المؤلف: ســــــالم القحطاني - ثروات آل سعـــــــــود أين تذهب عائدات النفط السعـودي ؟




- دولة أرامكو .

   ما تزال شركة " ارامكو " منذ عقود طويلة ، تشكل دولة داخل الدولة ، وتعتبر من أهم مراكز صنع القرار في مملكة آل سعود ، ليس على الصعيد الإقتصادي فحسب بل وعلى الصعيدين السياسي والعسكري أيضا .
ورغم أن شركة آرامكو ، قد تنازلت شكليا عن قسم كبير من حقها في أسهم هذا المشروع الضخم لصالح دولة آل سعود ، إلا أن حجم هذا التنازل وشروطه وسعره ما تزال من أسرار العلاقة الغامضة التي تربط بين آل سعود وشركة ارامكو .
تحتكر شركة ارامكو حقوق استخراج وتكرير وتسويق النفط المستخرج من مملكة آل سعود وتقدر بعض المصادر حجم التوظيفات السنوية لشركة ارامكو في السعودية بحوالي عشرين مليار دولار . واللجوء إلى التقديرات في هذا الموضوع الخطير ناجم عن عدم توفر أرقام رسمية معلنة حول حجم تلك التوظيفات ، حيث إن عقود التوظيفات للشركة يتم إبرامها بعقود سرية بين العائلة الحاكمة وشركة آرامكو .
ومنذ مطلع الثمانينيات تم توقيع ، اتفاق بين ارامكو و آل سعود لإ نجاز مشروع عملاق وقد اعتبرته أوساط عديدة " أكبر مشروع نفطي عالمي " ويتعلق بجمع ومعالجة الغاز المرافق للبترول المستخرج من آبار السعودية ، وقدرت بعض الأوساط كلفة ذلك المشروع بعشرين مليار دولار " وهو يمنح ارامكو حق التحكم بكميات النفط والغاز المستخرجة من الحقول السعودية ، حيث يشترط أن لا يقل الإنتاج الخام للمملكة عن 8,5 مليون برميل يوميا من أجل استخراج كمية من الغاز تكفي لتغذية المجمعات البتروكيميائية
وهي فروع لشركة " ستاندرد اويل اوف كاليفورنيا " وقد منحها عبد العزيز آل سعود عام 1933 امتياز التنقيب عن النفط في جزيرة العرب ، وفي عام 1943 ، تم تحويل هذا الفرع في السعودية إلى شركة باسم " اربيان أميركان اويل كومباني " واختصار
( ارامكو ) .التي تديرها وتشرف عليها وتملك غالبية أسهمها شركة ارامكو وقد تم تخطيط ذلك المشروع والمباشرة بتنفيذه بناء على توصيات خاصة من المستشارين الأميركيين الذين أصبحوا يشكلون قيادة الظل لمملكة آل سعود .
وتحتفظ الولايات المتحدة بحصة الأسد من السوق السعودي ، حيث إن 20 بالمائة من المستوردات المدنية السعودية مصدرها الولايات المتحدة ، ولكن عند إضافة المستوردات العسكرية السعودية ، والتي لا تسجل عادة في الإحصاءات الرسمية ، رغم أن قيمتها تقدر بعشرات المليارات سنويا ، فان حوالي 60 بالمائة من إجمالي واردات المملكة السعودية تأتي من الولايات المتحدة ، وهو ما يفسر حرص الأميركيين على مواصلة رفع سقف الإنتاج النفطي السعودي ، لتغطية الأثمان المتزايدة للصادرات الأميركية للسعودية
أكثر من 250 شركة أميركية ، ومنها شركات صناعية عملاقة تتقاسم معظم العقود ، في القطاعات المفصلية كالدفاع والكهرباء ، والبترول ، والغاز وصناعة الحديد ، والبتروكيماويات .
وتعتبر ارامكو هي الذراع التنفيذية للولايات المتحدة على الصعيد الاقتصادي ، فهي تشبه أخطبوطا أسطوريا تمتد أذرعه العديدة لتمسك المفاصل الإقتصادية الهامة كافة للقطاع العام . كما أنها تدير عشرات الشركات والمؤسسات الكبرى في القطاع الخاص .
ومنذ مطلع عقد التسعينيات من القرن الماضي ، توسعت المملكة في مجال استيراد الأسلحة لتطوير أجهزة الأمن الداخلي وجهاز الحرس الوطني الذي يقوده ولي العهد السعودي عبد الله بن عبد العزيز وذلك بحجة زيادة التهديدات على أمن مملكة آل سعود ، وقد حلت السعودية في هذا المجال محل إيران الإمبراطورية فاحتلت المكان الأول بين زبائن الولايات المتحدة من مستوردي السلاح الأميركي .
