|
|
|
- صقور النفط وحمائمه . |
|
كان طبيعيا أن يؤدي القرار السعودي إلى انشقاق داخل منظمة الأوبك ، حيث وقف النظام السعودي مدعوما من الغرب في مواجهة بقية الدول الأعضاء ، الذين أطلق عليهم الغربيون صفة الصقور لمطالبتهم السعودية بتخفيض إنتاجها النفطي من أجل المحافظة على أسعار النفط ، بينما أطلقوا على السعودية صفة " الحمامة " لكونها تحارب من أجل رفاهية الغرب وازدهاره على حساب الدول النامية المنتجة للنفط .
أراد السعوديون أن يفرضوا على الأوبك أن تخفض أسعار نفطها وأن تثبته عند حدود أسعار النفط السعودي ، وقد استخدموا من أجل ذلك " العصا " الغليظة ، وفق تعبيرات الصحافة الغربية ، والمتمثلة بإغراق العالم بفائض نفطي يجعل الدول المستوردة هي التي تتحكم بأسعار النفط وليس الدول المنتجة له ، وقد اتفق جميع المحللين على أن الغاية الأساسية من السياسة النفطية السعودية التي أدت لانشقاق الأوبك وانهيار أسعار النفط إنما ترجع إلى إخراج الغرب من أزمته الإقتصادية ، والمحافظة على قوة الدولار الأميركي الذي بدأت قيمته بالتراجع ، مما افزع آل سعود بالنظر إلى أن معظم ودائع العائلة المالكة محفوظة بالدولار ، إلى جانب رغبة السعودية بالسيطرة على منظمة أوبك والتحكم بأسعار النفط وتأديب الدول العربية التي شاركت عام 1973 بالمقاطعة النفطية للغرب ، وخاصة الولايات المتحدة بسبب انحيازها إلى جانب الكيان الصهيوني .
أفرزت السياسة النفطية التخريبية للنظام السعودي فوضى أسعار مع انخفاض متسارع في قيمة النفط في السوق العالمية ، وانتقل مركز القرار من الدول المنتجة إلى يد الدول الصناعية الغربية المستهلكة للنفط وقد علق " واندجايلونسكي " صاحب المجلة الأسبوعية " بتروليوم انتليجنس " : " " أنه شيء لا يصدقه العقل ، فمع أننا فقدنا عمليا دولتين من أكبر الدول المنتجة للنفط في الأوبيك وهما العراق وايران ، ( بسبب انهماكهما في الحرب ، وتضرر معظم مرافقهما النفطية – الكاتب ) فلا يزال هناك فائض كبير من النفط الخام في السوق .. وإذا ما توقفت الحرب الدائرة بين العراق وإيران وعادتا إلى الإنتاج السابق فإنهما ستضيفان فائضا جديدا إلى الفائض الكبير المتوفر حاليا في سوق .النفط العالمي .
وفي اجتماع منظمة أوبك التالي في خريف عام 1981 طالبت دول أوبك السعودية بإجراء تخفيضات على إنتاجها النفطي ، غير أن وزير النفط السعودي أصر على موقف حكومته قائلا : " لقد خططنا لهذا التدفق ونريد أن نراه مطبقا على أرض الواقع ، وذلك من أجل تثبيت الأسعار النفطية .. "
لقد وظف آل سعود النفط كسلاح ضد الدول النامية المنتجة للنفط ، وخاصة البلدان العربية مثل الجزائر وليبيا ، لكن أبشع استغلال لذلك السلاح ضد الأمة العربية تجلى في أعقاب الأزمة بين العراق والكويت لقد كانت الولايات المتحدة تبيت العدوان على العراق ، غير أن دول أوروبا وشرق آسيا المستوردة للنفط العراقي والكويتي عارضت تلك الحرب ، في البداية لخوفها أن تؤدي تلك الحرب إلى توقف وارداتها النفطية مما سيؤثر سلبا على عجلتها الإقتصادية .
وفجأة يخرج ولي العهد السعودي بتصريح غريب يعلن فيه أن بلاده تتعهد بأن لا يعاني السوق العالمي للنفط من أي إرباكات في حال اندلاع الحرب ضد العراق ، وأن بإمكان السعودية أن ترفع إنتاجها النفطي لتغطية أي نقص طارئ في كميات النفط المطروحة في الأسواق العالمية .
ونتيجة هذا القرار السعودي ، اندفعت عشرات الدول في أوروبا وشرق آسيا للمشاركة في التحالف الأميركي – الدولي للحرب ضد العراق ، بعد أن اطمأنت إلى أن وارداتها النفطية لن تتأثر نتيجة هذه الحرب .
