تدويل الأراضى المقدسة فى الحجاز بين التأويل السياسى والتنزيل الدينى

 

لقد مثلت الدولة العثمانية المرجعية الدينية والسياسية برعايتها للأماكن المقدسة فى مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وظلت مصر الولاية العثمانية تتولى إرسال كسوة الكعبة ، كما يقوم البناؤون والمعماريون المصريون بتوسعة الحرم المكى والمسجد النبوى وطبعاً ذلك بإشراف السلطان العثمانى ، ففى عهد السلطان سليمان القانونى فى سنة 972هـ ، جدد سطح الكعبة المشرفة وفرش المطاف وأهدى المسجد منبراً رخامياً مطعماً بالمرمر ، وأنشأ المدارس الأربع فى الجهة الشمالية كما أقام منارة عظيمة الارتفاع .
 غير أن أهم عمارة فى عهد الأتراك كانت تلك التى تمت فى عهد السلطان مراد عام 984هـ ، وضعت خطة معمارية تحت إشراف أحمد بك كتخدا حيث حلت القباب محل السقف الخشبى، واقتضى الأمر إقامة العديد من الأعمدة الرخامية .
وفى عهد السلطان عبد المجيد العثمانى قرر عمل عمارة جديدة للمسجد النبوى الشريف التى بدأت سنة 1265 هـ واستغرقت نحو 13 سنة وانتهت فى سنة 1277 وفيها زيدت مساحة المسجد 1294 متراً ، فأصبحت مساحة المسجد 10303 أمتار مربعة .
 وكانت تلك العمارة للمسجد النبوى من أضخم العمارات التى أجريت منذ أن أسسه
الرسول صلى الله عليه وسلم وقد استخدمت القباب عوضاً عن السقف الخشبى ، وزخرفت القباب بصورة طبيعية ، وأقيمت الأعمدة الرخامية تحمل عقوداً مزينة بالزخارف الجصية ، وتحمل العقود قباب المسجد .
 (6) الأبعاد السياسية العثمانية فى رعاية مكة والمدينة ظل ديدن كل الدول التى فرضت سيطرتها على الحجاز أن تقوم بعمارة الحرمين الشريفين لكى يذكر لها المسلمون هذه الرعاية فتنال شرعية دينية تواكب وتعزز الشرعية السياسية فى حكم باقى الولايات التى تتشكل منها الدولة الحاكمة ، ولم تشذ الدولة العثمانية عن هذا التوجه الدينى لتكتسب منه الدعم السياسى ، وبالفعل فإن العمارة العثمانية فى مكة المكرمة ومدينة الرسول (ص) كانت من أكبر العمارات فى التاريخ الإسلامى عموماً ، ومع ذلك فإن الدولة العثمانية بعد أن حكمت مصر وامتد نفوذها وسيطرتها على الحجاز ثم احتدمت الحروب بينها وبين الدولة الصفوية ، كانت تلك الحروب حروباً سياسية أضفى عليها الطابع المذهبى لتخفى الأطماع السياسية ، فانتشرت الدعاية التشويهية ضد الشيعة ، ومنع شيعة إيران من الحج فى سنوات احتدام المعارك ، ولم تخفت هذه الحملة الا عندما تولى نادر شاه دولة فارس (إيران) وتحسنت الأوضاع بين الدولتين ، ولكن ظل المعيار المذهبى يفرض نفسه على السياسة العثمانية .
شيعة العراق على الأخص ظلوا متهمين من قبل الدولة العثمانية ، ذلك أنهم أكثرية أهل العراق ، ولكنهم أقلية قليلة ضمن دولة الخلافة ، فكانوا يتهمون بالموالاة لايران ، فكانوا يهاجمون أو يمنعون من الحج أثناء احتدام الصراع .
لكن ذلك خفت بعد ضعف الدولة العثمانية وبعد أن أطلق عليها رجل أوروبا المريض ، فالدولة البريطانية استطاعت أن تحتل الموانىء فى شبه الجزيرة العربية فى عدن وهرمز والكويت وأن تفرض سياستها على الدولة العثمانية حتى فيما يتعلق بالسيطرة على الحجاز نفسه خاصة أثناء بروز الدولة السعودية الأولى والتى سنتحدث عنها فى المحور الثانى .
الذى يعنينا فى ذلك أن الأهواء السياسية والطموح السلطانى بالإضافة إلى الانحيازات المذهبية كان ومايزال لها وجود فى رعاية وخدمة الحرمين الشريفين ، وهو ما رأيناه واضحاً فى كل الدول التى حكمت تلك المنطقة المقدسة .
المحور الثانى : الرعاية السعودية للأماكن المقدسة ..
رؤية نقدية يشكل عام 1744م منعطفاً تاريخياً فى الحدود الزمنية والمكانية لشبه الجزيرة العربية بشكل عام ، وما يحيط بها من دول وكيانات سياسية ، ففى ذلك العام حدثت التحالفات بين محمد بن عبد الوهاب الشيخ النجدى ومحمد بن سعود أمير الدرعية حيث تمت عملية الاتحاد والمؤازرة بين الدين والسياسة فى الجزيرة العربية ليستفيد كلاهما بحسب اهتمامه وأهدافه ، فقد كان صاحب الدعوة مهتماً بنشر فكره ، أما حليفه صاحب الدرعية فهّمه يتعدى إلى الحكم وبسط السلطة على أكبر مساحة ممكنة بالمنطق الدينى نفسه والعنوان الأيديولوجى المرفوع آنذاك .