وتحتل السعودية المكان الأول في العالم من حيث مستوى النفقات على الأمن بالنسبة لكل فرد حيث تنفق مملكة آل سعود على الأمن ما يعادل 2600 دولار لكل فرد من السكان في مقابل 520 دولارا للفرد في الولايات المتحدة (2) .
ويقدم آل سعود هذا الواقع كحافز أساسي لزيادة كميات النفط المستخرجة ، وذلك لتغطية صادرات الأسلحة التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات سنويا دون الإعتراف بأن التهديد الحقيقي الذي استوردت هذه الأسلحة لمواجهته هو التهديد الداخلي الناجم عن تراكم تجاوزات آل سعود ومظالمهم المرتكبة بحق شعب الجزيرة العربية ، وخوفهم المتزايد من نقمة هذا الشعب وانتفاضته ضد تسلطهم وقمعهم ونهبهم المتزايد لثروات البلد ومقدراته .
ويبتدي دور شركة ارامكو في كل التطورات السابقة في أنها تتولى عملية الإستخراج والتصدير ، وبالتالي فهي تحرص على استخراج وتصدير أكبر كميات ممكنة من النفط السعودي لزيادة حصتها من الأرباح ، والنهب الذي تتقاسمه مع العائلة الحاكمة ، ولذلك تقوم ارامكو نفسها بالتوسط لعقد المزيد من صفقات الأسلحة لصالح آل سعود من أجل استنزاف الاحتياطي النقدي المتوفر في البلد ليظل باستمرار مضطرا إلى رفع سقف إنتاجه النفطي وإرادته المتزايدة من الأسلحة الأميركية .
فحسب تقديرات أوساط حكومية سعودية ، فإن المملكة تخصص سنويا بين 20 –30 مليار دولار من عائدات النفط لشراء المواد والتجهيزات ، وللتدريب وللإنفاق على القوات المسلحة ، بما في ذلك الحرس الوطني ، وللسخرية في كل هذا الوضع أن خبراء البنتاغون يقدرون أنه في كل الحالات لا يمكن الدفاع عن المنشآت النفطية في المملكة إلا بإرسال قوات أميركية .
لكن ما هو أكثر سخرية ، أن تقديرات الأميركيين أنفسهم تشير إلى أن الجيش الذي يقوم آل سعود بتحديثه وتطويره يشكل مصدر الخطر الرئيس على نظام حكمهم . فمنذ أواخر عقد السبعينيات من القرن الماضي ، أبدى الأميركيون مخاوفهم الجدية من أن يقدم ضباط أحرار في الجيش الذي أنشأه آل سعود بانقلاب يؤدي إلى الإطاحة بهم .
وقد كتب ج . كيغان ، الرئيس الأسبق لاستخبارات سلاح الطيران الأميركي ، في تقريره إلى الكونغرس : " إن إحدى السمات الأساسية للأنظمة الرجعية في العالم العربي ، والتي تعتمد عليها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية هي عدم استقرارها . وإذا كان هناك مكان في العالم مهيأ للثورة فهو عالم الأنظمة العربية المحافظة " وفي رأيي فإننا نشهد خلال العقد أو العقدين القادمين سقوط نظام السعودية على يد ألوف الضباط السعوديين الشباب الذين يجري الآن تدريبهم عندنا وفي أوروبا الغربية ، والذين سيعودون بعد أن اطلعوا على القيم الديمقراطية إلى أحد أعتنى البلدان الاستبدادية في العالم .
إذن ، فلم يكن الهدف من زيادة صادرات السلاح إلى مملكة آل سعود يهدف إلى مواجهة التهديدات الحقيقية التي تستهدف النظام السعودي ، أو التهديدات الوهمية المتعلقة بخطر الاتحاد السوفيتي السابق على أمن دول النفط ، كما كانت تروج الدوائر الأميركية " بل كان الهدف الحقيقي هو استنزاف عوائد النفط بمشتريات ضخمة من الأسلحة التي لا يحتاجها الشعب في جزيرة العرب ولا تحقق الأمن لنظام آل سعود ولا تلغي الأخطار الحقيقية التي تواجهه ، وخاصة من قبل الشعب المضطهد والمحروم من ثرواته في دولة تعتبر بحق من أغنى دول العالم .
ولا تزال السياسة النفطية لآل سعود والقائمة على إغراق السوق العالمي بفائض الإنتاج ومواصلة البيع بأسعار متدنية ، لا تزال هذه السياسة مستمرة ، بل إنها ازدادت إيغالا وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر / أيلول 2001 وإسقاط النظام العراقي واحتلال العراق من قبل القوات الأميركية .