وبالفعل فما أن اندلعت تلك الحرب حتى رفع آل سعود معدل إنتاجهم النفطي ليغطى النقص المترتب على توقف الصادرات النفطية من العراق والكويت ، لقد كان قرار آل سعود يومها مساويا من حيث تأثيره لقرار إعلان الحرب ضد العراق ، فلو لم يتخذ آل سعود، ذلك القرار لامتنعت دول كثيرة تعتمد على النفط العراقي والكويتي عن المشاركة في تلك الحرب ، وربما ما كان لتلك الحرب أن تندلع لو أن آل سعود لم يقدموا ذلك التعهد المجاني لتشجيع أميركا ودول التحالف على خوض الحرب لتدمير العراق .
وما تلا تلك الحرب لم يكن اقل سوءا ، فلم يكن بمقدور الغرب أن يفرض على العراق طوال اثني عشر عاما حصارا نفطيا وغذائيا لو لم يوافق آل سعود على استمرار تدفق النفط إلى الغرب بوتيرة مرتفعة للغاية ، تغطي النقص الحاصل نتيجة تقييد صادرات العراق النفطية ، وفق اتفاقية " النفط مقابل الغذاء " التي استمرت لأكثر من عقد من الزمن .
والأمر نفسه ينطبق على الحرب الأخيرة التي أسفرت عن احتلال العراق وتدمير مقومات الدولة العراقية ، فلا زال آل سعود يغطون بإنتاجهم الضخم النقص الحاصل في صادرات العراق بحيث يقل تأثير تدمير أنابيب النفط العراقية ، على سوق النفط العالمي الأمر الذي يمنح القوى المحتلة للعراق فرصة العمل لاستمرار احتلالها له دون وجود أي ضغوط دولية ناجمة عن حاجة الدول الصناعية للنفط العراقي .
آخر مشاهد هذا التآمر السعودي تجسد مؤخرا في مؤتمر أوبك الذي عقد في فيينا في 15 أيلول /سبتمبر 2004 ، حيث جاء انعقاد هذا المؤتمر نتيجة لارتفاع أسعار النفط في السوق العالمي ووصولها إلى تخوم 50 دولارا للبرميل ، وتفاقم الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة وتراجع قيمة الدولار الأميركي .
وكالعادة ، وقف وزير النفط السعودي على النعيمي ليعلن باسم منظمة أوبك :" أننا لا نريد 40 دولارا لقاء برميل النفط " مشيرا إلى رغبة السعودية بتخفيض أسعار النفط إلى ما دون 40 دولارا كما أبدى استعداد بلاده لدراسة تعديل الأسعار في أوبك والعودة إلى الأسعار القديمة ( 22-28 دولارا للبرميل ) ولم ينس وزير النفط السعودي أن يلوح بعصاه الغليظة لأعضاء أوبك عندما قال : " الطاقة الإنتاجية الرسمية للسعودية هي 10,5 مليون برميل في اليوم ، وسنزيد هذه الطاقة الإنتاجية ونضيف إليها الطاقة الجديدة من بئري قطيف وأبو سعفة اذا كانت هناك حاجة إلى ذلك " .
في عام 1974 وردا على قرار العرب بحظر تصدير النفط إلى الدول المنحازة للعدو الصهيوني ، قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر : " سوف نجعل العرب يشربون نفطهم " ، ويبدو أن الوزير الأميركي كان يعتمد في ذلك التهديد على حلفائه من آل سعود ، الذين أبدوا على الدوام استعدادهم للتآمر على أمتهم وخيانة مصالحها لصالح الغرب ، فقد أثبت آل سعود طوال العقود الماضية أنهم جاهزون دائما لتحويل النفط العربي من سلاح في يد العرب إلى سلاح مسلط على رقابهم .
