|
منذ تأسست منظمة الاوبك وحتى يومنا الحاضر ، كانت مملكة آل سعود تشكل عنصرا غريبا بأعضاء المنظمة العالمية للنفط ، وقد تمتعت على الدوام بخصائص جعلت من السعودية الدولة الأقوى والأكثر تأثيرا في سياسة الاوبك ، غير أن آل سعود استخدموا خصائصهم وعناصر تفوقهم ضد مصلحة الدول المصدرة للنفط ولصالح الدول والإحتكارات الغربية وخاصة مصالح الولايات المتحدة .
فمن بين الدول الخمس عشرة في منظمة الأوبك تتمتع السعودية بكونها الدولة ذات الإنتاج الأعلى للنفط من بين مجموع الدول المصدرة ، وقد تراوح إنتاجها اليومي خلال العقود الثلاثة الماضية بين 8,5 – 12 مليون برميل يوميا أي ما يعادل 40 – 50 بالمائة من إجمالي صادرات أوبك ، ويصل سقف القدرة الإنتاجية للسعودية نظريا إلى 13 مليون برميل بينما لا يزيد السقف الإنتاجي لأي دولة أخرى من دول الاوبك عن ربع هذه الكمية ، الأمر الذي يجعل السعودية في وضع تستطيع فيه أن تحدد ، إلى حد كبير ، مستوى السقف العام للإنتاج الكلي للمنظمة ، وبالتالي أن تتحكم في أسعار النفط في السوق العالمي .
والى جانب القدرة الإنتاجية المرتفعة فإن السعودية تتمتع بميزة أكثر أهمية وهي أنها تحتوي أكبر احتياطي نفطي في العالم ، ورغم حقيقة أنه ليس هناك من يعرف على وجه اليقين كمية النفط التي تحتويها أراضي جزيرة العرب ، إلا أن التقدير البترولي الرسمي للإحتياطات المؤكدة يقدر أن الاحتياطي الموجود في أراضي المملكة السعودية يبلغ 173 مليار برميل ، أي ما يعادل 26 بالمائة من أجمالي الاحتياطي العالمي بما فيه روسيا ، الأمر الذي يمنح آل سعود الإطمئنان إلى أنه بإمكانهم مواصلة استخراج النفط لعقود طويلة قادمة ، دون الخشية من نفاد هذا المورد ، وذلك على النقيض من معظم بقية أعضاء الأوبك ، الذين يملكون احتياطات نفطية محدودة ويخشون من نفادها ، قبل تمكنهم من استثمارها في تطوير بلدانهم .
كذلك فإن نوعية النفط المستخرج من جزيرة العرب هي مسألة على نفس مستوى أهمية القدرة الإنتاجية والإحتياطي الضخم ، فالنفط السعودي الذي تبلغ درجته 34 يعتبر مقياسا للنفط ، فهو يمتاز بأن نوعيته ثابتة وهو في مرتبة وسط بين بقية أنواع النفط ومتوفر بكميات كافية وبسعر منخفض ، مما يجعله عاملا أساسيا في السوق العالمي .
يبقي أن نشير إلى ميزة إضافية للنفط المستخرج من جزيرة العرب ، وهي تتعلق بالكلفة المنخفضة للإنتاج ، حيث لا تزيد تلك الكلفة عن 1,2 دولار للبرميل الواحد مما يجعلها من أدنى كلف الإنتاج للنفط في العالم ، نظرا لتوفير النفط على أعماق قليلة وفي مناطق سهلية منبسطة وقريبة من مواني التصدير ، إضافة إلى ارتفاع موجودات كل بئر من الآبار العاملة ، وبالمقارنة مع بلد مثل الجزائر أو الاتحاد السوفياتي ، فإن كلفة الإنتاج السعودية تبدو منخفضة للغاية ، أما بالنسبة للنفط الأمريكي وخاصة في الاسكا ، حيث تزيد كلفة إنتاج البرميل الواحد عن 25 دولارا فإن كلفة إنتاج النفط السعودي تبدو في غاية الإنخفاض ، وهو ما يعني بالنتيجة ارتفاع صافي الربح من عائدات النفط السعودي .
|
|
كان من الممكن – نظريا – تصور أن آل سعود سيستخدمون المزايا العديدة التي يتمتع بها نفط جزيرة العرب في خدمة الشعب صاحب هذه الثروة وفي خدمة قضايا الأمة ، وفي دعم الدول العربية الفقيرة أو في تصنيع العالم العربي وتطويره استراتيجيا . غير أن آل سعود استغلوا كل تلك الميزات مثلما استغلوا وجودهم كعضو رئيس في منظمة أوبك لخدمة أهداف الغرب عموما وأسيادهم الأميركيين على وجه الخصوص .
وعلى امتداد العقود الخمسة الماضية ، سخر آل سعود نفط جزيرة العرب ضد مصالح الأمة ، ومن أجل كسب
رضي الغرب ، وألحقوا بذلك أضرارا لا تقدر ولا تحصى بالدول الأعضاء في منظمة الأوبك وغالبيتهم ينتمون إلى دول العالم الثالث ويسعون إلى
الاستفادة من العائدات النفطية لتطوير بلدانهم وتنمية اقتصادياتهم الوطنية ، أما مملكة آل سعود فرغم أنها تنتمي كغيرها من دول المنظمة إلى العالم الثالث إلا أنها وبفعل المصالح الخاصة للعائلة الحاكمة وارتباطها بالغرب الإمبريالي ، فقد كرست نفسها ومقدرات البلد لخدمة أهداف الغرب في المنطقة ، ولمعاداة الدول النامية والتقدمية ، واستخدمت النفط كسلاح في هذا الصراع الذي اختارت أن تكون فيه ضمن معسكر الغرب الرأسمالي .
