|
اقتصر الحج على الوهابيين فى الجزيرة العربية ، فقد خشى أصحاب باقى المذاهب من الحج أن يتعرضوا للإيذاء على أيدى هؤلاء الذين يدعون أنهم يتقربون إلى الله بقتل الأبرياء من المسلمين لا لشىء إلا لمخالفتهم فى المذهب رغم أن الجميع مسلمون ، لذلك لم يحج أهل نجران (شيعة اسماعيلية) وأهل الإحساء والقطيف (شيعة إمامية) ، وأهل اليمن (شيعة زيدية) وأهل عسير (من المتصوفة) ، أما أهل الحجاز ومعظمهم شافعية المذهب فقد أخفوا عقيدتهم وامتنعوا عن الحج خشية القتل من الوهابيين الذين كانوا يسألون الناس عن اعتقادهم فى التوحيد ، ومن لا يقل بما جاء فى كتاب التوحيد تعرض للإيذاء وربما للقتل .
ولذلك كانت نهاية الدولة الأولى نهاية مأساوية حيث تم تدمير الدرعية تدميراً تاماً وقتل الأمير فى الآستانة .
ثم قامت الدولة العثمانية بتعمير وتشييد ما هدمه الوهابيون فى مكة والمدينة ، فقاموا ببناء الأضرحة من جديد ، وترميم المساجد التى دمرها الوهابيون .
(2) الدولة السعودية الثانية
يقول المؤرخ جون فيلبى فى كتابه "
تاريخ نجد " : " إن الحافز السياسى لا الحماس الدينى هو الذى أوجد الامبراطورية السعودية خلال حكم تركى وفيصل " وهى الفترة التى تسمى الدولة السعودية الثانية والتى بدأت حقيقة على يد الأمير تركى بن عبد الله عام 1820 ، أى بعد سقوط الدولة الأولى بعامين ، وانتهت فى عهد الأمير عبد الله بن فيصل عام 1884 ، وقد خلت هذه الدولة من أى نشاط دينى أو إصلاحى إذا ما استثنينا تنظيم (هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) الدينية الرسمية ، لأن أفراد الأسرة السعودية كانوا مشغولين باستعادة ملك آبائهم فى البداية ، ثم شغلوا بالنزاعات البينية على الحكم فى منتصف الفترة ليصل الحكم إلى يد آل الرشيد معلناً نهاية الفترة السياسية السعودية الثانية .
وفى تلك الفترة لم يكن للمؤسسة الدينية ذلك الدور القيادى الذى مارسته إبان الدولة السعودية الأولى ، ورغم وجود أبناء وأحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب مؤسس الحركة (ومن ضمنهم حفيدة عبد الرحمن الذى عاد من مصر عام 1825) ضمن مؤسسات الحكم وهم يمارسون نشاطهم فى مجالات الدعوة والقضاء ، إلا أن المؤسسة الدينية لم تكن فى وضع يسمح لها بتجاوز حدود النشاط الدينى والمراقبة ، وهذا ما عناه جون فيلبى فى وصفه للدولة السعودية الثانية ، فلم تتجاوز الدولة خلال هذه الدولة حدود نجد ، وانحسر نشاطها السياسى فى الصراع على الأرض النجدية سواء بين أفراد الأسرة أو بينهم جميعاً وبين أسرة آل الرشيد .
وظل الحجاز بعيداً عن سيطرة السعوديين ، وربما كان ذلك من ضمن أسباب الانهيار السريع للدولة الثانية .
عموماً كانت موارد الدولة الثانية السعودية من أنشطة مختلفة من ضمنها الذهب الذى أخذوه من المدينة المنورة أو من كربلاء ، وذلك الذى خلص إليهم بعد النهب الذى قام به أتباعهم .
(3) الدولة السعودية الثالثة
يمكن اعتبار المرحلة الثالثة للصعود السعودى صعود للمؤسسة الدينية باعتبارها ضمن المؤسسات العامة التى تمكنت تسييس السلطة الدينية فى اطار الأهداف الملكية المحافظة .
واجهت الكيان الجديد فى قلب الجزيرة العربية عدة أحداث سياسية وعسكرية منذ قيامها أو صعودها عام 1902 ، إلا أن أخطر ما واجهه الملك عبد العزيز هو النقد والعصيان الصادر من جهات دينية وكانت أبرزها بل أخطرها مع قيادات " الإخوان السعوديين " وهم الذين حاربوا مع عبد العزيز تحت رايات دينية ومعهم بعض الشخصيات الدينية المحلية ، إلا أنه تمكن عام 1929 فى معركة " السبله " الشهيرة من حسم الصراع معهم وقتل أو أسر زعماء الاخوان وأهمهم الشيخ الدويش .
وقد استثمر الملك عبد العزيز نصره على الاخوان وفرض قراراته على المنهزمين التى أعلنها فى وجود عدد من العلماء المقربين منه ومنهم الشيخان العنفرى وابن زاحم ، ومن أبرز تلك القرارات " أنه لا يسمح بعقد اجتماعات لمناقشة الدين أو المسائل الدنيوية بدون موافقة من الملك " ، وقد استمر ذلك القرار منهجاً متوارثاً ومقراً به من القيادات والمؤسسات الدينية السعودية المتعاقبة ، كما أنه شكل أساساً عاماً للعلاقة المقبولة لدى السلطة بالمؤسسة الدينية .
