الموت والدما  

لَمَن راية حـمراء يـخفق ظلّها
ويدنو بها في الصفّ كيما يديرها

وليس هناك من شكّ في أن الغالبيّة العظمى ـ على الأقل ـ من سكان الاحساء والقطيف كما البحرين الحالية، كانوا شيعة موالين لأهل البيت منذ عهد الإمام علي، وقد استمرّ تشبّثهم بولائهم هذا بعد وفاة الامام وسيطرة الامويين على الحكم والذين حاولوا ترسيخ اقدامهم في المنطقة، الا انهم فشلوا في ذلك لكثرة المناوئين لهم، ولنزوح الكثير من المعارضين للحكم الاموي إلى تلك المنطقة سواء من الحجاز أو من العراق أو غيرها.. ومن الثابت ان منطقتي الاحساء والقطيف كانتا بؤرة معارضة للدولة الأموية حتى إنحلالها واستيلاء العباسيين على الخلافة. وكما حدث للأمويين، فان العباسيين اهملوا اقليم البحرين لاضطرابه، وكانت ولايتهم عليه إسمية، وقد اتخذ العباسيون المنطقة منفى للمعارضين، ربما لكثرة المعارضة فيها، ولم يكن لهذه المنطقة في نهاية القرن الثالث الهجري أي علاقة بالخلافة العباسية. وفي هذه الفترة سيطر القرامطة على المنطقة، وأمعنوا في الشيعة قتلاً وتحريقاً على النحو الذي وصفه شاعر الشيعة ابن المقرب العيوني:

وصيروا الغرّ من ساداتها حمما 

وحرقوا عبد قيس في ديارهم

واستطاع العيونيون الشيعة في سنة 466هـ إنهاء حكم القرامطة والاجهاز عليهم، وحكموا المنطقة نحو 170 عاماً. وإلى هنا فان معظم سكان المنطقة من الشيعة، وقد بقوا كذلك في عهد الدويلات المتعاقبة كبني عقيل وآل عصفور وآل جروان وآل جبر وآل مغامس.. وحين زار ابن بطوطة المنطقة لاحظ شيعيتها ـ بغضّ النظر عن موقفه المذهبي المعادي ـ، فقد قال: ((ثم سافرنا إلى مدينة القطيف، وهي مدينة كبيرة حسنة ذات نخل كثير، يسكنها طوائف العرب، وهم رافضية غلاة، يظهرون الرفض جهاراً لا يتّقون أحداً ، ويقول مؤذنهم في اذانه بعد الشهادتين: اشهد أن علياً وليّ الله، ويزيد بعد الحيعلتين: حيّ على خير العمل.. ويزيد بعد التكبير الأخير ـ أي بعد الانتهاه من الأذان: محمد وعليّ خير البشر، من خالفهما فقد كفر)) . كما اشار ابن بطوطة إلى هجر فقال ان بها من النخيل ما ليس ببلد سواها، وان اهلها عرب، اكثرهم من قبيلة عبد القيس ابن افصى.
جهاراً لا يتّقون أحداً ، ويقول مؤذنهم في اذانه بعد الشهادتين: اشهد أن علياً وليّ الله، ويزيد بعد الحيعلتين: حيّ على خير العمل.. ويزيد بعد التكبير الأخير ـ أي بعد الانتهاه من الأذان: محمد وعليّ خير البشر، من خالفهما فقد كفر)) .
كما اشار ابن بطوطة إلى هجر فقال ان بها من النخيل ما ليس ببلد سواها، وان اهلها عرب، اكثرهم من قبيلة عبد القيس ابن افصى.

ــــــــــــــــــــ
تحفة المستفيد في تاريخ الاحساء القديم والجديد، الشيخ علي آل عبد القادر، ص 301.

السابق                                           التالي