 وبين التوحيد الدينى – حسب المفهوم الوهابى – والتوحيد السياسى كانت المواجهات العسكرية والدينية تندلع من حين لآخر بهدف بسط الفكر والسلطة على امتداد جزيرة العرب وتعدت الحدود فى كثير من الأوقات حيث وصلت القوات النجدية أو الوهابية إلى العراق والشام ، وكانت كل الغزوات والمعارك فى تلك الفترة تستحضر المبدأ والمنطلق الأيديولوجى فى كل تحركاتها بل تجعله هدفاً معلناً وسبباً فاصلاً للحرب والسلم ، واستمر هذا التلازم بين الهدفين استمر بقوة على مسار الحكم السعودى خلال الفترة التى استمرت حتى عام 1818 ، وهو العام الذى شهد سقوط الدولة السعودية الأولى بنهاية حكم الأمير عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود الذى أسر من قبل قوات إبراهيم باشا بن محمد على الذى قاد حملة الدولة العثمانية ضد الحركة الوهابية فى جزيرة العرب ، وانتهى بأسر الأمير عبد الله بإعدامه فى الآستانة .
 (1) ملامح الاتجاه السعودى فى الدولة الأولى تجاه الحرمين الشريفين خلال فترة الدولة السعودية الأولى تجلى الفكر الوهابى بصورة واضحة ، ذلك أن محمد بن عبد الوهاب كان يرى أن زيارة أضرحة الأولياء الصالحين نوع من أنواع الشرك ، وكان يرى أنه من الضرورى هدم هذه الأضرحة بالقوة ، وأعتقد أن الوهابية هم الفرقة الناجية الوحيدة .
 تمكن الوهابيون من فرض نفوذهم على نجد ، فكان أول ما فعلوه هو هدم ضريح زيد بن الخطاب فى بلدة الجبيلة ، كان ذلك قبل التحالف مع السعوديين ، ولكن التحالف السعودى – الوهابى قام بالزحف عام 1801م على رأس جيش من أهل نجد وبواديها إلى كربلاء بالعراق فقاتل أهلها واقتحمها ، وقتل من أهلها قرابة الألفين ، وهدم فيه ضريح الإمام الحسين ، وانتزعوا واستولوا على كل ما وصلت إليه أيديهم من كنوز كربلاء ومشهد الحسين الذى كان مزداناً بمقصورة مرصعة بالزمرد والياقوت والجواهر.
وعندما استولى السعوديون على الحجاز قاموا بفظائع ، حيث قاموا بهدم مقبرة المعلى فى مكة المكرمة ، كما هدموا قبر السيدة خديجة ، أما فى المدينة المنورة فقد هدموا الأضرحة المقامة فى البقيع ، وهدموا كل قبور أهل البيت المدفونين فيه ، هدموا قبر الامام زين العابدين السجاد والامام جعفر الصادق وأبيه محمد الباقى ، وامتد الى هدم وتدمير مسجد فاطمة الزهراء ومسجد المنارتين ، ومسجد المائدة وهو المسجد الذى بنى على المكان الذى نزلت فيه سورة المائدة على
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قاموا بهدم مساجد شهداء أحد ، وتدمير قبور حمزة ومصعب بن عمير وغيرهما من شهداء موقعة أحد ، كما دمروا مسجد الثنايا ، وهو المسجد الذى ضم ثنايا رسول الله صلى الله عليه وسلم التى كسرت أثناء موقعة أحد .
رأى الحجاج كيف تحول البقيع ومشاهد المدينة الى أطلال ، وصارت خراباً ، لا لشىء إلا لأن الوهابيين أرادوا ذلك وأرادوا إجبار المسلمين فى اعتناق ما قالوا عنه بأنه الإسلام الحقيقى.
لم يكتف سعود الكبير بما فعل بل أراد هدم قبة
الرسول صلى الله عليه وسلم ، وخشى من رد فعل مسلمى العالم ورد فعل السلطان العثمانى ، فلم يهدمها ، ولكن امتدت الأيادى الوهابية إلى الحرم النبوى ، فقد أمر سعود خدم الحرم النبوى بأن يخبروه عن خزائن حجرة النبى ، فرفضوا ، فجلدهم بالسياط وحبسهم وعذبهم حتى أخبروه ودلوه عليها ، وفيها تاج كسرى أنوشروان الذى غنمه المسلمون منذ أيام معركة القادسية ، وكذلك سيف هارون الرشيد ، وعقد من الذهب للسيدة زبيدة ، ويذكر الجبرتى فى تاريخه أن سعود الكبير أخذ السجاد الذى فى المسجد النبوى وقناديل الذهب ، ثم ادعى أنه باعها وصرفها على الفقراء ، ولكن ما حدث هو أن أتباع ابن سعود تناهبوا هذه الكنوز ووزعوها على أنفسهم كغنائم حرب .
وقام الوهابيون بإجبار المسلمين لاعتناق مذهبهم ، بل رفضوا دخول الحجاج العراقيين والايرانيين عام 1220 هـ فقد حسبوهم كفار ولا يقربوا الأماكن المقدسة وفى عام 1221 هـ منع الحجاج الشاميين ، وفى عام 1222 هـ منع الحجاج المصريين والمغاربة .