كان الخلاف بين الاخوان والملك عبد العزيز خلافاً بين متطرف والأشد تطرفاً ، كان الاخوان يرون فى تنامى علاقات الملك عبد العزيز السياسية مع الدول الأجنبية خاصة بريطانيا خروجاً على الدين ، كما كانوا يرون فى استيراده للمنجزات العلمية الحديثة نوع من الردة ، فقد اعتقد الاخوان الهاتف والراديو من البدع الحديثة ، وأن عبد العزيز يسلك سلوك الكفار .
ولكن وعلى المستوى النظرة إلى الحجاز ، فقد توحدت نظرة ابن سعود والاخوان فقد اعتبر الجميع ان غيرهم من المسلمين مشركون ولو كان شركاً خفياً ، ولما استطاع عبد العزيز حكم الحجاز حتى اعتبر حكمه استقر بشرعية دينية ، قام بتنفيذ الايديولوجية الغارقة فى السلفية ، فتم هدم أضرحة البقيع ، وقبر السيدة خديجة رضوان الله عليها ، وهدم البيت الذى ولد فيه
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة المكرمة ، لم يفرق السعوديون حتى بين الأثر التاريخى والأثر الدينى ، فقاموا بمحو كل ما يشير إلى وجود أماكن مقدسة فى مكة والمدينة ، فمثلاً سدوا غار حراء الذى كان يتعبد فيه
النبى (ص) قبل البعثة ، ولو تمكنوا من هدمه لهدموه ، ولكن الغار فوق جبل حراء ، ولأنه لا يمكن هدم الجبل ، اكتفوا بسد الغار بصخرة كبيرة ، وهو ما حدث فى غار ثور ، وعند الأبواء حيث قبر السيدة آمنة أم
رسول الله (ص) وهى فى الطريق بين مكة والمدينة .
(4) عمارة السعوديين للحرمين الشريفين
استمرار للنهج التراثى فإن السعوديين منذ الملك عبد العزيز قاموا بتوسعة الحرمين الشريفين، ففى عهد عبد العزيز تم توسعة الحرم المكى بعد أن ضاق بالحجاج وزوار البيت العتيق لاسيما وقد انتشرت المنازل حول الحرم الشريف كما جعل الطرق المؤدية إليه عبارة عن أزقة وحوارى ضيقة يجد الذاهب إلى البيت العتيق مشقة وعناءاً فى سلوكها ، كما لم يكن حال المسعى أفضل من ذلك ، ففصلت المبانى بينه وبين الحرم ، واخترقه الطريق فقامت على جانبيه الحوانيت وارتفعت فوقهما المساكن ، وقطع الباعه المتجولون قدسيه المسعى ، واختلط قاصد العبادة بقاصد الدنيا ، فتم إزالة البيوت وتوسعة المسجد ، ودامت التوسعة خلال عصر الملك عبد العزيز فى عصر الملك عبد العزيز فى عصر الملك فيصل ، واستمرت فى عهد الملك فهد .
وحدث مثل ذلك فى المدينة المنورة حيث وسع مسجد
رسول الله (ص) شملت المسجد النبوى ومسجد قباء ومسجد القبلتين ،واستمرت التوسعة من أول عهد عبد العزيز وحتى عهد الملك فهد .
كما قامت الأسرة السعودية بتوسعة وتمهيد الطرق بين المشاعر المقدسة فى مكة المكرمة شملت منى والمزدلفة ، كذلك توسعة الطرق بين مكة والمدينة .. وكان للطفرة النفطية أثراً كبيراً فى الانفاق المستمر على الحرمين الشريفين .
(5) السيطرة السعودية على الحرمين الشريفين .. العودة للتدمير من جديد
بعد أن ذكرنا باختصار ما قام به السعوديون فى تعمير الحرمين الشريفين ظل السعوديون على قناعتهم أنهم يمثلون الإسلام الحقيقى ، أو أنهم يمثلون الإسلام نفسه بحكم إشرافهم على الأماكن المقدسة ، وقد قاموا بخطوات لترسيخ اقناع المسلمين بهذا المفهوم نلخصها فى الآتى:
أ – ما أن قام السعوديون بالسيطرة على الحجاز عام 1925 بعد معركتهم مع الاشراف ،اعتبروا المسلمين فى الطائف كفار يستحل قتالهم وقتلهم وسبيهم ، يقول أمين الريحانى : ان الوهابيين كانوا يقتلون فى سبيل السلب ، استنكر الملك عبد العزيز ما فعلوه ، ولكنه لم يحاسبهم بل ظلوا يقومون بما يفعلوه .
أما فى مكة المكرمة قتلوا إمام الشافعية الشيخ الزواوى ، وأبناء الشيبى ، أما سادن الكعبة الشيخ عبد القادر الشيبى فقد أنقذ نفسه بحيله طريفة حيث بكى أمام
الاخوان ، وقال لهم : اننى أحمد الله لأننى أموت مسلماً بعد أن ظللت كافراً حتى اليوم ، فتركوه وعانقوه وهنئوه بالإسلام من جديد !! |