|
|
العائلة وتقاسيم عائدات النفط |
|
ارتفعت عائدات النفط السعودي بصورة متسارعة بفعل عاملي ارتفاع الأسعار العالمي وزيادة الإنتاج السعودي فبعد أن كانت تلك العائدات تتراوح بين 30 –40 مليار دولار في مطلع التسعينيات ، فقد قفزت إلى مائة مليار في عقد الثمانينيات ، لتصل إلى حوالي 160 مليارا في عقد التسعينات ، ثم لتتجاوز المائتي مليار منذ مطلع القرن الحادي والعشرين ، وهي لا تزال مرشحة للتصاعد ، خاصة بعد أزمة النفط الأخيرة في صفر عام 2004والتي أدت إلى ارتفاع السعر العالمي لبرميل النفط إلى ما فوق حدود 40 دولارا
وبالتوازي مع العامل السابق ،فقد تزايدت الإحتياطات النقدية والودائع المالية لمملكة آل سعود في بنوك الغرب وخاصة الولايات المتحدة ،حيث تشير بعض التقديرات إلى أن ودائع المملكة قفزت في عام 2004 عن حدود الترليون دولار (ألف مليون دولار)
والأساس في توفر هذه العائدات وتضخمها يرجع أساسا إلى أن مملكة آل سعود تنتج من النفط ما يزيد عن حاجتها وما هو فوق قدرتها على استيعابه في الإقتصاد السعودي ،وذلك بسبب السياسة النفطية السعودية القائمة على إغراق السوق العالمية بالفائض النفطي لإرضاء حلفائها الغربيين وتوفير النفط لهم بأسعار مخفضة ،وذلك على حساب بقية دول الأوبك المنتجة للنفط والتي تسعى بكل السبل إلى رفع أسعار النفط لتتمكن من تلبية احتياجاتها الأساسية ومتابعة مشاريعها التنموية
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو:أين تذهب عائدات النفط السعودية الهائلة ومن هو المستفيد الأول منها ؟من الجدير بالذكر بداية ، الإشارة إلى أن الأرقام المنشورة كافة حول أسعار النفط السعودي وكمياته المستخرجة من أراضي جزيرة العرب والأسعار الحقيقية لبرميل النفط السعودي ما تزال الأسرار التي لا يطلع عليها إلا عدد محدود من أفراد العائلة الحاكمة إلى جانب مسؤولي شركة النفط ((ارامكو )) الشريك الفعلي لآل سعود في نفط جزيرة العرب ، وصاحب القرار مع آل سعود في تحديد الأسعار والكميات المستخرجة والجهات التي يصدر النفط إليها .
|
|
- حصة آل سعود . |
|
يعتبر آل سعود أن النفط المستخرج من البلاد هو ملك العائلة الحاكمة وحق حصري لأمرائها ، وأن ما يقدم من عائدات هذا النفط ( وهو قليل على كل حال ) للشعب في جزيرة العرب هو هبة من العائلة المالكة للشعب .
ويخضع تقسيم عائدات النفط لنظام دقيق وقديم تم ترسيخه منذ أيام عبد العزيز آل سعود ، حيث تتقاضى شركة ارامكو حصة تقارب نصف صافي الأرباح النفطية ( قيل وفق مصادر سعودية إنه تم تعديل هذه النسبة وتخفيضها مرتين : الأولى عام 58 حيث خفضت النسبة من النصف إلى الثلث ، والثانية في 74 حيث تم اقتسام نفقات الإنتاج مناصفة بين ارامكو والحكومة مما أدى إلى انخفاض أرباح ارامكو إلى حوالي 28 بالمائة من صافي عائدات النفط السعودي . أما بقية العائدات النفطية فهي من حق العائلة المالكة ، وهي وحدها صاحبة الصلاحية في توزيعها واستثمارها في المجالات التي تراها مناسبة وفي العادة فقد كان يتم تقاسم القسم الأكبر من هذه المبالغ الخيالية بين الأمراء من آل سعود وفق نظام حصص محدد ، يحتسب وفق قرب الأمير من الجد المؤسس ومدى نفوذه داخل العائلة غير أن ازدياد نقمة الشعب في جزيرة العرب على آل سعود ، وخاصة عقب الانتفاضات والتمردات العديدة ضدهم ، ومع ازدياد مخاوف آل سعود من زوال حكمهم ، فقد بدأت الحصة المخصصة للخدمات والتنمية داخل المملكة تتزايد سنة بعد أخرى بهدف تخفيض نقمة الشارع في السعودية ، ولإطالة أمد تسلط آل سعود على مقدرات البلد .
غير أن الحصة المخصصة للشعب السعودي ولأن هدفها الأساسي هو خدمة آل سعود وليس الشعب ، كان معظمها يخصص كرشاوى وأعطيات لشيوخ القبائل المتنفذين ورجال الدين الوهابيين الذين يوفرون غطاء شرعيا زائفا لحكم آل سعود أما ما كان يصل من هذه الأموال إلى الشعب فعلا فقد كان أقل من أن يحدث تغييرا حقيقيا في مستوى معيشته ، أو يخفف إلى حد ملحوظ من مظاهر الفقر والحرمان التي تنتشر بين أوساط الغالبية العظمى من شعب الجزيرة العربية .
النظام العائلي السعودي لاقتسام ثروة البلاد يخصص لكل أمير ، منذ لحظة ولادته مبلغا ضخما من المال ، لتأمين مستقبله ، والتوفير سبل الرفاهية له لكي يبدو كفرد جديد في العائلة المالكة المترفة .