فبعد الطفرة في أسعار النفط التي حدثت في أعقاب حرب تشرين ، 1973 ارتفعت العائدات النفطية للدول المصدرة للنفط ، وشهد العالم ورشة تنمية كبرى في العديد من دول الأوبك ، بلغت ذروتها في عام 24 دولارا ، بعد أن كان لا يزيد عن 3,5 دولار قبل حرب تشرين .
ولم يناسب ذلك السعر الدول الصناعية الكبرى في الغرب ، فبدأت تحوك الدسائس والمؤامرات ضد منظمة أوبك ، بهدف حملها على تخفيض أسعار النفط ، وذلك رغم حقيقة أن أسعار السلع الصناعية التي تصدرها الدول الصناعية للعالم الثالث قد ارتفعت لعدة أضعاف ، مع ارتفاع أسعار النفط .
كان نظام آل سعود هو رأس الرمح لتلك الحملة الغربية على الدول الأعضاء في منظمة أوبك وفجأة أعلنت السعودية في عام 1980 عن قرارها بزيادة إنتاجها اليومي من النفط من 8,5 إلى 10 ملايين برميل ، وكان هذا القرار يعني انهيار أسعار النفط العالمي ، وخاصة نفط دول الأوبك التي تعتمد بصورة أساسية على عائدات النفط من أجل التنمية وتلبية
الاحتجاجات الأساسية لشعوبها .
لم يكن هناك أي مبرر لإقدام السعودية على تلك الخطوة المفاجئة ، فالسعودية التي لم يكن عدد سكانها في مطلع الثمانينيات يزيد عن أربعة ملايين نسمة ، لم تكن فعليا بحاجة إلى أكثر من 4-3 مليون برميل يوميا لتغطية كامل احتياجاتها الأساسية ، فما الذي دفع أمراء آل سعود لاتخاذ ذلك القرار الخطير ؟ .
إن الجواب على هذا السؤال سياسي بصورة أساسية ، فدولة آل سعود تبدو غريبة بين الدول النامية ودول أوبك لكون العائلة الحاكمة فيها تعتبر نفسها حليفة للغرب الرأسمالي وعدوة للدول النامية كما كانت عدوة للمعسكر الاشتراكي الذي كان يقف في مواجهة الغرب ويعتقد آل سعود أن استمرار حكمهم مرهون برضى الغرب عنهم وبقدرتهم على خدمة أهدافه وسياسته في المنطقة وعلى مستوى العالم .
وقد خشي آل سعود وخاصة بعد سقوط شاه إيران ، من أن يصل الدور إليهم وأن تؤدي الأزمة التي عاناها الغرب بفعل ارتفاع أسعار النفط إلى اضطرابات إقليمية تؤدي إلى سقوطهم ونهاية تسلطهم على شعب الجزيرة لذا فقد أقدموا على تلك الخطوة لاسترضاء الغرب وتوفير النفط بأسعار مخفضة للدول الصناعية الكبرى لتحقق تلك الدول أرباحا خيالية على حساب الدول المنتجة للنفط والمستهلكة للمنتوجات الصناعية الغربية .
النتيجة الطبيعية لتلك الخطوة السعودية تمثلت في إغراق السوق العالمي بالنفط ، والى وجود فائض نفطي قدر في حينه بحوالي 2-3 مليون برميل يوميا ، وهو ما أدى إلى انهيار أسعار النفط في السوق العالمي والى كارثة اقتصادية أصابت بقية الدول المنتجة للنفط ، والتي انخفضت عائداتها النفطية إلى اقل من النصف بصورة مفاجئة ، مما أربك اقتصادياتها وجمد معظم مشاريعها التنموية .
وقد صور عدد من الكتاب الأجانب الوضع الذي نشأ في عام 1981 نتيجة الإجراء السعودي على النحو التالي " الآن وبعد سنوات كانت حافلة بعمليات قطع الإمدادات النفطية الدورية والمستمرة وزيادة الأسعار التأديبية ، فإن العالم مشبع بالتدفق النفطي ، حيث صهاريج التخزين مترعة بالنفط في كل مكان وإن أعضاء الأوبك الذين أذلوا الدول الصناعية الغربية مرارا وتكرارا وتحكموا في دفة الاقتصاد العالمي على مدى عقد من الزمن ، هم الذين يعانون الآن من الأزمة والضغط الشديدين .
وفي مؤتمر الأوبك الذي عقد في فيينا لمعالجة أزمة انهيار أسعار النفط ، الناجم عن رفع السعودية لسقف إنتاجها الرسمي إلى عشرة ملايين برميل يوميا ، وقف في ذلك المؤتمر وزير النفط السعودي السابق احمد زكي اليماني ليوجه ضربة قوية أخرى لأعضاء أوبك عندما أعلن أن بلاده قررت بيع نفطها بسعر يقل تسعة دولارات للبرميل عن السعر الذي أقرته بقية دول أوبك الأمر الذي أجبر معظم دول الأوبك على تخفيض سعر نفطها بصورة غير رسمية للمحافظة على زبائنها الذين اتجهوا بأنظارهم نحو النفط السعودي الرخيص .
لقد قدرت خسارة دول الأوبك نتيجة للقرار السعودي المتآمر لصالح الغرب أكثر من سبعين مليار دولار سنويا خسرتها الدول النامية المنتجة للنفط لصالح الشركات النفطية الكبرى في الغرب التي حققت أرباحا خيالية على حساب دول العالم الثالث المعتمدة في نموها على عائداتها النفطية بصورة أساسية .
|