لقد زاد الوجود العسكري الأميركي على أراضى الجزيرة العربية وفي مياه الخليج وداخل العراق من هيمنة الولايات المتحدة على نظام آل سعود ، بقدر ما زاد من سيطرة شركة ارامكو على القرارات المتعلقة بإنتاج وتسويق النفط السعودي . فبعد الارتفاع غير المسبوق لأسعار النفط العالمية في شهر أيلول / سبتمبر 2004 ووصوله إلى تخوم الـ 50 دولارا للبرميل تدخلت السعودية مجددا ومارست شتى الضغوط على الدول الأعضاء في منظمة أوبك لحملها على زيادة إنتاج المنظمة بهدف تخفيض الأسعار .
وفي اجتماع أوبك الذي عقده في 15 أيلول / سبتمبر من عام 2004 ، طلبت السعودية من الدول الأعضاء رفع سقف إنتاج المنظمة من 26 مليون برميل يوميا وأعلن على النعيمي وزير السعودي عن رغبة حكومته بخفض أسعار النفط إلى ما دون 40 دولارا للبرميل قائلا :
" إن السعودية وأوبك لا تريدان سعر 40 دولارا للبرميل " واعتبر النعيمي أن : " أوبك تنتج أكثر من سقفها الإنتاجي بنحو مليوني برميل يوميا ، بسبب حاجة السوق إلى هذه الكميات الإضافية " وفي حقيقة الأمر ، فان دول الأوبك كافة تنتج أقصى طاقتها من النفط حيث إن إنتاجها الرسمي البالغ 10,5 مليون برميل يوميا لا يمثل سقف إنتاجها مما يعني أن السعودية هي التي تنتج مليوني برميل يوميا فوق معدل إنتاجها الرسمي .
إضافة إلى ذلك ، وبالنظر إلى الظروف الأمنية المعقدة التي يعيشها العراق تحت الاحتلال الأميركي ، وبسبب تعرض أنابيب النفط العراقية لعمليات النسف والتدمير بصورة يومية ، فإن السعودية تقوم بتغطية النقص الناتج عن التوقف المتكرر لإنتاج النفط العراقي وعن الإنخفاض العام في معدل الإنتاج اليومي للنفط العراقي والذي هبط من 3,5 مليون برميل يوميا إلى أقل من 1,2 مليون برميل ، وهذا يعني أن السعودية تقوم فعليا بإنتاج كميات تتراوح بين 14.5 – 13 مليون برميل يوميا .
وعشية انعقاد مؤتمر أوبك في فيينا ، أعلنت السعودية عن بدء الإنتاج في حقلين جديدين هما أبو سعفة وقطيف ، وتبلغ طاقتهما الإنتاجية 800 ألف برميل يوميا .
وقد أعلن وزير النفط السعودي ، بلغة تهديد مبطنة لبقية أعضاء أوبك لحملهم على القبول بزيادة الإنتاج وتخفيض الأسعار : " سنزيد الطاقة الإنتاجية للنفط في المملكة ، وسنضيف إليها الطاقة الجديدة ، من حقلي قطيف وابوسعفة إذا كانت هناك حاجة لذلك" .
الفصل الثاني عائدات النفط السعودي في جدة ، المدينة السعودية على البحر الأحمر ، يوجد اثنتان وثلاثون ناطحة سحاب ، مصطفة الواحدة منها بجانب الأخرى .
إنها بنايات جميلة لامعة وجديدة تشتمل على حوالي ألفى شقة سكنية ومكاتب ومراكز تجارية ، ومساحات للاستراحة ، وحتى ملاجئ ضد الغارات الجوية .
لقد كلفت تلك البنايات خزينة الدولة أكثر من مليار دولار ، ولكنها بعد مضي ربع قرن على بنائها ، ما تزال فارغة .
الفقراء من سكان مدينة الصفيح القريبة من المباني الجديدة رفضوا الإنتقال للشقق الفخمة في هذه المباني والتي تبلغ سعة الواحدة منها 220 مترا مربعا ، والسبب بسيط فهم لا يملكون المال لدفع الأقساط الشهرية لهذه الشقق والذي يبلغ ألف دولار شهريا أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الدخل المتوسط للأسرة في تلك المنطقة ، وكذلك فإن هذه البنايات ذات الشقق العديدة لا تتناسب مع نمط حياة المواطن السعودي الذي يرغب عموما بالسكن في بناء منفرد لا يشاركه فيه أحد انسجاما مع أخلاقه وعاداته التقليدية .