الأموال المتجمعة في أيدي العائلة السعودية والتي تبلغ مئات المليارات من الدولارات ، توجد كودائع خاصة بأسماء الأمراء في بنوك أميركا وسويسرا وقد تم تأسيس شركة استثمارية عملاقة برأسمال يقدر بعشرات المليارات ، لتشغيل قسم من أموال العائلة المالكة وزيادة أرباحها وقد تم إسناد قيادة هذه الشركة إلى الأمير الوليد بن طلال بن عبد العزيز حيث يتجه نشاطها الأساسي نحو شراء الأسهم المالية في كبرى الشركات الغربية ، والمضاربات في أسواق البورصة العالمية ، وإنشاء مشاريع سياحية وخدمية تتمثل في عشرات الفنادق الضخمة المنتشرة في القارات الخمس ، إضافة إلى الاستثمار في المؤسسات الإعلامية الكبرى وإنشاء الكثير من محطات البث التلفزيوني للترويج لحكم آل سعود والتغني " بمنجزاتهم وتفانيهم في خدمة شعب الجزيرة وشعوب الأمة العربية والإسلامية " . ويقوم مئات الأمراء من أبناء عبد العزيز وأحفاده بالأشراف ، عن بعد ، على العديد من المشاريع الإستثمارية الضخمة داخل المملكة وخارجها ، وذلك لتشغيل ثرواتهم التي جمعوها بحكم انتمائهم للعائلة المالكة ، ولكن ولاعتبارات عديدة ، أهمها ترفع الأمراء عن إدارة الشركات والمؤسسات بصورة مباشرة ولإخفاء حقيقة كونهم أصحاب مؤسسات يبلغ رأسمال بعضها المليارات من الدولارات ، فإن أمراء آل سعود غالبا ما ينتدبون بعض رجال الأعمال من أنسابهم أو المقربين منهم لإدارة شركاتهم ومؤسساتهم المالية الضخمة .
وفي العادة ، ونظرا لكون أمراء آل سعود يسعون إلى الربح السهل والسريع ، فإنهم يبتعدون عن المشاريع الإنتاجية التي يمكن أن يستفيد منها شعب الجزيرة العربية ، ويتجهون بدلا من ذلك نحو الأعمال في قطاع الخدمات والبنوك والمشاريع السياحية ومرابع الليل ونوادي القمار في أوروبا وأميركا .
وبينما يتفرغ أمراء آل سعود لمهامهم الأساسية المتمثلة في بناء القصور وتوفير وسائل الرفاهية والبذخ ، والرحلات السياحية إلى المنتجعات الأوروبية والأميركية ، فان أعمالهم الضخمة ومشاريعهم تدار بواسطة أنسابهم وموظفيهم الكبار لتدر عليهم أرباحا خيالية ، تضاف إلى رؤوس أموالهم الضخمة ، غير أن الشعب السعودي يظل مستبعدا من مشاريعهم وأرباحهم ، ويكتفي بمراقبة مظاهر الثروة الفاحشة والإسراف الذي يميز حياة أمراء آل سعود .
إحدى القنوات الهامة التي يتدفق من خلالها مئات الملايين الإضافية من الدولارات إلى جيوب أمراء آل سعود تتمثل في التدخل كوسطاء أو سماسرة لتمرير الصفقات والمشاريع الكبرى في المملكة ، سواء في مجال الإنشاءات المدنية والصناعية لصالح الشركات الأجنبية أو في مجال الصفقات التجارية والعسكرية لصالح المملكة من أوروبا وأميركا ، وقد أصبح من المتعارف عليه لدى الشركات الأجنبية أن الأمير الذي يسهل تمرير المشروع أو الصفقة يتقاضى عمولة بحدود 5 بالمائة من إجمالي توظيفات المشروع الجديد أو من قيمة الصفقة التي يتم إبرامها مع المملكة .
وتزداد نسبة العمولة إذا كانت الصفقة عسكرية ، وتنطوي على توريد أسلحة إلى المملكة لا تتناسب مع احتياجاتها الأمنية ، أو لا تناسب طبيعتها الجغرافية حيث ترتفع عمولة الأمير في مثل تلك الحالات إلى حدود 20 بالمائة من القيمة الإجمالية للصفقة .
وقد أثيرت فضيحة كبرى في عام 1981 عندما سربت إحدى وسائل الإعلام الغربية نبأ تقاضي أحد الأمراء السعوديين عمولة بلغت 500 مليون دولار لتسهيل توقيع عقد بين حكومة آل سعود وإحدى الشركات الأجنبية لصناعة الأسلحة .
