|
2 – يقترح آخرون أن يستقل الحجاز سياسياً ، أى يكون دولة مستقلة له حكومة مستقلة ، ولا بأس أن تنضم هذه الحكومة للجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامى وهيئة الأمم المتحدة ، وهذا الاقتراح سيجد صعوبات حقيقية ، منها كيف يستقل الحجاز ، وهل سيكون أهل الحجاز أنفسهم هم قادة الدولة أو مشكلى نظامها ، وإذا حدث هذا فسيكون لهذه الحكومة المستقلة اتجاهها المذهبى كذلك سواء استمر الفكر الوهابى أو أى فكر غيره يعتقد أنه الفرقة الناجية الوحيدة ، كما أن مثل هذه الدولة لن تكون بعيدة عن الأثر
السياسي والمذهبي للدولة السعودية بحكم الجغرافيا ، كما ستحدث مشكلة موارد تلك الدولة المستقلة ، هل ستقوم المملكة بالتمويل لأن الحجاز أصلاً فقير فى موارده الطبيعية ، أم سيكون التمويل من الدول الإسلامية مجتمعة بحصص محددة تقوم كل دولة بدفعها إلى الحكومة المنتظرة .
وهذه المشكلة رغم أنها أسهل المشاكل لكنها على كل حال ستأتى بنفوذ الذين يدفعون أكثر من غيرهم ، وقد تتعقد المشاكل ويتوقف التمويل إذا انحازت الحكومة لأحد المذاهب أو لإحدى الدول .
ولكنه على العموم اقتراح أسهل من الاقتراح السابق ، كما انه ليس الاقتراح الوحيد للرد على سابقه.
3 – هناك اقتراح ثالث يتلخص أن يكون للحجاز سلطة سياسية روحية بعيدة كل البعد عن الأنظمة الإسلامية ، أى يتم اختيار العلماء لهذه الدولة لتكون محل إقامة وسكن دائم ، على أن يكون هؤلاء العلماء ممن تنطبق عليهم شروط الاجتهاد ، وهم فيما نعرف ربما لا يصل عددهم إلى العشرين أو الثلاثين عالماً من كل المذاهب ، وهؤلاء العلماء ينتخبون من أنفسهم من يحكم الحجاز على أساس أنه مهبط الإسلام وأصله .
وهذا الاقتراح قد يؤدى إلى ما يشبه سلطة الفاتيكان بما فيه من كهانه وكهنة وسدنه وكهنوت، والإسلام ليس فيه من هذه الأشياء أى شىء ، فالإسلام يمكن اعتباره دين جماهيرى ليس فيه أسرار أو كهانه أو تقليد ، فكل إنسان له حق الاجتهاد فى حدود امكاناته الدينية والعقلية ، وإذا لم يستطع يمكنه تقليد أحد العلماء ، وهو ما يحدث فى كل المذاهب ، ولكن ذلك لا يعنى عصمة العلماء .
إن مثل هذه الحكومة مهددة بالتحول إلى المفهوم الأيديولوجى للكهانة الدينية ، ولا يحبذه الكثيرون .
4 – وهناك اقتراح يجمع بعض ما فى المقترحات الثلاثة ، وهو أن يكون للحجاز سلطة سياسية مستقلة بأى نوع من أنواع الاستقلال ، وتكون هذه السلطة إدارية فقط تشرف وتدير المشاعر المقدسة وتخدم الحجيج جميعاً ، ولا تمنع مسلماً من دخول الأراضى المقدسة وتطلق الحرية للمسلمين فى الالتقاء والحوار والمناقشات العلمية وذلك بإشراف السلطة السياسية التى لا تنحاز لأحد،وهو اقتراح قد يبدو عمليا ، ولكن تبقى بعض المشاكل مثل من يحكم الحجاز، هل الحجازيون أم يكون من خارج بلادهم وكذلك وموارد الدولة وغيرها من الأمور السياسية.
لكن من الممكن ان يكون الحجازيون هم أهل السلطة ، أما مجالس الشورى فإنهم يكونون ممثلين للدول المختلفة والمذاهب المتعددة ، كما يمكن حل مشكلة التمويل عبر وجود إيرادات دائمة إما بحصص من الدول الإسلامية ، أو بدفع اشتراكات مستحقة على كل دولة فى مواسم الحج .
التدويل .. الفكرة المنتظرة:
على العموم فإن كل الاقتراحات يمكن دراستها فى منظمة المؤتمر الإسلامى أو فى رابطة العالم الإسلامى ، وإرسال هذه الاقتراحات الى المؤسسات الدينية فى الأزهر والزيتونة والنجف الأشرف وغيرها من الجامعات والمؤسسات الدينية لمناقشتها ووضع الاقتراحات العملية لها .
ولكن كل ذلك مرهون بقبول الدولة السعودية لمناقشة هذه الاقتراحات من الأصل أو حتى التفكير فى اعلانها ؛ يساعدها فى ذلك معظم الأنظمة الإسلامية حتى وغير الإسلامية ، كل حسب برامجه السياسية وطاقاته الدينية وغير الدينية
.
ورغم شبه استحالة ذلك ، فإن التفكير فيه ثم الجهر به ، ومناقشته فى الحوزات العلمية والمنتديات السياسية والجامعات الدينية يؤدى إلى تشكيل قوة ضاغطة على الأنظمة المختلفة لطرحه على مائدة النقاش .
الطريق طويل وصعب ، ولكنه غير مستحيل ، وهو إحدى الوسائل لكبح الاستبداد والانفراد السعودى على الأماكن المقدسة ، وأهم البدائل لوحدة المسلمين الفكرية والدينية المذهبية والسياسية لذلك .
وهو من أهم يستحق عناء التفكير والبحث والدراسة وبذل المال والجهد ، لأنه مشروع الإسلام نفسه.
|