|
المحور الثالث :
التدويل بين التأويل السياسى والتنزيل الدينى
من عرضنا السابق فى المحورين الأول والثانى يتضح أن سلطة المملكة العربية السعودية على الحجاز بأماكنه المقدسة أعطته قداسة دينية وشرعية سياسية ، وأسهم التدفق النفطى على المملكة لتبشر بالوهابية داخل المملكة وخارجها ، فقامت بدعم أنشطة جماعات أنصار السنة، ومولت جماعة الاخوان المسلمين فى مصر وباقى البلدان المتواجدين فيها ، كما بنت المساجد فى البلاد الإسلامية الفقيرة ، فوجدت صدى لدعوتها خاصة وأن حجاج بيت الله الحرام من العوام يرون توسعات الحرم المكى والمدنى اعتقدوا بأن السعوديين يمثلون الإسلام ، لأنهم لا يعرفون خلفيات المشهد الدينى / السياسى لمذهب المملكة الذى ذاع وانتشر وكان نواة حركات التطرف والارهاب والقتل على أسس عقائدية .
كل هذه الأسباب جعلت الأصوات المنادية بتدويل الأماكن المقدسة تخفت وسط الهالة الدعائية السعودية ، ربما الصوت الوحيد الذى طالب بهذا التدويل هو
العقيد معمر القذافى .
واذا أضفنا علاقة المملكة التاريخية بالولايات المتحدة الأمريكية واعتمادها على التسليح الأمريكى منذ عهد الملك عبد العزيز ، وما تملكه أمريكا من ضغوط هائلة على معظم الدول الإسلامية يمنعها من مثل هذه المطالبة ، وهذا يتفق بطبيعة الحال مع الأنظمة التى تحكم الدول الإسلامية ، فأغلبها أنظمة تتشابه مع النظام السعودى ولها علاقات طيبة معه ، هذا يضاف إلى رصيد المملكة الداعم لشرعية سيطرتها وإداراتها على الأماكن المقدسة .
فمثلاً عندما نجحت الثورة الإسلامية فى إيران ، أفتى الامام الخمينى بصحة صلاة المسلمين الشيعة خلف إمام الحرم المكى أو المدنى ، وفتوى الامام الخمينى انطلقت من الحرص على وحدة المسلمين وعالمية الثورة الايرانية ، ولكنها كذلك خدمت الاتجاه السعودى فى الحفاظ على مكانته وادارته للأماكن المقدسة فى الحجاز .
التداعيات الدولية
جاءت أحداث الحادى عشر من سبتمبر / أيلول عام 2001 ضد برجى التجارة فى نيويورك ومبنى البنتاجون فى واشنطن لتضرب الاستقرار الأمريكى الذى ظن قادته أن الاعتماد على الأنظمة الاستبدادية يخدم أهدافها فى المنطقة العربية والإسلامية .
وأدت هذه الهجمات إلى قيام الولايات المتحدة الأمريكية بالهجوم على أفغانستان والعراق واحتلال أراضيهما ، وقام نخبة من المثقفين الأمريكيين بمخاطبة علماء المملكة عن الفكر الذى تعتنقه الجماعات التى ضربت أمريكا ، هل هو الإسلام ، وإذا لم يكن الإسلام ، فما هو هذا الفكر؟ والحقيقة أن علماء المملكة لم يستطيعوا الاجابة المنطقية على هذا السؤال ، ربما لأن المذهب الوهابى هو الذى يتبنى المنهج الخارجى (نسبة إلى الخوارج) والذى يستبيح دم المخالف فى الرأى أو الاعتقاد ، وعلى العموم أدت الهجمة الأمريكية على المنطقة إلى ضعف القبضة النظامية فى المملكة وباقى الدول الإسلامية .
فى السعودية خفت الضغوط نوعاً ما عن الشيعة فى المنطقة الشرقية وفى منطقة نجران حيث يسود المذهب الشيعى الاسماعيلى ، كما ظهر اتجاه شبه ليبرالى فى الأوساط الثقافية السعودية، وزادت الضغوط السعودية على العلماء الذين اشتهروا بالفتاوى القاسية على المخالفين فى الرأى ، أدى هذا جميعه إلى مناداة البعض بضرورة تغيير اسم المملكة ، فليس من المنطقى أن تسمى دولة على اسم مؤسسها ، فهذا قد يصلح فى العصور الوسطى حيث كانت الدول تسمى باسم أجداد مؤسسيها مثل الدولة الأموية والعباسية والعثمانية ، ولكن فى هذا الزمن لا يصلح مثل هذا المفهوم ، وطالب البعض بإطلاق اسم مملكة شبه الجزيرة العربية ، أو مملكة الجزيرة ، أو غيرها من الأسماء الجغرافية التى تدل على المنطقة .
وبسبب تلك التداعيات السياسية الدولية ، جاءت الدعوة لتدويل الأماكن المقدسة فى الحجاز ، وهذه الدعوة تقوم لعدة أسباب منها ما يلى :
1 – الإسلام له عدة مذاهب هى المذاهب السنية الأربعة والمذهب الشيعى الامامى والزيدى بالإضافة إلى المذهب الأباضى ، وجميع هذه المذاهب تستقى من القرآن الكريم ومن السنة النبوية الشريفة كل حسب تفسيره للقرآن ، ومدى صحة الأحاديث من وجهة نظر الآخذين بها، وهى على العموم تشترك فى الأصول الثابتة مثل شهادة
أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول والصلاة والزكاة والصوم والحج والإيمان بالغيب والملائكة والرسل السابقين
.