قناة إضافية من القنوات المالية التي تصب في جيوب أمراء آل سعود تتمثل في المضاربات العقارية والإستيلاء على الأراضي العامة ، فلقد أثارت الفورة النفطية موجة عاتية من المضاربات العقارية ولدت ثروات ضخمة فقد ارتفعت قيمة الأراضي بصورة جنونية خلال الربع الأخير من القرن الماضي وتشير المعلومات إلى أن أسعار الأراضي ضربت بثلاثمائة وأحيانا بخمسائة ، وكان الأمراء والعائلة المالكة هم المستفيدون الأساسيون من هذه الطفرة الهائلة في أسعار الأراضي ، فالأراضي العامة في مملكة آل سعود تعتبر ملكا للعائلة المالكة ، وأعوانها ممن وزعت عليهم أجزاء من أراضي الشعب في جزيرة العرب .
لقد جني أمراء آل سعود عشرات المليارات من بيع الأراضي التي وزعتها عليهم الدولة بالمجان أو اشتروها بأسعار رمزية بخسة ، وأمام تزايد غضب الشعب لاستيلاء الأمراء على الأراضي العامة فقد أعلن آل سعود عن نيتهم توزيع (44300 ) قطعة ارض على من لا يملكون الأراضي في المملكة ، غير أن أمراء آل سعود سارعوا إلى الإستيلاء على تلك القطع من الأراضي وتقاسموها فيما بينهم وباشروا ببيعها بأسعار خيالية لرجال الأعمال والمستثمرين الأجانب .
وفي حقيقة الأمر ، فإن أمراء آل سعود أصبحوا مؤخرا أكثر حذرا في عملية نهب الشعب السعودي ، وباتوا يتبعون وسائل أقل استفزازا للشعب للإستيلاء على ثرواته ومقدراته ، ولكن هذا لا يعني أنهم أصبحوا أقل طمعا أو أكثر ورعا ، بل هم يواصلون نشاطاتهم في مختلف الحقول للحصول على حصة الأسد من عائدات النفط ومقدرات الشعب في جزيرة العرب .
فإذا كانت العائلة تتقاضى القسم الأكبر من ثمن كل برميل نفط يتم استخراجه من أراضي جزيرة العرب ، فإن الأمراء الصغار ، وبعضهم درس في أوروبا وأميركا يتقنون أساليب الاحتيال والوصول إلى الأموال العامة بأساليب اكثر مكرا ودهاء من أسلافهم ، موظفين لذلك خبراتهم المكتسبة من دراساتهم ومعايشتهم للمجتمعات الرأسمالية الغربية وأنماط العلاقات الاقتصادية فيها .
من الأساليب المبتكرة التي يلجأ إليها أمراء آل سعود ، الإعلان عن بيع كميات كبيرة من النفط بأسعار رمزية لبعض الدول الفقيرة ، وذلك لتلاقي احتجاجات منظمة أوبك ، ولإعطاء انطباع حسن حول التوجيهات الإنسانية والخيرية لآل سعود ، لكن تلك الكميات من النفط ما أن تغادر موانئ السعودية حتى تغير طريقها لتباع بأسعار مرتفعة في السوق السوداء ، ويعود فارق أسعارها المقدر بمئات الملايين من الدولارات إلى جيوب الأمراء السعوديين .
السؤال الذي يدور على ألسنة الناس في شبه جزيرة العرب ، والذين باتوا مطلعين على أساليب الإحتيال و الإبتزاز والرشاوى التي يجني من خلالها الأمراء السعوديون مليارات الدولارات ، ذلك السؤال هو : إذا كان آل سعود يزعمون أن حكمهم يقوم على أساس ديني كحماة للمذهب الوهابي ، فما هي الحدود بين الحلال والحرام في سلوك هؤلاء الأمراء ؟ ما الذي يميز العمولة التي يحلها آل سعود لأنفسهم عن الرشوة التي يحرمها الإسلام ؟ ما هي العلاقة بين حياة الاستقامة والتقشف التي يحض عليها المذهب الوهابي المتشدد ، وبين حياة الترف والمجون التي يعيشها آل سعود وأعوانهم وأنسابهم ؟ .
لكن هذه الأسئلة وغيرها لا تثير لدى الأمراء الجدد من آل سعود غير السخرية والتهكم فمثل هذه الأعمال وغيرها مما يقع في مجال الإحتيال واستغلال النفوذ والابتزاز والإستيلاء على الأموال والأملاك العامة ، كلها تقع لدى أمراء آل سعود في مجال إدارة الأعمال " البزنس " كما هو الحال في الغرب .
|