هذا النموذج يعد مثالا على عشرات المشاريع الإنشائية الكبرى في مملكة آل سعود ، والتي تقوم بتنفيذها شركات أميركية تجني من ورائها مئات الملايين من الأرباح الصافية ، كما يتقاضى أمراء آل سعود عشرات الملايين من الدولارات كعمولة على كل مشروع منها ، دون أي اعتبار لمدى استفادة شعب الجزيرة العربية من هذه المشاريع التي تقدم صورة ، ولو جزئية عن كيفية تصرف آل سعود بعائدات النفط الضخمة .
التبذير والضخامة ، والسعي إلى مظاهر التنمية الشكلية الخادعة ، هو ما يميز غالبية المشروعات التنموية في مملكة آل سعود والتي تهدف أساسا إلى خلق انطباع كاذب لدى المشاهد بأن المملكة تشهد طفرة تنموية كبرى ، وأنها توظف أموال النفط لتطوير حياة الشعب وازدهاره .
النموذج الأكثر بروزا لهذا التوجه السعودي يتجسد في مطار جدة الجديد فهو أوسع بمرة ونصف من مطارات نيويورك ( كيندي ولاغوارديا ) وشيكاغو ولوس أنجلوس مجتمعة . الأبراج والأبنية المكيفة تماما ، والأرض والجدران المغطاة بالمرمر الأبيض من إيطاليا ، وأبنية المطار المجهزة بإنشاءات تقنية عالية والمحاطة بالجوامع وبأحواض السباحة ، وبساحات للسيارات وبالفنادق والمتاجر الضخمة ( السوبر ماركت ) وبالمطاعم
والبنوك ومحطة لتحلية المياه وبغابة صناعية تحتوي على 27 ألف شجرة و 2,5 مليون نبتة مستوردة جميعها من بلدان استوائية .
لقد جهز مطار جدة لاستقبال عشرة ملايين مسافر عام 2005 ومثله مطار الرياض الذي أعد بنفس مستوى الفخامة لاستقبال 15 مليون مسافر في أما مطار رواسي الأضخم والأكثر بذخا فقد أعد لاستقبال مليون مسافر في السنة ، ولكن من أين ستأتي كل تلك الملايين من المسافرين ، والى أين سيذهبون ، ما دام عدد الحجاج السنوي إلى مكة إضافة إلى المعتمرين لا يزيد عن ثلاثة ملايين شخص سنويا ؟ .
وإذا كنا لا نجد إجابة منطقية لهذا السؤال ، فلا شك أننا نجد في تلك المباني والمطارات المبالغ في ضخامتها وبذخها جوابا على سؤال أكثر أهمية : أين تذهب أموال النفط السعودي ؟ . كل المشاريع فيها احتياطي ضخم وخيالي للمستقبل جهزت المرافئ بتسهيلات أعلى بـ25 بالمائة مما هو ضروري للمواصلات البحرية في ذروة كثافتها ، ووفق أعلى التقديرات . وضو عفت مساحة جدة العمرانية بخمسة أضعافها ، مع أن الكثافة السكانية ضعيفة أصلا في المدينة . الفنادق يتم بناؤها بأعداد خيالية ، علما بأن مملكة آل سعود ليست بلدا سياحيا ولا بلد ترانزيت المشروعات الصناعية التي تم إنشاؤها أنفق عليها المليارات من الدولارات بينما ينقص البلد السكان واليد العاملة ، والفنيون المؤهلون والأسواق أي ينقصها المبرر الحقيقي لإنشاء مثل تلك المشاريع التي لم تعد بالفائدة على شعب الجزيرة ، بل على الشركات الإنشائية الأميركية وعلى الأمراء من آل سعود الذين يهمهم بالدرجة الأولى أن يتقاضوا عمولاتهم على كل مشروع ، ثم لا يعنيهم بعد ذلك مصير تلك المشاريع ، مدى استفادة الشعب منها . اكبر مشروع في تاريخ الإنسانية ، حسب مصطلحات الإعلام السعودي كان المباشرة منذ مطلع الثمانينيات في إنشاء مجمعين ضخمين للصناعات الحديدية والبتر وكيماوية الأول في ينبع على البحر الأحمر والثاني في جبيل على الخليج العربي . تكلف المباشرة في هذين المشروعين مبالغ خيالية فالمخططات الورقية للمشروعين تكلفت بحدود خمسة عشر مليار دولار كما تطلبت المباشرة في الإنشاءات استجلاب ثلاثين ألف مهندس فني وتقني وعمال من أربعين بلدا . وتزيد الكلفة الإجمالية للمشروع عن مائة مليار دولار ، ولا تتوقف الأجهزة الإعلامية عن الإشادة بالمشروع الصناعي الأسطوري ، وعن منجزات الملك فهد في مجال البناء والاعتمار وتشييد المشاريع الكبرى ، غير أن ما تتجنب تلك الأجهزة الإعلامية التطرق إليه هو : ما هي الجدوى الحقيقية لهذين المشروعين ؟ فجميع الخبراء من مختلف دول العالم أجمعوا على أن هذين المشروعين لصناعة الحديد والبتر وكيماويات غير مبررين من الوجهة الاقتصادية الصرفة ، إذ لن يكون لهما أي مردود اقتصادي وفق الأسعار الجارية لمنتجاتها في السوق العالمية ، إذ أن كلفة الإنتاج في السعودية ستكون أعلى بكثير من أسعار المنتجات في السوق العالمية ، مما يعني أن تشغيل هذين المجمعين يتطلب رصد عدة مليارات من الدولارات كخسائر سنوية دائمة . سوف يذهب معظمها للخبراء والمهندسين والفنيين والعمال الأجانب العاملين في هذين المشروعين ، أي أن هذين المشروعين لن يحققا عائدات بالعملة الصعبة للبلاد ، بل على النقيض من ذلك ستكون النتيجة نزف مليارات الدولارات إلى الخارج كأجور لعشرات الآلاف من العاملين الأجانب في هذين المشروعين .
المفارقة الغريبة ، هي أن عشرات المشاريع التي تشرف عليها الشركات الأميركية في مملكة آل سعود لم تؤد إلى تشغيل الأيدي العاملة في السعودية والتي تزيد نسبة البطالة بينها عن 12 بالمائة وفق اعترافات مسؤولين حكوميين في السعودية أواخر عام 2003 بينما تشير مصادر دولية محايدة أن نسبة البطالة بين السعوديين تزيد عن 30 بالمائة ، وخاصة بين الأكاديميين والعمال غير الفنيين ، وهي نسبة مرشحة للتزايد مع الوقت
ويعزو الكثير من المراقبين موجة الإضرابات الداخلية في مملكة آل سعود ، والتي بلغت حد الإشتباك المسلح مع قوات الأمن السعودي في العديد من المدن إلى تفاقم ظاهرة البطالة بين الشباب في السعودية . وعدم اكتراث العائلة الحاكمة بمصير عشرات الألوف من الشباب الذين يقذف بهم سنويا إلى هامش البطالة والفقر ، بينما يتوفر العمل لحوالي سبعة ملايين عامل أجنبي بينهم قرابة مليون عامل غربي غالبيتهم من الخبراء والفنيين الذين يتقاضون أجورا باهظة تعادل ثلاثة أضعاف أجورهم في بلادهم الأصلية وتبلغ خمسة أضعاف ما يتقاضاه السعودي العامل في الوظيفة نفسها . ولعل هذا ما يفسر استهداف الشباب في السعودية للشركات والمؤسسات الأجنبية العاملة في السعودية ، وخاصة شركة ارامكو التي يرى فيها السعوديون دولة داخل الدولة ، ويحملونها مسؤولية خراب الاقتصاد السعودي وهدر أموال الشعب وتقاسم ثرواته مع عائلة آل سعود .  

   يبقى الشاغل الرئيس لآل سعود هو تغيير الملامح العامة للبلاد لإظهار المملكة وكأنها ورشة للتطوير والإعمار ، و دون النظر إلى حقيقة هذه المشاريع التي تستنزف القسم الأكبر من العائدات النفطية ، دون أن يكون لها مردود حقيقي ، اللهم إلا تقديم مشهد بصري خادع حول تطور مملكة آل سعود ووجود قطاع صناعي ضخم وظيفته الأساسية أن يظهر في وسائل الإعلام وعلى شاشات التلفاز ليخفي الوجه الحقيقي لنظام حكم قبلي متخلف .
أما الفائدة الثانية التي يحققها أمراء آل سعود من تلك المشاريع الإنشائية والصناعية والخدمية ، فهو تحويل مئات الملايين من الدولارات المستثمرة في تلك المشاريع إلى حسابات أولئك الأمراء ، والتي تذهب كعمولات لتمرير تلك المشاريع وتوفير الإعفاءات والضمانات المالية الهائلة لصالح الشركات الأمريكية المستثمرة في تلك المشاريع ، ومن عقود توريد التجهيزات والآلات اللازمة لها من الخارج .  

 

التالي 

 السابق