ومن هنا فإن فرض وجهة نظر واحدة على مهبط الإسلام وأصله أمر ينافى منطق الرسالة الإسلامية ، وحجر على المذاهب الأخرى خاصة وأن الوهابية تختلف مع كل المذاهب السبعة، أى أنها تعمل على منابذة الجميع عندما قامت بهدم الآثار المقدسة التى سار عليها النبى الكريم وآله وأصحابه وزوجاته وبناته ، من الأمور التى يجب الوقوف ضدها ، والعمل على إعادة الأماكن المقدسة التى هدمت إلى سابق عهدها ورد الاعتبار إليها ، وهذا لا يتأتى إلا بإشراف إسلامى عام على الأماكن لتستمر قدسيتها ويستطيع المسلمون على اختلاف مذاهبهم إدارتها والإشراف عليها .
2 – من الناحية الجغرافية ليس من الضرورى أن تكون للسلطة السعودية وجودها الدائم ، ويمكن أن يكون للحجاز شبه حكم ذاتى له سلطة مستقلة وموارد اسلامية متجددة ، وذلك لخلاص رابطة العالم الإسلامى مثلاً من الهيمنة السعودية الوهابية ، فلقد ظل الحجاز حتى وهو تحت السيطرة العثمانية شبه حر ومفتوح أمام المسلمين ، صحيح أن الدعاء للخليفة العثمانى كان يمنحه شرعية الحكم ، ولكن ظل الحجاز مفتوحاً أمام جميع المسلمين لزيارته أو الاقامة فيه لمن يريد الاستقرار الدائم بجوار الحرمين الشريفين ، وكانت المذاهب السنية الأربعة ممثلة فى الحرم المكى والحرم المدنى ،كما كان الشيعة عموماً – رغم التضييق فى بعض الأموال – يؤدون مناسك الحج دون أن يرغمهم أحد فى التخلى عن مذهبهم أو الطعن فيه، فضلاً عن الإيذاء والسجن أو الإبعاد أو المنع من الدخول ، وهذا لا يمكن إلا فى ظل سلطة إسلامية عاملة تمثل كل المسلمين تمثيلاً صحيحاً .
3 – من الناحية الدينية يمكن لمكة المكرمة أن تكون عاصمة روحية لكل المسلمين ، عاصمة روحية بمعنى أن تكون فيها المرجعيات الدينية على اختلاف مذاهبها ، ومن هذه المرجعيات يمكن تكوين مرجعية دينية واحدة تقوم بالعمل على وحدة المسلمين المذهبية ، شريطة أن يكون هؤلاء العلماء من خارج المؤسسات الدينية الرسمية فى البلاد الإسلامية حتى لا تكون للخلافات السياسية آثاراً على هؤلاء العلماء ، وليس فى ذلك عودة إلى سلطة الفقهاء على النهج البابوى الكاثوليكى فى الفاتيكان ، ولكن وجود المراجع الإسلامية فى مكة أو المدينة بإشراف إسلامى عام يكون مقدمة للتقارب بين المسلمين .
أى الخروج بصيغة التوفيق بين التنزيل الدينى والتأويل السياسى ، فلا يستبد الحكام بالمسلمين بفتاوى علماء السلطة الذين يبررون المظالم ويروجون لطاعة السلطان حتى لو جاء إلى السلطة بدون أى شرعية سياسية .
اقتراحات التدويل :
ثمة بعض المقترحات الهامة للتدويل الاسلامى لمكة والمدينة منها :
1 – أن تقوم كل دولة إسلامية بالإشراف على الحج كل عام بالتناوب فيما بينهم ، وهو اقتراح صعب التحقيق ، لأن الإشراف معناه أن يكون للدولة سيطرة على الشرطة والجيش والأمن، وهذه كلها لا تتحقق الا للسعودية لأنها جغرافيا وتاريخيا تسيطر عليها وشرطتها وجيشها هو الذى يتواجد فى مكة والمدينة ، ووجود سلطة غير سعودية يكون أوامرها ملزمة لن تتحقق كما يريد أن يقنعنا من يقول بعملية تناوب الاشراف .
واقترح البعض أن تأتى الدولة المشرفة بالشرطة والجيش عندها وتقوم هى بالانفاق والاشراف، وهذا نوع من المستحيلات ، فكيف يأتى أفراد من الشرطة أو الجيش من إحدى الدول الإسلامية لتقوم بالانتشار فى أراضى لم تستقر عليها الا لبضعة أشهر ثم العودة ، ليعود شرطة من دولة أخرى وهكذا .
هذا الى جانب أن المشكلة التى من أجلها حدث التناوب ستظل قائمة ، فكل دولة ستحاول أن تروج لمفهومها الدينى والسياسى أثناء موسم الحج ، لتنتقم الدولة الثانية من الأولى إذا حدث ما يستوجب هذا الانتقام مثل النيل من
المذهب أو الترويج للنظام ، وهنا نرى هذا الاقتراح غير عملى لأنه غير منطقى . |